إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: ” أنواع رؤى المنام وشيء من أحكامها وفقهها ” ملف: [word] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” أنواع رؤى المنام وشيء من أحكامها وفقهها ” ملف: [word] مع نسخة الموقع.

  • 9 مارس 2023
  • 1٬508
  • إدارة الموقع

أنواع رُؤى المَنام وشيء مِن أحكامها وفقهها

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ العليِّ الأعلى، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ عالِمُ السِّرِ والنَّجوى، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صاحبُ الشفاعةِ العُظمى، فصَلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أهلِ النَّجابَةِ والتُّقى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فقد صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ )).

وفي هذا الحديثِ النَّبويِّ عدَّةُ فوائد:

الأُولى: أنَّ الزَّمانَ إذا اقترَبَ مِن قيامِ السَّاعة، فلا تكادُ رُؤيا مَنامِ المُؤمنِ تَكذِب، ويقعُ ما يَراه، لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ )).

الثانيةُ: أنَّ أصدقَ الناسِ حديثًا هُم مَن إذا رَأَوا رُؤيا مَنامٍ وقعَ ما رَأوه، لِقولِه صلى الله عليه وسلم: (( وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا )).

الثالثةُ: أنَّ رُؤيا المُسلمِ الصالحِ جزءٌ مِن خمسٍ أو سِتٍّ وأربعينَ جزءً مِن النُّبوةِ، وقد صحَّ أيضًا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ )).

الرابعةُ: ذِكرُ ثلاثةِ أنواعٍ مِمَّا يَراهُ الإنسانُ في منامِه مِن الرُّؤى.

النوعُ الأوَّلُ مِن الرُّؤى: رُؤيا مِن اللهِ، وهيَ: الرُّؤيا الصالحةُ الصادقةُ المُبشِّرةُ بالخير.

وهذا النوعُ مِن الرُّؤى، مِن المُبشِّرات، ولْيُبْشِرْ صاحِبها، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((«لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا المُبَشِّرَاتُ» قَالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» ))، وصحَّ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً، فَلْيُبْشِرْ ))، ومَن رَآها فليَحمَدِ اللهَ، ولا يُحدِّثُ بِها إلا مَن يُحِب، ولهُ أنْ يطلبَ تفسيرَها، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ ))، وقال صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا تُعْجِبُهُ، فَلْيَذْكُرْهَا، وَلْيُفَسِّرِها، وَإِذَا رَأَى الرُّؤْيَا تَسُوءُهُ، فَلَا يَذْكُرْهَا، وَلَا يُفَسِّرْهَا ))، وصحَّحهُ العلامةُ الألباني.

ومِن أمثلةِ هذهِ الرُّويا: قولُ اللهِ سبحانَهُ في شأنِ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأصحابِهِ: { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا }، وصحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ )).

ومِن أمثلتِها أيضًا: قولُ اللهِ سبحانه عن رُؤيا يوسفَ ــ عليه السلام ــ: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}، وقولهُ تعالى عن وقُوعِها: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا }.

ومِن أمثلتِها أيضًا: قولُ اللهِ سُبحانَهُ عن رُؤيا إبراهيمَ ــ عليه السلام ــ: {  فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ }.

النوعُ الثاني مِن الرُّؤى: رُؤيا تحزينٍ وتخويفٍ مِن الشيطانِ للعبدِ المؤمنِ، فيها ما يَكْرَهُ، وهي: الحُلْمُ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ ــ وفي لفظٍ: الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ )).

ومَن رَأى مِثلَ هذهِ الرُّؤيا، فلْيَستعِذْ باللهِ مِن شرِّها، ويَستعِذْ مِن الشيطانِ ثلاثًا، ويَبصُقْ ويَتفِلْ عن يسارِهِ ثلاثًا، ولا يُحدِّث بِها أحدًا، ويَتحوَّلْ عن جنبِهِ الذي نامَ عليهِ إلى الجَنب الثاني، أو يقومُ فيُصَلِّي، ولا يُفسِّرُها ولا يَطلبُ مِن أحدٍ تعبيرَها لَه، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ))، وصحَّ أنّه صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ))، وصحَّ أنَّه: (( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ، فَتَدَحْرَجَ، فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِلْأَعْرَابِيِّ: «لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ» ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ ))، وقال صلى الله عليه وسلم: (( إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا تُعْجِبُهُ، فَلْيَذْكُرْهَا، وَلْيُفَسِّرِها، وَإِذَا رَأَى الرُّؤْيَا تَسُوءُهُ، فَلَا يَذْكُرْهَا، وَلَا يُفَسِّرْهَا ))، وصحَّحهُ العلامةُ الألباني.

النوعُ الثالثُ مِن الرُّؤى: رُؤيا مِن حديثِ النَّفس، لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ ))، كأنْ يكونَ الإنسانُ مَهمومًا بشيءٍ في يَقضَتِهِ، أو يَشغَلَ تفكيرَهُ، فيَراهُ في منامِهِ، أو يَحصلَ لهُ شيءٌ كموقِفٍ مع أحدٍ، أو جوعٍ، أو غيرِ ذلكَ، فيَراهُ أو يَرى ما يدُلُّ عليه وهوَ نائم، وهذهِ الرُّؤيا لا يُلتفَتُ إليها، ولا يُشغِلُ الإنسانُ نفسَهُ بها.

واعلموا: أنَّ الرُّؤيا الصالحةَ، والرُؤيا التي تُكرَهُ، ورُؤيا حديثَ النَّفسِ، تَحصلُ بالليلِ وبالنَّهارِ، وقد صحَّ عن إمامِ أهلِ تعبيرِ الرُّؤى مِن التابعينَ تلامذةِ الصحابةِ محمد بنِ سِيرِينَ ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( رُؤْيَا النَّهَارِ مِثْلُ رُؤْيَا اللَّيْلِ ))، وصحَّ في غيرِ ما حديثٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد رَأى رُؤىً صالحةً صادقةً حقَّةً بالليلِ وفي النَّهار.

أيهُّا المسلمون:

إنَّ الرُّؤى في المَنامِ لا يُؤخَذُ مِنها أحكامٌ شرعية، بفعلِ عباداتٍ، أو ترْك عباداتٍ، أو سُقوطِ عباداتٍ، أو زيادَةِ عبادات، حتى ولو كانَ الذي رَآها مِن أولياءِ اللهِ الصالحين، وعِبادِهِ المُتَّقين، لأنَّ الأحكامَ الشرعيَّةَ بالنَّصِ والإجماعِ مقصورةٌ على القرآنِ الكريمِ، والأحاديثِ النَّبويَّةِ الصَّحيحة، وقد نقلَ القاضي عياضٌ المالِكيُّ ــ رحمه الله ــ: «اتفاقَ العلماءِ وإجماعَهُم على عدمِ اعتمادِ رُؤى المَنامِ في ذلك»، وقد وصَلَ الحالُ بعددٍ مِن غُلاةِ وكِبارِ ومشاهيرِ الصُّوفيةِ إلى أنْ أصبَحُوا لا يُصلُّونَ ولا يَصومُون، بزعَمِ أنَّهُم قد رَأوا رُؤىً مناميَّةً للهِ تعالى، أو رسولهِ صلى الله عليه وسلم، أسقَطا عنهُم فيها هذهِ العباداتِ وغيرِها، وما هيَ إلا رُؤَى مِن الشيطانِ الرَّجيم، وإلَّا فقد قال اللهُ سبحانهُ رادًّا باطلَهُم هذا، وآمِرًا جميعَ عبادِهِ: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }، وقال تعالى: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }، واليقينُ هوَ: الموتُ باتفاقِ العلماءِ وإجماعِهم.

أيهُّا المسلمون:

اتقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ حقَّ تقواهُ، واعلَموا: أنَّ مِن تقواهُ الواجبةِ عليكُم أنْ لا تَكذِبوا في الرُّؤى، بأنْ تُحدِّثوا الناسَ بِرُؤىً لم تَروها، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا، كُلِّفَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا، وَيُعَذَّبُ عَلَى ذَلِكَ )).

واعلَموا أيضًا: أنَّ الرُّؤى المناميَّةَ التي ظاهرُها خيرٌ تَسُرُ المُؤمنَ، ولا تَغُرُهُ، ولا تَخدَعُهُ، فيَغترَّ بنفسِهِ، أو برأيهِ، أو مكانتِهِ، أو عملِه، أو علمهِ، وقد قالَ المَرُّوْذِيِّ صاحبُ الإمامِ أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حنبل ــ رحمهما الله ــ: «أَدْخلتُ إِبْرَاهِيْمَ الحُصْرِيَّ ــ وَكَانَ رَجُلاً صَالِحًا ــ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي رَأَتْ لَكَ مَنَامًا، هُوَ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَتِ الجَنَّةَ، فَقَالَ ــ لهُ الإمامُ أحمد ــ: يَا أَخِي إِنَّ سَهْلَ بنَ سَلاَمَةَ كَانَ النَّاسُ يُخْبرُونَه بِمِثلِ هَذَا، وَخَرَجَ إِلَى سَفكِ الدِّمَاءِ» أي: كانت عاقبتُهُ إلى قتالِ المسلمينَ، والخروجِ على السلطان.

أيهُّا المسلمون:

لقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي ))، أي: مَن رَآهُ صلى الله عليه وسلم على صُورتهِ الحقيقيةِ التي كانَ عليها في حياتِه، وذُكِرتْ في الأحاديثِ النَّبويةِ الصَّحيحةِ، وآثارِ الصحابةِ الثابتةِ، وهذهِ الرُّؤيا لهُ صلى الله عليه وسلم، قد يَراها أيُّ مُسلِم، وليستْ مِيزانًا لِصلاحِ الرَّائِي، بل مِيزانُ صلاحِهِ وتقواهُ هوَ: العملُ الصالحُ، بلُزومِ التوحيدِ والسُّنةِ، واجتنابِ الشِّركِ والبدعةِ، والقيامِ بما أوجَبَ اللهُ، والتتميمِ بالسُّننِ النَّبوية، ولم يَكنْ مِن هدْيِ الصالحينَ وسِيرَتِهِم: أنَّهُم يُعلنونَ في المَلأ عبْرَ دُروسِهِم وخُطبِهم أنَّهُم رَأوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، خشيةً على أنفُسِهِم مِن الشيطانِ، والاغترارِ بالنَّفس، والتأثُّرِ بمدحِ وثناءِ الناسِ، والشُّهرةِ بينَهُم، وكَم رُؤيَ في الواقعِ، وقُرِئَ في التاريخِ، عن أُناسٍ زَعموا رُؤيةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في المَنامِ، وأنَّه أسقطَ عنهُم العباداتِ، أو شرعَ لهُم عباداتٍ جديدةٍ ليستْ في القرآنِ والسُّنة، وأخبَرَهُم بغيبياتٍ ستَحدُثُ في أوقاتٍ مُحدَّدةٍ، وجاءتْ هذهِ الأوقاتُ ولم يَحصلْ ما قالوا، وآلَتْ بِهم رُؤاهُم هذهِ إلى الخُروجِ على السُّلطانِ، واستحلالِ قتالِ المسلمين.

نفعَني اللهُ وإيَّاكُم بما سمعتُم، والحمدُ للهِ العزيزِ الحكيم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عبادِهِ الذينَ اصطفى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فقد جاءَ في حديثٍ حسَّنهُ جمْعٌ مِن العلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ ))، فاتقوا اللهَ سبحانَهُ ولا تُعبِّرُوا الرُّؤى وأنتُم لستُم مِن أهلِ المَعرفةِ الجيِّدَةِ بالتعبيرِ والتفسير، ودَلالاتِ الأشياءِ المرئيَّة، وقرائِنِها، وأحوالِ الرُّؤى والرَّائين، حتى لا تضُرُّوا الناسَ بتعبِيراتِكُم، ولا تَدخلوا في القولِ بِلا علمٍ، وتكونوا مِن الكاذبين، وكثيرٌ مِن الناسِ ــ وللأسفِ الشديدِ ــ ليسُوا مِن أهلِ تعبيرِ الرُّؤى، ولا يَعرِفونَ دَلالاتِ الأشياء، وقرائِنَ الأحوالِ، ولكنَّهُم يُفسِّرون عُمومَ الرَّؤى بوجْهٍ يكونُ فيهِ عظةٌ للرَّائِي، وتخويفٌ مِن اللهِ، أو بأنْ يتصدَّقَ، ويَفعلَ مِن الخيرِ كذا وكذا، وهذا مِنهُم يدخلُ في الكذِبِ، والغِشِ، والقولِ بغيرِ عِلمٍ ولا هُدَى.

اللهمَّ ثبِّت قلوبَنا على التوحيدِ والسُّنةِ إلى المَمات، وجنِّبنا الشِّركَ والبدعةَ، وارفعِ الضُّرَ عن المُتضرِّرِينَ مِن المسلمينَ في كلِ مكان، اللهمَّ اهدِنا لأحسنِ الأخلاقِ والأعمالِ لا يَهدِي لأحسنِها إلا أنت، واصرْفْ عنَّا سيِّئَها فلا يَصرِفُها إلا أنت، اللهمَّ سدِّدِ الولاةَ ونُوَّابَهم وجندَهم لِمرَاضِيكَ، وانصُرْ بِهم دِينَكَ، وأصلِحْ بِهِم عبادَكَ، واغفرْ لَنَا ولِجميعِ المسلمينَ، إنَّكَ يا ربَّنَا سميعُ الدُّعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.