إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ». ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ». ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 16 أبريل 2026
  • 251
  • إدارة الموقع

ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي أحاطَ عِلمُهُ وبَصرُهُ وقُدرتُهُ بجميعِ خلْقِهِ وما يَفعلونَ، وعَظُمَ حِلمُهُ على مَن عصَاهُ فسَتَرَ وأمهلَ، ويُملِي لِلفاجرِ حتَّى إذا أخذَهُ لَمْ يُفلِتْهُ، إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شديدٌ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على النَّبيِّ محمدٍ المَبعوثِ رحمَةً وإصلاحًا، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ الأطهارِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمُونَ:

فإنَّنا نعيشُ في زَمَنٍ كثُرتْ فيهِ الإباحِيَّةُ، وتضاعَفَ دُعاتُها، وتنوَّعَتْ قنوَاتُها ومواقِعُها ووسائِلُها حتَّى وصَلَتِ الصَّغيرَ والكبيرَ، ووقعَتْ فيها أفواجٌ غَفيرَةٌ مِنَ الذُّكورِ والإناثِ، ووصَلوا معَها إلى حالٍ مُزْرٍ وفاضِحٍ ومُخْجِلٍ، وبلَغَ التَّهاوُنُ والتَّهتُّكُ والتَّفسُّخُ في بابِ الأعرَاضِ مبْلغًا كبيرًا مِنَ السُّوءِ، بلْ لَمْ تُصبِحِ الفوَاحِشُ في كثيرٍ مِن البُلدَانِ جريمَةً يُحاسَبُ عليها إذا وُجِدَ الرَّضَا بينَ أهلِهَا، ووصَلَ كثيرونَ فيها إلى أبشَعِ السُّفُولِ، وحَضِيضِ الحيَوانِيَّةِ، فتَعرَّوا وفجَرُوا وزَنوا وعمِلوا عمَلَ قومِ لُوطٍ وتَساحَقُوا، حتَّى إنَّ مِنهُم مَن يَفعلُ ذلِكَ في الطُّرَقاتِ والشَّواطِئِ والمَركبَاتِ والحَدائِقِ أمامَ النَّاسِ كالبهائِمِ، وصَوَّرُوا أنفسَهُم وأفعالَهُم القبيحَةِ هذِهِ في فيديُوهاتٍ وبرامِجِ التواصُلِ، لا يَرْدَعُهُم دِينٌ ولا دَولَةٌ ولا حَياءٌ ولا غَيرَةٌ ولا مُجتمَعٌ، وليسَ المُسلِمونَ وبلادُهُم بمَنْأَىً بعيدٍ عن ذلِكَ، لِمَا يُرَى مِن ضَعْفٍ شديدٍ في الدِّينِ، وتساهُلٍ كبيرٍ في التَّربِيَةِ، وانحدارٍ واسِعٍ في الحَياءِ، وجُرْأةٍ غريبَةٍ على مَحارِمِ اللهِ وحُرُمَاتِهِ، وتقارُبِ العالَمِ عبْرَ برامِجِ الإنترنِتِّ والطيرَانِ، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُحذِّرًا لَنَا: (( «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ» ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ ))، ــ أيِ: الزِّنَى.

أيُّها المُسلِمُونَ:

إنَّ الزِّنَى لا تَخفَى حُرمَتُهُ على مُسلِمٍ عاقِلٍ بالِغٍ، وتَحرِيمُهُ ثابِتٌ بنَصِّ القرآنِ ونَصِّ السُّنَّةِ النِّبوِيَّةِ المُتواتِرَةِ واتفاقِ العُلَماءِ، وهُوَ مِنَ المُحرَّمَاتِ الكُبرى، والمُنكرَاتِ العُظمَى، والفواحِشِ الغليظَةِ، والقبائِحِ الفظيعَةِ، والآثَامِ المُهلِكَةِ، والرَّذائِلِ البَشِعَةِ، والجرَائِمِ الشَّنيعَةِ، وإنكارُ تحريمِهِ كُفْرٌ ورِدَّةٌ عنِ الإسلامِ، بلْ قالَ العُلَماءُ ــ رحمَهُمُ اللهُ ــ عنِ الزِّنَى: «اتفقَّ جميعُ أهلِ المِلَلِ على تحريمِهِ وقُبحِهِ، فلَم يُبَحْ في مِلَّةٍ قَطُّ»، وإنَّ مِمَّا يَدُلُّ على عظيمِ تحريمِ الزِّنَى، وشديدِ قُبْحِهِ، وفَظَاعَةِ جُرْمِهِ، وكبيرِ فُجْرِهِ، وعُهْرِ فِعلِهِ، وأنَّهُ مِن كبائرِ الآثامِ وغليظِها، هذهِ الأمورُ:

الأمْرُ الأوَّل: أنَّ اللهَ سُبحانَهُ نَهَى عن قُربَانِ الزِّنَى، ووصَفَهُ بالفاحِشَةِ وبِئْسِ السَّبيلِ، فقالَ تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا }.

الأمْرُ الثانِي: أنَّ النِّساءَ في أوَّلِ الإسلامِ كُنَّ يُبايِعْنَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم معَ الإسلامِ على عدمِ الزِّنَى، حيثُ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ }.

الأمْرُ الثالِث: أنَّ الزِّنَى مِن أكبَرِ الذُّنوبِ عِندَ اللهِ التي يُضاعَفُ عذابُ أهلِهَا، حيثُ صحَّ أنَّهُ قِيلَ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: { وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ العَذَابُ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } )).

الأمْرُ الرابِع: غِلَظ ُعقوبَةِ مُرْتكِبِ الزِّنَى في شريعَةِ الإسلامِ، فإنَّ الزَّانِيَ والزّاَنِيَةَ إنْ كانَا مِمَّنْ قدْ تَزَوَّجَ فإنَّهما يُقتلَانِ بأبشَعِ صُورِ القتْلِ، فيُرجَمَانِ بالحِجارَةِ على مَلَأٍ ومَرْأَى مِنَ النَّاسِ ومِنهُم إلى أنْ يَمُوتا، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي ))، والثَّيِّبُ الزَّانِي هُوَ: مَن سَبقَ لَهُ زواجٌ ذَكرًا كانَ أو أُنثَى، فيُباحُ دَمُهُ إذا زَنَى، وصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ فَرُجِمَ، وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ ))، وأمَّا إنْ كانَ الزَّانِي والزَّانِيَةُ لَمْ يَتزَوَّجَا بَعْدُ فيُجلَدانِ مِئَةَ جلْدَةٍ لُكلِّ واحدٍ مِنهُما، ويُغرَّبَانِ عن بلَدِهِما سَنَةً كامِلَةً، لِقولِ اللهِ تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ }، وصحَّ أنَّ زيدًا الجُهَنِيَّ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ: جَلْدَ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبَ عَامٍ )).

الأمْرُ الخامِس: أنَّ الزُّنَاةَ مُتوعَّدُونَ بالعذابِ الشديدِ في النَّارِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ، فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ، فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا، فقُلْتُ لَهُمَا: مَا هَؤُلاَءِ؟ فقَالاَ لِي: وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ العُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي )).

الأمْرُ السادِس: أنَّ الإيمانَ يُفارِقُ العبدَ حالَ زِنَاهُ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ))، وثبَتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَادَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ )).

الأمْرُ السابِع: أنَّ اللهَ شَرَعَ حَدَّ القَذْفِ في حقِّ مَن رَمَى غيرَهُ بالزِّنَى بِدُونِ أربعَةِ شُهودٍ على رُؤيَتِهِ، فقالَ سُبحانَهُ: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً }.

الأمْرُ الثامِن: أنَّ فُشُوَّ الزِّنَى مِن أسبابِ نُزولِ العذابِ بأهْلِ الأرضِ، وكثرَةِ العقوباتِ، حيثُ ثبَتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا ظَهْرَ فِي قَوْمٍ الزِّنَى وَالرِّبَا إِلَّا أَحَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ ))، وثبَتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَفْشُ فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا، فَإِذَا فَشَا فِيهِمْ وَلَدُ الزِّنَا فَيُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ ))، وسَبَبُ وجُودِ وفُشُوِّ المَولُودِينَ مِنَ الزِّنَى هُوَ: كثرَةُ الزِّنى في الأرضِ.

الأمْرُ التاسِع: أنَّ ظُهورَ الزِّنَى مِن أسبابِ مُعاقَبَةِ أهلِ الأرضِ بالأوبِئَةِ والأمرَاضِ التي لَمْ تُعرَفْ فِيمَن مَضَى، لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: (( لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ))، وصحَّحَهُ الحاكِمُ والذَّهَبِيُّ والألبانِيُّ.

الأمْرُ العاشِر: أنَّ ظُهورَ الزِّنَى مِن أسبابِ تَسلِيطِ اللهِ الموتَ على النَّاسِ، لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( وَلَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ ))، وصحَّحَهُ الحاكِمُ، والذَّهَبِيُّ، والألبانيُّ.

فاللهمَّ: لا تُهلِكْنَا بذُنُوبِنَا ولا بفُسُوقِ سُفَهَائِنَا ومُتْرَفِينَا، إنَّكَّ حَلِيمٌ رَحِيمٌ غَفَّارٌ.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الرَّحِيمِ، وأشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ العظِيمُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الكريمُ، فاللهمَّ صلِّ عليهِ معَ الآلِ لَهُ والأصحابِ الفِخَامِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمُونَ:

فإنَّ شَريعَةَ الإسلامِ قدْ أغلَقَتْ جميعَ الأبوابِ المُوصِلَةِ إلى الزَّنَى، وسَدَّتْ ما يَدعُو إليهِ مِن أسبابٍ، فأمَرَتِ الرِّجالَ والنِّساءَ بِغَضِّ البَصَرِ عمَّا لا يَحِلُّ لَهُمُ النظَرُ إليهِ في الطُّرُقاتِ والأسواقِ والفضَائِيَّاتِ وبَرامجِ التواصُلِ ومَواقِعِ الإنترنِتِّ والهواتِفِ وغيرِهَا، فقالَ اللهُ سُبحانَهُ: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }، وزجَرَتْ عنِ الاختِلاطِ بغَيرِ المَحارِمِ مِنَ النِّساءِ، فصَحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((«إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ» ))، والحَمْوُ هُوَ: قَرِيبُ الزَّوجِ كأخِيهِ وعمِّهِ وخالِهِ وأبنائِهِماـ ومَنَعَتْ مِنَ الخَلْوَةِ والإنفِرادِ بالمرَأَةِ دُونَ مَحْرَمٍ، ومِن سَفَرِهَا بغَيرِ مَحْرَمٍ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا ))، وصحَّ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ))، وأغلَظَتْ في خُروجِ المرْأَةِ مِن بَيتِهَا إلى أماكِنِ الرِّجالِ الأجانِبِ عنْها مُتعطِّرَةً، فثبَتَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ ))، وحِينَ مُبايَعَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم النِّساءَ على الإسلامِ لَمْ تمَسَّ يَدُهُ يَدَ امرَأَةٍ أجنَبِيَةٍ عنهُ، حيثُ صحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنْها ــ قالتْ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالكَلاَمِ، وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ يَدَ امْرَأَةٍ إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا ))، وثبَتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ )).

أيُّها المُسلِمُونَ:

إنَّ لِفاحِشَةِ الزِّنَى آثارًا قبِيحَةً ومُؤلِمَةً على فاعِلِهَا وفاعِلَتِهَا وأهلِ بَيتِهِمَا وأُسْرَتِهِمَا، وعلى عُمومِ المُجتَمعِ والبلادِ والدِّينِ والدُّنيا، فكَمْ جَرَّتْ إليهِ مِن ذُنُوبٍ عِظَامٍ أُخْرْى، وكَمْ أظلَمَتْ بِسَبَبِهَا مِن قُلوبٍ وقَسَتْ وفسَدَتْ، وكَمْ هدَمَتْ مِن بُيوتٍ وأُسَرٍ وعَوَائِلٍ وفرَّقَتْ، وكَمْ فُضِحَ بِها مِن رَجُلٍ وامرَأَةٍ حتَّى بينَ أبنائِهِمَا وبَناتِهِمَا، وكَمْ ألحَقَ فاعِلُوهَا بأهلِيهِم وبُيوتِهِم مِن العَارِ والخِزْيِ والتقبيحِ والسُّمْعَةِ السَّيِّئَةِ، وكَمْ ضَاعَ وهلَكَ وفسَدَ بسببِ الحَمْلِ مِنَ الزِّنَى مِن صِغارِ الذُّكورِ والإناثِ، وأصبَحُوا في الطُّرُقَاتِ ودُورِ الأيتَامِ وبأيدِي عصابَاتِ الفسَادِ والإجرَامِ ومافِيا القتْلِ والإرْهابِ، وصدَقَ اللهُ القائِلُ سُبحانَهُ: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا }، ألَا فاتَّقوا اللهَ ولا تَقرَبُوا الزِّنَى، واتَّقوهُ بالبُعْدِ عن أسبابِهِ ومُهيِّجاتِهِ، { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا }.{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا }.

هذا وأسألُ اللهَ: أنْ يُعِينَنَا على ذِكرِهِ وشُكرِهِ وحُسنِ عبادَتِهِ، اللهمَّ: صَرِّفْ قُلوبَنَا وأسمَاعَنَا وأبصَارَنَا وجَوارِحَنَا إلى مَراضِيكَ، اللهمَّ: قوِّنَا بالاعتصامِ بالتوحيدِ والسُّنَّةِ، وباعِدْ بَينَنَا وبينَ الشِّرْكِ والبِدْعَةِ والمَعصِيَةِ وأماكِنِها ودُعَاتِهَا، اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هَنِيَّةً، ومِيتَتَةً سَوِّيَّةً، ومَرَدًّا غيرَ مُخْزٍ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميعِ المُسلِمينَ والمُسلِماتِ أحياءً وأموتًا، اللهمَّ: وَفِّقْ وُلَاتَنا ونُوَّابَهُم وجُندَهُم لِحفظِ الإسلامِ، وصلاحِ المُسلِمينَ، وإصلاحِ بِلادِهِم، إنَّكَ سَميعٌ مُجِيبٌ كريمٌ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهِ لِي ولَكُم.