إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الحديث > مقال بعنوان: “إنْ أذَّن مؤذِّن طلوع الفجر وبيدك طعام أو شراب فواصلت الأكل والشُّرب فقد فسد صومك عند عامة أهل العلم الأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم “.

مقال بعنوان: “إنْ أذَّن مؤذِّن طلوع الفجر وبيدك طعام أو شراب فواصلت الأكل والشُّرب فقد فسد صومك عند عامة أهل العلم الأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم “.

  • 19 مايو 2019
  • 3٬154
  • إدارة الموقع

إنْ أذَّن مؤذِّن طلوع الفجر وبيدك طعام أو شراب فواصلت الأكل والشُّرب فقد فسد صومك عند عامة أهل العلم الأئمة الأربعة والظاهرية وغيرهم

الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد الصادق الأمين, وعلى آله وصحابته أجمعين.

وبعد، أيُّها الفُضلاء النُّبلاء ــ سدَّدكم الله وزادكم علمًا وعملًاــ:

فإنَّ حَدَّ انتهاءِ الأكل والشُّرب لِمُريد الصوم هو:

شُروع المؤذِّن في الأذان إذا كان يُؤذِّن لطلوع الفجر“.

فإذا سَمِع مَن نَوى الصيام أذانَ مِن كانت هذه حالته وجَبَ عليه أنْ يَتوقفَ عن الأكل والشُّرب، ويَلفِظَ ما في فمِه مِن طعام وشراب وإلا فسَد صومه.

وإلى هذا ذهب عامَّة الفقهاء، الأئمة الأربعة، والظاهرية، وغيرهم.

بل ذَكَر الفقيهان ابن بَطَّال المالكي في “شرح صحيح البخاري” (2/ 249)، والنَّووي الشافعي في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (6/ 333)، ــ رحمهما الله ــ، وغيرهما مِن الفقهاء:

«أنَّه لا خِلاف بين العلماء في أنَّ مَن طلَع عليه الفجر وهو يأكل، أنَّه يُلْقِ ما في فَمِه».

وقال الإمام ابن قيِّم الجَوزيَّة ــ رحمه الله ــ في كتابه “تهذيب سُنن أبي داود” ” (6/341 ــ عند حديث: 2347 ــ بهامش: “عون المعبود”):

«وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامَّةِ فقهاء الأمصار، ورُوي معناه عن عمر، وابن عباس».اهـ

قلت:

وذلك لِمَا صحَّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ )).

أخرجه البخاري (2656 و 622 و 617 و 1918)، ومسلم (1092)، مِن حديث عائشة، وابن عمر، ــ رضي الله عنهم ــ.

وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ في شرح “عُمدة الفقه” (1/ 526 ــ قسم الصيام ــ عند حديث رقم: 557)، في بيان وجْه الاستدلال مِن هذا الحديث:

«فقد أجاز صلى الله عليه وسلم الأكل إلى حين يُؤذِّن ابن أمِّ مَكتوم، مع قوله: (( إنَّهُ لا يُؤَذِنُ حتَّى يَطْلُعَ الفَجْر )).

ومعلومٌ أنَّ مَن أكلَ حين تأذينه، فقد أكل بعد طلوع الفجر، لأنَّه لابُدَّ أنْ يَتأخَّر تأذينه عن طلوع الفجر، ولو لحظة».اهـ

ويؤكِّد هذا أيضًا:

قول النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ )).

أخرجه البخاري (621 و 5298 و 7247)، ومسلم (1093)، مِن حديث ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ.

حيث دَلَّ على:

اعتبار الأذان في الإمساك عن الطعام والشَّراب لِمَن نَوى الصيام، إلا إنَّه ليس أذان بلال، وإنَّما الأذان الذي يَعْقُبه عند طلوع الفجر الصادق.

ودَلَّ عليه أيضًا:

قول الله ــ جلَّ وعزَّ ــ في آيات الصيام مِن سورة البقرة: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ }.

و { حَتَّى } حَرْفٌ يَدُلُّ على انتهاء الغاية الزَّمِنيِّة.

فدلَّت الآية على:

أنَّ حَدَّ التوقُّف عن الأكل والشُّرب يكون بطلوع الفجر.

وصريحُ هذه الأدلَّة يَشمل مَن كان في يَده أو بحضرته طعام وشراب حال الأذان، ومَن ليس كذلك.

وأمَّا حديث:

(( إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلاَ يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ مِنْهُ )).

فهو حديث معلولٌ مِن جهتين:

الجهة الأولى: مِن جهة الإسناد.

حيث اختُلِف على حمَّاد بن سلَمة ــ رحمه الله ــ في وقفه، ورفعه، وإرساله، وقطعه.

1 ــ فرواه:

رَوح بن عُبادة، وعبد الأعلى بن حمَّاد، وعفَّان، وغسَّان، وعبد الواحد بن غِياث، وعُبيد الله، والعباس، جميعًا:

عن حمَّاد بن سلَمة، عن محمد بن عمرو الليثِي، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذَكره.

يعني: مرفوعًا.

ومحمد بن عمرو ــ مُختَلَفٌ فيه.

وقد أخرجه أحمد (10629 و 9474)، وأبو داود (2352)، وابن جَرير الطبري في “تفسيره” (3015)، والحاكم (729 و 740 و 1552).

وهو أيضًا في:

“مجموع فيه مُصنَّفات أبي الحسن ابن الحمامي، وأجزاء حديثية أُخْرى” (585ـ54)، و “الفوائد المنتقاة مِن الجُزء الأوَّل مِن حديث ابن أبي صابر” (2).

2 ــ ورواه:

رَوح بن عُبادة، عن حمَّاد بن سلَمة، عن عمَّار ابن أبي عمَّار، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.

يعني: مرفوعًا.

وقد أخرجه أحمد (10630)، وابن جَرير الطبري في “تفسيره” (3016)، والحاكم (740).

3 ــ ورواه:

حمَّاد بن سلَمة موقوفًا على أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ.

حيث قال الإمام أبو حاتم الرازي ــ رحمه الله ــ، كما في كتاب “العِلل” (2/ 235-236 ــ سؤال رقم: 340 و 3/ 137-138 ــ سؤال رقم:759)، حين سأله ابنه الحافظ عبد الرحمن ــ رحمه الله ــ بعد أنْ ضعَّف المرفوع:

“أمَّا حديث عمَّار: فعن أبي هريرة موقوف”.اهـ

وقال ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (4/ 371):

“ومِن طريق حماد بن سلَمة: ثنا حُميد، عن أبي رافع أو غيره، عن أبي هريرة: (( أَنَّهُ سَمِعَ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَقَالَ: أَحْرَزْتُهَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ))“.اهـ

4 ــ ورواه:

حمَّاد بن سلَمة، عن يونس، عن الحسن عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.

يعني: مُرْسَلًا.

أخرجه أحمد (9474)، والبيهقي في “الخلافيات” (2/ 48 ــ رقم: 1120).

5 ــ ورواه:

عبد الأعلى، عن حمَّاد بن سلَمة، عن هشام، عن أبيه، أنَّه كانَ يقول لَهم: (( إذا سمعَ أحدُكم النِّداءَ والإناءُ على يَديهِ فلا يضعْه حتى يَقضيَ  حاجتَه مِنه، وكانَ يأمرُ بَنيهِ بِه )).

يعني: مقطوعًا.

وهو مُخرَّج في “مجموع فيه مُصنَّفات أبي الحسن ابن الحمامي، وأجزاء حديثية أُخْرى” (577ـ26).

وهذا الحديث قد ضعَّفه:

الإمام والمُحدِّث الكبير أبو حاتم الرازي ــ رحمه الله ــ، كما في كتاب “العِلل” (2/ 235-236 ــ سؤال رقم: 340 و 3/ 137-138 ــ سؤال رقم:759)، لابنه الحافظ عبد الرحمن ــ رحمه الله ــ.

وأبو حاتم الرازي مِن أئمَّة الحديث الأوائل، وكِبار أئمَّة الجرح والتعديل والعِلل.

حيث قال ابنه عبد الرحمن ــ رحمه الله ــ:

«وسألت أَبِي:

عن حديثٍ: رواه رَوح بن عُبادة، عن حمَّاد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلَمة، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ فَلاَ يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ )).

قلت لأَبِي:

ورَوَى رَوح أيضًا عن حمَّاد، عن عمَّار بن أَبِي عمَّار، عن أبي هريرة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، مِثلَه، وزاد فيه: (( وَكَانَ المُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ إذا بَزَغَ الفَجْرُ )).

قَالَ أَبِي: هذان الحديثان لَيْسَا بِصَحِيحَين.

أمَّا حديث عمَّار: فعن أبي هريرة موقوف، وعمَّارٌ ثقة، والحديث الآخَر: ليس بِصَحِيح».اهـ

وذَكره العلامة المُحدِّث مقبل بن هادي الوادعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “أحاديث مُعَلَّة ظاهرها الصِّحة” (ص:364 ــ حديث رقم: 468)، ونَقل عقبه كلام الإمام أبي حاتم الرازي ــ رحمه الله ــ.

الجهة الثانية: مِن جهة المَتن.

لأنَّه مُخالف لِصَريح آية سورة البقرة، وصَريح ما هو أصحُّ مِنه مِن الأحاديث وأشهر، وخرَّجها البخاري ومسلم في “صحيحيهما”، كحديث ابن مسعود، وأمِّ المؤمنين عائشة، وابن عمر ــ رضي الله عنهم ــ.

حيث تُفيد أنَّ حَدَّ الانتهاء لِمَن نَوى الصيام وبيده طعام أو شراب هو تَبَيُّن الفجر.

وهذا المعنى يُؤثِّر عند أهل العلم مع صِحّة الإسناد، فكيف إذا كان الإسناد أيضًا معلولًا.

ولم أقف حتى الآن على نَصٍّ عن أحدٍ مِن أئمة الحديث المتقدِّمين الأوائل في تصحيح هذا الحديث.

بل فِقه عامِّتهم على خلافه، وأنَّه يجب التوقُّف عن الأكل والشُّرب ولفظُ ما في الفَم مِنهما بمجرَّد سماع الأذان.

وهذا الفِقه مِنهم ــ رحمهم الله ــ يُشير أيضًا إلى عدم اعتبار هذا الحديث عندهم، وأنَّه معلول لا يَثبت، أو محمولٌ على مَن يقع أذانه قبل طلوع الفجر.

حيث قال الحافظ البيهقي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “السُّنن الكبري” (4/ 218 ــ عند حديث رقم:8277-8279) وغيره، حيث قال بعد هذا الحديث:

«وهذا إنْ صحَّ فهو محمولٌ عند عوامِّ أهل العلم:

على أنَّه صلى الله عليه وسلم عَلِم أنَّ المُنادي كان يُنادي قبْل طلوع الفجر، بحيث يَقع شُربُه قُبَيل طلوع الفجر

وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ )) خبَرًا عن النِّداء الأوَّل.

ليكون موافقًا لِمَا:

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ،….، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سُحُورِهِ، فَإِنَّمَا يُنَادِى لِيُوقِظَ نَائِمَكُمْ وَيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ ))، رواه مسلم في “الصَّحيح” عن إسحاق بن إبراهيم.

وأخرجه البخاري مِن أوجْه أُخَر، عن التَّيمي.

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ،….، عن نافع، عن ابن عمر، وعن القاسم، عن عائشة ــ رضي الله عنهما ــ قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ))، رواه البخاري في “الصَّحيح” عن عُبيد بن إسماعيل.

ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أسامة،…

فإنْ صحَّ فكأنَّ ابن أمِّ مكتوم وقع تأذينه قبْل الفجر، فلم يَمتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن الأكل.

وعلى هذا الذي ذَكرنا تتفِق الأخبار، ولا تَختلف، وبالله التوفيق».اهـ

ولَمَّا ذَكر الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ هذا الحديث، وغيره، في كتابه “المُحلَّى” (4/ 369-370) قال عقبها:

«هذا كله على أنَّه لم يَكن يتبيَّن لَهم الفجر بعد، فبهذا تتفق السُّنن مع القرآن».اهـ

تنبيــــه:

وحتى لا يُعترَض على قولِي السابق:

«ولم أقِف حتى الآن على نَصٍّ عن أحدٍ مِن أئمة الحديث المُتقدِّمين الأوائل في تصحيح هذا الحديث».

بتصحيح الحافظ أبي عبد الله الحاكم ــ رحمه الله ــ له في كتابه “المستدرك”.

فأقول:

إنَّه تصحيح مِن مُتأخِّر، ومُتساهل أيضًا في التصحيح شديدًا، حتى إنَّه يُصحِّح في “مستدركه” أسانيد أحاديث كثيرة جدًّا ما بين موضوعة، وواهية، وضعيفة جدًّا، وضعيفه.

وكذلك أيضًا:

ما أخرجه الإمام أحمد ــ رحمه الله ــ في “المسند” (14755)، فقال:

حدثنا موسى، حدثنا ابن لَهيعة، عن أبي الزُّبير، قال: سألت جابرًا: عن الرَّجل يُريُد الصيام والإناء على يَده لِيَشْرَب مِنه، فَيَسْمَع النِّداء، قال جابر: (( كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “لِيَشْرَبْ” )).

معلول أيضًا مِن جِهة الإسناد، ومِن جِهة المَتن.

أمَّا الإسناد، فضَعْفه مِن أجْل ابن لَهيعة، إذ هو سَيء الحفظ.

وأمَّا المتن، فلأنَّه مُخالف لِصَريح آية سورة البقرة، وصَريح ما هو أصحُّ مِنه مِن الأحاديث وأشهر، وخرَّجها البخاري ومسلم في “صحيحيهما”، كحديث ابن مسعود، وأمِّ المؤمنين عائشة، وابن عمر ــ رضي الله عنهم ــ.

حيث تُفيد أنَّ حَدَّ الانتهاء لِمَن نَوى الصيام وبيده طعام أو شراب هو تَبَيُّن الفجر وطلوعه.

وكتبه:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.