إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة جمعة بعنوان: (فضل شهر الله المحرم وحكم تخصيص آخر العام ببعض العبادات والاحتفالات وما يحصل فيه من رسائل )

خطبة جمعة بعنوان: (فضل شهر الله المحرم وحكم تخصيص آخر العام ببعض العبادات والاحتفالات وما يحصل فيه من رسائل )

  • 18 أكتوبر 2014
  • 1٬492
  • إدارة الموقع

فضل شهر الله المحرم وحكم تخصيص آخر العام ببعض العبادات والاحتفالات وما يحصل فيه مِن رسائل

 ( الخطبة الموسعة)

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــ

الحمد لله منشئ الأيام والشهور، ومفني الأعوام والدهور، ومقلب الليل والنهار، ويديل الأيام بين عباده، عبرة لذوي العقول والأبصار، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، الشافع المشفع، الذي عمر سنينه وشهوره وأيامه بطاعة ربه ومولاه، وعلى آل بيته وأصحابه، ما تكرَّرت الأعوام والساعات، وتعاقب الليل مع النهار.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله تعالى حق تقاته، واعلموا أن تقواكم إنما تتحقق بامتثالكم لأوامره، واجتنابكم لما نهى عنه وزجر، وتوددكم إليه بالإكثار مِن الصالحات، والمسارعة إلى الطاعات إلى حين ساعة الاحتضار والممات، وبهذا تُنال مغفرته وعفوه ورحمته، ويحصل الفوز بثوابه ونعيمه، ويكون العبد مِن المفلحين، وقد قال تعالى آمرًا لكم وزاجرًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.

وتبصروا في هذه الأيام والشهور والأعوام، وكيف تصرمت يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وشهرًا بعد شهر، وعامًا بعد عام، ونحن في غفلة كبيرة عن الآخرة، وتنافس شديد على الدنيا العاجلة، وضعف في الإقبال على الله والإنابة إليه، وتقصير في الأعمال الصالحة، وتقليل مِن الحسنات الزاكية، وإكثار للسيئات المهلكة.

أيها الناس:

إنكم قد دخلتم في أحد الأشهر الأربعة الحرم، ألا وهو شهر الله المحرم، الشهر الذي شرَّفه الله وفضله، وأضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله وعظَّمه، فاستدركوا فيه ما وقع مِن تقصير فيما مضى مِن العمر بالإكثار مِن الصيام فيه، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ )).

بل إن صيام يوم العاشر منه يُكفِّر ذنوب سَنة كاملة، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ )).

واحذروا ـ سلَّمكم الله وسددكم ـ أن تظلموا أنفسكم في هذا الشهر وغيره مِن الأشهر الحرم بالسيئات والخطايا، فقد زجركم ربكم عن ذلك، فقال سبحانه: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

وإن السيئات مِن البدع والمعاصي تعظُم وتتغلَّظ إذا فُعلت في زمان فاضل كالأشهر الحرم، ورمضان، وأيام عشر ذي الحجة، أو مكان فاضل كمكة.

وقد ثبت عن التابعي قتادة ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( إِنَّ الظُّلْمَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهُ )).

أيها الناس:

هذه ثلاث وقفات نافعات مهمات، يجدر بالمسلم – سدَّده الله وفقهه – أن يتنبه لها، ويفقه حكمها، ويتبصَّر بواقع الناس اليوم معها.

الوقفة الأولى / عن بداية العمل بالتأريخ الهجري.

قال الإمام العُثيمين ـ رحمه لله ـ: ولم يكن التاريخ السَّنوي معمولًا به في أوَّل الإسلام حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ واتسعت رَقعة الإسلام، واحتاج الناس إلى التأريخ في أُعْطِياتهم وغيرها، ففي السَّنة الثالثة أو الرابعة مِن خلافته ـ رضي الله عنه ـ كتب إليه أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ: “إنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ”، فجمع عمر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فاستشارهم، فقال بعضهم: أرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكها، كلما هلك ملك أرِّخوا بولاية مَن بعده، فكَرِه الصحابة ذلك، فقال بعضهم: أرِّخوا بتاريخ الروم، فكرهوا ذلك أيضًا، فقال بعضهم: أرِّخوا مِن مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: مِن مبعثه، وقال آخرون: مِن هجرته، فقال عمر: “الهجرة فرَّقت بين الحق والباطل فأَرِّخُوا بها “، فأرَّخوا مِن الهجرة، واتفقوا على ذلك، ثم  تشاوروا مِن أيِّ شهر يكون ابتداء السَّنَة، فقال بعضهم: مِن رمضان، لأنه الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، وقال بعضهم: مِن ربيعٍ الأول، لأنه الشهر الذي قدِم فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرًا، واختار عمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ أن يكون مِن المحرَّم، لأنه شهر حرام يلي شهر ذي الحجة، الذي يؤدي المسلمون فيه حجَّهم الذي به تمام أركان دينهم، والذي كانت فيه بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم، والعزيمة على الهجرة، فكان ابتداء السَّنَة الإسلامية الهجرية مِن الشهر المُحرَّم الحرام.اهـ

الوقفة الثانية / عن بعض المحرمات التي تقع مِن الناس عند قرب دخول العام الهجري الجديد أو دخوله.

ومِن هذه المحرمات:

الاحتفال في المساجد أو البيوت أو غيرها مِن الأماكن بِذِكْرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مِن مكة إلى المدينة.

والمحتفل بهذه الذِّكرى لا يسير على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو مشاق لها ومخالف، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحتفل، ولا حثَّ أمته ودعاهم إلى الاحتفال.

المحتفل بهذه الذكرى لا يسير على هَدْي السلف الصالح مِن أهل القرون الأولى، وعلى رأسهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، لأنهم لم يحتفلوا، ولا دعوا مَن في عهدهم ولا مَن بعدهم إلى الاحتفال.

المحتفل بهذه الذكرى لا يسير على طريق الأئمة الأربعة، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ـ رحمهم الله ـ ولا غيرهم مِن أئمة الإسلام الأوائل، ولا يُتابعهم، لأنهم لم يحتفلوا، ولا دعوا أحدًا إلى الاحتفال.

والعلماء العارفون بنصوص القرآن والسُّنَّة يحكمون على ما كان هذا حاله مِن الأمور بأنه بدعة، والبدعة مِن أشدِّ المحرمات، وأغلظها جُرمًا، لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُحذِّر منها في خطبه فيقول: (( وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ )).

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للناس في خطبته الوداعية محذرًا: (( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ )).

وثبت عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،أَلَا وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ )).

ولا ريب عند الجميع بأن ما وُصِف بأنه شرٌّ، وأنه ضلالة، وتُوعِّد عليه بالنار، يدخل في شديد وغليظ المحرمات.

واعلموا – سددكم الله – أن المحتفل بهذه الذكرى متشبِّه بصنفين مِن الناس:

الصنف الأول: أهل الكفر بجميع مِللهم ونِحلهم، فهم مَن جرت عادتهم على الاحتفال بالحوادث، ووقائع الأيام، وتغيُّرات الأحوال.

الصنف الثاني: أهل الضلال والانحراف مِن الباطنية والرافضة وأضرابهم، فهم مَن أحدث هذا الاحتفال وغيره مِن الاحتفالات في بلاد المسلمين.

وقد ذكر الفقيه الشافعي والمؤرخ المصري المشهور بالمَقْرِيزي – رحمه الله – في كتابه “الخِطَط”:

أن الاحتفال برأس السَّنة الهجرية كان مِن جُملة احتفالات الدولة العبيدية الباطنية الإسماعيلية الرافضية الخارجية التي استولت على بلاد المغرب ومصر، وفعلت بعلمائها ومؤذنيها وسكانها مِن الجرائم مالا يكاد يُوصف مِن القتل والتمثيل بالجثث وسَبي النساء، وأخذ الأموال، وإفساد الممتلكات وتخريبها وتحريقها، حتى إن مِن زعمائها مَن ادَّعى الربوبية، ومنهم مَن أظهر سبَّ الأنبياء والصحابة، وأمر بكَتْب سبِّ الصحابة على أبواب المساجد، ومنهم: مَن أمر بحرق مصاحف ومساجد أهل السُّنة.

بل قال عنهم مؤرخ المسلمين شمس الدين الذهبي الدمشقي الشافعي – رحمه الله – في كتابه “سير أعلام النبلاء” إنهم: قلبوا الإسلام، وأعلنوا الرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية.اهـ

ثم نقل عن القاضي عياض المالكي – رحمه الله – أنه قال في شأنهم: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة.اهـ

ولا ريب أن التشبه بهذين الصنفين في الاحتفالات وغيرها شرٌّ على فاعله، وخسارة له وبوار، لِما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ )).

ولا ريب أنه لا يرضى مُحب للسُّنة النبوية، وللنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: أن يكون هؤلاء القوم، ومَن هذه فِعالهم وأحوالهم، وهذا تاريخهم، وهذه سيرتهم، قدوة له وسلفًا في أيِّ أمر.

وإننا – بحمد الله وفضله علينا – في باب الاحتفال بهذه الذِّكرى وغيرها سنتشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وغيرهم مِن أهل القرون الأولى المفضلة، فنتركه ونهجره كما تركوه ولم يفعلوه، عسى أن نُلحق بهم، ولن نتشبَّه بأهل الكفر، ولا بأهل الضلال والانحراف مِن الباطنية الإسماعيلية الرافضية الخارجية.

ثم إن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لِمن له عقلٌ وإدراك لم تكن في شهر الله المُحرَّم، ولا في أوَّل يوم منه، وإنما كانت في شهر ربيع الأوَّل كما ذكر أهل التأريخ والسِّير، والذي وقع مِن الصحابة إنما هو تحديد السِّنين الإسلامية بسَنة الهجرة، بجعلها أوَّل السنين، وليس التحديد بيوم الهجرة، وأنه هو أوَّل أيام السَّنة.

ومِن هذه المحرمات:

تخصيص آخر أو أوَّل جمعة مِن العام بمزيد مِن العبادات والطاعات، أو تخصيص آخِر يوم مِن العام أو أوَّل يوم منه بدعاء يسمى دعاء آخِر العام أو دعاء أوَّل السَّنة، يُدعى به  في آخر سجدة أو بعد الركوع مِن آخر صلاة في العام المنصرم أو أوَّل صلاة في العام الجديد، وقد يُدعى بهذا الدعاء في أماكن الاحتفال بذكرى الهجرة أو يتناقله الجاهلون بأحكام الشريعة عبر مواقع الإنترنت، أو رسائل الجوال، أو الوتس آب، أو الفيس بوك، أو التلغرام، أو السناب شات، أو غيرها مِن برامج التواصل .

ولا ريب في حُرمة هذا التخصيص إذ لم يأت له ذِكر لا في القرآن ولا في السُّنة النبوية، ولم يفعله أهل القرون الأولى، وعلى رأسهم الصحابة – رضي الله عنهم ـ، ولا قرَّره أئمة المذاهب الأربعة، ومَن في أزمنتهم مِن أئمة أهل الفقه والحديث، ولو كان فِعله مما يحبه الله ورسوله، ويَحسُن بالمسلم فِعله، وله فيه الأجر والثواب، لكانوا مِن أوائل مَن يفعله، ومِن السَّبَّاقين إليه، والناشرين له.

وبارك الله لكم فيما سمعتم، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــ

الحمد لله الذي أوجب على عباده النُّصح في العبادات والمعاملات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي بلَّغ شريعة ربه إلى الخلق كاملة، وعلى آله وأصحابه السائرين على هديه وسُنَّته.

أما بعد، أيها الناس:

فلا يزال الحديث معكم متواصلًا عن بعض ما يقع في آخر العام مِن محرمات وضلالات، فأقول مستعينًا بالله: 

 الوقفة الثالثة / حول ما يتناقله بعض الناس في آخر السَّنة عبر رسائل الجوال أو الوتس آب أو الفيس بوك أو التلغرام أو السناب شات أو مواقع الإنترنت فيها هذا القول: ” احرص على أن تُطوى صحيفة أعمالك آخِر السَّنة: باستغفار وتوبة وعمل صالح ” ونحو هذه الكلمات.

وهذه الرسالة وما شابهها مما يحرم على المسلم والمسلمة إرساله وتناقله ونشره بين الناس، لأمور ثلاثة:

الأمر الأول: أن فيها دعوة للناس إلى تخصيص آخر العام بشيء مِن العبادات، وتخصيص زمن كيوم أو ليلة أو شهر بعبادة لم يرد تخصيصه بها في القرآن أو السُّنة النبوية الثابتة يُعتبر مِن البدع، والبدعة ضلالة وشر وفي النار بنصِّ الشريعة، ويعتبر إرسال هذه الرسالة مِن نشر البدع والضلالات بين الناس، وإحيائها، ودعوة الناس لفعلها، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مرهبًا: (( مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ )).

الأمر الثاني: أن القول بأن صحائف الأعمال تُطوى في آخر كل عام قول يحتاج صاحبه إلى دليل مِن القرآن أو صحيح السُّنة، إذ الطَّي مِن أمور الغيب، وإلا كان قائلًا على الله وفي دينه وشرعه بغير علم، والقول على الله بغير علم مِن كبائر الذنوب، وعظام الخطايا، فأين دليل مُرسل هذه الرسالة على هذا الطَّي، حتى يُسارع ويُسابق إلى إرسالها ونشرها مِن غير تروٍّ ولا مراجعة.

ثم إن التأريخ الهجري لم يوضع إلا في عهد عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فيا تُرى متى كانت تطوى صحائف أعمال مَن كان قبل وضعه؟.

الأمر الثالث: أن المقرَّر عند أهل العلم أن صحائف أعمال العبد إنما تُطوى بالموت، ولا تزال صحيفته يُكتب فيها ما عمل مِن خير أو شرٍّ حتى ينتهي أجله بالموت.

وقد قال الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب “تهذيب السنن”: وإذا انقضى الأجل رُفع عمل العمر كله، وطُويت صحيفة العمل.اهـ

هذا وأسأل الله الكريم أن يجنبني وإياكم الشرك والبدع، اللهم ارزقنا لزوم التوحيد والسُّنة  إلى الممات، وطهر أقوالنا وأسماعنا وجوارحنا عن كل ما يغضبك، واشرح صدورنا بالسُّنة والاتباع، وآمنا في مراكبنا ومساكننا ومساجدنا وأعمالنا وأسفارنا، وأصلح ولاتنا وأهلينا وأولادنا، وثبتنا في الحياة على طاعتك، وعند الممات على قول لا إله إلا الله، وفي القبور عند سؤال منكر ونكير، اللهم ليِّن قلوبنا قبل أن يُليِّنها الموت، واجعلها خاشعة لذكرك وما نزل مِن الحق، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، وأعذهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سميع الدعاء، و أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

——( الخطبة المختصرة )———

 

فضل شهر الله المحرم وحكم تخصيص آخر العام ببعض العبادات والاحتفالات والرسائل

الخطبة الأولى: ــــــــ

الحمد لله منشئ الأيام والشهور، ومفني الأعوام والدهور، ويديل الأيام بين عباده، عبرة لذوي العقول والأبصار، فأشهد أن لا إله إلا هو، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي عمر سنينه وشهوره وأيامه بطاعة ربه ومولاه، فغُفرت له جميع الذنوب والزلات، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وأصحابه الكرام.

أما بعد، أيها الناس:

اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتوددوا إليه بالمسارعة إلى الطاعات، والإكثار من الصالحات، ولوذوا بجنابه متذللين تائبين مستغفرين قبل دنو الأجل، وبلوغ الروح التراقي، وطي الكتاب، تنالوا مغفرته وعفوه ورحمته، وتفوزوا بثوابه ونعيمه، وتبصروا في هذه الأيام والشهور والأعوام، وكيف تصرمت يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، ونحن في غفلة كبيرة عن الآخرة، وتنافس شديد على الدنيا، وضعف في الإقبال على الله والإنابة إليه، وتقصير في الأعمال الصالحة، وتقليل من الحسنات، وإكثار من السيئات، ألا وإنه قد انصرم إلى غير رجعة عام من أيام بقائكم في الدنيا، فمن أودعه صالح العمل من قيام بالعبادات والحقوق والواجبات، وإحسان في المعاملات، وبعد عن الشركيات والبدع والمحرمات القولية والفعلية فالخير بشراه، ومن فرط فيه فملأه بالتهاون بالعبادات، والتقصير في الحقوق والواجبات، والإساءة في المعاملات، والتسويد بالشركيات والبدع والمحرمات، والإكثار من الذنوب والآثام فأحسن الله عزاه.

أيها الناس:

إنكم قد دخلتم في أحد الأشهر الأربعة الحُرم المعظمة، ألا وهو شهر الله المحرم، فاستدركوا فيه ما وقع من تقصير فيما مضى من العمر بالإكثار من الصيام فيه، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ ))، بل إن صيام يوم العاشر منه يكفر ذنوب سنة كاملة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ )).

واحذروا أن تظلموا أنفسكم فيه وفي غيره من الأشهر الحرم بالشركيات والبدع والمعاصي فقد زجركم ربكم عن ذلك فقال سبحانه: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }.

والسيئات تعظم وتتغلظ في كل زمان أو مكان فاضل، وقد ثبت عن قتادة ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( إِنَّ الظُّلْمَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْراً مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهُ )).

أيها الناس:

هذه وقفات مهمات يجدر بكم أن تتنبهوا لها، وتفقهوا حكمها، وتتبصروا بواقع الناس معها.

الوقفة الأولى / عن بداية العمل بالتأريخ الهجري.

قال العلامة العثيمين – رحمه الله -: لم يكن التاريخ السنوي معمولاً به في أول الإسلام حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ واتسعت رَقعة الإسلام، واحتاج الناس إلى التأريخ في أمور كثيرة، وفي السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته كتب إليه أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ: أنه يأتينا منك كتب ليس لها تأريخ، فجمع عمر الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فاستشارهم، فقال بعضهم: أرخوا من مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: من مبعثه، وقال آخرون: من هجرته، وقال آخرون غير ذلك، فقال عمر ـ رضي الله عنه ـ: الهجرة فرَّقت بين الحق والباطل فأَرِّخُوا بها، فأرَّخوا من الهجرة، ثم  تشاوروا من أي شهر يكون ابتداء السنة، فقال بعضهم: من رمضان، وقال بعضهم: من ربيعٍ الأول، واختار عمر وعثمان وعلي ـ رضي الله عنهم ـ أن يكون من شهر المحرم، فابتدءوا به السنة.اهـ

الوقفة الثانية / عن بعض المحرمات التي تقع من الناس عند قرب دخول العام الهجري الجديد أو حلوله.

ومن هذه المحرمات:

الاحتفال في المساجد أو البيوت أو غيرها من الأماكن بذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

وهذا الاحتفال لو فتَّش المؤمن عنه في القرآن فلن يجده، ولو فتَّش عنه في السُّنَّة النَّبويَّة فلن يجده، ولن يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا أحداً من أهل القرون الثَّلاثة الأولى قد فعله، ولو فتَّش عنه في كُتب الأئمَّة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد وتلاميذهم؛ فلن يجد له ذِكراً، ولن يجدهم قد فعلوه، ولا دَعَوا النَّاس إلى فعله، وقد  صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )) أي: من تقرب إلى الله بشيءٍ لم يأتِ في سنَّتنا فإنَّ تقربه هذا مردودٌ عليه غير مقبول منه.

والفقهاء يحكمون على ما كان هذا حاله من الأفعال بأنه بدعة، والبدعة ضلالة وشر وفي النار، بل من أشد المحرمات، وأغلظها جرماً، حي ثبت في الشرع: (( أنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ )).

واعلموا أن المحتفل بهذه الذكرى متشبه بصنفين من الناس:

الصنف الأول: أهل الكفر بجميع مللهم، فهم من جرت عادتهم على الاحتفال بالحوادث، ووقائع الأيام، وتغيرات الأحوال.

الصنف الثاني: أهل الضلال والانحراف من الباطنية والرافضة وأضرابهم، فهم من أحدث هذا الاحتفال وغيره من الاحتفالات في بلاد المسلمين.
وقد ذكر فقيه الشافعية ومؤرخ مصر المشهور بالمقريزي – رحمه الله – في كتابه “الخِطَط”: أن الاحتفال برأس السنة الهجرية كان من جملة احتفالات الدولة العبيدية الباطنية الإسماعيلية الرافضية الخارجية التي استولت على بلاد المغرب ومصر، وملأت الأرض من دماء أهل السنة، وقد قال عنهم القاضي عياض المالكي – رحمه الله -: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة.اهـ

ولا ريب أن التشبه بهذين الصنفين شرٌّ على فاعله في الدنيا والآخرة، وخسارة له وبوار، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ )).

ومن هذه المحرمات:

تخصيص آخر أو أوَّل جمعة من العام بمزيد من العبادات، أو تخصيص آخر أو أوَّل يوم من العام بدعاء يسمونه دعاء آخر العام أو دعاء أوَّل السَّنة، يُدعى به  في آخر سجدة أو بعد الركوع من آخر صلاة في العام المنصرم أو أوَّل صلاة في العام الجديد، وقد يُدعى بهذا الدعاء في أماكن الاحتفال بذكرى الهجرة أو يتناقله الجاهلون بأحكام الشريعة عبر رسائل الجوال أو الوتس آب أو الفيس بوك أو التلغرام أو السناب شات أو مواقع شبكة الإنترنت.

ولا ريب في حرمة هذا التخصيص إذ لم يأت له ذكر لا في القرآن ولا في السنة النبوية، ولم يفعله أهل القرون الأولى، وعلى رأسهم الصحابة – رضي الله عنهم ـ، ولا قرره أئمة المذاهب الأربعة ومن في أزمنتهم من أئمة أهل الفقه والحديث في كتبهم.

وما كان كذلك فهو عند أهل العلم والفقه من البدع، والبدع محرمة وضلالة وشر وفي النار، كماثبت في السُّنَّة، بل هي أشد من المعصية.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، نفعني الله وإياكم بما سمعتم، والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية: ــــــــ

الحمد لله الذي أوجب على عباده النصح في العبادات والمعاملات، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي بلَّغ شريعة ربه إلى الخلق كاملة، وعلى آله وأصحابه السائرين على هديه وسُنته.

أما بعد، أيها الناس:

فلا يزال الحديث معكم متواصلًا عن بعض ما يقع في آخر العام من محرمات، فأقول مستعيناً بالله ربي:

 الوقفة الثالثة / حول ما يتناقله بعض الناس في آخر السَّنة عبر رسائل الجوال أو الوتس آب أو الفيس بوك أو التلغرام أو السناب شات أو مواقع الإنترنت فيها هذا القول: (( احرص على أن تطوى صحيفة أعمالك آخر السنة: باستغفار وتوبة وعمل صالح )) ونحو هذه الكلمات.

وهذه الرسالة وأمثالها مما يحرم على المسلم أو المسلمة إرسالها وتناقلها ونشرها بين الناس، لأمرين:

الأمر الأول: أن فيها دعوة للناس إلى تخصيص آخر العام بشيء من العبادات، وتخصيص آخره بعبادة لم تأت في الشرع يُعتبر من البدع، والبدعة ضلالة وشر ومحرمة وفي النار، بنص الشريعة، وتُعتبر هذه الرسالة دعوة إلى إحياء البدع ونشرها بين الناس، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ )).

الأمر الثاني: أن القول بأن صحائف الأعمال تطوى في آخر العام قول لا دليل عليه، لا من القرآن ولا من السنة النبوية الثابتة، والمقرر عند أهل العلم أن صحائف أعمال العبد إنما تُطوى بالموت، ولا تزال صحيفته يُكتب فيها ما عمل من خير أو شر حتى ينتهي أجله.

هذا وأسأل الله أن يجنبنا الشرك والبدع، وأن يشرح صدورنا بالسنة والاتباع، اللهم ثبتنا في الحياة على طاعتك، وعند الموت على قول لا إله إلا الله، وفي القبور عند سؤال منكر ونكير، ويوم الحشر حين المرور على الصراط فلا تزِّل أقدامنا، اللهم قاتل النصيريين والحوثيين والخوارج ومن عاونهم وساندهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، ومزقهم في الأرض كل ممزق، واخذلهم في العالمين، وارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، وأعذنا وإياهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.