إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « شكر نعمة الأمن واجتماع الكلمة وخطر إشاعة أمور الفتن والاهتمام بعشر رمضان الأخيرة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « شكر نعمة الأمن واجتماع الكلمة وخطر إشاعة أمور الفتن والاهتمام بعشر رمضان الأخيرة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 4 مارس 2026
  • 158
  • إدارة الموقع

شكر نعمة الأمن واجتماع الكلمة وخطر إشاعة أمور الفتن والاهتمام بعشر رمضان الأخيرة

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي بنعمتِهِ تَتِمُّ الصالحاتُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ خالقُ جميعِ المخلوقاتِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المبعوثُ بالهُدى والبيِّناتِ، فصلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ على الطاعاتِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المسلمون:

فإنَّ مصالِحَ العبادِ في دِينِهِم ودُنياهُم ومعَ غيرِهِم لا تستقيمُ إلا بوُجودِ حاكِمٍ عليهِم، ولِهذا اتفقَ الصحابَةُ والتابعونَ ومَن بعدَهُم على وجوبِ تَنصيبِ حاكِمٍ على الناسِ، ولِعظَمِ شأنِ تنصيبِ الحاكِمِ وأهميَّتِهِ الكُبرَى بادرَ الصحابَةُ ــ رِضوانُ اللهِ عليهم ــ حينَ ماتَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى تَنصيبِ خليفَةٍ عليهِم قبلَ الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ودَفنِهِ، فاجتمَعوا في سقيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ وبايَعوا أبا بكرٍ الصِّديقَ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ خليفَةً عليهِم، ولو لم يَكنْ على الناسِ حاكِمٌ لَسَفكَ بعضُهُم دِماءَ بعضٍ، ولَأكلوا أموالَ بعضٍ، ولَهُتِكَتِ الأعراضُ، ولم يأمَنْ على نفسِهِ وأهلِهِ ومالِهِ ودِينِهِ ودُنياهُ حاضِرٌ ولا مُسافِرٌ ولا بَادٍ، ونحنُ نَرَى اليومَ بأعيُنِنا الشُّرورَ الكُبرَى، والفِتَنَ الكثيرَةَ والمُتتابعَةَ إذا ضَعُفَ حاكِمُ أوْ خُرِجَ بثورَةٍ عليهِ.

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ اجتماعَ الناسِ على حاكِمِهِم المُسلِمِ ــ ولو كانَ عندَهُ خلَلٌ وتقصيرٌ وظُلمٌ واستئثارٌ، ولَه ذُنوبٌ ــ وذلِكَ: بالسَّمعِ والطاعَةِ لَه في غيرِ معصيَةِ اللهِ، وعدَمِ الخُروجِ عليهِ، ومُناصحتِهِ في السِّر لا العلَنِ والغَيبَةِ، وتَرْكِ التحريضِ عليهِ، لَمِنْ محاسِنِ الإسلامِ الكُبرَى، وأصولِ الاعتقادِ العُظمَى، وأسبابِ أمْنِ وقُوَّةِ البلادِ دِينيًّا ودُنيويًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، وائتِلافِ أهلِهِا، وانكِسارِ شوكةِ أعدائِها، فاحمَدوا اللهَ ــ عبادَ اللهِ ــ واشكُروا لَهُ على نِعمَةِ وجودِ حاكِمٍ عليكُم، وانضِوائِكُم تحتَ دولَةٍ تَرعَاكُم، وعلى نِعمَةِ بسْطِ الأمْنِ في جميعِ بلادِكُم، وقدْ جاءَ في حديثٍ نَصَّ على ثُبوتِهِ جمعٌ مِنَ العلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ طَعَامُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ مُمتنًّا على عبادِهِ: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ }، واعلَموا أنَّ البُعْدَ عنِ الشِّركيَّاتِ والبدَعِ والمعاصِي والقيامَ بما فرَضَ اللهُ وأوجَبَ والتَّتميمَ بالسُّنَنِ أعظَمُ أسبابِ الأمْنِ في الدُّنيا والآخِرَةِ، حيثُ قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا }، وقالَ سُبحانَهُ في خِتامِ مُحاجَّةِ نبيِّهِ إبراهِيمَ ــ عليهِ السلامُ ــ مع قومِهِ في شأنِ الشِّركِ: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ }، والمُرادُ بالظُّلمِ في الآيَةِ: ظُلمُ النفسِ بالشِّركِ في عبادَةِ اللهِ

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ شريعَةَ الإسلامِ لا تعودُ على أفرادِ الناسِ وعُمومِهِم ومُجتمعاتِهِم وبلدانِهِم إلا بما يُصلِحُهم، ويُقوِّي لُحْمَتَهُم، ويزيدُ في أُلْفَتِهِم وتآلُفِهِم، ويَشرحُ صُدورَهُم، ويُطمئِنُ قلوبَهُم، ويُقلِّلُ الفِتنَ والشُّرور عنهُم وبينَهُم، ولِهذا أمرَتْ بالتَّثبُّتِ قبلَ نقلِ الأخبارِ وعندَ وصُولِها وعندَ نشرِها، وزَجَرَتْ عن  إشاعتِها وإذاعتِها قبلَ التَّبيُّنِ مِنها وفيها، وذَكرَتْ بعضَ عواقبِ الإخلالِ بهذا الحُكمِ، وبقانونِ بابِ الإخبار والشائعاتِ والأرَاجِيفِ، حيثُ قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }، وإذا كانت الأخبارُ أو الشائعاتُ تتعلَّقُ بالأُمَّةِ أو البلَدِ جميعًا أو وُلَاةِ الأمورِ والدَّولَةِ، أو الفتنِ والشُّرورِ العامَّةِ، أو وِحدَةِ وائتلافِ الناسِ، أو جهادِ الأعداءِ، أو الأمْنِ والخوفِ، كانَ الأمرُ أشدَّ، والتثبُّتُ أوجَبَ، وإدراكُ الأمورِ على وجهِها الصَّحيحِ آكدَ، ومُرعَاةُ المصالِحِ والمفاسدِ أكبرَ وأعظَمَ، لأنَّ الضَّررَ مِنها لا يعودُ على ناقِلِها وحدَهُ، بل على كثيرٍ أو على عُمومِ الناسِ أو البلدِ، ولأنَّ الشائعاتِ، وهيَ: «الحرْبُ النفسيَّةُ» مِن أعظمِ أسلحَةِ الأعداءِ لِتدميرِ البُلدانِ، وتَفتيتِ الشُّعوبِ، وتناحُرِ الأمَّةِ والبلَدِ الواحدِ معَ بعضٍ، ولِهذا قالَ اللهُ في ضَبطِ هذا الأمرِ، وغلقِ بابِهِ، وذمِّ أهلِ العجَلَةِ فيهِ: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }، وجاءَ في حديثٍ صحَّحهُ جمعٌ مِن العلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ))، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))، وقدْ أبانَ هذا الحديثُّ النَّبويُّ أنَّ كلَّ مَن حدَّثَ وأخبَرَ غيرَهُ بكلِّ ما يَسمَعُ أو يَقرَأُ سَيقَعُ في الإثمِ الكثيرِ، والسَّيِّئاتِ العديدَةِ.

جعلَني الله وإيَّاكم: مِمَّن إذا ذُكِّرَ ادَّكَر، وإذا وعِظَ اعتبَر، وإذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استغفَر.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي تتابَعَتْ على خلقِهِ نِعمُهُ، وتكامَلَتْ فيهِم حُجَجُهُ، وصلَّى اللهُ على خاتَمِ الأنبياءِ محمدٍ وآلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ كثيرًا.

أمَّا بعدُ أيُّها المُسلِمونَ:

فاتقوا اللهَ ــ عزَّ وجلَّ ــ حقَّ التقوى، واعلَموا أنَّكُم قريبًا مُقبِلونَ على عَشْرِ رمضانَ الأخيرَةِ فاغتَنِموها بالإكثارِ مِن الطاعاتِ، وأحسِنوا فيها العباداتِ إخلاصًا للهِ ومُتابعَةً للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وجمِّلوا أيَّامَها بالصيامَ الخالِي عنِ الخطِيئاتِ والمكروهاتِ، ونوِّروا ليالِيَها بالقيامِ والتهجُّدِ، واعْمُروا ليلَها ونهارَها بتلاوةِ القرآنِ والاستغفارِ والدعاءِ والذِّكرِ والجُودِ والرحمَةِ والعَفوِ والصَّفح والحِلمِ والسماحَةِ واللينِ وجميلِ الفِعالِ والمَقالِ، والمُحافظَةِ على فرائضِ الصلاةِ في المساجدِ، والتتميمِ بالسُّننِ الرَّوَاتِبِ، ومُحاسبَةِ النفسِ، فكَم مِن أُناسٍ تمنَّوا إدراكَ العشْرِ، فأدركَهم الموتُ، وأصبَحوا في قبورِهم مُرتهَنينَ لا يستطيعونَ زيادةً مِن صالحِ الأعمالِ، ولا توبَةً مِن السَّيِّئاتِ، وقد كانَ نبيُّكُم صلى الله عليه وسلم يُعظِّمُ العشرَ الأواخِرَ مِن رمضان، فيَهتَمَّ لَهَا اهتمامًا بالغًا إذا دخَلت، ويَجتهدُ بالأعمالِ الصالِحَةِ فيها اجتهادًا شديدًا، ويُحْيِي ليلَها بالصلاةِ وغيرِها مِن العبادات، حيثُ صحَّ عن عائشَةَ ــ رضيَ اللهُ عنها ــ أنَّها قالتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ ))، وصحَّ أيضًا أنَّها قالتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ: أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ ))، ومعنى: (( شَدَّ المِئزَر )) أي: اعْتَزَلَ النِّساءَ فلم يَقربْهُنَّ تفرُّغًا لِلعبادَةِ، وانشِغالًا بأعمالِ الآخِرَةِ، وكانَ مِن عظيمِ اجتهادِهِ صلى الله عليه وسلم في هذهِ العشرِ أنَّه يَخصُّ جميعُها بالاعتكافِ في مسجدِهِ، حيثُ صحَّ عن عائشَةَ ــ رضيَ اللهُ عنها ــ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ))، يَفعلُ صلى الله عليه وسلم ذلِكَ تفرُّغًا لِعبادَةِ ربِّهِ ومُناجاتِهِ، وتحرَّيًا لإدرَاكِ فضيلَةِ ليلَةِ القدْرِ التي قالَ اللهُ مُعظِّمًا شأنَها: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ }، ومعنى ذلكَ: أنَّها خيرٌ مِن ثلاثينَ ألفِ ليلَةِ أو قريبًا مِنها، خيرٌ مِنها في بركتِها وأُجُورِها، وما يُفيِضُ اللهُ على عبادِهِ فيها مِن الرَّحمَةِ والغُفرانِ، وإجابَةِ الدُّعاءِ، وقَبولِ الأعمالِ، ومُضاعفَةِ الأُجورِ، ورِفعَةِ الدَّرجاتِ، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )).

اللهمَّ: أجِرْنَا مِن مُنكراتِ الأعمالِ والأخلاقِ والأهواءِ، واجعلْنَا مفاتِيحَ لِلخيرِ، مَغالِيقَ لِلشرِّ، اللهمَّ: اغفرْ لِلمُسلِمينَ والمُسلِماتِ، الأحياءِ مِنهُم والأمواتِ، اللهمَّ: اللهمَّ تقبَّلْ صيامَنا وقيامَنا، واجعلنا ممَّن فعَلَ ذلِكَ إيمانًا واحتسابًا فغَفَرتَ لُهُ ما تقدَّمَ مِن ذنْبِه، اللهمَّ: اكشفْ عنِ المسلمينَ ما نَزلَ بِهم مِن ضُرٍّ وبَلاءٍ، وفِّق وُلَاتَنا ونُوَّابَهُم وجُندَهُم لِمراضِيكَ، وأصلِحْ بِهِمُ الدِّينَ والدُّنيا والعِبادَ والبلادَ، اللهمَّ: ادْفَعْ عنَّا وعنْ بلادِنا الشُّرورَ والفتنَ، ورُدَّ عنَّا وعن بلادِنا كيدَ الكُفَّارِ، ومكْرَ الفُجَّارِ، وإضرارَ الأعداءِ، وإضلالَ المُبتدِعَةِ، وإفسادَ المُنحلِّينَ، إنَّكَ يا ربَّنا سميعُ الدُّعاءِ، واسِعُ الفضلِ والعطاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.