إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: “خطبة ليوم جمعة قد وافق يوم عيد الفطر”. ملف: [word] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: “خطبة ليوم جمعة قد وافق يوم عيد الفطر”. ملف: [word] مع نسخة الموقع.

  • 14 يونيو 2018
  • 5٬679
  • إدارة الموقع

خطبة ليوم جمعة قد وافق يوم عيد الفطر


خطبة ليوم جمعة قد وافق يوم عيد الفطر

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الأعزِّ الأكرم، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ فصلِّ عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ الله:

اتقوا اللهَ ربَّكم بالعملِ بما يُحبُّه ويَرضَاه، وسارعوا إلى مغفرتِه وجنَّتِه بلزومِ أمرِهِ واجتنابِ نواهيه، فالمؤمِن مَن يَرجو اللهَ ويَتقِيه، ولا تَتبِعوا خُطواتِ الشيطانِ فإنَّه يُضِلُ مَن اتَّبعَهُ ويُغوِيه، ويأمرُهُ بالفحشاءِ والمُنكرِ وإلى طريقِ الجحيمِ يَهدِيه، ولقد كنتُم تَرتقبونَ مَجِيءَ شهرِ رمضانِ، ولقد جاءَكم وخَلَّفتُموه وراءَ ظهورِكم، وهكذا كلُّ مُسْتَقبَلٍ سوفَ يَصلُ إليهِ العبدُ ثم يُخَلِّفُه وراءَهُ حتى الموت، ولقد أودعتُموه ما شاءَ ربُّكم أنْ تُودِعوهُ مِن الأعمال، فمَن كان مِنكُم قد أحسنَ فيه العملَ فَلْيُبْشِرْ بالقبول، فإنَّ اللهَ يَتقبلُ مِن المُتقين، وإنَّه سبحانَه لا يُضيعُ أجْرَ المُحسِنين، ومَن كان مِنكُم مُسيئًا شديدَ التقصيرِ فلْيَتُب إلى اللهِ خالقِه، فالأوبَةُ قبلَ الموتِ مقبولةٌ، واللهُ يُحبُ التوابين، ويَفرحُ بتوبةِ عبدِه المؤمن، ومَن ركبَ ما تهواهُ نفسُه، فلم يَتُب إلى ربِّه توبةً نصوحًا، ولم يَنزجِرْ عن عصيانِه، واستمرَّ في غيِّهِ وتفريطِه، فقد قال ربُّه – جلَّ وعزَّ – مُبشرًا ومُرهِّبًا -: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }، وقالَ سبحانَه آمِرًا ومُبشِّرًا: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

عِبادَ الله:

لَئِنِ انقضَى رمضانُ شهرُ المَغفرةِ والرحمةِ ومُضاعفةِ الأجورِ وتَصفِيدِ الشياطينِ بالأغلالِ، فإنَّ زمَنَ العملِ لا يَنقضِي إلا بالموت، ولَئِنْ ذهبَت أيَّامُ صيامِ وقيامِ رمضان.

فقد سَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: صيامَ سِتٍّ مِن شوالٍ بعدَ الانتهاءِ مِن صيامِ شهرِ رمضان، لِيَحصُلَ العبدُ على أجْرِ صيامِ سَنةِ كاملةٍ، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ))، ولا يَجبُ صيامُ هذهِ السِّتِّ مِن أوَّلِ الشهرِ، ولا مُتتابعةً، ومَن بادرَ إلى صيامِها أوَّلَ الشهرِ وتابَعها فهوَ أفضل، ومَن أخَّرَها أو فرَّقها فلا حرَج، ويَبدأُ وقتُها مِن ثاني يومٍ في شهرِ شوالٍ، ومَن صامَها قبل قضاءِ ما فاتَهُ مِن رمضان لم يَدخُل في ثوابِ هذا الحديث، لِظاهرِ قولِه صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ )) إذْ لا يَصْدُقُ إلا على مَن أتمَّ صيامَ جميعِ أيَّامِ رمضان.

وسَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صيامَ الاثنينِ والخميسِ، وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهر: فثبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ عن صيامِه الاثنينَ والخميسَ: (( ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ))، وصحَّ عن أبي هريرةَ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قالَ: (( أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ ))، والأفضلُ أنْ تُصَامَ هذهِ الأيَّامُ الثلاثةُ في أيَّامِ البيضِ، وهيَ: اليومُ الثالثُ عشَر، والرابعُ عشَر، والخامسُ عشَر مِن الشهر، ومَن لم يَتمكَّن صامَها في أيِّ وقتٍ شاءَ مِن الشهر، ومُتتابعةً أو مُتفرِّقة، وإنْ صام أيَّامَ البيضِ ومعها ثلاثةَ أيَّام أُخْرَى مَن الشهرِ فهوَ أفضلُ وأكثرُ في الأجْر.

ولئِن انقَضَى قيامُ شهرِ رمضانَ، فقد سَنَّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قيامَ الليلِ طِوالَ السَّنةِ، ورَغَّبَ فيه، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ))، وثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: (( رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ))، وصحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ، لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )).

فاتقوا اللهَ ــ عِبادَ اللهِ ــ وبادِروا أعمارَكُم بأعمالِكُم، وحقِّقوا أقوالَكُم بأفعالِكُم واغتنِموا الأوقاتَ بالأعمالِ الصالحة، فإنَّ حقيقةَ العُمُرِ ما أمضَاهُ العبدُ في طاعةِ الله، وما سِوى ذلكَ فذاهِبٌ خسارًا، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }، واعلموا أنَّه لا يجوزُ صيامُ يومِ عيدِ الفطرِ باتفاقِ العلماءِ لا لِمُتطوعٍ ولا لِناذِرٍ ولا لَقاضٍ فرْضًا، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ )).

عِبادَ الله:

إنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ ــ أصلَحَهمُ اللهُ وسدَّدهم ــ قد جعلوا العيدَ موسِمًا لزيارةِ المقابرِ، والجلوسِ فيها، والتَّجمُّعِ عندَها، وقراءةِ الفواتحِ والأدعيةِ لأهلِها، فما إنْ تَنتَهِي صلاةُ العيدِ إلا وتوجَّهوا إليها، وهذا الفِعلُ لا يُعرفُ عن السلَّفِ الصالحِ أهلِ القُرونِ الثلاثةِ الأُولَى المُفضَّلة، إذ لم يَجعلْها موسِمًا للزِّيارةِ في يومِ العيدِ، ولا خصَّصَها بالزِّيارةِ فيه رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم، ولا صحابتُه ــ رضي اللهُ عنهم ــ، ولا مَن بعدَهم، ولا أئمةُ المذاهبِ الأربعةِ وتلامذتِهم، وإنَّه إنْ لم نَقْتَدْ بهؤلاءِ الأكابرِ الأجِلَّاء فبِمَن؟ وهذا التخصيصُ يُعتبَرُ عندَ العلماءِ مِن البدع المُحدَثةِ في دِينِ الله، والبدعةُ مِن أغلظِ المُحرَّماتِ، لِمَا صحَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))، وصحَّ عن ابنِ عمرَ ــ رضي اللهُ عنه ــ أنَّه قال: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً ))، وأكثرُ الناسِ أيضًا: لا يعلمونَ أنَّ هذا التخصيصَ للمقابرِ بالزيارةِ في العيدِ إنَّما هو عادةٌ شِيعِيَّةٌ رافضِية، وتلقَّاها وأخذَها عنهم غُلاةُ الصُّوفية، ونشرُوها بينَ عوامِّ أهلَ السُّنَّةِ، وفي بلدانِهم.

والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، وسلامٌ على المُرسَلين.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الملكِ الأعلى، وسلَّمَ على النَّبيِّ محمدٍ وآلِه وصحبِه، وصَلَّى.

أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ الله:

إنَّ يومَ الجُمعةِ هذا قد وافقَ يومَ عيدِ الفطر، وإنَّ السُّنَّةَ النَّبويةَ: أنْ يُقيمَ الإمامُ بالناسِ صلاةَ الجمعةِ وخطبَتها، وإلى إقامةِ الإمامِ لَهَا ذهبَ الأئمةُ الأربعةُ، وغيرُهم، لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُقيمُ الجمعةَ بالناسِ في يومِ العيد، حيثُ صحَّ عن النُّعمانِ بن بَشيرٍ ــ رضي اللهُ عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ «بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، وَ «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ ))، ونُقلَتْ إقامتُها بالناس عن خليفةٍ راشدِ، فصحَّ عن أبي عُبيدٍ ــ رحمهُ الله ــ أنَّه قال: (( شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ــ رضي الله عنه ــ فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» )).

وأمَّا المأمومونَ الذين قد صَلَّوا العيدَ مع الإمامِ: فالمُستَحَبُّ في حقِّهم شُهودُ صلاةِ الجُمعة، فإنْ لم يَحضروها مع الإمامِ فلا جُناحَ عليهم، ولكنَّهم يُصلُّونَ في بيوتِهم ظهرًا أربعَ كعاتٍ وجوبًا، لِمَا تقدَّم عن عثمانَ ــ رضي اللهُ عنه ــ مِن الرُّخصة، وقد قالَ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ لِزيدِ بنِ أرْقمٍ ــ رضي اللهُ عنهما ــ: (( أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ» ))، وهذا الحديثُ قد صحَّحهُ جمْعٌ مِن علماءِ الحديث، وأمَّا مَن لم يَشهدْ صلاةَ العيدَ معَ الإمامِ: فيَجبُ عليه شُهودُ صلاةِ الجُمعةِ، فإنْ لم يَشهدْها أثِمَ، وكان لِربِّه عاصيًا، وأقدَم على فِعل ذنْب عظيم، لأنَّه ليسَ مِن أهل الرُّخصةِ في عدمِ الشُّهود.

هذا وأسأل الله: أنْ يحفظَنا مِن بين أيديِنا، ومِن خلفِنا، وعن أيمانِنا، وعن شمائِلنا، ومِن فوقِنا، ومِن تحتِ أرجلِنا، وأنْ يُجنِّبَنا كيدَ الكائدين، ومَكرَ الماكرين، اللهمَّ قوِّ إيمانَنا بِك، وزِد في توكلِّنا عليك، واجعل قلوبَنا متعلِّقةً بكَ وحدَك، اللهمَّ ارفعِ الضُّرَ عن المُتضرِّرينَ مِن المسلمين، اللهمَّ اغفر لَنا ولآبائِنا وأمهاتِنا ولجميعِ المسلمين، الأحياءِ مِنهم والأموات، إنّكَ سميعُ الدُّعاء، وأقولُ قولِي هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.