تعظيم الدماء في شريعة الإسلام وغليظ عقوبتها وأسباب سفكها بغير حق
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ العظيمِ الحليمِ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على النبيِّ محمدٍ الأمينِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الأخيارِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدً عبدُهُ ورسولُهُ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فإنَّ كَثْرَةَ الفتَنِ والقتلِ والاقتتالِ مِن علاماتِ وأشراط القيامَةِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ: الْقَتْلُ ))، وسيَحصُلُ فيها ما هوَ أعجَبُ، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَل،َ وَلاَ يَدْرِى الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: كانَ قاتِلُهَا بغيرِ حقٍّ كمَن قتلَ النَّاسَ جميعًا، لِقولِ اللهُ سُبحانَهُ: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا }.
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أنَّ كُلَّ نفسٍ تُقتلُ ظُلمًا فعلَى أوَّلِ مَن قَتلَ كِفْلٌ مِن دَمِهَا، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: كانَت إراقَتُها أوَّلَ ما يُقضَى فيه بينَ العِبادِ يومَ القيامَةِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أوجَبَ اللهُ قتلَ مُزْهِقِهَا بغيرِ حقٍّ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى }، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: كانَ الاجتِماعُ على إرَاقَةِ دَمِ نَفسٍ واحِدَةٍ مِنها بغيرِ حقٍّ مُوجِبًا لِقتلِ جميعِ المُتعاوِنِينَ، ومُسَبِّبًا لِعذابِ النَّارِ، حيثُ جاءَ مِن طُرقٍ تتقوى ببعضٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ ))، وصحَّ: (( أَنَّ إِنْسَانًا قُتِلَ بِصَنْعَاءَ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ بِهِ سَبْعَةَ نَفَرٍ، وَقَالَ: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا» ))، وقالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ ــ رحمَه اللهُ ــ: «قولُ عمرَ هذا: استقرَّتْ عليهِ مذاهبُ أهلِ العلمِ قاطِبَةً».
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: كانَ المُؤمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ ما لَم يُرِقْ دَمَ شيءٍ مِنها بغيرِ حقٍّ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ))، وصحَّ أنَّ ابنِ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُما ــ قالَ: (( إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا: سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أنَّ زَوالَ الدُّنيا أهوَنُ عندَ اللهِ مِن قتلِ مُسلِم، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أنَّهُ شُدِّدَ في المَغفِرَةِ لِقاتِلِ المُؤمِنِ عمْدًا، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا: رَجُلٌ يَمُوتُ مُشْرِكًا، أَوْ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أنَّ اللهَ توَعَّدَ قاتِلَ المُؤمِنِ عمْدًا بخمسَ عقوباتٍ غليظاتٍ، فقالَ سُبحانَهُ: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }.
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أنَّ اللهَ صَانَ المُؤمِنَ حقًّا عن قتلِهَا عمْدًا، فقالَ سُبحانَهُ: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً }.
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أنَّ اللهَ أوجَبَ الدِّيَةَ والكفارَةَ المُغلَّظَةَ على قاتلِهَا خطأً، فكيفَ بالمُتعمِّدِ، حتَى ولو كانتْ نفسَ كافِرٍ مُعاهَدٍ أو مُستَأَمَنٍ، حيثُ قالَ سُبحانَهُ: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ }.
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: غُلِّظَتْ عقوبَةُ مَن قتلَ نفسَهُ مُنتَحِرًا، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدً )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: أنَّ الشيطانَ يَفرَحُ ويُكرِمُ مَن سَوَّلَ مِن جُندِهِ لآدَمِيٍّ أنْ يَقتُلَ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ جُنُودَهُ فَيَقُولُ: مَنْ أَضَلَّ الْيَوْمَ مُسْلِمًا أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ، فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قَتَلَ، فَيَقُولُ: أَنْتَ أَنْتَ وَيُلْبِسُهُ التَّاجَ )).
ولِعظَمِ النُّفوسِ في الإسلامِ: تََلْعَنُ الملائِكَةُ مَن أشارَ إلى مُسلِمٍ بسلاحٍ، فكيفَ بقتلِهِ، إذْ صَحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ )).
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ مِن أعظَمِ مُسبِّباتِ القتلِ والاقتتالِ بينَ المُسلِمينَ هذهِ السَّبعَةُ أسبابٍ:
السَّببُ الأوَّلُ: الدُّخولُ في الفِتَنِ، لأنَّها تَؤولُ في أحيانٍ كثيرَةٍ إلى القتلِ أو الاقتتالِ، وقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ ))، وثبتَ أنَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ عندَ نُشُوبِ الفِتنِ بكسْرِ السِّلاحِ وتقطيعِهِ، ولُزومِ البيتِ، لإضْعَافِهَا وإضْعافِ دُخولِنَا فيها، وأكَّدَ بأنْ نكونَ كالخَيِّرِ مِن ابْنَي آدمَ، إذْ صَبرَ على قتلِ أخيهِ لَهُ ولم يُقاتِلْهُ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( اكْسِرُوا قُسِيَّكُمْ، ــ يَعْنِي: فِي الْفِتْنَةِ ــ وَاقْطَعُوا الْأَوْتَارَ، وَالْزَمُوا أَجْوَافَ الْبُيُوتِ، وَكُونُوا فِيهَا كَالْخَيِّرِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ ))، والتاريخُ والواقِعُ شاهِدٌ ظاهِرٌ على هذا السَّببِ، ووُصولِ القَتْلَى بالآلاف.
السَّببُ الثاني: الانتماءُ إلى الأحزابِ والجماعاتِ والتنظيماتِ ــ سواء كانتْ تسمِيَتُها دِينِيَّةً أو قَومِيَّةً أو لِبرَالِيَّةً أو بَعثِيَّةً أو اشتِراكِيَّةً أو عَلمَانِيَّة أو غيرَ ذلك، أو رَفعَتْ شِعارًا دِينيًّا أو اقتِصادِيًّا أو تحَرُّرِيًّا أو غيرَهِ ــ، لأنَّ جميعَها: يَطلُبُ الحُكمَ لِنفسِهِ وحِزْبِهِ وجماعَتِهِ وفِكرِهِ ومَبادِئِهِ، ويُجيِّشُ النَّاسَ إليهِ، وإلى مُضَادَّةِ حاكِمِ بلَدِهِ وعصْرِهِ، بشِعارَاتٍ برَّاقَةٍ، وأمانِيَّ خدَّاعَةٍ، وأحلامٍ ورْدِيَّةٍ، ووعُودٍ زائِفَةٍ كثيرَةٍ، ظاهِرُهَا الرَّحمَةُ، وباطِنُهَا الكذِبُ والفِتنُ والمَهالِكُ والشُّرورُ لِلأُمَّةِ والنَّاسِ، ويَحصُلُ بسبَبِها المُظاهراتُ والثوراتُ والانقِلابُاتُ والمُواجَهَةُ بالأسلحَةِِ، والتاريخُ والواقِعُ شاهِدٌ ظاهِرٌ على هذا السَّببِ، ووُصولِ القَتْلَى بعشرات الآلافِ، وتَقسُّمِ الدَّولَةِ الواحِدَةِ إلى دُويلاتِ، وتشريدِ سُكانِ البلدِ، وانهيارِ الاقتصادِ.
السَّببُ الثالِثُ: تألِيبُ النَّاسِ على حاكِمِهِم، بالإنكارِ عليهِ علَنًا في غَيبتِهِ باسمِ النَّصيحَةِ أوِ الحِرصِ على الشَّعبِ أوِ الغيرَةِ على الدِّينِ والوطَنِ أوْ غيرِ ذلِكَ، ولا يَزالُ التاريخُ والواقِعُ المُشاهَدُ يَحْكِي لَنَا أضرَارَ هذهِ الطريقَةِ على الدِّينِ والدُّنيا والعِبادِ والبلادِ، وكيفَ آلَتْ إلى المُظاهرَاتِ فالثوراتِ، ثُمَّ إلى حَملِ السِّلاحِ والقتالِ، فقُتِلَ عشَرَاتُ الآلافِ، وشُرِّدَ المَلايينُ وأصبَحت الدَّولَةُ الواحِدَةُ تَحكُمُها ثلاثُ حُكوماتٍ، وانحَطَّ الاقتصادُ إلى أسفَلِ درجاتِهِ، وهذهِ الطريقَةُ معَ الحاكِمِ ممنوعَةٌ شرْعًا، لِمصلَحَةِ النَّاسِ وبلادِهِم ودِينِهِم وأموالِهم مِنَ الفِتَنِ والشُّرورِ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانِيَةً، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُوا بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ ))، وصحَّ أنَّ ابنَ جُبيرٍ قالَ لابنِ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( آمُرُ إِمَامِي بِالْمَعْرُوفِ وأنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَغْتَبْ إِمَامَك )).
السَّببُ الرابِعُ: التَّعَصُّبُ لِلقبائلِ والعشائِرِ والبُلدانِ، بحيثُ يكونُ المُتَعصِّبُ ضدَّ مَن خالَفَهُم في شيءٍ أوِ اعتدَى عليهِم بشيءٍ أوْ طعنَ فيهم أوْ ببعضِهِم، ودُونَ مُراعَاةٍ مِنهُ لأحكامِ الشريعَةِ عندَ الاختلافِ، ولا لِحاكِمِ البلدِ، وقوانِينِ الدَّولَةِ، ولا لِلمصَالِحِ بتكثِيرِهَا، والمفاسِدِ والشُّرورِ بتقليلِهَا وتخفيفِهَا، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَبرَّأَ مِن أهلِ هذا الحالِ، فقالَ: (( مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ، وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ، فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ )).
السَّببُ الخامِسُ: سُرعَةُ الغضَبِ واشتِدَادُهُ عندَ حُصولِ شيءٍ قبيحٍ أو قهْرٍ أو ظُلمٍ أو اعتداءٍ ومُلاسَنَةٍ، بحيثُ يَتعجَّلُ، ولا يَصبِرُ، ولا يَحلُمُ، ولا يَكظِمُ غيظَهُ، ولا يُفكِّرُ في العواقِبِ، ولا في قَبيحِ أضرارِ ومفاسدِ الغضَبِ على نفسِهِ وأهلِهِ ومُخالِفِهِ فيَقتُل، وقدْ صحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، فَقَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» )).
السَّببُ السادِسُ: قهْرُ الرَّجالِ والنِّساءِ في أموالِهِم وأهلِيهِم وحُقوقِهِم، وبالتَّسَلُّطِ عليهِم بغيرِ حقٍّ، فلا يَتحمَّلونَ ويُعالِجونَ الأمرَ بالقتلِ لِضعِفِ دِينِهم، ونَقصِ عُقولِهِم، وطُغيانِ نُفُوسِهِم، وقدْ صحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يُكثِرُ أنْ يقولَ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ غَلَبَةِ الرِّجَالِ ))، أي: قَهْرِهِم.
السَّببُ السابِعُ: حَمْلُ السِّلاحِ لِغيرِ ضَرورَةٍ مُلِحَّةٍ، لأنَّهُ: عندَ نَزْغِ الشيطانِ والغضَبِ والقَهرِ قدْ يَلجَأُ إليهِ حامِلُه ويَستعمِلُهُ، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ )).
السَّببُ الثامِنُ: تعاطِي المُسْكِراتِ والمُخدِّراتِ، والتساهُلِ معَ مُتعَاطِيهَا ومُروِّجِيهَا، لأنَّ الخَمرَ تُذهِبُ العقلَ الذي يُدرِكُ بِهِ الإنسانُ الأُمورَ، ويَزِنُ بِهِ الأشياءَ على وجْهٍ صحيحٍ، وإذا ذهبَ العقلُ فقدُ يَقتلُ السَّكرانُ ويَغتصِبُ، والمُخدِّراتُ تُفسِدُ العقلَ، وتُدمِّرُ خلايا المُخِّ، فيَقتُلُ مُتعاطِيهَا ويَسرِقُ ويَبيعُ عِرْضَهُ، وقدْ يُقتلُ أقرَبَ النَّاسِ إليهِ، والقتلُ كثيرًا بسبَبِهِما مشهورٌ معروفٌ.
اللهمَّ: اجعَلْنَا مِنَ السُّعداءِ الذين جُنِّبوا الفِتَنَ، وأَعِذْنَا مِنْهَا، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الرَّحِيمِ، وصلِّى اللهُ وسلَّمَ على جميعِ النَّبيينَ، وأتباعِهم المُؤمِنينَ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فقد قالَ اللهُ تعالى في فضْلِ استنقاذِ نُفوسِ النَّاسِ مِن القتلِ: { وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا }، ويَدخلُ في إحياءِ النُّفوسِ: مَن تَرَكَ قتلَ غيرِهِ مع دُعاءِ نفسَهُ لَهُ إلى قتلِهِ، فمنَعَهُ خوفُ اللهُ مِن قتلِ مَن لا يَستحِقُّ القتلَ، ومَن أنقذَ النَّفسَ وأسعَفَهَا مِن غَرَقٍ أو حَريقٍ أو حادِثٍ أو انتِحَارٍ أو هَلكَةٍ، ومَن أعانَ على استِيفاءِ القَصَاصِ مِن القاتِلِ بغيرِ حقٍّ، بإخبارٍ عنهُ، وتَمكينِ القبضِ عليهِ، وغيرِ ذلِكَ، وأنْ يَعفوَ أولياءُ المقتولِ عن القِاتلِ، وأنْ يَزْجُرَ الإنسانُ ويَنهَى مَن أرادَ أنْ يَقتلَ نفسًا، ويُخوِّفَهُ بالله، وبعاقبَةِ القتلِ وعُقوبَتِهِ، وإقامَةُ الحُدودِ والتعزيراتِ على مَن يَعتدُونَ على النُّفوسِ المُحرَّمَةِ بغيرِ حقٍّ، لأنَّ إقامتَهَا مِن أعظَمِ الرَّوادعِ عنِ القتلِ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }.
ألَا فاتقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ بتَجَنُّبِ الدُّخولِ فيما يَجُرُّ إلى القتل ِوالاقتتالِ، وابذُلُوا طاقَتَكُم في البُعْدِ عن مُسبِّباتِ إراقَةِ الدِّماءِ، وسَلِّموا أنفُسَكُم بالتَّرْكِ لِموَاطِنِ ومجالِسِ وأهلِ ورِفاقِ التساهُلِ في ولُوجِ أبوابِ الدَّماء، وجَمِّلوا بواطِنَكُم بخشيَةِ اللهِ والوُقوفِ عندَ حُدودِهِ في جميعِ أحوالِكُم.
هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يَجعَلَنَا مِنَ التائِبينَ المُصلِحينَ المَرحُومِينَ، اللهمَّ: ارْفَعِ الضُّرَّ عنِ المُتضرِرينَ مِن المسلمينَ، وارْفَعْ عنَّا وعنهُمُ القتلَ والاقتتالَ والفتنَ، اللهمَّ: وفِّقْ حُكَّامَ المُسلِمينَ إلى مراضِيكَ، وأصلِحْ بِهِمُ الدِّينَ والدُّنيا والعِبادَ والبلادَ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميعِ المُسلِمينَ أحياءً وأمواتًا، إنَّكَ سميعٌ مُجِيبٌ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.