إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة بعنوان: ” من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم “. ملف: [word].

خطبة مكتوبة بعنوان: ” من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم “. ملف: [word].

  • 28 أكتوبر 2021
  • 642
  • إدارة الموقع

من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم

 

من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي لا فوزَ إلا في طاعتِه، الذي إذا عُصِيَ تابَ وغفَر، وإذا دُعِيَ أجاب، وإذا عُومِلَ بالطاعة أثَاب، وأُصلِّي وأُسلِّمُ على النبيِّ الأمينِ محمدٍ، وعلى الآلِ لَه والأصحابِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ التعاملَ مع السَّحرةِ والكَهَنةِ والمُنجِّمينَ والعَرَّافِين والرَّمَّالِينَ، ومَن يقرؤونَ الكَفَّ والفِنجانَ، وأصحابِ الأبراجِ، والطاقةِ المُسمَّاةِ زُورًا بالرَّوحانية، وأضرابِهم، وأشباهِهِم: لَمِنَ المُحرَّماتِ الكُبرى، والذُّنوبِ العُظمَى، والآثامِ المُهلكةِ، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ))، وثبتَ أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ))، وثبتَ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكِهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ))، وثبتَ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ ))، وصحَّ أنَّ معاويةَ السُّلَمِي قال: (( قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» )).

فاتقوا اللهَ ولا تُفسِدوا أو تُضعِفوا دِينَكُم وآخِرَتَكُم بسببِ هؤلاء، بسببِ: الذَّهابِ إليهم، أو الاتصالِ بِهم، أو مُراسلَتِهم، أو تصديقِهم، أو طلبِ العلاجِ مِنهُم، أو معرفةِ المُستقبَلِ والأحداثِ والبَخْتِ والسِّحرِ والمَسروقِ والضائع عندَهُم، أو حضُورِ دَوراتِهم، أو مشاهدة أفعالهم في سِركِهم وقنواتِهم.

أيُّها المسلمون:

إنَّ السِّحرَ والكِهانَةَ والكاهِنَ يَدخلُ فيهم ومعَهُم أيضًا: العَرَّافُ، والرَّمَّالُ، والمُنَجِّمُّ، وقارئُ الكَفِّ والفِنجَانِ، وصاحبُ الأبراجِ، والمُعالِجُ بما يُسمَّى بالطاقة الرَّوحانيةِ.

ومَن نظر إلى هذهِ الأشياءِ: فقد يَرَى فيها وفي مُمارَسةِ أهلِها شِركِيَّاتٍ، أو بِدَعًا، أو معاصِي كُبرى، أو جميعَها، وسيَجِدُ فيها أيضًا: ادِّعَاءَ الغيبِ الذي تفرِّدَ اللهُ بِعِلمِه، حيث قال سبحانَه: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ: لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ ))، وأمَرَ اللهُ سبحانَه رسولَهُ صلى الله عليه وسلم أنْ يَنفِيَ عِلمَ الغيبِ عن نفسِه، ويُعلِنَ ذلكَ في الخلق، فقال تعالى: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ }، واتَّفقَ العلماءُ على: أنَّ مَن ادَّعَى عِلمَ الغيبِ لأحدٍ غيرَ اللهِ فهو كافرٌ مُرتدٌّ عن الإسلام.

فالسَّاحرُ والكاهِنُ يَدَّعِيانِ: معرفةَ المُغيَّباتِ في المُستقبَل، وما في الضَّميرِ مِن أسْرارٍ، وأهلِ بيتِ مَن يأتيه، والعَرَّافُ يَدَّعِي: معرفةَ مكانِ الشيءِ المَسروقِ والضائِع، والمُنجِّمُ يَدَّعِي: معرفةَ الحوادِثِ والوقائعِ المُستقبَليةِ عن طريقِ النُّجومِ، والرَّمَّالُ يَدَّعِي: معرفةَ الأشياءِ الغائبةِ عن طريقِ التخطيطِ في الرَّمْل، وقارئُ الكّفِّ والفِنجَانِ يَدَّعِي: معرفةَ البَختِ والمُستقبلِ والحوادثِ عن طريقِ باقِي القهوةِ وخُطُوطِ أصابِعِ اليَد، وصاحبُ الأبراجِ يَدَّعِي: معرفةَ شخصِيةِ الإنسانِ وطِباعِه عن طريقِ الأبراج، وأهلُ الطاقةِ يَدَّعون: معرفةَ حالِ الإنسانِ وعلاجِه عن طريقِ بعضِ الأشياءِ التي أُخِذَت مِن فلاسِفةِ اليُونانِ والبُوذِيينَ وأشبَاهِهِم.

أيُّها المسلمون:

إنَّ السَّحرةَ والكُهَّانَ والمُنجِّمينَ والرَّمَّالِين وقُرَّاءَ الكَفِّ والفِنجَانِ والمُتكلِّمينَ بالأبراجِ وأشبَاهِهِم ومَن كان مِن أهلِ طريقتِهم: يَتعاملونَ مع الجِنِّ والشياطين، وقد يُطابِقُ قليلٌ جدًّا مِمَّا قالوهُ الواقعَ، ولكنْ ليسَ سبَبُه: معرفتُهم بالغيب، وإنَّما السَّببُ: علاقتُهم بالجِنِّ، حيثُ صحَّ عن عائشةَ ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت: (( سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَاسٌ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِشَيْءٍ» فَقَالُوا: إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا مِنَ الجِنِّيِّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ، فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ» ))، فالجِنُّ: يَسترِقونَ السَّمْعَ في السماءِ الدُّنيا، ويُرمَونَ بالشُّهبِ، وقد يُلقُونَ ما استرَقوهُ إلى أوليائِهم مِن السِّحرةِ والكَهنَةِ قبلَ أنْ يَحرقَهم الشِّهاب، حيثُ صحَّ أنَّ نبيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ ))، فلا تَغترُّوا بِهم، ولا بما يَزعمُون، ولا تَرفَعوا شأنَهُم، وحافظوا على توحِيدِكُم للهِ ربِّكُم.

أيُّها المسلمون:

إنَّ السِّحرَ والسَّحرَةَ حقيقةٌ، ولهُم وجُودٌ بينَ النَّاس، ولِسِحرِهِم تأثيرٌ، لا يُنكِرُ ذلكَ أهلُ الإسلام، ولا مَن قبلَهُ مِن الأديانِ السَّماويَّة، ولا حتى عَوامُّ وعُقلاءُ الأُمَم الاُخْرى، ووجُودُه قديمٌ جدًّا، حيثُ قال الله سبحانَه: {  كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ }، ومِن السِّحرِ ما هو تَخييلِيٌ، بحيثُ يُخيَّلُ للإنسانِ شيءٌ، وليس كذلك، كما في قولِ اللهِ تعالى عن حِبالِ سَحرَةِ فِرعَون: { قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى }، ومِنه ما هو حقيقيٌ، له تأثيرٌ حقيقيٌ في الإنسان وعليه، كما في قولِ الله سبحانَه: {  فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ }، وعلى هذا دَلَّ القرآنُ والسُّنةُ النَّبوية، وإجماعُ السَّلف الصالحِ أهلِ السُّنةِ والحديثِ والجماعة.

والسِّحرُ: حرامٌ بنصِّ القرآن، والأحاديثِ النَّبوية الصَّحيحةِ، واتفاقِ العلماءِ، بل هو كُفرٌ، حيث قال اللهُ ــ تباركَ وتقدَّسَ ــ في كُفرِ تَعلُّمِ السِّحرَ وتعليمِه: { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ }، ونَفَى سبحانَه أنْ يكونَ خلاقٌ ــ أي: نَصِيبٌ وحَظٌّ ــ في الآخِرةِ لِمَن تَعاطَى السِّحرَ، فقال تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ }، وهذا النَّفيُّ لا يكونُ إلا في حقِّ ما هو كُفر، وحَكم ــ جلَّ وعلا ــ بأنَّه لا فَلاحَ للسَّاحِرِ حيثُ أتَى، فقال سبحانه: { إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى }، ولا يُنفَى الفلاحُ عن أحدٍ حيثُ كانَ وأينَ توجَّه وأقبَلَ إلا بسببِ الكُفر، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكرَ السِّحرَ بعدَ الشِّركِ في النَّهي، فقال صلى الله عليه وسلم: (( اجْتَنِبُوا المُوبِقَاتِ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ ))، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تَبَرَّأَ مِن السَّاحرِ ومِمَّن أَتَاهُ لِيصنَعَ له سِحرًا، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ )).

ومَن ثبتَ أنَّه ساحِرٌ شرعًا، وجَبَ على ولِيِّ الأمْرِ وحاكِمِهم قَتْلُه، وبهذا قضَى وحَكَمَ عَديدٌ مِن الصحابةُ ــ رضي اله عنهم ــ، وصحَّ عن بَجَالَةَ أنَّه قال: ((أَتَى كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَنَةٍ: «أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ»، فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ ))، والحمدُ للهِ ظاهرًا وباطِنًا، وأوَّلًا وآخِرًا، وإليه تُرجَعون.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ المُتابِعِ لأهلِ طاعتِه إِعانَتَهُ وإِمدَادَه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأستعيذُ باللهِ مِن الشُّرورِ، وهوَ حسْبُنا، ونِعمَ الوكيل.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ للتَّخلُصِ مِن شُرورِ الخلقِ مِن إنْسٍ وجِنٍّ بِسحرٍ أو مَسٍّ أو صَرَعٍ أو عَينٍ أو حَسَدٍ أو وَسْوَاسٍ طُرُقًا عديدةً ومُتنوِّعة، ومِنها:

أولًا: تعليقُ العبدِ قلْبَه بالله، وتفويضُ أُمُورِه إليه، وإقبالُه عليه، وثِقَتُه بِه في دَفعِهِ ودِفاعِهِ عنه، وهكذا يكونُ المُتَوَكِّل، وقد قال سبحانه مُبَشِّرًا: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ }.

ثانيًا: اطمِئنانُ قلْبِ العبدِ وإزالةُ المَخاوِفِ عنه، بأنَّه لن يُصيبَهُ أحدٌ مِن الخلقِ ولو اجتمعوا بضَرَرٍ لم يَكتبِ اللهُ وقُوعَه، ولِهذا لمَّا ذَكرَ الله السِّحرَ والسَّحرةَ وضَررَهُم في سورةِ البقرةِ طمأنَ قلوبَ عبادِه ورَبطَ جأشَها على الفور فقال سبحانَه: { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ }.

ثالثًا: استعمالُ الأذكارِ الوارِدَةِ في القرآنِ والسُّنةِ الصَّحيحة، فتُحفَظُ، ويُتحَصَّنُ بها، وتُقالُ في أوقاتِها وأماكِنها وبألفاظها، كأذكارِ الصَّباحِ والمساء، وأذكارِ النوم، وأذكارِ دُخولِ الخَلاءِ والخُروجِ مِنه، وأذكارِ السَّفر، وأذكارِ نُزولِ المكان، وغيرِها.

وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ ــ أي: السَّحَرَةُ ــ ))، وثبتَ عن ابنِ خُبيبٍ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لَه: (( قُلْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِى وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ ))، أي: كفَتَاهُ مِن كُلِّ سُوء، وصحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ))، وثبتَ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: «بِسْمِ الله الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ» ))، وصحَّ أنَّ رجلًا لَدَغِتْهُ عَقربٌ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لَه: (( أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ» ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُعوِّذُ الحسَنَ والحُسينَ فيقولَ: (( أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ))، وصحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ )).

هذا، وأسألُ اللهَ أنْ يحفظَنا مِن بين أيدِينا، ومِن خلفِنا، وعن أيمانِنا، وعن شمائلِنا، ومِن فوقِنا، ومِن تحتِ أرجُلِنا، وأنْ يُجنِّبَنا كيدَ الكائدين، ومَكرَ الماكِرين، اللهمَّ قوِّ إيمانَنا بك، وزِدْ في توكُّلِنا عليك، واجعلْ قلوبَنا مُتعلِّقَةَ بكَ وحدَك، إنَّكَ سميعُ الدُّعاء، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.