إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” سلامة القلوب من الشحناء والغِلّ والحقد “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” سلامة القلوب من الشحناء والغِلّ والحقد “.

  • 15 أكتوبر 2016
  • 7٬768
  • إدارة الموقع

سلامة القلوب مِن الشحناء والغِلّ والحِقد

الخطبة الأولى:ـــــــــــــ

الحمد لله الذي افتُتح بحمده الكتاب، والحمد لله الذي يُنال بحمده الثواب، أحمده على ما مَنح فهو المُنعِم الوهاب، وأستغفره وأتوب إليه فهو غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، وأصلِّي وأسلَّم على عبده ورسوله محمد، أفضل عباده، وأكمل أحبابه، وعلى آله وأصحابه المُقتدين بِه في كل حالاته، والمسارعين إلى نشر سُننه وأحكامه وأيامه.

أمَّا بعد، فيا عباد الله:

اتقوا الله ــ جلَّ وعلا ــ بفعل ما يُصلِح قلوبكم، ويُنقِّي بواطنكم، وتقربوا إليه بِطِيب المقاصد، وحُسْن السرائر، وتطهير القلب عن كل خُلق رديء، وتجميله بسلامة الصدر مع المؤمنين، فبصلاح القلب تستقيم طاعات الجوارح القولية والفعلية على وفْق الكتاب والسُّنة وتُقبْل، وبفساده تفسُد، لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ )).

والقلب مَحلُّ نظر الله مِن عبده، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ )).

ويوم البعث والجزاء، يوم يُبعثر ما في القبور، ويُحصَّل ما في الصدور، فالقلب الذي زكَّاه صاحبه حتى أصبح سليمًا هو النافع حينها، لقول الله سبحانه: { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }.

وكان مِن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ )) (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ )) (( وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي )).

عباد الله:

احرصوا شديدًا على تنقية قلوبكم مِن الحِقد والغِلّ، وجاهدوا أنفسكم على إزالة الضغائن والشحناء، وأبعدوا عن أنفسكم الحسد وأخرجوه، فهي أمراض تُضعف إيمان القلب وصحَّته، وتُورِث الأوزار والهُموم، وتَجُرّ إلى ذنوبٍ كبائر، وتُتلف الأعصاب، وتَجلب الضيق والكَدر والأرَق، وتَزيد من الغضب، وقد صحَّ أنَّه قِيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ»، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ» )).

وإنَّه لا أرْوَح للمرء، ولا أطْرَد لِهمومه، ولا أقرّ لِعينه، مِن أنْ يعيش سليم القلب، قد فارقته أثقال الضَّغينة، وزالت عنه نِيران الأحقاد، وابتعد عنه سُمَّ الحسد وشَرره، وليس أمرَض للقلب، ولا أتلَف للأعصاب، ولا أشغل للذهن، ولا أوجع للنفس مِن أنْ يمتلئ القلب حقدًا، ويكتظَّ الصدر كُرهًا، وينتفخَ صاحبه نُفرةً وشحناء، وقد جاء بسندٍ صحَّحه جماعة مِن أهل العلم أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (( يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ )).

فتَبِعَه عبد الله بنُ عمرو بنٍ العاص ــ رضي الله عنهما ــ وطلب مِنه أنْ يُؤويَه ثلاثًا ففَعل، فلما مضت الثلاث ليال، قال له عبد الله: (( سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ثَلَاثَ مِرَارٍ: يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ )).

وثبت إلى زيد بن أسلم ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( دُخِلَ عَلَى ابن أَبِي دُجَانَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ، وَكَانَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لِوَجْهِكَ يَتَهَلَّلُ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقُ عِنْدِي مِنَ اثْنَتَيْنِ: أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَكُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيماً )).

وصحَّ عن أبي الدرداء ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ؟ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، أَلَا وَإِنَّ الْبُغْضَةَ هِيَ الْحَالِقَةُ )).

ومعنى (( الحالقة )) أي: الخصلة التي مِن شأنها أنْ تستأصل الدِّين كما يَحلق المُوسى الشعر.

وإنَّ مِن صالح أعمال أهل الإيمان مِن المتأخرين وأفضله وأبركه عليهم سلامة صدورهم لِمَن سبقهم مِن المؤمنين، مع دعائهم ربِّهم أنْ لا يجعل في قلوبهم غلًّا لهم، حيث قال سبحانه: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }.

ولقد كانت الشحناء، وهي: حِقد المسلم على أخيه بُغضًا له لِهوى نفسه، مِن الذنوب المانعة عن المتشاحنين المغفرة في أوقات المغفرة والرحمة، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا )).

وإنَّ الشيطان قد أيس مِن أهل الصلاة أنْ يُدخلهم في عبادته، ولكنه لم ييأس أنْ يُدنِّس إيمانهم، ويُضعِف أجورهم، ويزيد في ذنوبهم بالتحريش بينهم، وإحلال الشحناء والبغضاء في قلوبهم، حتى يَنفر بعضهم عن بعض، ويَكيد ويَمكر أحدهم بالآخر، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْه لم ييأس من التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )).

بل إنَّ الشحناء قد أسقطت أقوامًا في أشنع وأكْرَه وأوسخ أوحالها، فوصلت بين الوالدين وأولادهما، وبين الشقيق وشقيقه، وبين المرأة وأهلها، وبين الزوج وزوجه، وبين الزوجة وأهل زوجها، وبين أبناء العمومة، وبين ذوي الأرحام، وبين الجار وجاره في البيت أو المتجر أو الوظيفة، وبين الشريك وشريكه، وبين الرُّفقاء والأصحاب، فتباغضوا، وتقاطعوا، ونالوا مِن عرض بعض، وكادوا لبعض، وفضحوهم، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه زجَر عن ذلك فقال: (( لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ )).

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أنْ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

الخطبة الثانية:ـــــــــــــ

الحمد لله مُسْتوجِب الحمد والعبادة، المُتابِع لأهل طاعتِه إعانَتَه وإمدادَه، وأُصلِّي وأُسلِّم على نبيِّه وحبيبه محمد وأشهد له بالرِّسالة، وأُثَنِّي بالصلاة والسلام على آله وأصحابه، ومن اتَّبع رشاده.

أمَّا بعد، أيُّها الناس:

فإنَّ مِن أسباب ذهاب الشحناء والتباغض والغِلّ والحِقد عن القلوب، وحُلول الوِدِّ والأُلفَة والتآلُف:

التخاطُبَ بالكلام الحسَن اللطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، لأنَّ الشيطان يسعى بين العباد بما يُفسد عليهم دينهم ودنياهم، وقد قال الله سبحانه آمرًا: { وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الّتي هِىَ أحسَنُ إنّ الشَيطَانَ يَنَزَغُ بَيَنَهُم إن الشَيطَانَ كَانَ للإنَسانِ عَدُوّاً مُبِيناً }.

ومِن الأسباب أيضًا: إفشاء السلام على القريب والبعيد، مَن عرفت ومَن لم تَعرف، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ )).

قَدْ يَمْكُثُ النَّاسُ دَهْرًا لَيْسَ بَيْنَهُمُ … وُدٌّ فَيَزْرَعُهُ التَّسْلِيمُ وَاللُّطَفُ

ومِن الأسباب أيضًا: التهادي بين بعض، وصُنع المعروف لبعض، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( تَهَادُوا تَحَابُّوا )).

وصحَّ عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( يَا بَنِيَّ: تَبَاذَلُوا بَيْنَكُمْ، فَإِنَّهُ أَوَدُّ لِمَا بَيْنَكُمْ )).

ومِن الأسباب أيضًا: إبعاد النفس عن الغضب، وتذكيرها بفضل كظم الغيظ، وتحليتها بالحلم والأناة، إذ الغضب مفتاح الشرور، وعنه يتولَّد الغِلّ والحِقد والحسد، وقد صحَّ عن رجل مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي؟ قَالَ: “لَا تَغْضَبْ”، قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ )).

ومِن الأسباب أيضًا: ترْك المِراء والجدال حول المسائل والوقائع والأحداث، حتى ولو كان المتكلِّم محقًا، لأنَّ ذلك قد يَجلب تعصُّبَ الإنسان وتعنُّتَه لِما يقول ويختار، ورفعَ الصوت على مجادله، وتحقيرَ رأيه، فيظن أنَّه يَستصغِرُه ويُجهِّلُه، وهذا يُثير الحقد والكراهية، ويُذكِي الشحناء، ويُولِّد النُّفرة، وفي ترْك المراء راحة القلب والبَدن في الدنيا، والتَّنَعم في الجنَّة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ )).

وَاحْذَّرْ مُجَادَلَةَ الرِّجَال فَإِنَّهَا … تَدْعُو إِلى الشَّحْنَاءِ وَالشَّنَآنِ

ومِن الأسباب أيضًا: ترْك التنافس على الدنيا وحطامها، بين أهل المناصب والوظائف، وبين أهل المتاجر والتجارة، وبين أهل المِهن والحِرف، وبين أهل الزراعة، وبين أهل المواشي، وبين أهل الطِّب، وبين أصحاب الشركات، وبين ملَّاك العقارات، وبين وجهاء القبائل، وفي المحافل والأعراس والمناسبات، وبين الورثة مع الميراث، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ، أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ؟» قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ، ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ، فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ )).

ومِن الأسباب أيضًا: الاستعانة بصيام ثلاثة أيام مِن كل شهر، فالصوم يُهذِّب النفس، ويرقِّق الطبع، ويُضعف الغضب، ويَدحَر الشيطان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ )).

ووحَر الصدر: غِشه وحِقده وغيظه ووساوسه.

ومِن الأسباب أيضًا: تذكُّر عاقبة التشاحن في الدنيا والآخرة، فهي في الدنيا تَجرُّ إلى ذنوبٍ عديدة وعظيمة، فتُوقع في التقاطُع والظلم والغِيبة والنميمة والكذب والبهتان، والكيد والمكر والأذية، والهمز واللمز، وتتبع العورات، واستجماع الزلات، وتعظيم وتكبير الأخطاء، بل قد تُوصِل إلى القتل والاقتتال، وتَدخُل على القلب فتَكْويه وتُؤرِّقه وتُحَسِّره بنار الهَمِّ والغمَّ والحُزن والقلقل والأرَق والضيق، وفي الآخرة تُسبِّب العذاب الشديد، لكثرة ما تولَّد عنها مِن آثام، وجَرَّته مِن آلام، وأحدثته مِن فتن.

وإنَّ مِن أطيب نعيم أهل الجنة أنْ نزَع الله مِن صدور أهلها الغِلَّ والحقد، فقال سبحانه ممتنًا: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ }.

هذا وأسأل الله أنْ يُطهِّر قلوبنا مِن الغِلّ والحقد والحسد، ويُزيل  عنها البُغضة والشحناء، وأنْ يحفظنا مِن بين أيدينا ومِن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومِن فوقنا ومِن تحت أرجلنا، اللهم ارفع الضر عن المتضررين مِن المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وأعذهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اللهم مَن كان مِنهم حيًا فبارك له في عُمره وعمله وصحته، ومَن كان مِنهم مَيْتًا فارحمه وتجاوز عن سيئاته، واجعله في قبره مُنعَّمًا، اللهم احفظ رجال الأمن وجُند البلاد في كل موقع ومكان، وانصر بِهم الإسلام والمستضعفين، واقمع بهم المفسدين والمعتدين، إنَّك سميع مجيب، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.

خطبة كتبها وألقاها:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.