إغلاق

خطبة جمعة مكتوبة وافقت يوم عيد الفطر

  • 14 يونيو 2018
  • 841
  • إدارة الموقع

خطبة جمعة وافقت يوم عيد الفطر

الخطبة الأولى: ــــــــــــــ
الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، فاللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومَن على سبيله إلى الله يسير، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فيا عباد الله:
اتقوا الله تعالى ربكم والتمسوا مِن العمل ما يُحبه ويُرضيه، وسارعوا إلى مغفرته وجنته، فالمؤمن من يرجو الله ويتقيه، ولا تتبعوا خطوات الشيطان؛ فإنه يُضل من اتبعه ويغويه، ويأمره بالفحشاء والمنكر وإلى طريق الجحيم يهديه، ولقد كنتم ترتقبون مجيء شهر رمضان ولقد جاء شهر رمضان وخلَّفتموه وراء ظهوركم، وهكذا كل مُستقبَل سوف ينتهي إليه العبد ويَصل إليه ويُخلِّفه وراءه حتى الموت، ولقد أودعتم شهر رمضان ما شاء الله تعالى أن تودعوه من الأعمال فمَن كان منكم محسنا فليبشر بالقبول، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، ومن كان منكم مسيئًا فليتب إلى الله، فالعذر قبل الموت مقبول، والله يحب التوابين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }.
عباد الله:
لئن انقضى شهر الصيام فإن زمن العمل لا ينقضي إلا بالموت ولئن انقضت أيام صيام رمضان فإن الصيام لا يزال مشروعا ولله الحمد في كل وقت، فقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام سِت من شوال بعد الانتهاء من رمضان، ليحصل العبد على أجر صيام سَنة كاملة، فقال صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ )) رواه مسلم.
وتفسير ذلك: أن صيام رمضان يُقابل عشرة أشهر، وصيام ست من شوال يُقابل شهرين، فذلك تمام صيام الدهر الذي هو العام كاملًا.
واعلموا أنه لا يَجب صيامها من أوَّل الشهر، ولا متتابعة، فمن بادر إلى صيامها وتابعها فقد فهو أفضل، ومن أخَّرها أو فرَّقها فقد أحسن، ومن صامها قبل قضاء ما فاته في رمضان، لم يدخل في ثواب هذا الحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ )).
ومن كان عليه قضاء فإنه لا يَصْدُق عليه أنه صام رمضان.
وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام يوم الاثنين والخميس، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الْأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ )).
وصحَّ عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنه قال: (( أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ )).
والأفضل أن تُصام هذه الأيام الثلاثة في أيام البيض، وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، ومن لم يتمكن صامها في أيِّ وقت من الشهر.
ولئن انقضى قيام رمضان فإن قيام الليل مشروع في كل ليلة من ليالي السَّنة، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ، لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ )).
فاتقوا الله تعالى وبادروا أعماركم بأعمالكم، وحققوا أقوالكم بأفعالكم واغتنموا الأوقات بالأعمال الصالحات، فإن حقيقة العمر ما أمضاه العبد بطاعة الله، وما سوى ذلك فذاهب خسارًا، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.
عباد الله:
لا يجوز صيام يوم عيد الفطر باتفاق العلماء، لا لِـمتطوعٍ, ولا لناذرٍ, ولا لقاض فرضًا, لِما صحَّ عن أبي سعيد ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الفِطْرِ وَالنَّحْرِ )).
ويجوز بدء صيام ستٍّ من شوال مِن اليوم الثاني من أيام شهر شوال.
عباد الله:
إنَّ طوائف كثيرة مِن النَّاس قد جعلوا العيد موسمًا لزيارة المقابر والجلوس فيها والتَّجمُّع عندها، وقراءة الفواتح لأهلها، فما إنْ ينتهوا مِن صلاة العيد إلا وتوجهوا إليها، ولا يُعرف هذا الفِعل عن أهل القرون الثلاثة الأولى المُفضَّلة، إذ لم يَجعلها موسمًا للزِّيارة في يوم العيد، ولا خصَّصها بالزِّيارة فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا صحابته ــ رضي الله عنهم ــ، ولا مَن بعدهم، ولا أئمة المذاهب الأربعة، وإنَّه إنْ لم نقتد بهؤلاء الأكابر الأجلاء فبمَن؟.
وأكثر الناس لا يعلمون أنَّ هذه عادة شيعية رافضية، ثُمَّ تلقَّاها وأخذها عنهم المُتَصَوِّفة، ونشروها بين عوامِّ المسلمين، وفي بلدانهم.
نفعني الله وإياكم بما سمعتم، والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــ
الحمد لله الملك الأعلى، وسلَّم على أشرف المخلوقين محمدٍ، وعلى آله وصحبه، وصَلَّى.
أما بعد، أيها الناس:
إنَّ هذه الجمعة المباركة قد وافقت يوم عيد الفطر، وإنَّ السُّنَّة أنْ يُقيم الإمام بالناس صلاة الجمعة وخطبتها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وغيرهم، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقيم الجمعة بالناس، حيث صحَّ عن النعمان بن بشير ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ «بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى»، وَ «هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ»، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ )) رواه مسلم.
ونُقلَت إقامتها بالناس عن خليفة راشد، فصحَّ عن أبي عبيد ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( شَهِدْتُ العِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ــ رضي الله عنه ــ فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ العَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ» )) رواه البخاري.
وأما المأمومون الذين صَلَّوا العيد مع الإمام فالمستحب في حقهم شهود الجمعة، فإنْ لم يحضروها فلا جُناح عليهم، ويُصلون في بيوتهم ظهرًا، لِما تقدَّم عن عثمان ــ رضي الله عنه ــ مِن الرُّخصة.
وقد قال معاوية بن أبي سفيان لزيد بن أرقم ــ رضي الله عنه ــ: (( أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُصَلِّ» )).
ولهذا الحديث شواهد قد يتقوى بها، وصحَّحه جمع مِن المحدِّثين.
وأمَّا مَن لم يشهد صلاة العيد مع الإمام فيجب عليه شهود صلاة الجمعة، فإنْ لم يشهدها أثِمَ، وكان لِربِّه عاصيًا، وأقدم على فِعل ذنب عظيم.
هذا وأسأل الله تعالى أنْ يحفظنا مِن بين أيدينا، ومِن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومِن فوقنا، ومِن تحت أرجلنا، وأنْ يُجنِّبنا كيد الكائدين، ومكر الماكرين، اللهم قوِّ إيماننا بك، وزد في توكلنا عليك، واجعل قلوبنا متعلِّقة بك، اللهم ارفع الضر عن المتضررين مِن المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأمراض والأوبئة، وارفع عنهم التَّشَرُّد مِن بلادانهم، وأعذهم مِن الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأعمالنا وأوقاتنا وأموالنا وأهلينا، واغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وجميع المسلمين، اللهم قاتل النُّصيريين والخوارج، ومزِّقهم شرَّ مُمزق، واخذلهم في العالمين، اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين ونُوَّابهم ووزرائهم وعمالهم وجندهم لِما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، وحفظ بلادهم مِن الشرور، إنك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم.