إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الحديث > كلمات ماتعات من الإمامين ابن تيمية وابن قيم الجوزية حول حديث: (( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ))

كلمات ماتعات من الإمامين ابن تيمية وابن قيم الجوزية حول حديث: (( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ))

  • 30 أكتوبر 2015
  • 36
  • إدارة الموقع

كلمات ماتعات من الإمامين ابن تيمية وابن قيم الجوزية حول حديث: (( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم ))

قال الإمام ابن قيم الجوزية – رحمه الله – في كتابه “مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة”(1/ 195- 200- طبعة: دار عالم الفوائ):

الوجه الثاني الخمسون:

أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن سمع كلامه ووعاه وبلغه بالنضرة.

 وهي: البهجة ونضارة الوجه وتحسينه.

 ففي الترمذي وغيره من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاَثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاَصُ العَمَلِ لله، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )).

وروى هذا الأصل عن النبي صلى الله عليه وسلم:

ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وجُبير بن مُطعم، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، والنعمان بن بشير.

قال الترمذي: “حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وحديث زيد بن ثابت حديث حسن”.

وأخرج الحاكم في “صحيحه” حديث جُبير بن مُطعم، والنعمان بن بشير، وقال في حديث جُبير: “على شرط البخاري ومسلم”.

ولو لم يكن في فضل العلم إلا هذا وحده لكفى به شرفاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن سمع كلامه، ووعاه، وحفظه، وبلَّغه.

وهذه هي مراتب العلم:

أولها وثانيها:

سماعه وعقله.

فإذا سمعه وعاه بقلبه، أي: عَقَله واستقر في قلبه، كما يستقر الشيء الذي يوعى في وعائه ولا يخرج منه،  وكذلك عَقَله هو بمنزلة عَقْل البعير والدابة ونحوها حتى لا تشرد وتذهب، ولهذا كان الوعي والعقل قدراً زائداً على مجرد إدراك المعلوم.

المرتبة الثالثة:

تعاهده وحفظه، حتى لاينساه فيذهب.

المرتبة الرابعة:

تبليغه وبثه في الأمة، ليحصل به ثمرته ومقصوده، فما لم يُبلَّغ ويُبث في الأمة فهو بمنزلة الكنز المدفون في الأرض الذي لا يُنفق منه، وهو مُعرَّض لذهابه، فإن العلم ما لم يُنفق منه ويعلَّم فإنه يوشك أن يذهب، فإذا أُنفق منه نما وزكا على الإنفاق.

 فمن قام بهذه المراتب الأربع دخل تحت هذه الدعوة النبوية المتضمنة لجمال الظاهر والباطن، فإن النُّضرة هي: البهجة والحسن الذي يُكساه الوجه من آثار الايمان وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره والتذاذه به. فتظهر هذه البهجة والسرور والفرحة نضارة على الوجه.

ولهذا يجمع له سبحانه بين البهجة والسرور والنضرة كما في قوله تعالى: { فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا }.

 فالنُضرة في وجوههم، والسرور في قلوبهم.

 فالنعيم وطِيب القلب يُظهر نضارة في الوجه، كما قال تعالى: { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ }.

 والمقصود أن هذه النضرة في وجه من سمع سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعاها، وحفظها، وبلغها، هي أثر تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه.

وقوله صلى الله عليه وسلم:

(( فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ )).

تنبيه على فائدة التبليغ، وأن المبلَّغ قد يكون أفهم من المبلِّغ، فيحصل له في تلك المقالة ما لم يحصل للمبلِّغ.

أو يكون المعنى:

أن المبلَّغ قد يكون أفقه من المبلِّغ، فإذا سمع تلك المقالة حملها على أحسن وجوهها، واستنبط فقهها، وعلم المراد منها.

وقوله صلى الله عليه وسلم:

(( ثَلاَثٌ لاَ يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ )) إلى آخره.

أي: لا يحمل الغِلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة، فإنها تنفي الغل والغش، وهو فساد القلب وسخائمه.

فالمخلص لله إخلاصه يمنع غِلَّ قلبه، ويخرجه ويزيله جملة، لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغِلِّ والغش، كما قال تعالى: { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ }.

فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء، فانصرف عنه السوء والفحشاء.

ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الاخلاص استثناهم من شُرطته التي اشترطها للغواية والإهلاك فقال: { فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ }.

وقال: { رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ }.

قال الله تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ }.

فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مَرْكَب السلامة، والإيمان خاتم الأمان.

[ وقال في كتابه “مدارج السالكين”(2/ 94):

أي: لا يبقى فِيهِ غِلٌّ، ولا يحمل الغِلَّ مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غِلَّه، وتُنَقِّيه منه، وتُخرجه عنه.

فإن القلب يَغِلُّ على الشِّرك أعظم غِلٍّ، وكذلك يَغِلُّ على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة.

فهذه الثلاثة تملؤه غِلًّا ودَغَلًا.

ودواء هذا الغِلِّ، واستخراج أخلاطه: بتجريد الإخلاص، والنُّصح، ومتابعة السُّنَّة.اهـ ].

وقوله – صلى الله عليه وسلم -:

(( وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ )).

هذا أيضاً مُناف للغِلِّ والغش، فإن النصيحة لا تجامع الغَلَّ، إذ هي ضده، فمن نصح الأئمة والأمة فقد برئ من الغِلّ.

وقوله – صلى الله عليه وسلم -:

(( وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ )).

هذا أيضاً مما يُطهِّر القلب من الغِلِّ والغش، فإن صاحبه للزومه جماعة المسلمين يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسره ما يسرهم.

وهذا بخلاف من انجاز عنهم، واشتغل بالطعن عليهم، والعيب والذم لهم، كفعل الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرهم، فإن قلوبهم ممتلئة غِلاً وغشاً.

ولهذا تجد الرافضة أبعد الناس من الإخلاص، وأغشهم للائمة والأمة، وأشدهم بُعداً عن جماعة المسلمين، فهؤلاء أشد الناس غِلاً وغشاً بشهادة الرسول والأمة عليهم، وشهادتهم على أنفسهم بذلك، فإنهم لا يكونون قَطُّ إلا أعواناً وظهراً على أهل الإسلام، فأي عدو قام للمسلمين كانوا أعوان ذلك العدو وبطانته.

وهذا أمر قد شاهدته الأمة منهم، ومن لم يشاهد فقد سمع منه ما يُصِّم الآذان، ويُشجي القلوب.

 وقوله – صلى الله عليه وسلم -:

(( فَإِنَّ دَعْوَتَهُم تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )).

هذا من أحسن الكلام، وأوجزه، وأفخمه معنى.

شَبَّه دعوة المسلمين بالسُّور والسِّياج المحيط بهم، المانع من دخول عدوهم عليهم، فتلك الدعوة – التي هي دعوة الاسلام، وهم داخلوها – لمَّا كانت سُوراً وسياجاً عليهم أخبر أن من لزم جماعة المسلمين أحاطت به تلك الدعوة – التي هي دعوة الاسلام  – كما أحاطت بهم، فالدعوة تجمع شَمْل الأمة، وتلُمُّ شَعَثها، وتحيط بها، فمن دخل في جماعتها أحاطت به وشَمِلته.انتهى كلامه من كتابه “مفتاح دار السعادة”.

وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله – كما في “مجموع الفتاوى”(1/ 18-19):

قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور في السنن من رواية فقيهي الصحابة عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت:

(( ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لله، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )).

وفي حديث أبي هريرة المحفوظ :

(( إنَّ االله يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ الله أَمْرَكُمْ )).

فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث:

إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين.

وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة.

وبيان ذلك أن الحقوق قسمان:

حق الله، وحق لعباده.

فحق الله:

أن نعبده ولا نشرك به شيئاً، كما جاء لفظه في أحد الحديثين، وهذا معنى إخلاص العمل لله، كما جاء في الحديث الآخر.

وحقوق العباد قسمان:

خاص وعام.

أما الخاص فمثل:

برّ كل إنسان والديه، وحق زوجته، وجاره، فهذه من فروع الدين، لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه؛ ولأن مصلحتها خاصة فردية.

وأما الحقوق العامة فالناس نوعان:

رعاة ورعية.

فحقوق الرعاة مناصحتهم، وحقوق الرعية لزوم جماعتهم، فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالة، بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعاً.

فهذه الخصال تجمع أصول الدين.

وقد جاءت مفسرة في الحديث الذي رواه مسلم عن تميم الدَّارِىّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ )).

فالنصيحة له ولكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له.

والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم هي مناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن لزوم جماعتهم هي نصيحتهم العامة، وأما النصيحة الخاصة لكل واحد منهم بعينه، فهذه يمكن بعضها ويتَعذَّر استيعابها على سبيل التعيين.اهـ

وقال أيضاً (16/ 58):

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:

(( ثَلَاثٌ لَا يَغُلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لله وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )).

 أي: هذه الخصال الثلاث لا يَحْقِد عليها قلب مسلم بل يحبها ويرضاها.اهـ

وقال أيضاً (28/ 52):

وقوله – صلى الله عليه وسلم -:

(( لَا يُغِلُّ )) أي: لا يَحْقِد عَلَيْهِنَّ، فلا يُبغض هذه الخصال قلب المسلم بل يحبهن ويرضاهن.اهـ

وقال أيضاً (35/ 7-8):

و (( يَغَلُّ )) بالفتح هو المشهور، ويقال : ” غَلَّى صَدْرَهُ فَغَلَّ ” إذا كان ذا غش وضغن وحقد.

أي قلب المسلم لا يغِلُّ على هذه الخصال الثلاثة، وهي الثلاثة المتقدمة في قوله:

(( إنَّ الله يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تناصحوا مَنْ وَلَّاهُ الله أَمْرَكُمْ )).

فإن الله إذا كان يرضاها لنا لم يكن قلب المؤمن الذي يحب ما يحبه الله يُغِلّ عليها يبغضها ويكرهها، فيكون في قلبه عليها غِلّ، بل يحبها قلب المؤمن ويرضاها.اهـ

وقال في كتابه “إقامة الدليل على إبطال التحليل”(ص:240-241):

وعن عبد الله بن عمرو قال:

(( كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إلَى رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلِي نَبِيٌّ إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، تَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاَلله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُعْطِهِ إنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ )) رواه مسلم وغيره.

فهذه الوظائف الثلاث التي جمعها في هذا الحديث من قواعد الإسلام، وكثيراً ما يذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله في حديث أبي هريرة:

(( إنَّ الله يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ الله أَمْرَكُمْ )).

 ومثل قوله في حديث زيد بن ثابت:

(( ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لله وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ )).

وذلك أن الاجتماع ولائتلاف اللذين في هذين الحديثين لا يتم إلا بالمعنى الذي وصى به في حديث عبد الله بن عمر، وهو قوله:

(( وَلْيَأْتِ إلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إلَيْهِ )).

وهذا القدر واجب، لأنه قرنه بالإيمان وبالطاعة للإمام في سياق ما ينجي من النار ويوجب الجنة، وهذا إنما يقال في الواجبات، لأن المستحب لا يتوقف عليه ذلك، ولا يستقل بذلك، ولهذا غاية الأحاديث التي يُسأل فيها النبي صلى الله عليه وسلم عما يدخل الجنة وينجي من النار إنما يذكر الواجبات.اهـ

وقال أيضاً كما في “مجموع الفتاوى”(1/ 11):

(( نَضَّرَ الله امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ؛ ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ لله وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )).

وفى هذا دعاء منه لمن بلَّغ حديثه، وإن لم يكن فقيهاً، ودعاء لمن بلَّغه وإن كان المستمع أفقه من المبلِّغ، لِما أعطى المبلِّغون من النُّضرة.

ولهذا قال سفيان بن عيينة:

لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة، لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم “.

يقال: نَضَرَ وَنَضُرَ، والفتح أفصح.

ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث، حتى قال الشافعى – رضى الله عنه -:

” إذا رأيتُ رجلاً من أهل الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم “.

وإنما قال الشافعي هذا، لأنهم في مقام الصحابة من تبليغ حديث النبي صلى الله عليه وسلم .

وقال الشافعى أيضاً:

” أهل الحديث حفظوا، فلهم علينا الفضل لأنهم حفظوا لنا “.اهـ

انتقاء:

عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد