إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة قصيرة مكتوبة بعنوان: ” خطبة ليوم جمعة وافق يوم عيد الفطر “.

خطبة قصيرة مكتوبة بعنوان: ” خطبة ليوم جمعة وافق يوم عيد الفطر “.

  • 14 يونيو 2018
  • 1٬085
  • إدارة الموقع

خطبة ليوم جمعة وافق يوم عيد الفطر

الخطبة الأولى: ــــــــــــــ
الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الآخِرة، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فاللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وآله وأصحابه ومَن على سبيله يَسير، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله ربَّكم والتمسوا مِن العمل ما يُحبُّه ويُرضيه، وسارعوا إلى مغفرته وجنَّته، فالمؤمن مَن يَرجو الله ويتقِيه، ولا تَتبعوا خُطوات الشيطان؛ فإنَّه يُضِل مَن اتَّبعَه ويُغويه، ويأمرُه بالفحشاء والمُنكر وإلى طريق الجحيم يهديه، ولقد كنتم ترتقبون مجيءَ شهر رمضان، ولقد جاء شهر رمضان وخلَّفتموه وراء ظهوركم، وهكذا كل مُستَقبَل سوف ينتهي إليه العبد ويَصل إليه ويُخلِّفَه وراءَه حتى الموت، ولقد أودعتم شهر رمضان ما شاء الله تعالى أنْ تودعوه مِن الأعمال، فمَن كان مِنكم مُحسنا فليُبشر بالقبول، فإنَّ الله لا يُضيع أجْر المحسنين، ومَن كان مِنكم مُسيئًا فليتُب إلى الله، فالعُذر قبل الموت مقبول، والله يُحِب التوابين، ورغَّبهم في التوبة، وأمرَهُم بها، وأوجبها عليهم، ويَفرح بها شديدًا، فقال ــ جلَّ وعزَّ ــ في سورة التحريم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }، وصحَّ عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ )).
عباد الله:
لئِن انقضى شهر الصيام رمضان، فإنَّ زمَن العمل لا ينقضي إلا بالموت، ولئِن انقضت أيَّام صيام رمضان، فإنَّ الصيام لا يزال مشروعًا ولله الحمد في كل العام، فقد سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام سِتِّ مِن شوال بعد الانتهاء مِن صيام شهر رمضان جميعه، ليَحصل العبد على أجْر صيام سَنَة كاملة، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ )).
وتفسير هذا الحديث: أنَّ صيام شهر رمضان يُقابل في الأجر عشرة أشهر، وصيام سِتٍّ مِن شوال يُقابل شهرين، فذلك تمام صيام الدهر الذي هو العام كاملًا.
واعلموا أنَّه لا يَجب صيامها مِن أوَّل الشهر، ولا متتابعة، فمَن بادر إلى صيامها وتابعها فهو أفضل، ومَن أخَّرَها أو فرَّقها فقد أحسَن، ومَن صامها قبل قضاء ما فاته في رمضان، لم يَدخل في ثواب هذا الحديث، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ ))، ومَن بقِيَت عليه أيَّام مِن رمضان لم يَقضها فإنَّه لا يَصْدُق عليه أنَّه صام شهر رمضان.
وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام يوم الاثنين والخميس، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال عنهما: (( ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ )).
وصحَّ عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ )).
والأفضل أنْ تُصام هذه الأيَّام الثلاثة في أيَّام البيض، وهي: اليوم الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، مِن الشهر، ومَن لم يتمكَّن صامها في أيِّ وقت شاء مِن الشهر، ومتابعة أو متفرِّقة.
ولئِن انقضى قيام شهر رمضان، فإنَّ قيام الليل مشروع في كل ليلة مِن ليالي السَّنة، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ، لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )).
فاتقوا الله تعالى وبادروا أعماركم بأعمالكم، وحققوا أقوالكم بأفعالكم واغتنموا الأوقات بالأعمال الصالحات، فإنَّ حقيقة العُمُر ما أمضاه العبد بطاعة الله، وما سوى ذلك فذاهِبٌ خسارًا، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.
عباد الله:
لا يجوز صيام يوم عيد الفطر باتفاق العلماء، لا لِـمتطوعٍ، ولا لناذرٍ، ولا لقاضٍ فرضًا، لِما صحَّ عن أبي سعيدٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ )).
ويجوز بدء صيام ستٍّ مِن شوال: مِن اليوم الثاني مِن أيَّام شهر شوال.
عباد الله:
إنَّ طوائف كثيرة مِن النَّاس قد جعلوا العيد موسمًا لزيارة المقابر والجلوس فيها والتَّجمُّع عندها، وقراءة الفواتح لأهلها، فما إنْ ينتهوا مِن صلاة العيد إلا وتوجهوا إليها.

ولا يُعرف هذا الفِعل عن أهل القرون الثلاثة الأولى المُفضَّلة، إذ لم يَجعلها موسمًا للزِّيارة في يوم العيد، ولا خصَّصها بالزِّيارة فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته ــ رضي الله عنهم ــ، ولا مَن بعدهم، ولا أئمة المذاهب الأربعة وتلامذتهم، وإنَّه إنْ لم نقتد بهؤلاء الأكابر الأجلاء فبمَن؟.

وهذا التخصيص يُعتبَر مِن البدع المُحدَثة في دين الله، والبدعة مِن أغلظ المحرمات، فقد ثبت عن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَصْدَقُ الْقِيلِ قِيلُ اللَّهِ، وَأَنَّ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))، وصحَّ عن ابنه عبد الله ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً )).
وأكثر الناس ــ أصلحهم الله ــ لا يعلمون أنَّ هذا التخصيص عادة شيعية رافضية، وتلقَّاها وأخذها عنهم المُتَصَوِّفة، ونشروها بين عوامِّ أهل السُّنَّة، وفي بلدانهم.
نفعني الله وإيَّاكم بما سمعتم، والحمد لله رب العالمين، وسلامُ على المرسَلين.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــ
الحمد لله الملك الأعلى، وسلَّم على أشرف المخلوقين محمدٍ المُصطفى، وعلى آله وصحبه، وصَلَّى.
أمَّا بعد، فيا عباد الله:
إنَّ هذه الجمعة المباركة قد وافقت يوم عيد الفطر، وإنَّ السُّنَّة أنْ يُقيم الإمام بالناس صلاة الجمعة وخطبتها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقيم الجمعة بالناس في يوم العيد، حيث صحَّ عن النعمان بن بشير ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ «بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، وَ «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ )) رواه مسلم.
ونُقلَت إقامتها بالناس عن خليفة راشد، فصحَّ عن أبي عُبيد ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ــ رضي الله عنه ــ فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» )) رواه البخاري.

وأمَّا المأمومون الذين صَلَّوا العيد مع الإمام فالمستَحَب في حقِّهم شهود الجمعة، فإنْ لم يحضروها فلا جُناح عليهم، ويُصلون في بيوتهم ظهرًا وجوبًا، لِما تقدَّم عن عثمان ــ رضي الله عنه ــ مِن الرُّخصة.
وقد قال معاوية بن أبي سفيان لزيد بن أرقم ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ» )).
ولهذا الحديث شواهد قد يتقوى بها، ولهذا صحَّحه جمع مِن المحدِّثين.

وأمَّا مَن لم يشهد صلاة العيد مع الإمام فيجب عليه شهود صلاة الجمعة، فإنْ لم يشهدها أثِمَ، وكان لِربِّه عاصيًا، وأقدَم على فِعل ذنب عظيم.
هذا وأسأل الله تعالى أنْ يحفظنا مِن بين أيدينا، ومِن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومِن فوقنا، ومِن تحت أرجلنا، وأنْ يُجنِّبنا كيد الكائدين، ومكر الماكرين، اللهم قوِّ إيماننا بك، وزد في توكلنا عليك، واجعل قلوبنا متعلِّقة بك، اللهم ارفع الضر عن المتضررين مِن المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وارفع عنهم التَّشَرُّد مِن بلادانهم، وأعذنا وإيَّاهُم مِن الفتن ما ظهر مِنها وما بطن، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأعمالنا وأوقاتنا وأموالنا وأهلينا، واغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وجميع المسلمين، الأحياء مِنهم والميتين، اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين ونُوَّابَهم ووزراءهم وعمَّالَهم وجندَهم لِما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، وحفظ بلادهم مِن الشرور، إنّك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.