مقال بعنوان: ” تسييس الخُطب والدروس والمحاضرات الدينية وإضراره بالدين والناس والبلد “.

تسييس الخُطب والدروس والمحاضرات الدينية وإضراره بالدين والناس والبلد

الحمد لله المليك المقتدر، القوي القاهر، المنتصر لدينه والمستمسكين به، والصلاة والسلام على رسوله المبعوث رحمة للناس في دينهم ودنياهم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ما تعاقب ليل مع نهار.

أما بعد:

فأحب أنْ أنبِّه إخواني الدعاة والخطباء والوعاظ – سلمهم الله وسددهم وأرشدهم – إلى عدة أمور تتعلق بموضوع:

تسييس الخطب والدروس والمحاضرات الدينية“.

سواء كانت الخطبة خطبة جمعة، أو خطبة عيد فطر أو أضحى، أو خطبة استسقاء، أو خطبة كسوف وخسوف، أو كان الدرس عامًا، أو في فنٍّ من فنون العلم المختلفة، أو كانت المحاضرة خاصة في موضوع أو متعددة المواضيع، أو كانت للكبار أو الصغار، أو الذكور أو الإناث.

فأقول مستعينًا بالله العلي العظيم:

الأمر الأول:

إنَّ مصطلح “تسييس الخطبة أو الدرس أو المحاضرة” لا يَقصد به قائلوه من أهل العلم بالشرع أو الفضل والفهم أو الخبرة ورجاحة العقل:

فصل الدين عن السياسة، بحيث لا يكون للشرع دخل في سياسة الناس وأمورهم.

بل يجب أن يُساس الناس كلهم من قِبل وليِّ أمرهم وحاكمهم بشرع الله ودينه القويم، وإلا أثِم وعصى أمر ربه، وأضرَّ بآخرته، وأهلك نفسه.

وهذا أمر ثابت بنصوص الشرع المتعددة المتكاثرة، وإجماع أهل العلم في مختلف العصور والبلدان، ومشهور في الإسلام منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

وإنما أُطلق مصطلح التسييس على من يَحصل أو يَكثر في خطبه أو دروسه أو محاضراته الحديث عن أمور السياسة.

أي: ما يتعلق بالسَّاسة والحكومات، وشؤون الدول وعلاقاتها، والمشاكل الناتجة عن هذا الباب، ومع أيِّ حزب أو جماعة أو حاكم أو سياسي يقف الناس، ويتوافقوا، وينصروا، وسواء تعلَّقت الأمور ببلد الخطيب، أو ما حوله من بلدان، أو ببلدان العالم جميعه.

حتى والله الذي لا إله إلا هو:

إني قد قابلت في أحد المساجد رجلًا أعرفه ولم أره منذ سنين عديدة بسبب زواجه وتغييره محل سكنه، وذلك بعد إلقائي كلمة بعد صلاة الجمعة في هذا المسجد، فكان مما قاله لي نحو هذا الكلام أو بمعناه، فرِحًا:

“الحمد لله لم أعد بحاجة لسماع الأخبار من قناة كذا ومتابعتها، آتي وأُصلِّي الجمعة هنا فيعطيني الخطيب خلاصة ما جرى في الأسبوع”.

الأمر الثاني:

إنَّ أمور السياسة والسياسيين لا يصلح أن يَدخل ويتكلم فيها ويُحدد الرأي، والموقف، والصواب من الخطأ، كل أحد، كما هو حاصل في عصرنا هذا، فترى الخطيب والداعية والطبيب والمهندس والمِهني والبائع والمزارع والجزَّار والخضَّار والبنَّاء والمُعلم والمحاسب والسائق والعاطل عن العمل وغيرهم يخوضون فيها وفيهم، بل قد يتعصبون لما قالوه وقرروه، ومَن أيَّدوه ونصروه، ويقدحون فيمن خالف رأيهم، ولم تعجبه نظرتهم، أو لم يرتض طريقتهم، ولا كان من أهل طريقهم.

والصواب أن سياسة البلاد ومواقفها وعلاقاتها وما يتعلق بها ترجع إلى وليِّ أمر الناس وحاكمهم، ومَن أنابهم عنه في شتى القطاعات، فهو يُنصِّب ويخصِّص من يَدرس ذلك ويتابعه ويرفع إليه بالآراء والمعطيات،.

فإن أصاب الحاكم وأحسن وبذل وسعه في موافقة الشريعة فليبشر بالخير في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة، وإن قصَّر وتجاوز وظلم فالله سائله ومحاسبه، وسيضر بنفسه، لأنه قد حُمِّل سياسة البلاد والرعية، ولهذا لما قال سلمة بن يزيد الجعفي – رضي الله عنه – لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، وقال (( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ )).

رواه الإمام مسلم في “صحيحه”(1846).

وقال الحسن – رحمه الله -:

(( أَتَيْنَا مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ نَعُودُهُ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» )).

أخرجه الإمام البخاري في “صحيحه”(7151).

الأمر الثالث:

لنتأمل خطب ودروس ومحاضرات ومجالس ولقاءات كبار أئمة أهل العلم في عصرنا هذا، والذين عُرفوا بحسن المعتقد، وسلامة المشرب والمنهج، وغزارة العلم ورسوخه، والصلاح والتُّقى، والنُّصح للخلق حكامًا ومحكومين، والحرص على نشر الحق وتبيينه وإظهاره، كأمثال الأئمة:

محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ومحمد الأمين الشنقيطي، وعبد الرحمن بن ناصر السعدي، وعبد العزيز بن عبد الله بن باز، وعبد الرحمن المعلمي، ومحمد بن صالح العثيمين، وعبد الرزاق عفيفي، وحمود التويجري، ومحمد أمان الجامي، وحماد الأنصاري، وصالح بن فوزان الفوزان، وعبد الله الغديان، وصالح الغصون، وصالح الأطرم، ومحمد السبيل، وأحمد بن يحيى النجمي، وزيد بن محمد هادي المدخلي، وربيع المدخلي، وصالح اللحيدان، وعبيد الجابري، وعبد العزيز آل الشيخ، وأضرابهم، – رحم الله الميت منهم وحفظ الحيَّ وسلَّمه -.

هل كانت بهذه الصورة التي نراها الآن من بعض الدعاة – سددهم الله وأصلحهم وأرشدهم – في بعض الخطب، أو الدروس، أو المحاضرات، أو اللقاءات، مِن خوض في أمور السياسة، ووقائع العالم، وأمور الفتن، وأعمال الولاة؟

لا، ليست على هذه الصورة، ولا سلكت هذا السبيل، فقد حضرْت لكثير منهم، بل لغالبهم، ولم أجد ذلك.

ولا عُرفوا وشُهروا بين الناس بذلك، وكتبهم وكلماتهم الصوتية ناطقة بذلك، وشاهدة عليه، وهي بين أيدينا في المكتبات، وشبكات الإنترنيت، واليوتيوب، لا يعجز عن الوصول إليها صغيرنا فكيف بالكبير.

والسؤال الذي ينبغي طرحه، هو:

لماذا لم تكن على هذه الصورة، ولا سلكت هذا السبيل، ولا كانوا من أهل هذه الطريقة؟.

والجواب:

أنَّ السبب هو في كونها قد بُنيت على قال الله، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال الصحابة – رضي الله عنهم -.

حيث ضبطها الشرع والدين بنصوصه القرآنية والنبوية، لا العقل والأهواء والأحزاب والجماعات والتنظيمات والمذاهب الفكرية.

بل إن لجمع منهم كلامًا مشهورًا منثورًا في ذم دخول الخطباء والدعاة والوعاظ في ذلك، وتحذيرهم من سلوك هذا السبيل، وفعل هذه الطريقة، وأنه مخالف للشرع والدين، ويجر إلى الفتن، ويُبلبل المجتمع، ويسبب تفككه وتفرَّق أهله، ومِن التَّعدي على صلاحيات ولي الأمر، والافتيات عليه.

فهل نتقتدي بهم، ونسير على طر يقتهم، ونكون مِن أهل سبيلهم؟.

لا ريب أن الخائف من ربه، العاقل الفطن، الغيور على دينه وبلاده وأهله يسلك سبيلهم، ويتابعهم، ولا يفارقه إلى غيره.

الأمر الرابع:

لا ريب أن اللائق بالخطيب والواعظ والداعية أن يسعى في خطبته ودرسه ومحاضرته لاستصلاح آخرة الناس، بالتَّعرض للمواضيع التي تزيد في إيمانهم، وطاعاتهم، وقُربهم من ربهم، ونجاتهم وفلاحهم في آخرتهم، مِن تقرير أصول الإيمان، وما أعده الله لأهل طاعته وأهل معصيته، وما يُزَّهدهم في الدنيا وملذاتها، ويُقلل من تكالبهم عليها، وما يعالج أخطاءهم وتقصيرهم في عقيدتهم، وعباداتهم، ومعاملاتهم مع الخلق، وما يُشجعهم على اغتنام مواسم الخيرات من أيام أو شهور في زيادة الأجور.

وعلى هذا جرَت خُطب النبي صلى الله عليه وسلم، وخُطب أصحابه – رضي الله عنهم -، وخطب أهل القرون الفاضلة الأولى، وخُطب مَن بعدهم مِن أئمة الإسلام والسُّنة، وكبار علماء الأمة في هذا الزمان وما قبله.

أما أمور السياسة، ودهاليز السياسين، وتحليلاتهم وتخرصاتهم وتوقعاتهم  فليس عموم الناس في حاجتها، ولا هم مِن أهلها، ولا يصلح أن يلجوا ميدانها، بل لها أهلها ورجالها، وهم الولاة ومن وظفوه لها من رجالات الدولة وعباقرتها.

وعموم الناس أيضًا قد أثقلتهم بها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، فلا داعي لإرهاقهم وتشويشهم أكثر، حيث تقذف على عيونهم ومسامعهم في كل ثانية ودقيقة وساعة ويوم وشهر وسَنة بخبر أو حادثة أو فتنة أو موقف، تعُجّ بها عشرات بل مئات الفضائيات والإذاعات والجرائد والمجلات ومواقع وشبكات التواصل، وهي معه في بيته، وعمله، وطريقه، ومجلسه، وسفره، وحضره، بل معه حتى في مكان تخليه وقضاء حاجته.

وهذا السبيل، أي: إشغال عامة الناس بالسياسة وأمورها وأهلها وأماكنها وتحليلاتها ومواقفها ورجالاتها، هو ما يريده أهل الباطل والشر الذين يكيدون الأمة في دينها، وتاريخها، وبلدانها، وأهلها.

يريدون نَقل الدروس والمحاضرات والخطب الدينية عن مضمونها ومعناها ومقصودها الشرعي الذي أراده الله – جلَّ وعلا -، إلى دهاليز السياسة ومهاتراتها، وظلمات الأحزاب والجماعات والتنظيمات والمذاهب الفكرية، وأوحال رموزها ودعاتها ومفكريها.

وبهذا يَضعف الدين، ويَقل انتشاره، وينحسر مده ومدده الخيِّر الراحم، ويزداد تقصير أهله وتساهلهم في أحكامه، فيبعدوا عنه، وإذا بعدوا عنه فلن تستقيم لهم الدنيا، وسيخسرون في الآخرة.

والعاقل الحريص على دينه وآخرته وأهله ومجتمعه وبلاده ودولته يعرف أين يكون؟ وبمن يقتدي في خطبه ودروسه ومحاضراته؟.

الأمر الخامس:

إنَّ المسلمين في عامة بلدانهم تحيط بهم أو تكتنفهم أمم وشعوب وتيارات وأحزاب ومذاهب وطوائف، وتَطرُّق الخطباء والدعاة والوعاظ لأمور السياسة والساسة والمواقف حولها وحولهم، والتي هي من اختصاص ولي الأمر ومن أنابه من رجالات دولته، قد تضر بأمْن بلده، وتزيد في الكيد بمجتمعه، وتُعِين على شنِّ حملات المغرضين عليه، وتُكثِّر من تشويههم له، لأننا في عصر فورة الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، فتقول الكلمة أو تفعل الفعل، وما هي إلا ثوان معدودة وإذا بكلمتك أو فعلك قد وصلا إلى جميع أصقاع المعمورة، وتناوشها ألْسُن وأعين الصغار والكبار، والذكور والإناث، والمُبِغض الماكر الكائد وغيره.

ويا لله كم وقعت من فتنة، وازدادت من دماء، وتسلَّط من مُغرض ومفسد، وتكاثر وتوسَّع من شر وضرر، وزدادت من نُفرة وعداوة بين الشعوب بسبب كلمة خرجت عن خطيب أو داعية أو واعظ بسبب خوضه في ما ليس من أهله واختصاصه، وولوجه فيما لا يُحسن، ودخوله فيما لا يعنيه، وعجلته في الأمور وطيشه، وقصور علمه، وضعف فقهه، وحماسة شبابه، وكهولة وشيخوخة حزبه وتحزبه وقادة تنظيمه.

هذا والله تعالى هو المسئول أن يجعل هذه الكتابة والنُّصح لوجهه خالصًا، وينفع به كاتبه والناظر فيه في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وكتبه أخوكم:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.

 

في هذا الموضوع 0 التعليقات

اكتب تعليق