خطبة لآخر جمعة من شهر رمضان
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ ذِي الجَلالِ والعَظَمَةِ، وأشهدُ لَهُ شهادَةَ الحقِّ لا إلهَ إلا اللهُ، وصلواتُهُ وسلامُهُ على خاتَمِ أنبيائِهِ، وأفضَلِ خلِيقَتِهِ، وأشهدُ لهُ بالعُبودِيَّةِ والرّسالَةِ، ورَضِيَ اللهُ عن آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ إلى يومِ القيامَةِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فاستمسِكوا بأُصولِ الإسلامِ الكُبرى، وأركانِهِ العُظمَى، وعُرَاهُ الأقوى، وحافِظوا عليها ما عِشْتُم، واستمِرُّوا عليها إلى ساعَةِ الوَفاةِ، ولا تَحِيدُوا عنها وإنْ قُتِّلْتُم أوْ قُطِّعْتُم أوْ شُرِّدْتُم، فقدْ قالَ ربُّكُم سُبحانَهُ آمِرًا لَكُم: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( صَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ ))، وثبتَ أنَّ رجُلًا أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: (( أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أَنَا؟ قَالَ: مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))، وثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( مَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَمَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ))، إذْ ستأتِي على الإسلامِ وأركانِهِ وأُصولِهِ الكِبارِ أيَّامٌ شِدادٌ صِعابٌ، حيثُ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَتُنْتَقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةٌ عُرْوَةٌ، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَتْ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُ نَقْضِهَا الْحُكْمُ، وَآخِرُهَا الصَّلَاةُ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللهِ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا )).
أيُّها المُسلِمونَ:
لَقدْ قطعتُم الأكثرَ مِن شهرِ رمضانَ ولم يَبقَّ مِنهُ إلا أيَّامٌ قليَةٌ مِن عَشْرِهِ الأخيرَةِ، فتَدارَكوها بالتوبَةِ النَّصوحِ، والإكثارِ مِنَ الصالِحاتِ، وترْكِ الخطِيئاتِ والمُنكراتِ، وحُسنِ الخُلقِ وإحسانِ المُعاملَةِ مع النَّاسِ، وزيادَةِ الذِّكرِ والاستغفارِ والجُودِ والصَّدَقَةِ، لأنَّ بابَ التوبَةِ لم يُقفَلْ بعدُ، واللهُ يُحِبُّ التوَّابينَ، وأرحَمُ بِكُم مِن أنفسِكُم وأهلِيكُم ومَنْ في الأرضِ جميعًا، ولا تزالونَ تَنعَمونَ بالعيشِ في زمَنٍ فاضِلٍ مُبارَكٍ تُضاعَفُ فيهِ الحسناتُ، وتُكفَّرُ فيهِ الخطِيئاتُ، وتُرفَعُ فيهِ الدَّرجاتُ، بلْ لا زِلْتُم في أعظَمِ لَياليِ السَّنَةِ أجْرًا وبَرَكَةً وفضلًا، وقد قالَ اللهُ سبحانَهُ مُبشِّرًا لَكُم ومُحَفِّزًا: { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }، وقالَ تعالى: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: قالَ اللهُ تعالى: (( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ )).
أيُّها المُسلِمونَ:
أدُّوا زكاةَ أموالِكُم، فإنَّ الزَّكاةَ أحَدُ أركانِ وأُصولِ الإسلامِ الكُبرى، وإحدَى الحسَناتِ العِظامِ الجِلالِ، وقرينَةُ الصَّلاةِ في القُرآنِ، ومَن جَحَد وجُوبَها كفرَ باللهِ العظيمِ، ومَن منَعَها بُخلاً وتهاونًا فسَقَ وكانَ مِنَ الخاطِئينَ، ومَن أدَّاها مُعتقِدًا وجُوبَها راجيًا ثوابَها، فليُبشِرْ بالخيرِ الكثير،ِ وبالخَلَفِ العاجِلِ والبَرَكَةِ، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ ))، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا }.
أدَّوا الزَّكاةَ قبلَ أنْ تَفقِدوا المالَ مُرتَحِلِينَ عنهُ لِلورَثَةِ أوْ مُرتَحِلًا هوَ عنكُم بالفقرِ بعدَ السَّعَةِ والغِنَى، فإنَّما أنتُم في هذهِ الدُّنيا غُرَباءُ مُسافِرونَ، وإلى اللهِ راجعونَ ومُحاسَبُونَ ومُجازَونَ، وقد وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ ــ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ ــ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ )).
وأخرِجوا زكاةَ الفِطرِ عنكُم وعمَّنْ تعولونَ وتَحْتَ نفَقَتِكُم، فإنَّها تَجِبُ على المُسلِمِ الحَيِّ ذَكَرًا أو أُنْثَى صغيرًا أو كبيرًا حُرًّا أو عبدًا، لِمَا صحَّ أنَّ ابنَ عمرَ ــ رضيَ اللهُ عنهُما ــ قالَ: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ )).
ويجوزُ أنْ تُخرَجَ زكاةُ الفِطرِ قبْلَ العِيدِ بيومٍ أوْ يومينِ، لِمَا صحَّ عن تِلمِيذِ بعضِ الصحابَةِ نافِعٍ أنَّهُ قالَ: (( كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ))، والأفضلُ باتفاقِ العلماءِ أنْ تُخرَجَ في يومِ عيدِ الفطرِ بعدَ صلاةِ فجْرِهِ وقبْلَ صلاةِ العيدِ لِمَن تيسَّرَ لهُ ذلِكَ، لِمَا صحَّ أنَّ ابنَ عمرَ ــ رضيَ اللهُ عنهُما ــ قالَ: (( فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ )).
والحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا وظاهِرًا وباطِنًا، وبُكرَةً وأصِيلًا، وعلى كُلِّ حالٍ.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ كثيرًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأُكَبِّرُهُ تكبيرًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المَبعوثُ بشيرًا ونذيرًا، اللهمَّ فصَلِّ وسلِّم عليهِ بُكرَةً وأصِيلًا.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنَّ الإحسانَ إلى الضُّعفاءِ والمُحتاجِينَ مِن أعظَمِ أسبابِ النَّصرِ والرِّزقِ ودَفعِ البلاءِ وكشْفِ كُرَبِ الآخِرَةِ، لِمَا صحَّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا ومُوصِيًا ومُبشِّرًا: (( ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ )).
أيُّها المُسلِمونَ:
اتقوا اللهَ تعالى بسَجْنِ أنفُسِكُم وحبْسِها عن الشَّهواتِ المُحرِّمَّةِ، واقطَعوا صِلَتَكُم بدُعاتِها وأماكِنِها ومقاطِعِ وبَرامِجِ صوتِيَّاتِها وصُورِها وفيديُوهاتِهِا، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ ))، وقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ راحمًا بِكُم ومُحذِّرًا لَكُم: { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا }، وقالَ تعالى آمِرًا وناهيًا: { وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» )).
هذا، وأسألُ اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ: أنْ يُبارِكَ لَنَا في أموالِنا وأوقاتِنا وأهلينَا، اللهمَّ: لا تَجعَلِ الدُّنيا أكبرَ هَمِّنا، ووفِّقنَا لِمَا يَنفعُنا في معادِنَا، ووفِّقْ لِلخيرِ وُلَاتَنا ونُوَّابَهُم وجُندَهُم، اللهمَّ: تقبَّلْ صيامَنَا وقيامَنَا، واجعَلنا مِمَّن صَامَ وقامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا فغَفَرْتَ لَهُ ما تقدَّمَ مِن ذنْبِهِ، اللهمَّ: اغفِرْ لِلمُسلِمينَ والمُسلِماتِ الأحيَاءِ مِنهُم والأموَاتِ، اللهمَّ: ارفعْ عنِ المُسلِمينَ ما نَزَلَ بِهِم مِن ضُرٍّ وبَلاءٍ، وأعِذْنَا وإيَّاهُم مِنَ الفِتَنِ ما ظهرَ مِنها وما بطَنَ، وأبعِدْ عنِ الفسادِ والمُفسِدِينَ أبناءَنَا وبناتَنَا، اللهمَّ: أصلِحْ فسادَ قُلوبِنَا، وزِدْنا مِن طاعَتِكَ، وأجِرْنِا مِن خِزْيِ الدُّنيا وعذابِ الآخِرَةِ، إنَّكَ سميعُ الدَّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم