إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: ” شيء مِن الفوائد المُستنبَطة مِن آية كفارة الأيمان في سورة المائدة “.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” شيء مِن الفوائد المُستنبَطة مِن آية كفارة الأيمان في سورة المائدة “.

  • 19 يونيو 2020
  • 509
  • إدارة الموقع

شيء مِن الفوائد المُستنبطة مِن آية كفارة الأيمان

الخطبة الأولى: ــــــــــــــ

الحمدُ لله الذي نزَّلَ القرآنَ تبصرةً لأُولي النُّهى والألباب، وتذكرةً لِمن خافَ الوعيدَ والعذاب، والصلاةُ والسلام على عبده ورسوله محمد المُصطفى مِن أشرف الشعوب، وعلى آله وأصحابه إلى يوم الحشر والمآب.

أمَّا بعد، أيُّها المسلمون:

فقد قال ربُّكم سبحانه عن الحَلِف بِه، والقَسَم، واليمين: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ }.

ومِن فوائد هذه الآية الجليلة: أنَّ الله لا يؤاخِذ العبدَ على اليمين التي صدرت عنه على وجْه اللغو، ولا إثم عليه فيها باتفاق العلماء، لقوله سبحانه: { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ }.

ويمين اللغو عند الفقهاء هي: اليمين بالله التي تَجري على لِسان المُتكلم في عرَض حديثه مِن غير نية ولا قصد جازم على عقدِها.

وهذه اليمين لا كفارة فيها باتفاق العلماء، قاله الحافظ ابن عبد البَر المالكي.

ويَدخل في حُكم يمين اللغو أيضًا عند أكثر العلماء: اليمين التي أوقعها العبد على شيء يَظن صِدق نفسِه فيه، ثم يَظهر له أنَّ الواقع خلافَ ما ظن، فلا إثم عليه فيها، ولا كفارة.

ومِن فوائد هذه الآية أيضًا: بيان نوعٍ ثانٍ مِن أنواع اليمين، وهي اليمين المُنعقِدة، لقوله تعالى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ }.

واليمين المُنعقِدة عند الفقهاء هي: اليمين التي صدَرت عن المُقسِم بالله والحالِف عن نيةٍ وقصدٍ على فِعل شيء أو تركِه في المستقبل.

وتُسمَّى هذه اليمين أيضًا باليمين المُكَفَّرَة، لأنَّ الكفارة تجب على مَن حلَف بها ثم نقضَ وخالَف ما حلَفَ عليه، لقوله سبحانه: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } الآية.

وهذه اليمين إذا صدَرت عن المسلم فيجب عليه الوفاء بها، لقول الله تعالى: { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا }.

ومَن عقدَ هذه اليمين ثم رَأى أنَّ فِعل أو ترْك ما حلَفَ عليه أفضل، فإنَّه يَفعل ما رآه أفضل، ويُكفِّر عن يمينه، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ )).

وهناك نوع ثالث لليمين، وهي: اليمين الكاذبة أو الفاجرة.

واليمين الكاذبة عند الفقهاء هي: هي اليمين التي يَعقدها الحالِف بالله وهو يَعلم كذبَ نفسه، وعدمَ صِحَّةِ ما حلَفَ عليه.

وهذه اليمينُ يَأثَم عاقدُها باتفاق أهل العلم، وتُسمَّى أيضًا باليمين الغموس، لأنَّها تَغمس صاحبها في الإثم، ثُمَّ في النار، وهي مِن كبائر الذنوب، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ )).

وتزداد هذه اليمينُ إثمًا إذا ترتَّب عليها إضاعةُ حقوقِ الغير، أو أكلُ أموالِ الناس بغير حق، أو تشويهٌ للأعراض، أو إفسادٌ بين الناس وقطيعة، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ )).

وتَكثُر هذه اليمينُ في أماكن البيع والشراء، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ )).

وهذه اليمين عند أكثر الفقهاء لا كفارة فيها، لأنَّها أعظمُ مِن أنْ تُكفَّر، ولا يَجُبُّها ويَمحُوها إلا التوبةُ والاستغفار، وقد ثبَت عن ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ كَفَّارَةٌ: الْيَمِينَ الْغَمُوسَ , قِيلَ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: الرَّجُلُ يَقْتَطِعُ بِيَمِينِهِ مَالَ الرَّجُلِ )).

وإنْ ترتب على هذه اليمين ضياعُ حقوقٍ أو أكلُ مالِ الغير بغير حقٍّ أو تشويهُ سُمعة وعِرض فلا بُدَّ مع التوبة والاستغفار مِن رَدِّ الحقوق إلى أهلها، وبيانِ سلامةِ الأعراض التي شُوِّهَت ظُلمًا.

بارك الله لي ولك فيما سمعتم، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لِي ولَكم.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــ

الحمد لله الغفورِ الرحيم، وأشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله ومُصطفاهُ مِن خلقِه، ورضيَ الله عن المُهاجرين والأنصار.

أمَّا بعد، أيُّها المسلمون:

فاتقوا الله تعالى حق تقواه، واعلموا أنَّ الفقه في أحكام شريعته مِن أعظم خصالِ تقواه، وأكثرِها أجرًا، ومَن يُرِد اللهُ بِه خيرًا يُفقه في الدَّين.

ثم اعلموا أنَّ مِن فوائد الآية السابقة أيضًا: أنَّ كفارة اليمين على التخيير في الأشياء الثلاثة فقط، وهي: الإطعام، والكِسوة، وعِتق الرَّقبة، يَفعل المُكفِّر عن يمينه أيُّها شاء، لقول الله سبحانه: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ }.

ومِن فوائد هذه الآية أيضًا: أنَّ الكفارة بالإطعام أو الكِسوة لا تَحصل بأقل مِن عشرة أفراد، لأنَّ الله تعالى نصَّ على العَدد،  فقال سبحانه: { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ }، فلو كرَّر المُكفِّرُ عن يمينه الإطعام أو الكسوة لِمسكين واحد عشر مرات لم يُجزئه، وبقِي في ذِمَّته إكمالُ تِسعةِ مساكين عند أكثر العلماء.

ومِن فوائد هذه الآية أيضًا: أنَّ انتقالَ المُكفِّرِ عن يمينه إلى صيام ثلاثة أيامٍ لا يَنفعه إلا إذا عجَز عن الإطعام والكِسوةِ وعِتقِ الرقبة، لقوله سبحانه بعد التخيير: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ }.

ومَن كفَّرَ عن يمينه بالصيام وهو قادرٌ على الإطعام أو الكِسوةِ أو العِتق لم يُجزئه الصيام، وبقيت الكفارة في ذِمَّته، ولم تَسقط عنه، باتفاق العلماء.

ومِن فوائد هذه الآية أيضًا: أنَّ الإطعامَ مُطلَقٌ، فيجوز أنْ يكون كيلًا بأنْ يُعطَيَ المُكفِّرُ عن يمينه كلَّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ مِن أُرْزٍ، ونحوه، أو أنْ يُعطيَه وجبَةَ غداءٍ أو عشاءٍ مطبوخةٍ أو نيئة.

وكذلك الكِسوة يجوز أنْ تكون جديدةً أو مُستعمَلةً، وليست بباليةٍ أو مُهتَرِيَة، ولِلصغير أو الكبير، والذَكَرٍ أو الأُنثَى، والمَرجِع في نوع اللباس هو عُرف البلاد التي حصلت فيها الكفارة.

{ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا }، { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }، { بَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }، { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }، { رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}، { رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }، { رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }.