إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة بعنوان: ” مسائل نحتاج أن نفقهها قبل النصف من شعبان “

خطبة مكتوبة بعنوان: ” مسائل نحتاج أن نفقهها قبل النصف من شعبان “

  • 25 مارس 2021
  • 394
  • إدارة الموقع

مسائل نحتاج أن نفقهها قبل النصف من شعبان

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الحليمِ الغفَّار، والصلاةُ والسلامُ على النَّبيِّ المُختَار، وعلى آلِه وأزواجِه وأصحابِه الأطهار.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّكم على مَقرُبةٍ مِن انتصافِ شهرِ شعبان، وشهرُ شعبانَ قد جاءَ في فضلِ صيامِ عامَّةِ أيَّامِهِ: ما صحَّ عن عائشةَ ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت:((لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا))، وجاءَ في حديثٍ حسَّنَه جمْعٌ مِن العُلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئلَ عن كَونِ شعبانَ أكثرِ الشُّهورِ التي يَصومُها، فقال صلى الله عليه وسلم:((ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ))، فاتقوا اللهَ في هذا الشهرِ بالإكثارِ مِن الصيامِ فيه لَعلَّكُم تُرحمون، فتقوى اللهِ ــ جلَّ وعلا ــ هي: أنْ تتقوا غضَبَه وعِقابَه بالأعمالِ الواجبةِ والمُستحَبَّةِ الواردةِ في القرآنِ والأحاديثِ الصَّحيحة، وقد أمرَكُم سبحانَه أنْ تتزوَّدوا مِن تقواهُ قبلَ مماتِكُم وانتقالِكُم إلى الدَّارِ الآخِرةِ، فقال ــ تباركَ وتقدَّس ــ:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}.

أيُّها المسلمون:

جاءَ حديثٌ فيهِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:((إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ))، وهذا الحديثُ وأشباهُهُ: حديثٌ ضعيفٌ لا يَصحُّ عن النبيِّ ﷺ عند أكثر العلماء، وقد نَقلَ ذلك عنهُم الحافظُ ابنُ رجبٍ البغدادي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائفِ المعارف”، وذهبَتْ طائفة مِن أهل العلم إلى ثُبوتِه بطُرقِه وشواهِده.

وعلى القولِ بثبُوتِ هذا الحديثِ فليسَ فيهِ: دَلالةٌ على تخصيصِ ليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ دونَ باقِي الليالي، بإحياءِ ليلِها بالصلاةِ والذِّكرِ والتلاوةِ والاستغفارِ والدعاءِ، وغيرِ ذلك مِن العبادات، وليسَ فيهِ أيضًا: دَلالةٌ على تخصيصِ يومِ النِّصفِ مِن شعبانَ بالصوم، والصَّدقةِ، وأعمالِ البِرِّ الأُخرَى، وليسَ فيهِ أيضًا: الاحتفالُ بليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ، كما تَفعلُ الشِّيعةُ الرَّافِضةُ، والصُّوفية، بل غايةُ ما في هذا الحديثِ هوَ: الإخبارُ عن بعضِ الأشياء.

وتخصيصُ وتمييزُ ليلةِ ويومِ النِّصفِ مِن شعبانَ عن باقِي الليالي والأيَّامِ لم يَفعلهُ رسولُ اللهِ ﷺ، ولا أصحابُه ــ رضي الله عنهم ــ، وقد قالَ الحافظُ ابنُ رجبٍ البغدادي ــ رحمه الله ــ في كتابه “لطائفِ المعارف”: «قيامُ ليلةِ النِّصفِ مِن شعبانَ لم يَثبُت فيهِ شيءٌ عن النبيِّ ﷺ، وأصحابِه»، وقال العلامةُ الألبانيُّ ــ رحمه الله ــ عن حديثِ صومِ يومِ النِّصفِ مِن شعبان: «ضعيفٌ جدًّا أو موضوع»، وأنكَرَ تخصيصَها بذلكَ فقهاءُ التابعينَ وتلامِذةُ الصحابةِ مِن أهلِ مكةَ والمدينة، وغيرُهم، وقالوا: «ذلكَ كُله بدعة».

ويومُ الجُمعةِ كما تعلمونَ ــ فقَّهكُم اللهُ ــ يومٌ عظيمٌ في الإسلام، وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه خيرُ يومٍ طلَعتْ عليه الشمسُّ، ويومُ عيدِ المسلمينَ، وتقومُ فيه الساعةُ، ولَه فضائلُ أُخرَى عديدة، ومع ذلك لا يُشرَعُ تَخصيصُه بعبادةٍ لم تَرِد في القرآنِ أو أحاديثِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحة، وذلك لِمَا أخرجه الإمامُ مسلمٌ في “صحيحهِ” عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (( لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ ))، وهذا الفضلُ ــ يا عِبادَ اللهِ ــ مع هذا الحديث: ظاهرٌ في أنَّ وجودَ فضلٍ لِزمَنِ مُعيَّنٍ، لا يُسوِّغُ لَنَا شرْعًا أنْ نَخُصَّهُ بعبادةِ لم تَرِد في القرآنِ والأحاديثِ النَّبوية الثابتة.

أيُّها المسلمون:

يُشارك أفرادٌ مِن المسلمينَ في هذا العصرِ في حَملةِ رسائلَ عبْرَ برامجِ التواصلِ كتويتر، والوتسآب، والفيسبوك، ومواقعِ الإنترنت، وغيرِها، وذلكَ قُبَيلَ مُنتصَفِ شهرِ شعبانَ بأيامٍ أو ساعاتٍ، شِعارُها:«سامحني وأسامحك» أو «سامحتك فسامحني»، ولعلَّ دافعَهُم في المُشاركةِ مع مَن أطلَقَ هذهِ الحملةِ هوَ حديثُ:((إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ)).

وأقول لِهولاء ــ أصلحَهم الله ــ: يَكفينا في عدمِ مُتابعةِ أهلِ هذهِ الحملةِ، وترْكِ المُشاركةِ معَهم، والترويجِ لهم، أمران:

الأوَّل ــ أنَّ هذهِ الحملةِ لم يُطلِقِها أئمةُ أهلِ العلم، وفقهاءُ الأمَّةِ الأكابِر، الذينَ جعلَهمُ اللهُ مرجعًا للناسِ في دِينهم، يأخذونَه عنهم، ويستفتونَهم فيه، وإنَّما أطلقها مَن ليسوا كذلك، بل قد لا يُعرَفونَ، أو يكونوا مِن عوامِّ الناسِ، ولا يَليقُ بحريصٍ على دِينِه وآخِرَتِه أنْ يُتابعَ مَن كانَ كذلك، ويَسيرَ في رِكابِهم، ويَعملَ بما أرادوا ووجَّهوا.

الثاني ــ أنَّ حديث:((إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ))، ضعيفٌ لا يَصِحُّ عندَ أكثرِ العلماءِ، ومعروفٌ عندَ الفقهاءِ مُنذُ أكثرِ مِن ألفِ سَنةٍ، ولا يُعرَفُ عن أحدٍ مِنهم مِن سائر البلدان والمذاهب: أنَّه أطلَقَ مِثلَ هذهِ الحملةِ أو استنبطها مِن هذا الحديث، وما هذهِ الحملةُ وأشباهُها إلا مِن البدعِ المُحدَثةِ في الدِّينِ والمُحرَّمةِ، وقد صحَّ عن ابنِ عمرَ ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال:((كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً)).

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الرَّحيمِ بعبادِه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأُصَلِّي عليه، وعلى آلِه وأصحابِه وأتباعِه.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فقد جاءَ حديثٌ فيهِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فلَا تَصُومُوا))، وهو حديثٌ ضعيفٌ مُنكَرٌ لا يَصح، وقد سُئلَ عنهُ أكابرُ أئمَّةِ الحديث كابنِ مَهدِيٍّ، وأحمدَ بنِ حنبل، وابنِ مَعِينٍ، وأبي زُرعَةَ الرَّازي، والأثْرَمِ، فقالوا: “حديثٌ مُنكَر”، ونسَبَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العسقلانيُّ ــ رحمه الله ــ تضعيفَهُ إلى أكثرِ العلماء، وبناءً على عدمِ صحَّتِه: فإنَّه لا حرَجَ أنْ يصومَ الإنسانُ بعدَ انتصافِ شهرِ شعبان، سواء صامَ قبلَ النِّصفِ أو لم يَصُم، وإلى جوازِ ذلك ذهبَ أكثرُ الفقهاءِ، مِن الحنفيةِ، والمالكيةِ، والحنابلةِ، والظاهريةِ، وكثيرٍ مِن الشافعيةِ، وغيرِهم.

أيُّها المسلمون:

لا يجوزُ للعبدِ أنْ يَسبِقَ رمضانَ بصومِ يومِ أو يومين قبلَه، وأمَّا: إنْ كانَ يصومُ ما وجَبَ عليهِ قبلَ رمضان، كقضاءٍ مِن رمضان سابِقٍ قد تَضايق، أو نَذرٍ نذَرَه، أو كفَّارة، فيجوز له الصيام عند أكثر العلماء، وكذلكَ: يجوزَ الصيامُ قبلَ رمضانَ بيومٍ أو يومين تطوعًا لِمَن كانَ صاحبَ عادةٍ في الصيامِ، كمَن عادتُه صيامُ كلِّ اثنينَ وخميسٍ مِن كلِّ شهر، أو صومُ يومٍ وإفطارُ يوم، إذا وافقت هذهِ الأيَّامُ آخِرَ أيَّامِ شعبان، لِمَا صحَّ أنَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:((لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ)).

أيُّها المسلمون:

يومُ الشَّكِ عندَ أكثرِ العلماءِ هو: اليومُ الذي قبلَ رمضان، وسُمِّيَ بيومِ الشَّكِ، لأنَّه مشكوكٌ فيه، هل هوَ يومُ الثلاثينَ مِن شعبان، أو الأوَّلِ مِن رمضان، بسببِ وجودِ مانعٍ يَمنعُ رُؤيةَ الهلالِ كغيمٍ أو غُبارٍ أو دُخان، ونحو ذلك، وهذا اليومُ لا يُصامُ، لِمَا صحَّ عن عمَّارٍ ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:((مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))، وقال الإمامُ الترمذيُّ ــ رحمه الله ــ بعد هذا الحيثِ: «والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ، ومَن بعدَهُم مِن التابعين، وبِه يقولُ سفيانَ، ومالكُ بنُ أنسٍ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق: كَرِهوا أنْ يصومَ الرجلُ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه، ورَأى أكثرُهم: إنْ صَامَهُ فكانَ مِن شهرِ رمضانَ أنْ يَقضِيَ يومًا مكانَه».اهـ

هذا وأسألُ الكريمَ: أنْ يُعينَنا على الاستمرار على الإكثار مِن طاعته إلى حين الوفاة، اللهمَّ اغفر لنَا ولوالِدينا وأجدادِنا وسائرَ الأهلِ والعيال، اللهمَّ احقن دماءَ المسلمينَ في كلِّ مكان، وأزِل عنهم الخوفَ والجوعَ والدمار، واجعل بلدانَهم آمنةً مِن الشُّرورِ والفِتن، ووفِّق ولاتَهُم لِمَا يُرضيك، وأزِل بِهُمُ الشِّركَ والبدعَ والآثامَ والظُّلمَ والعُدوان والبَغْيَ، إنَّك سميع الدعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.