الظلم ظلمات يوم القيامة يوم يقتص من الظالمين
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي حرَّمَ الظُّلمَ على نفسِهِ وجَعَلَهُ بينَ عِبادِهِ مُحرَّمًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ حَقًّا وصِدْقًا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المَبعوثُ رحمَةً وهُدًى، اللهمَّ فصَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ دَومًا.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فاتَّقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ باتِّقاءِ الظُّلمِ واجتِنابِهِ، ورَدِّ المَظالِمِ إلى أهلِهَا، ووعْظِ الظالِمِ وتذكيرِهِ باللهِ واليومِ الآخِرِ، ونُصْرَةِ المظلومِ لِمَنْ قدِرَ علَيها، فإنَّ الظُّلمَ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ، وغِلاظِ المُهلِكاتِ، وشديدِ النَّدَاماتِ، وعظيمِ المُفسِداتِ في الأرضِ، وهُوَ مُحرَّمٌ بنصِّ القرآنِ وصحيحِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ واتِّفاقِ العلماءِ وإجماعِهِم، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُتَوعِّدًا: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا }، وقالَ تعالَى: { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا }، وصحَّ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ اللهَ ــ عزَّ جلَّ ــ قالَ: (( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا ))، وصحّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ ))، وقالَ الفقيهُ الهَيتَمِيُّ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ عن تحريمِ الظُّلمِ: «وهذا مُجمَعٌ عليهِ في كُلِّ مِلَّةٍ».
أيُّها المُسلِمونَ:
إنَّ أبوابَ الظُّلمِ واسِعَةٌ، وأنواعَهُ مُتعدِّدَةٌ، وصُوَرَهُ كثيرَةٌ، وانتشارَهُ عظيمٌ، فهُوَ يَتعلَّقُ بالدِّينِ والعِبادَةِ والدُّنيا والأنفُسِ والأعراضِ والعُقولِ والأموالِ والأنسابِ والمِهَنِ والوظائِفِ والمَتاجِرِ والبيعِ والشِّراءِ والشَّرَاكَةِ والعِلاجِ والتطبيبِ والتمريضِ والأقوالِ والأفعالِ والأشخاصِ والأُسَرِ والقبائِلِ والبُلدانِ والأراضِي والأبناءِ والبناتِ والزَّوجاتِ والورَثَةِ والقَضَاءِ والقُضَاةِ والتحقيقِ والمُحقِّقينَ والادِّعاءِ والدَّعاوَى والخُصومَاتِ والعِلمِ والعُلماءِ والمُحامَاةِ والمُحامِينِ والمُحاسِبينَ والمُحاسَبَةِ والعساكِرِ والجُندِ، وغيرِهم.
ومِن أنواعِهِ: ظُلمُ العبدِ لِنفسِهِ بالشِّركِ في عِبادَةِ اللهِ، بعبادَةِ غيرِ اللهِ معَ اللهِ بِصَرْفِ شيءٍ مِنَ العِبادَةِ لِغيرِ اللهِ، حيثُ قالَ اللهُ تعالَى: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }، وأكثَرُ ما ذُكِرَ في القرآنِ مِنْ وعيدِ الظالِمينَ أُرِيدَ بِهِ المُشرِكونَ، كمَا قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ }.
ومِن أنواعِهِ أيضًا: ظُلمُ العبدِ لِنفسهِ بالمعاصِي على اختلافِ أجناسِها مِن كبائِرَ وصغائِرَ.
ومِن أنواعِهِ أيضًا : ظُلمُ العبدِ لِغيرِهِ بقولِ أو فعلٍ، وفي نفسٍ أو عِرْضٍ أو مالٍ أو غيرِها، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ )).
أيُّها المُسلِمونَ:
إنَّ الظًّلمَ ــ ولَو كانَ كأخْذِ مسافَةِ شِبرِ اليَدِ مِن مالِ الغيرِ أو مالِ بيتِ مالِ المُسلِمين ــ عُقوبَتُهُ شديدَةٌ وغليظَةٌ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ))، وصحَّ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضًا ظَالِمًا لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ))، وإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ على صاحِبِهِ يومَ القيامَةِ، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))، وإنَّ الظُّلمَ مآلُهُ في الآخِرَةِ إلى القِصَاصِ حتى ولو كانتِ الظالِمَةُ شاةَ غَنَمٍ لأُختِها بنطْحِها بِقَرِنِها، إذْ صحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ ))، وإنَّ الظُّلمَ يَجعَلُ العبدَ يومَ القيامَةِ مُفْلِسًا مِنَ الحسَناتِ مُثْقَلًا بالسَّيِّئَاتِ، ويُؤخَذُ مِن حسَناتِهِ وتُعطَى لِمَن ظلَمَهُم، فإنْ فَنِيَتْ حسَناتُهُ أُخِذَ مِن سيِّئَاتِهِم وطُرِحَتْ عليهِ، ثُمَ يُطرَح في النَّارِ، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأصحابِهِ: ((«أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَبَى أنْ يَشهدَ على ظُلْمٍ في عَطِيَّةٍ وهِبَةٍ مِن أبٍ لأحَدِ أبنائِهِ دُونَ باقِي أولادِهِ، حيثُ صحَّ عنِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» ))، ودَعوَةُ المَظلومِ على الظالِمِ حَرِيٌّ أنْ تُجَابَ، لِما صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ )).
أيُّها المُسلِمونَ:
إنَّ الظًّلمَ إذا انتشَرَ وشاعَ وكثُرَ في النَّاسِ، ولَم يُؤخَذْ على أيدِي الظَّلَمَةِ، ولَم يُنصَرِ المَظلومُ، فلا أمْنَ مِن عُقوبَةَ اللهِ، لا لِلبلَدِ ولا لِلظالِمِ، حيثُ قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ مُرهِّبًا: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ }، وقالَ سُبحانَهُ: { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((«إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ ))، وصحَّ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» )).
اللهمَّ: إنَّا ظلَمْنَا أنفُسَنَا ظُلمًا كثيرًا ولا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ، فاغفِرْ لَنَا مَغفِرَةً مِن عِندِكَ وارْحَمْنَا، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ عَلَّامِ الغُيُوبِ، وصَلاتُهُ وسَلامُهُ على أنبيائِهِ سادَةِ الشُّعُوبِ، وعلى آلِ كُلٍّ وأصحابِهِم مِنَ المُؤمِنينَ النُّجُوبِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنّ الحاكِمَ إذا ظلَمَ الرَّعِيَّةَ واستأثَرَ بالمالِ فلا يجوزُ الخُروجُ عليهِ، ولا قِتالُهُ، ولا تَحريضُ النَّاسِ عليهِ، ولا نَزْعُ اليدِ مِن طاعَتِهِ، بلْ يجبُ الصَّبرُ على ظُلمِهِ وجَورِهِ واستِئْثَارِهِ ولو طالَ زَمَنُ ذلِكَ، لِمَا في الخُروجِ عليهِ ومُنابَذَتِهِ مِن الشُّرورِ العظامِ الكِثارِ الطِّوالِ، وعلى الدِّينِ والدًّنيا والعِبادِ والبِلادِ والأمْنِ والاقتصاد، وهذا العِلاجُ وهذهِ المُعامَلَةٌ ليستْ مِن رُؤُوسِنَا وعُقولِنَا، بلْ شَريعَةٌ جاءتْ مِن عندِ اللهِ خالِقِنَا، حيثُ أخرَجَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ))، وأخرَجَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ))، وأخرَجَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ))، وأخرَجَ مُسلِمٌ في “صحيحهِ” أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» )).
ومِن بابِ التنبيهِ، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ))، وهذا الحديثُ عندَ أهلِ السُّنةِ لا يَدخُلُ فيهِ الحاكِمُ إذا أخذَ مالَ أحدٍ بغيرِ حقٍّ، وقدْ قالَ الإمامُ ابنُ المُنْذِرِ ــ رحمَهُ اللهُ ــ المولودُ سَنَةَ اثنينِ وأربعينَ ومِئَتينِ مِنَ الهِجرَةِ: «يقولُ عوَامُّ أهلِ العلمِ: إنَّ لِلرَّجُل أنْ يُقاتِلَ عن نفسِه ومالِهِ إذا أُرِيدَ ظُلْمًا، لِلأخبارِ التي جاءتْ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَمْ تَخُصَ وقتًا دُونَ وقتِ ولا حالاً دُونَ حالٍ، إلا السُّلطانَ ــ أي: الحاكِمَ ــ، فإنَّ جماعَةَ أهلِ الحديثِ: كالمُجمِعينَ على أنَّ مَن لمْ يُمكِنهُ أنْ يَمنَعَ نفسَهُ ومالَهُ إلا بالخُروجِ على السُّلطانِ ومُحارَبَتِهِ أنَّهُ لا يُحارِبُهُ ولا يَخرجُ عليهِ،
لِلأخبارِ الدَّالَّةِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم التي فيها الأمرُ بالصَّبرِ على ما يكونُ مِنهُم مِنَ الجَورِ والظًّلمِ وتَرْكِ قِتالِهِم والخُروجِ عليهِم ما أقامُوا الصلاةَ». انتهى كلامُه.
اللهمَّ: اغنِنَا بالحَلالِ عنِ الحرامِ، ويسِّرْ لَنَا الأرزاقَ، وبارِكْ لَنَا في أقواتِنا وأوقاتِنا وأعمارِنا وأهلِينا، ولا تجعلِ الدُّنيا أكبرَ همِّنا، ولا تُلهِنا بحُطامِها عن آخِرتِنا، ووفِّقنا لِمَا يَنفعُنا في مَعادِنا، اللهمَّ: جنِّبنا الشركَ والبدعَ والمعاصِي، وارزُقنا لُزومَ التوحيدِ والسُّنَّةِ إلى المَماتِ، اللهمَّ: ارفعِ الضُّر عن المُتضرِّرينَ مِن المسلمينَ في كلِ مكانٍ، وسدِّدِ الوُلاةَ ونُوابَهُم وجُندَهُم إلى مراضيكَ، واغفِرْ لِلمُسلِمينَ والمُسلِماتِ الأحياءِ مِنهُم والأمواتِ، إنَّكَ جوادٌ كريمٌ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُم.