إفادة الحريصين بأحكام الأضحية والمُضَحِّين
الحمد لله ربِّ العالَمين، والصلاة والسلام على المَبعوث رحمة لِلخلْق أجمعين، وعلى آله وأصحابه المُكرَمين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
وبعدُ أيُّها المُسلم ــ وفقك الله لِلفقه في دِينه ــ:
فهذه رسالة فقهية عن الأحكام الخاصة بالأضحية والمُضحِّين، كتبتها نفعًا وتذكيرًا لِنفسي، ولِمَن سيَقرأفيها مِن إخواني طلاب العلم الشَّرعي وعُموم العمسلمينما بَقِيَت الدنيا.
وقد جعلْتها في مسائل لِيسهُل فهمها، ويَحصل الإلمام بها، وتُضبَط جيدًا، وسعيت جاهدًا في تسهيل كلماتها واختصارها.
وأسأل الله ــ عزَّ وجلَّ ــ: أنْ يَنفعني وعُموم النَّاس بِها في الدنيا والآخِرة، إنَّه سميع مُجيب.
وما حصَلَ فيها مِن صواب فبفضل الله وحدَه، وما وقع مِن خطأ أو تقصير أو إخلال فمِن عند نفسي، وأعتذِر عنه، وأتَراجع، والله ورسوله مِنه بَريئان.
وكتبه:
عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
ثم أقول مًستعينًا بالله العزيز القدير ــ جلَّ وعلا ــ:
المسألة الأولى / عن المُراد بالأضحية.
قال العلامة العُثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “رسائل فقهية” (ص:45):
«الأضحيةُ هي: ما يُذبحُ مِن بَهيمة الأنعامِ في أيَّام الأضحى بسبب العيدِ تَقرُّبًا إلى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ».اهـ
وقال الفقيه ابن الجوزي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “كشف المُشكل مِن حديث الصَّحيحين” (4/ 425):
«إنَّما سُمِّيت الأضحية أضحية: لأنَّها تُذبح وقت الضُّحَى».اهـ
وقال الفقيه تاج الدِّين الفاكِهاني المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “رياض الأفهام في شرح عُمدة الأحكام” (5/ 460):
«قالوا: وسُمِّيَت بذلك، لأنَّها تُذبح يوم الأضحى، وقت الضُّحَى، مِن أجْل الصلاة ذلك الوقت».اهـ
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 117 ــ عند حديث رقم:1960):
«قال القاضي: وقيل سُمِّيت بذلك: لأنَّها تُفعل في الضُّحى، وهو ارتفاع النَّهار».اهـ
المسألة الثانية / عن مشروعية الأضحية.
قال الإمام ابن تيميَّة ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (23/ 161):
«وأمَّا الأضحية: فإنَّها مِن أعظم شعائرِ الإسلام، وهي النُّسك العامّ في جميع الأمصار، والنُّسك المَقرون بالصلاة، وهي مِن مِلَّة إبراهيم الذي أُمِرْنا باتِّبَاع مِلَّته».اهـ
والأضحية:مشروعة بالسُّنة النَّبوية المُستفيضة، وبالقول والفِعل مِن النبي صلى الله عليه وسلم، وبالإجماع.
أمَّا السُّنة النَّبوية:
1 ــ فقد قال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ )).
[ رواه: البخاري (5565 )، ومسلم ( 1966). ]
2 ــ وقال النبي صلى الله عليه وسلم لِلناس في خُطبة عيد الأضحى مُعلِّمًا ومُرَغِّبًا في الأضحية: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا )).
[ رواه: البخاري (951)، ومسلم ( 1961)، مِن حديث البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ. ]
3 ــ وضَحَّى النبي صلى الله عليه وسلم حتى في السَّفر، فقال ثَوبان ــ رضي الله عنه ــ: (( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ: أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).
[ رواه: مسلم (1975). ]
4 ــ وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه غنمًا لِيُضَحُّوا بِها، إذْذَكَر عُقبة بن عامر ــ رضي الله عنه ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ» )).
[ رواه: البخاري (2500)، ومسلم (1965). ]
أمَّا الإجماع:
1 ــ فقد قال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 3):
«ولا خِلاف في: كونِها مِن شرائع الدِّين».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “مَرْعَاة المفاتيح شرح مِشكاة المصابيح” (5/ 71)، للعلامة عُبيد الله المُباركفُوري الهِندي ــ رحمه الله ــ:
«والأصل في مشروعيتها: الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
أمَّا الكتاب، فقوله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }، أي: صَلِّ صلاة العيد وانْحَر النُّسك، أي: الأضحية، كما قاله جمْعٌ مِن المفسِّرين.
وأمَّا السُّنة، فما رُويَ في ذلك مِن أحاديث الباب، وهي مُتواترة مِن جهة المعنى، لأنَّها مُشترِكة في أمْرٍ واحد، وهو مشروعية الأضحية.
وأمَّا الإجماع، فهو ظاهر، لا خِلاف في كونِها مِن شرائع الدِّين، وقد تواتر عمَل المسلمين بذلك مِن زمَن النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهي مِن سُّنة إبراهيم ــ عليه السلام ــ لقوله تعالى: { وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }».اهـ
3 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 360):
«الأصل في مشروعية الأضحية: الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
أمَّا الكتاب، فقول الله سبحانه: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }، قال بعض أهل التفسير: المُراد بِه الأضحية بعد صلاة العيد.
وأمَّا السُّنة، فمَا رَوى أنس، قال: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى، وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا ))، مُتَّفق عليه.
وأجمَع المسلمون على: مشروعية الأضحية».اهـ
5 ــ وقال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 519)، عن الأضحية والهَدي:
«أجمَع المسلمون على:مشرعيتهما، لقوله تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }، وغيرها، ولِمَا تواتر مِن فِعله صلى الله عليه وسلم».اهـ
ونَقل الإجماع على مشروعيتها أيضًا:
تاج الدِّين الفاكِهاني المالكي في كتابه “رياض الأفهام في شرح عُمدة الأحكام” (5/ 460)، وعلاء الدِّين ابن العطَّار الشافعي في كتابه “العُدَّة في شرح العُمدة” (3/ 1636)، وسراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي في كتابه “الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام” (10/ 182)، وابن جاسر الحنبلي في كتابه “مُفيد الأنام ونور الظلام في تحرير الأحكام لِحج بيت الله الحرام” (ص:956)، وعبدالرحمن السِّعدي في شرحه على كتاب “عُمدة الأحكام” (ص:780)، وغيرهم.
المسألة الثالثة / عن نوع مشروعية الأضحية.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “أضواء البيان” (5/ 619):
«أكثر أهل العلم مِن الصحابة، فمَن بعدَهم على: أنَّ الأضحية سُنَّة لا واجبة».اهـ
ونَسبَه أيضًا إلى أكثر العلماء:
ابن عبد البَر المالكي في كتابه “الاستذكار” (15/ 193)، وابن العربي المالكي في كتابه “المسالك في شرح موطأ مالك” (5/ 198)، وابن الجوزي الحنبلي في كتابه “كشف المُشكل مِن حديث الصَّحيحين” (4/ 425)، ومُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي في كتابه “المُغني” (13/ 360)، وأبو العباس القرطبي المالكي في كتابه “المُفهِم” (5/ 348 ــ عند حديث رقم:1953)، وأبو زكريا النَّووي الشافعي في كتابه “المجموع” (8/ 354)، وفي شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 118 ــ عند حديث رقم:1960)، وبدر الدِّين العَيني الحنفي في كتابه “عُمدة القاري ” (6/ 305)، وابن حَجَر العسقلاني الشافعي في كتابه “فتح الباري” (10/ 5 ــ عند حديث رقم:5545)، ومحمد صديق حسن خان القِنّوجي في كتابه “عون الباري بحَلِّ أدلة البخاري” (9/ 173 و 174)، وابن قاسم الحنبلي في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 519)، وغيرهم.
واسْتُدِلَّ على كونِها سُنَّة بأمور:
الأمر الأوَّل: حديث أمِّ سَلَمة ــ رضي الله عنها ــ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).
[ رواه: مسلم (1977) ].
ووجْه الاستدلال مِن هذا الحديث: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم علَّق الأضحية بإرادة المُضحِّي، والواجب لا يُعلَّق على الإرادة.
وقال الحافظ ابن المُنذِر النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 403-404):
«الأضحَى لا يَجِب فرْضًا، لأنَّ الله ــ عزَّ وجلَّ ــ لم يُوجِبه، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أجمَع أهل العلم على وجوبه.
والدليل على أنَّ ذلك لا يَجب فرْضًا: قول النَّبي صلى الله عليه وسلم: (( مَن رَأى مِنكم هِلال ذي الحِجَّة، وأراد أنْ يُضَحِّي، فلا يأخْذ مِن شعره ولا مِن أظفاره حتى يُضَحِّي ))، ولو كان واجبًا لم يَجعل ذلك إلى إرادة المُضَحِّي».اهـ
الأمر الثاني: الآثار الواردة عن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ في تَرْك الأضحية مع اليَسار والقُدرة، ولو كانت واجبة لَمَا تركوها.
1 ــ فثبَت عن حُذيفة بن أَسِيد ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:(( رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ــ وَمَا يُضَحِّيَانِ، مَخَافَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا )).
[ رواه: عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8139)، والطبراني في “المُعجم الكبير (3058)، والبيهقي في “السُّنن الكبرى” (19035)، واللفظ لهما. ]
وصحَّحه: ابن حزم، والنَّووي، وابن كثير، والألباني.
2 ــ وثبَت عن أبي مسعود الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:(( لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدَعَ الْأُضْحِيَةَ وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ بِهَا، مَخَافَةَ أَنْ يُحْسَبَ أَنَّهَا حَتْمٌ وَاجِبٌ )).
[ رواه: عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8148 -8149)، والبيهقي في “السُّنن الكبرى” (19039)، وغيرهما. ]
وصحَّحه: ابن حزم، والألباني.
3 ــ وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” في باب “سُنَّة الأضحية” ( قبل حديث رقم: 5545 )، جازمًا:
وقال ابن عمر: (( هِيَ: سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ )).
وصحَّحه: ابن حَزْم.
وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (10 / 6 ــ عند حديث رقم:5546):
«وصَلَه حماد بن سَلَمة في “مُصنَّفه”، بسند جيد إلى ابن عمر».اهـ
ـــ وأخرج الخطيب البغدادي في كتابه “المُتَّفِق والمُفتَرِق” (1275)، عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال لِرَجلٍ عن الأضحية:(( أيَحْسَبُهَا حَتْمًا؟ لا، ولِكِنَّهَا حَسَنَة )).
وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 10 ــ مسألة رقم:973):
«لا يَصحُّ عن أحدٍ مِن الصحابة: أنَّ الأضحية واجبة».اهـ
وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ عن فوائد التَّرْك لِلأضحية أحيانًا مِن أمثال هؤلاء الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ في شرحه على”صحيح البخاري” (6/ 8-9):
«وهكذا يَنبغي للعالِم الذي يُقتدى بِه إذا خَشِي مِن العامَّة أنْ يَلتزموا السُّنَن التزام الفرائض أنْ يَترُك فِعلها ليُتأسَّى بِه فيها، ولِئَلَّا يُخلَط على الناس أمْر دِينهم، فلا يُفرِّقوا بين فرْضِه ونفلِه».اهـ
الأمر الثالث: أنَّه لم يأت نصٌّ صحيح صريح في الإيجاب، ولا إجماع فيه.
وقد قال الحافظ ابن المُنذِر النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 403-404):
«الأضحَى لا يَجِب فرضًا، لأنَّ الله ــ عزَّ وجلَّ ــ لم يُوجِبه، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أجمَع أهل العلم على وجوبه».اهـ
ومَن ضحَّى وهو يَخشى الفقر والحاجة: فليُبشر بموعود الله الحسَن له، حيث يُخلِفُه عليه في الدنيا بالبَدَل، وفي الآخِرة بالجزاء والثواب الكثير، إذ قال الله سبحانه: { ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }.
وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 163-164):
«ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه تَرَك الأضحية، ونَدَب إليها، فلا يَنبغي لِمُوسِر ترْكها».اهـ
وثبَت عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:(( مَن وَجَدَ سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنا )).
[ رواه: الدار قطني (4743)، والحاكم (7566)، والبيهقي (19013)، وابن عبد البَر في “التمهيد” (23/ 191)، وغيرهم. ]
وصحَّحه: الذهبي، وغيره.
وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (10 / 5-6 ــ عند حديث رقم:5546):
«قال ابن حزم:“لا يَصحُّ عن أحدِ مِن الصحابة أنَّها واجبة”.
وصحَّ أنَّها غير واجبة: عن الجمهور، وقال أحمد:“يُكرَه ترْكها مع القُدرة”، وعن محمد بن الحسن:“هي سُنَّة غير مُرخَّصٍ في ترْكها”، قال الطحاوي: “وبِه نأخذ، وليس في الآثار ما يَدُل على وجوبها”.
وأقرَبُ ما يُتمسَّك بِه لِلوجوب: حديث أبي هريرة، رَفَعَه: (( مَن وَجَدَ سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنا ))، أخرجه ابن ماجة، وأحمد، ورجاله ثقات.
لكنْ اختُلِف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبَه بالصواب، قاله الطحاوي، وغيره، ومع ذلك فليس صريحًا في الإيجاب».اهـ
المسألة الرابعة / عن حُكم الأضحية لِلمسافر.
1 ــ قال ثَوبان ــ رضي الله عنه ــ:(( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).
[ رواه: مسلم (1975). ]
ـــ وأخرجه الحاكم في “المُسْتَدْرَك” (7557)، بلفظ:(( ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُضْحِيَّتَهُ فِي السَّفَرِ ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَهَا» فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمَهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ )).
ثمَّ قال عقبه:«هذا حديث صحيح الإسناد».اهـ
وقال الحافظ الذهبي ــ رحمه الله ــ:«صحيح».اهـ
وقال العلامة الشوكاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “نيل الأوطار” (5/ 190)، عقب هذا الحديث:
«فيه: تصريح أنَّ الأضحية مشروعة لِلمسافر كما تُشرع لِلمُقيم، وبِه قال:الجمهور».اهـ
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 405):
«يُستحب التَّضحية لِلمسافر كالحاضر، هذا: مذهبنا، وبِه قال: جماهير العلماء».اهـ
2 ــ وأخرج النسائي (4383) واللفظ له، والحاكم (7538-7541)، عن عاصم بن كُليب، عن أبيه، قال:(( كُنَّا فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الْأَضْحَى، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا يَشْتَرِي الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ لَنَا رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ هَذَا الْيَوْمُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ الْمُسِنَّةَ بِالْجَذَعَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْجَذَعَ يُوفِي مِمَّا يُوفِي مِنْهُ الثَّنِيُّ» )).
وصحَّحه:ابن حَزم، والحاكم، والمُناوي، والألباني، ومحمد علي آدم الإتيوبي.
وحسَّنه:البغوي، ومُقبل الوادعي.
وقال العلامة محمد علي آدم الإتيوبي ــ سلَّمه الله ــ في كتابه “ذخيرة العُقبى في شرح المُجتبى” (33/ 316)، عقب هذا الحديث:
«المسألة الثانية: فِي فوائده،ومِنها: مشروعيّة الأضحية فِي السَّفر».اهـ
ومشروعية الأضحية لِلمُسافر: ليست مشروعية وجوب.
حيث قال الفقيه أبو بكر الجصَّاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مُختصر الطحاوي” (7/ 317):
«إلا أنَّ الفقهاء مُتفقون على: أنَّها غير واجبة على المسافرين».اهـ
المسألة الخامسة / عن حُكم الأضحية لِلحاج.
اختلف أهل العلم ــ رحمهم الله ــ في حُكم الأضحية لِلحاج على أقوال:
القول الأوَّل: أنَّ الحاجَّ كغير الحاجِّ تُشرَع له الأضحية.
وهو قول: أكثر أهل العلم.
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “أضواء البيان” (5/ 205 و 206):
«وقد استثنى مالك وأصحابه: الحاجَّ بِمِنى، قالوا: “لا تُسَنُّ له الأضحية”.
وخالَفَهم: جماهير أهل العلم، نظرًا لِعموم أدلة الأمْر بالأضحية في الحاجِّ وغيره، ولِبعض النُّصوص المُصرِّحة بمشروعية الأضحية لِلحاجِّ بِمِنى».اهـ
واحتُجَّ لِمشروعية الأضحية لِلحاج بثلاثة أمور:
الأمْر الأوَّل: عُموم النُّصوص الشرعية المُرغِّبَة في الأضحية، إذ لم تُفرِّق بين حاجّ وغيره.
1 ــ حيث قال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى بالآثار” (7/ 272 – مسألة رقم: 990):
«وقد حضَّ رسول الله ــ عليه السلام ــ على الأضحية، فلا يجوز أنْ يُمنَع الحاجّ مِن الفضل والقُرْبَة إلى الله تعالى بغير نصٍّ في ذلك».اهـ
2 ــ وقال العلامة عبد العزيز ابن باز ــ رحمه الله ــ في إجابة له على سؤال في تسجيل صوتِي له:
«وظاهر الأحاديث الصَّحيحة: أنَّها سُنَّة للحُجَّاج، وغيرهم».اهـ
الأمْر الثاني: حديث أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت:(( فَلَمَّا كُنَّا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ )).
[ رواه: البخاري (5548) واللفظ له، ومسلم (1211). ]
وقالوا: فيه التصريح بلفظ الأضحية في الحجِّ.
وأُجِيبَ عن هذا الاستدلال: بأنَّه لا يَستقيم، وليس في محلِّه، لأنَّ المُراد بالأضحية في هذا الحديث: هَدْيُ نُسُك الحج، لأنَّ أكثر الرُّواة لم يقولوا: (( ضَحَّى ))، بل قالوا: (( نَحَرَ ))، كما عند البخاري في “صحيحه” (1709)، أو (( ذَبَحَ ))، كما عند مسلم في “صحيحه” (1211)، وبعضهم قال: (( أَهْدَى ))، كما عند مسلم في “صحيحه” (1211).
1 ــ وقال الإمام ابن قيِّم الجَوزيَّة ــ رحمه الله ــ في كتابه “زاد المعاد في هَدي خير العِباد” (2/ 237):
«وأمَّا قول عائشة: (( ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالبَقَر )) فهو هَدي أُطْلِقَ عليه اسم الأضحية، وأنَّهن كنَّ مُتمتِّعات وعليهنَّ الهَدي، فالبقر الذي نحَرَه عنْهُنَّ هو الهَدي الذي يَلزَمُهنَّ».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (3/ 551):
«وقد رواه المُصنِّف في “الأضاحي”، ومسلم أيضًا، مِن طريق ابن عُيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: (( ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ )).
وأخرجه مسلم أيضًا، مِن طريق عبد العزيز الماجشون، عن عبد الرحمن، لكنْ بلفظ: (( أهْدَى )) بدَل: (( ضَحَّى)).
والظاهر: أنَّ التَّصرُّف مِن الرُّواة، لأنَّه ثبَت في الحديث ذِكر النَّحْر، فحمَلَه بعضهم على الأضحية، فإنَّ رواية أبي هريرة صريحة في أنَّ ذلك كان عمَّن اعتمر مِن نسائه، فقوِيَت رواية مَن رواه بلفظ: (( أهْدَى ))، وتبيَّن أنَّه هَدي التَّمتُع».اهـ
3 ــ وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلَم بفوائد مسلم” (4/ 245):
«وأمَّا قوله في الرِّواية الأُخْرَى فى هذا الحديث: (( وَضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ))، فليس المُراد بها الأضحية هنا، وإنَّما معناه: أهْدَى، بدليل الرِّوايات الأُخَر».اهـ
وقرَّر مثل هذا أيضًا: جمْعٌ عديد مِن أهل العلم بالحديث والفقه ــ رحمهم الله ــ.
الأمْر الثالث: ثبوت الأضحية في الحجِّ عن صحابة ــ رضي الله عنهم ــ، وإقرارهم الناس على ذلك.
1 ــ حيث قال عبد الرزاق ــ رحمه الله ــ في “مُصنَّفه” (8166):
عن محمد بن مُسلم، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قال:(( كَانَتْ تَذْبَحُ عَنْ نَفْسِهَا شَاةً بِمِنًى وَلَا تَذْبَحُ عَنَّا )).
وإسناده حسن.
ـــ وقال ابن أبي شَيبة ــ رحمه الله ــ في “مُصنَّفه”(14193):
حدثنا وكيع، عن أفلَح، عن القاسم، عن عائشة:(( أَنَّهَا كَانَتْ تَحُجُّ فَلَا تُضَحِّي عَنْ بَنِي أَخِيهَا )).
وإسناده حسن.
2 ــ وأخرج البيهقي (19197)، بإسناد صحيح، عن تَميم بن حُوَيصٍ المِصرِيَّ أنَّه قال:(( اشتَرَيتُ شَاةً بِمِنًى أُضْحِيَّةً فَضَلَّتْ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَضُرُّكَ )).
وهذا القول هو: الأقوى، لأمرين:
الأوَّل: عُموم النُّصوص المُرغِّبة في الأضحية دون تفريق بين حاج وغيره.
والثاني: آثار الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ في التضحية في الحج، والإقرار على الأضحية في الحج.
واختار هذا القول: النَّووي، وابن باز، والألباني.
القول الثاني: أنَّ الحاج لا يُسَن له أنْ يُضحِّي.
حيث قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “أضواء البيان” (5/ 205):
«وقد استثنى مالك وأصحابه: الحاجَّ بمِنىً، قالوا: لا تُسَنُّ له الأضحية، لأنَّ ما يَذبحَه هَديٌ لا أضحية».اهـ
وفي قولٍ عند الحنفية: لا تجب على الحاجِّ إنْ كان مسافرًا، وبعضهم قال: أو مُحْرِمًا.
حيث جاء في كتاب “الجوهرة النَّيرة على مُختصر القدوري” (2/ 186-187)، مِن كتب الحنفية:
«ولا تجب على: الحاجِّ المسافر، فأمَّا أهل مكة: فإنَّها تجب عليهم وإنْ حَجُّوا.
وفي “الْخُجَنْدِيِّ”: لا تجب على الحاجِّ إذا كان مُحْرِمًا، وإنْ كان مِن أهل مكة».اهـ
قلت:
وقد نُقِل تَرْك الأضحية في الحجِّ عن جمْعٍ مِن التابعين، ولا يَلزم أنْ يكون تركهم لأجل عدم الاستحباب أو الكراهة.
حيث أخرج ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (14192)، بإسناد صحيح عن إبراهيم النَّخعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال:(( كَانَ أَصْحَابُنَا يَحُجُّونَ وَمَعَهُمُ الْأَوْرَاقُ وَالذَّهَبُ فَمَا يَذْبَحُونَ شَيْئًا، وَكَانُوا يَتْرُكُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ )).
وفي لفظٍ لعبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8143)، بإسناد صحيح أيضًا: (( كَانُوا يَحُجُّونَ وَمَعَهُمُ الْأَوْرَاقُ فَلَا يُضَحُّونَ )).
وقول إبراهيم النَّخعي ــ رحمه الله ــ عن أصحابه: (( وَكَانُوا يَتْرُكُونَ مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَنَاسِكِ )): ظاهر في سبب ترْكهم الأضحية في الحج، وأنَّه خشيتهم أنْ تُشغلهم عمَّا هو أهم مِن مناسك الحج، وهو راجع إليهم لا إلى الحُكم.
ونُقِل تَرْك الأضحية في الحجِّ عن: نافع بن جُبير، والأسود، وعبد الرحمن بن يزيد، وعلْقَمة، وسالم، والشَّعبي، ومُجاهد، وأبي الأحوص، مِن التابعين.
واختار هذا القول: ابن تيمية، وابن قيِّم الجَوزيَّة، والشنقيطي، وابن عُثيمين.
وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “زاد المَعاد” (2/ 237)، رادًّا على ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ:
«ومذهبُه: أنَّ الحاج شُرِع له التضحية مع الهَدي.
والصَّحيح ــ إنْ شاء الله ــ: الطريقة الأولى، وهَدي الحاجِّ له بمنزلة الأضحية لِلمُقيم، ولم يَقل أحدٌ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه جمعوا بين الهَدي والأضحية، بل كان هَديُهم هو أضاحيهم، فهو هَدي بمِنًى، وأضحية بغيرها».اهـ
قلت:
وقد تقدَّم ثبوت الأضحية في الحجِّ: عن أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ فعلًا، ومَجيئه عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ إقرارًا.
وكفى بذلك حُجَّة، ورَدًّا.
القول الثالث: أنَّ الأضحية تَجب على المَكِّي وإنْ حجَّ، دون غيره.
وهو قولٌ: عند الحنفية.
حيث جاء في كتاب “الجوهرة النَّيرة على مُختصر القدوري” (2/ 186-187)، مِن كتب الحنفية:
«ولا تجب على: الحاجِّ المسافر، فأمَّا أهل مكة: فإنَّها تَجب عليهم وإنْ حَجُّوا.
وفي “الْخُجَنْدِيِّ”: لا تجب على الحاجِّ إذا كان مُحرِمًا، وإنْ كان مِن أهل مكة».اهـ
ومذهب أبي حنيفة ــ رحمه الله ــ هو:وجوب الأضحية على المُقيم.
وأهل مكة إنْ حجُّوا، فالمَشاعر لا تُخرجُهم عن حدِّ الإقامة، لأنَّ مسافتها ليست مسافة سَفَر، وهذا توجيه قولهم هذا، وليس فيه أيضًا أنَّ الأضحية لا تُستَحبُّ لِلحاجّ.
وقد قال الفقيه أبو بكر الجصَّاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مُختصر الطحاوي” (7/ 317):
«إلَّا أنَّ الفقهاء مُتفقون على: أنَّها غير واجبة على المُسافرين».اهـ
المسألة السادسة / عن حُكم الأضحية عن الميِّت.
قال المحدِّث أبو العُلا المُباركفوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “تُحفة الأحوذي” (5/ 66 – عند حديث رقم:1528):
«لم أجد في التضحية عن الميِّت مُنفرِدًا: حديثًا مرفوعًا صحيحًا.
وأمَّا حديث عليٍّ المذكور في هذا الباب: فضعيف كما عرَفت».اهـ
وقال الإمام أبو عيسى الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (1495):
«وقد رخَّص بعض أهل العلم: أنْ يُضحَّى عن الميِّت،ولم يَر بعضهم: أنْ يُضحَّى عنه.
وقال عبد الله بن المُبارَك: “أحَب إليَّ أنْ يُتصدَّق عنه، ولا يُضحَّى عنه، وإنْ ضَحَّى فلا يأكل مِنها شيئًا ويَتصدق بها كلها».اهـ
ولِلعلماء ــ رحمهم الله ــ في الأضحية عن الميِّت أقوال:
القول الأوَّل: أنَّه لا يُضَحَّى عن الميِّت.
وهو: قول عند الحنفية، وقول مالك، والمشهور عند الشافعية.
وكلام أهل هذا القول: دائر بين كراهة الأضحية عن الميِّت وتحريمها.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ نصّ كلامهم، مع قائله، ومصدره:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
1 ــ حيث قال الفقيه علاء الدِّين الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (5/ 72):
«وإنْ كان أحد الشُّركاء مِمَّن يُضحِّي عن ميِّت جاز، ورُوي عن أبي يوسف ــ رحمه الله ــ: أنَّه لا يجوز.
وذَكر في “الأصل”: إذا اشترَك سبعة في بَدَنة فمات أحدهم قبل الذبح فرضِي ورثته أنْ يُذبح عن الميِّت جاز استحسانًا، والقياس: أنْ لا يجوز.
وجْه القياس: أنَّه لمَّا مات أحدهم فقد سقط عنه الذَّبح، وذَبح الوارث لا يقع عنه، إذ الأضحية عن الميِّت لا تجوز.
وجْه الاستحسان: أنَّ الموت لا يَمنع التقرُّب عن الميِّت، بدليل أنَّه يجوز أنْ يُتصدَّق عنه، ويُحجَّ عنه، وقد صحَّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين، أحدهما عن نفسه، والآخَر عمَّن لا يَذبح مِن أُمَّته، وإنْ كان مِنهم مَن قد مات قبل أنْ يَذبح، فدَلَّ أنَّ الميِّت يجوز أنْ يُتَقَرَّب عنه، فإذا ذُبح عنه صار نَصيبه لِلقُربة، فلا يَمنع جواز ذبح الباقين».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “البحر الرائق شرح كنز الدقائق” (8/ 202)، مِن كتب الحنفية:
«وفي “الكبرى”: لو ضحَّى عن الميِّت بغير أمْره لا يجوز، وهو المُختار، وفي رواية:تجوز».اهـ
الثاني: المذهب المالكي.
1 ــ قال الإمام مالك بن أنس ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الجامع لِمسائل المُدونة” (5/ 850)، لِلفقيه أبي بكر الصِّقلي المالكي ــ رحمه الله ــ:
«وليس العمل أنْ يُضحِّي عن أبويه وقد ماتا، ولا يُعجِبني ذلك».اهـ
2 ــ وقال القاضي أبو الوليد الباجي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُنتقى شرح الموطأ” (3/ 100):
«وقد رَوى محمد، عن مالك: لا يُعجبني أنْ يُضحِّي الرَّجل عن أبويه الميِّتين».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “مواهب الجليل في شرح مُختصر خليل” (3/ 247)، مِن كتب المالكية:
«قال في “التوضيح”: قال مالك في “المَوَّازِيَّة: “ولا يُعجبني أنْ يُضحِّي عن أبويه الميِّتَين”.انتهى.
قال الشارح في “الكبير”: إنَّمَا كَره أنْ يُضحِّي عن الميِّت، لأنَّه لم يَرد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد مِن السَّلف، وأيضًا: فإنَّ المقصود بذلك غالبًا المُباهاة والمُفاخَرة».اهـ
4 ــ وجاء في كتاب “شرح مُختصر خليل” (3/ 42)، لِلفقيه الخرشي المالكي ــ رحمه الله ــ:
«(ص) وفِعلها عن ميِّت.
(ش) يعني: أنَّه يُكره لِلشخص أنْ يُضحِّي عن الميِّت خوف الرِّياء والمُباهاة، ولِعدم الوارد في ذلك، وهذا إذا لم يَعدُّها الميِّت وإلا فلِلوارث إنفاذها».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
1 ــ قال الإمام أبو محمد البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التهذيب في فقه الإمام الشافعي” (8/ 45):
«ولو ضحَّى عن الغير بغير أمْره: لا يجوز عنه، وكذلك: عن ميِّت إلا أنْ يكون قد أوصَى بِه».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو الحسين العمراني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البيان في مذهب الإمام الشافعي” (4/ 449):
«قال الطبري في “العدة”: وكذلك لو ضَحَّى عن ميِّت ولم يُوص بها لم يَجز».اهـ
ووجْه هذا القول:أنَّ النصوص الواردة في الأضحية كلها في حق الأحياء، ولم يُنقل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، أنَّهم ضَحوا عن ميِّت.
قلت:
1 ــ وقد تقدَّم في كتاب “مواهب الجليل في شرح مًختصر خليل” (3/ 247)، مِن كتب المالكية:
«قال الشارح في “الكبير”: إنَّما كَرِه أنْ يُضحِّي عن الميِّت، لأنَّه لم يَرد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد مِن السَّلف».اهـ
2 ــ وقال الفقيه حمد بن ناصر بن مُعمَّر الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية” (5/ 401):
«لأنَّ التضحية عن الميِّت: لم يكن معروفًا عن السَّلف».اهـ
3 ــ وقال العلامة العُثيمين ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نور على الدرب” (8/ 338):
«والذي جاءت بِه السُّنة، هي: الأضحية عن الأحياء.
فالنَّبي صلى الله عليه وسلم مات له أقارب، ولم يُضحِّ عنهم، وكلُّ أولاده تَوفَّوا قبله إلا فاطمة ــ رضي الله عنها ــ، ومِنهم مَن بلغ الحُلم، ومِنهم مَن لم يَبلغ الحُلم، فأبناؤه ماتوا قبل أنْ يَبلغوا الحُلم، وبناته مُتن بعد أنْ بلَغْن الحُلم إلا فاطمة، فقد بقِيَت بعده ــ رضي الله عنها ــ، وأيضًا ماتت له زوجتان خديجة وزينب بنت خُزيمة، ولم يُضح عنهما، واستشهد عمُّه حمزة بن عبد المطلب، ولم يُضح عنه، فهو لم يَشرع الأضحية عن الميِّت بنفسه، ولم يَدعُ أمَّته إلى ذلك.
وعلى هذا فنقول: ليس مِن السُّنة أنْ يُضحِّي عن الميِّت، لأنَّ ذلك لم يَرد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا عَلِمتُه واردًا عن الصحابة أيضًا.
وإذا أوصَى الميِّت أنْ يُضحِّي عنه، فهُنا تُتَّبع وصيته، ويُضحِّي عنه اتِّباعًا لِوصيته.
وكذلك: إذا دخل الميِّت مع الأحياء ضِمنًا، كأن يُضحِّي الإنسان عنه وعن أهل بيته، ويَنوي بذلك الأحياء والأموات، وأمَّا أنْ يُفرِد الميِّت بأضحية مِن عنده، فهذا: ليس مِن السُّنة».اهـ
القول الثاني: جواز الأضحية عن الميِّت.
وهو: قول عند الحنفية، عليه أكثرهم، وقول بعض الشافعية، وقول طائفة مِن مُتأخِّري الحنابلة.
وبعض أهل هذا القول: قد نصَّوا على الجواز، وبعضهم: ذهب إلى الاستحباب.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ نصّ كلامهم، مع قائله، ومصدره:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
1 ــ تقدَّم أنَّه جاء في كتاب “البحر الرائق شرح كنز الدقائق” (8/ 202)، مِن كتب الحنفية:
«وفي “الكبرى”: لو ضحَّى عن الميِّت بغير أمْره لا يجوز، وهو المُختار، وفي رواية:تجوز».اهـ
2 ــ ولكن قال الفقيه السِّندي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في حاشيته على “مُسند الإمام أحمد” (2/ 205 ــ عند حديث رقم: 843 ــ طبعة: الرسالة):
«هذا: وقد نَمق علماؤنا على الجواز.
ففي “الوَلْوالجية”: رجلٌ ضحَّى عن الميِّت جاز إجماعًا، وهل يَلزمه التصدُّق بالكل؟ تكلَّموا فيه، والمُختار: أنَّه لا يَلزَمُه، لأنَّ الأجر لِلميِّت جارٍ إجماعًا، والمِلْك لِلمُضَحي».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “حاشية رَدِّ المُختار على الدّر المُختار شرح تنوير الأبصار” (6/ 326)، لِلفقيه ابن عابدين الحنفي ــ رحمه الله ــ:
«قال في “البدائع”: لأنَّ الموت لا يَمنع التقرُّب عن الميِّت، بدليل أنَّه يجوز أنْ يُتصدق عنه، ويُحج عنه، وقد صحَّ أنَّ رسول الله ضحَّى بكبشين، أحدهما عن نفسه، والآخَر عمَّن لم يَذبح مِن أُمَّته، وإنْ كان مِنهم مَن قد مات قبل أنْ يذبح».اهـ
الثاني: المذهب الشافعي.
1 ــ جاء في كتاب “النَّجم الوهاج في شرح المِنهاج” (9/ 522)، لِلفقيه كمال الدِّين الدَّمِيري الشافعي ــ رحمه الله ــ:
«قال: [ ولا عن ميِّت إنْ لم يُوص بها ] لِقوله تعالى: { وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى }، وجوَّزها: أبو الحسن العبادي، ومنعها: البغوي.
قال الرافعي: والقياس جوازها عنه، لأنَّها ضَربٌ مِن الصدقة، والصدقة تَصِح عن الميِّت وتَصِل إليه بالإجماع».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “تُحفة المُحتاج في شرح المِنهاج وحواشي الشرواني والعبادي” (9/ 368 ــ حاشية الشرواني)، مِن كتب الشافعية:
«وقيل: تَصِح التضحية عن الميِّت وإنْ لم يُوص، لأنَّه ضَربٌ مِن الصدقة، وهي تَصِح عن الميِّت وتنفعه».اهـ
الثالث: المذهب الحنبلي.
1 ــ جاء في كتاب “المُبدِع في شرح المُقنِع” (3/ 271)، لِلفقيه برهان الدِّين أبو إسحاق ابن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ:
«وهي عن ميِّت: أفضل، ويُعمل بها: كأضحية الحَيِّ».اهـ
2 ــ وقال الفقيه عثمان بن قائد الحنبلي النَّجدي ــ رحمه الله ــ في حاشيته على كتاب “مُنتهى الإرادات” (2/ 196):
«قوله: [ وعن ميِّت أفضل ] يَعني: أنَّ تضحية الإنسان عن ميِّت أفضل مِنها عن حَيٍّ، لِشدَّة حاجة الميِّت.
وقوله: [ كعَن حَيٍّ ] يعني: مِن أكل وإهداء وصدقة».اهـ
3 ــ وقال الفقيه عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُرْبِع” (4/ 238):
«وهي عن ميِّت: أفضل، لِعجزه، واحتياجه للثواب، ويُعمل بها: كأضحية الحَيِّ، قال الشيخ وابن القيِّم وغيرهما: “التضحية عن الميِّت أفضل مِن الصدقة بثمنها”».اهـ
ـــ وقال أيضًا في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 520):
«ورخَّص بعض أهل العلم: في الأضحية عن الميِّت، ومنَعه: بعضهم، وقول مَن رخَّص: مُطابِقٌ لِلأدلة، ولا حُجَّة: مع مَن منَع».اهـ
4 ــ وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (26/ 306):
«وتجوز الأضحية: عن الميِّت، كما يجوز الحج عنه، والصدقة عنه».اهـ
5 ــ وقال العلامة عبد العزيز ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نور على الدرب” (18/ 190):
«الضَّحية: سُنَّة عن الحَيِّ والميت، والذي يقول: إنَّها بدعة، قد غلط.
والصواب: أنَّها سُنَّة عن الحَيِّ والميِّت، قد ضحَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أحدهما عن محمد وآله، وفيهم الميِّت كبَناته، وضحَّى بكبش ثانٍ عمَّن وحدَّ الله مِن أمَّة محمد، وفيهم الحَي والميِّت، فالضَّحية عن الميِّت قُرْبة وطاعة كالحيِّ، فإذا ضحَّى عن أبيه الميِّت أو عن أمِّه الميِّتة، أو عن أخيه أو زوجته، كله قُرْبة، وكله طاعة».اهـ
واحتُجَّ لهذا القول بأمرين:
الأمْر الأوَّل: ما صحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال حين ذَبح أضحيته:(( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).
[ رواه: مسلم (1967). ]
وقالوا: هذا الذبح يَشمل الحّيَّ والميِّت مِن أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأُجِيبَ عن هذا الاستدلال: بأنَّ هذا الفعل خاصٌّ بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، بدليل عدم فِعل الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ له، كما نصَّ على ذلك عديد مِن أهل العلم.
وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل” (4/ 354):
«ما جاء فى هذه الأحاديث مِن تضحيته صلى الله عليه وسلم عمَّن لم يُضح مِن أمَّته، هو: مِن خصائصه صلى الله عليه وسلم، كما ذَكره الحافظ فى “الفتح” (9/ 514) عن أهل العلم.
وعليه: فلا يجوز لأحد أنْ يَقتدى بِه صلى الله عليه وسلم فى التضحية عن الأُمَّة».اهـ
الأمْر الثاني: القياس على الصدقة، وهي جائزة عن الميِّت وتنفعه بالإجماع.
وقالوا: الأضحية ضَربٌ مِن الصدقة.
وأُجِيبَ عن هذا الاستدلال: بأنَّ القياس هُنا لا يَنتظم، لأنَّ: مقصود الصدقة عن الميِّت بالشاة المُستقِلَّة هو اللحم، فتُعطى لِلفقراء لِيذبحوها ويأكلوا لحمها، أو تُذبح ويُدفع إليهم لحمها، وأمَّا شاة الأضحية:فمقصودها إراقة الدم في وقتٍ مخصوصٍ تقرُّبًا إلى الله تعالى، واللحم تبَعًا، وسُنَّته التثليث.
وقال الفقيه السِّندي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في حاشيته على “مُسند الإمام أحمد” (2/ 205 ــ عند حديث رقم: 843 ــ طبعة: الرسالة):
«القياس على الصدقة: لا يَخلو عن خفاء، لأنَّ الأضحية تَحْصُل بإهراق الدم، ولا يُتوقِف على التَّصدق باللحم».اهـ
قلت:
وأمَّا ما أخرجه أحمد (843)، وأبو داود (2790) واللفظ له، والترمذي (1495)، وغيرهما، مِن طريق شَريك، عن أبي الحَسناء، عن الحَكم، عن حَنَشٍ، قال: (( رَأَيْتُ عَلِيًّا يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ» ))، فهو حديثٌ ضعيف.
لأنَّ في إسناد: شَريك بن عبد الله، وهو ضعيف، وجهالة أبي الحَسناء، وحَنشٌ أيضًا: فيه كلام.
حيث قال عنه المُحدِّث المُناوي الشافعي ــ رحمه الله ــ: «تكلَّم فيه غير واحد، وقال ابن حِبَّان البُسْتي: “وكان كثير الوَهْم في الأخبار، تفرَّد عن عليٍّ بأشياء لا تُشبه حديث الثقات».اهـ
وقد أعَلَّ هذا الحديث: الترمذي، والبيهقي، وعبد الحق الإشبيلي، والمُنذري، وابن القطان الفاسي، والدَّميري، وأبو العُلا المُبارَكفُوري، والألباني.
وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع فتاويه ورسائله” (25/ 27 أو 17/ 270):
«الحديث: سنده ضعيف عند أهل العلم».اهـ
تنبيهان مُهمَّان:
التنبيه الأوَّل: إذا أوصَى الميِّت بأنْ يُضحَّى عنه، وتَرَك لِلأضحية عن مالًا، فإنَّ وصيَّته تُنفَّذ.
وهذا هو: المشهور عند أهل العلم.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض ما وقفت عليه مِن كلام حول هذه المسألة وما يُشبهها.
الأوَّل: المذهب الحنفي.
جاء في كتاب “حاشية ابن عابدين” (6/ 326)، مِن كتب الحنفية:
«فرع:قوله: [ وعن ميِّت ] أي: لو ضحَّى عن ميِّت وارثه بأمْره: ألزَمَه بالتصدق بها، وعدم الأكل مِنها، وإنْ تبرَّع بِها عنه: له الأكل، لأنَّه يَقع على مِلْك الذابح، والثواب لِلميِّت».اهـ
الثاني: المذهب المالكي.
1 ــ جاء في كتاب “شرح مُختصر خليل” (3/ 42)، لِلفقيه الخرشي المالكي ــ رحمه الله ــ:
«(ص) وفِعلها عن ميِّت.
(ش) يعني: أنَّه يُكره للشخص أنْ يُضحِّي عن الميِّت، وهذا: إذا لم يَعدّها الميِّت، وإلا: فلِلوارث إنفاذها».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “حاشية العدوي” بهامش “شرح مُختصر خليل” (3/ 42)، لِلفقيه الخرشي المالكي ــ رحمه الله ــ:
«[ قوله: وفِعلها عن ميِّت ] ما لم يكن وقفَ وقفًا وشرَطها فيه، وإلا: وجَب فِعلها عنه».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “الخُلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية” (ص: 265):
«مكروهاتها ثمانية: وفِعلها عن ميِّت إنْ لم يكن عيَّنها قبل موته، وإلا: فَينْدب لِلوارث إنفاذها».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
1 ــ قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مِنهاج الطالبين وعُمدة المُفتين في الفقه” (ص: 321):
«ولا تَضحية عن الغير بغير إذنه، ولا عن ميٍّت إنْ لم يُوص بِها».اهـ
2 ــ وقال الفقيه شمس الدِّين الخطيب الشِّربيني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مُغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المِنهاج” (6/ 137):
«فإنْ أوصَى بِها: جاز».اهـ
الرابع: المذهب الحنبلي.
1 ــ جاء في كتاب “المُبدِع في شرح المُقنِع” (3/ 271)، لِلفقيه برهان الدِّين أبو إسحاق ابن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ:
«وهي عن ميِّت: أفضل، ويُعمل بها: كأضحية الحَيِّ».اهـ
وإذا كان التَّبرُّع بالأضحية عن الميِّت أفضل، فإنفاذ وصيَّته بها أولى وأقوى وآكد.
2 ــ وجاء في كتاب “مطالب أُولِي النُّهى في شرح غاية المُنتَهى” (2/ 472)، مِن كتب الحنابلة:
«[ ويُعمل بها ] أي: الأضحية عن ميِّت [ ك ] أضحية [ عن حَيٍّ ] مِن أكل وصدقة وهدية [ وتَجب ] التضحية [ بنَذر ]».اهـ
3 ــ وقال العلامة عبد العزيز ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مجموع فتاويه” (18/ 40):
«أمَّا الأضحية عن الميت، فإنْ كان أوصَى بها في ثلث ماله مَثلًا أو جعلها في وقفٍ له، وجَب على القائم على الوقف أو الوصية تنفيذها».اهـ
4 ــ وقال العلامة العُثيمين ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نُور على الدَّرب” (8/ 338):
«وإذا أوصَى الميِّت أنْ يُضحِّي عنه: فهُنا تُتَّبع وصيّته، ويُضحِّي عنه اتِّباعًا لِوصيته».اهـ
التنبيه الثاني: عن كيفية التَّصرُّف في لَحم الأضحية عن الميِّت، وهل هو كلَحم أضحية الحَي.
اختلف العلماء ــ رحمهم الله ــ في هذه المسألة على أقوال عِدَّة.
فمِنهم مَن قال: يأكل ويتصدق ويهدي.
ومِنهم مَن قال: إنْ كانت الأضحية تبرُّعًا مِن الحَيِّ عن الميِّت أكل، وإنْ كانت مِن مال الميِّت لم يأكل.
ومِنهم مَن قال: لا يأكل، ويَتصدق بجميع لحمها.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلامهم مع مصدره، ونصِّه، وقائله:
1 ــ قال الإمام أبو عيسى الترمذي ــ رحمه الله ــ في “سُننه” (1495):
«وقال عبد الله بن المُبارَك: “أحَبُّ إليَّ أنْ يُتصدق عنه ولا يُضحَّى عنه، وإنْ ضحَّى فلا يأكل مِنها شيئًا، ويَتصدق بِها كلها».اهـ
2 ــ وقال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “عارِضَة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي” (5/ 290-291)، في شرح كلام الإمام عبد الله المبارك ــ رحمه الله ـ هذا:
«وإنَّما قال: “لا يأكل مِنها شيئًا”، لأنَّ الذابح لم يَتقرَّب بها عن نفسه، وإنَّما تَقرَّب بها عن غيره، فلم يَجُز له أنْ يأكل مِن حق الغير شيئًا».اهـ
3 ــ وجاء في “حاشية ابن عابدين” (6/ 326) مِن كتب الحنفية:
«فرع: قوله: [ وعن ميِّت ] أي: لو ضحَّى عن ميِّت وارثُه بأمْره: ألزَمه بالتصدق بها وعدم الأكل مِنها، وإنْ تبرَّع بها عنه: له الأكل، لأنَّه يقع على مِلْك الذابح، والثواب لِلميِّت».اهـ
4 ــ وجاء في كتاب “النَّجم الوهَّاج في شرح المِنهاج” (9/ 523)، مِن كتب الشافعية:
«قال القفال: إذا جوَّزنا الأضحية عن الميَّت، لا يجوز الأكل مِنها لأحد، بل يَجب أنْ يُتصدق بجميعها، لأنَّ الأضحية وُضِعَت عنه، فلا يجوز الأكل مِنها إلا بإذنه، وهو مُتعذِّر، فوجَب التصدُّق بها عنه».اهـ
5 ــ وجاء في كتاب “شرح مُنتَهى الإرادات” (1/ 612)، مِن كتب الحنابلة:
«[ ويُعمل بها ] أي: الأضحية عن ميِّت [ ك ] أضحية [ عن حَيٍّ ] مِن أكل وصدقة وهدية».اهـ
6 ــ وقال الفقيه عثمان بن قائد الحنبلي النَّجدي ــ رحمه الله ــ في حاشيته على كتاب “مُنتهى الإرادات” (2/ 196):
«قوله: [ وعن ميِّت أفضل ] يَعني: أنَّ تضحية الإنسان عن ميِّت أفضل مِنها عن حَيٍّ، لِشدَّة حاجة الميِّت.
وقوله: [ كعَن حَيٍّ ] يعني: مِن أكل وإهداء وصدقة».اهـ
ووجْه القول بجواز الأكل والتصدُّق والإهداء مِن الأضحية عن الميِّت:
أنَّ الأكل والصدقة والإهداء سُنَّة لَحم الأضحية شرعًا، والأكمل دِينًا، وتتعلَّق بلَحم الأضحية وليس بالشخص المُضَحَّى عنه، والأعظم أجرًا لِلمُضَحَّى عنه فِعل الأمر المُوافق لِلسُّنة، والإذن الشرعي يَكفي عن الإذن العُرفي، والظن بالميِّت إن كان حيًّا أنْ يَفرح بالعمل بالأكمل.
والمُتبرِّع والوكيل أيضًا قد قاما مقام المُضَحَّى عنه، فحَلَّ لَهما الأكل كما حلَّ لَه.
المسألة السابعة / عن ذبح الأضحية والتصدُّق بثمنها أيُّهما أفضل؟
ذهب أكثر العلماء ــ رحمهم الله ــ إلى: أنَّ ذبح الأضحية أفضل مِن التَّصدُّق بثمنها على الفقراء.
مِنهم: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
واختاره: ابن تيمية، وابن قيِّم الجوزية، وابن باز، وابن عثيمين.
1 ــ وقال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 523):
«وصرَّح ابن القيِّم، وغيره: بتأكد سُنِّيتها، وأنَّ ذبْحها أفضل مِن الصدقة بثمنها، لأنَّه صلى الله عليه وسلم وخلفاءه واظبوا عليها، وعَدلوا عن الصدقة بثمنها، وهُم لا يُواظبون إلا على الأفضل».اهـ
2 ــ وقال الفقيه بدر الدّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 30)، في ترجيح هذا القول:
«لأنَّ: إراقة الدم في هذه الأيَّام أفضل، لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء ــ رضي الله عنهم ــ بعده ضَحَّوا فيها، ولو كان التَّصدُّق أفضل لاشتغلوا بِه».اهـ
3 ــ وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (24/ 222):
«والنَّحر: أفضل مِن الصدقة، لأنَّه يَجتمع فيه العبادتان البَدَنية والمالية، فالذبح عبادة بدَنِية ومالية، والصدقة والهَدِية عبادة مالية».اهـ
4 ــ وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تُحفة المودود بأحكام المولود”: (ص: 65):
«الذَّبح في موضعه: أفضل مِن الصدقة بثمنه، ولو زاد، كالهدايا والأضاحي، فإنَّ نفس الذَّبح وإراقة الدَّم مقصود، فإنَّه عبادة مقرونة بالصلاة، كما قال تعالى: { فَصَلِّ لِرَبِّك وانْحَر }، وقال: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ونُسُكِي ومَحْيَاي ومَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالمِين }، ففي كل مِلَّة صلاة ونَسيكة لا يقوم غيرهما مقامهما، ولِهذا لو تصدق عن دم المُتْعَة والقِران بأضعاف أَضعاف القِيمة لم يَقم مقامه، وكذلك الأضحية».اهـ
ولمَّا قال الحافظ ابن المُنذر النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف” (3/ 421 ــ مسألة:1697):
«وقال أحمد وإسحاق: “العقيقة أحبُّ إليَّ مِن أنْ يُتصدَّق بثمنها على المساكين”».اهـ
قال عقب ذلك: «صدَق أحمد، إتِّبَاع السُّنن أفضل».اهـ
المسألة الثامنة / عن الأجناس التي يُضحَّى بها مِن الحيوان.
الأنواع التي تُجزئ الأضحية بها مِن الحيوان باتفاق العلماء، هي: الإبل، والبقر، والضَّأن، والمَعز، ذكورًا وإناثًا.
حيث قال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 188):
«والذي يُضحَّى بِه بإجماعٍ مِن المسلمين: الأزواج الثمانية، وهي: الضأن، والمَعز، والإبل، والبقر».اهـ
وجُعِلَت ثمانية: باعتبار ذُكورها وإناثها، وإلا فهي في الأصل أربعة.
ومَن ضَحَّى بغير هذه الأصناف: لم تُجزئه عند عامَّة العلماء، الأئمة الأربعة، وغيرهم.
1 ــ بل قال الفقيه أبو بكر الجصَّاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مُختصر الطحاوي” (7/ 327):
«لا خِلاف: في ذلك بين أهل العلم».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (12/ 274):
«اختلف العلماء: فيما لا يجوز مِن أسنان الضَّحايا والهدايا،بعد إجماعهم: أنَّها لا تكون إلا مِن الأزواج الثمانية».اهـ
3 ــ وقال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المُجتهد ونهاية المقتصد” (2/ 435):
«كلُّهم مُجمِعون على: أنَّه لا تجوز الضَّحية بغير بهيمة الانعام، إلا ما حُكي عن الحسن بن صالح أنَّه قال: “تجوز التضحية ببقرة الوحش عن سَبعة، والظبي عن واحد”».اهـ
4 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 366):
«نَقل جماعة إجماع العلماء: أنَّ التَّضحية لا تصحُّ إلا بالإبل أو البقر أو الغنم، فلا يُجزئ شيء مِن الحيوان غير ذلك.
وحَكَى ابن المُنذر عن الحسن بن صالح: أنَّه يجوز أنْ يُضحَّى ببقر الوحش عن سَبعة، وبالضِّبَا عن واحد، وبِه قال: داود في بقرة الوحش».اهـ
ـــ وبنحوه أيضًا قال: في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 125 ــ عند حديث رقم:1963):
ولا فرْق بين ذُكور بهيمة الأنعام وإناثها في الإجزاء: باتفاق العلماء.
حيث قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 369):
«يَصِحُّ التَّضحية بالذَّكر والأنثى: بالإجماع».اهـ
ويُلحَق الجاموس: بالبقر، لأنَّه نوع مِنه، فتُجزئ الأضحية بِه.
1 ــ حيث قال الحافظ ابن المُنذر النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف” (3/ 12):
«وأجمع كل مَن نَحفظ عنه مَن أهل العلم على: أنَّ الجواميس بمنزلة البقر، كذلك قال: الحسن البصري، والزُّهري، ومالك، والثوري، وإسحاق، والشافعي، وأصحاب الرأي، وكذلك:نقول».اهـ
ـــ وقال أيضًافي كتابه “الإجماع (ص:45): «وأجمعوا على: أنَّ حُكم الجواميس حُكم البقر».اهـ
2 ــ وقال صاحب كتاب “النَّير” كما في كتاب “الإقناع في مسائل الإجماع” (2/ 657 ــ مسألة:1154)، لابن القطان الفاسي المالكي ــ رحمهما الله ــ:
«وأجمعوا: أنَّ الجواميس بمنزلة البقر، وأنَّ: اسم البقر واقع عليها».اهـ
المسألة التاسعة / عن أفضل ما يُضحَّى بِه مَن بهيمة الأنعام.
أفضلُ ما يُضحَّى بِه مِن بيهمة الأنعام، هو: الإبل، ثُمَّ البقر، ثُمَّ الضَّأن، ثُمَّ المَعز، ثُمَّ سُبع بَدنَة، ثُمَّ سُبع بقرة.
وإلى هذا: ذهب أكثر العلماء مِن السَّلف الصالح فمَن بعدهم.
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحهعلى “صحيح مسلم” (13/ 126 ــ عند حديث رقم:1963):
«ومذهبنا، ومذهب الجمهور: أنَّ أفضل الأنواع: البَدَنة، ثم البقرة، ثم الضَّأن، ثم المَعز، وقال مالك: الغنم أفضل».اهـ
ويَدُلُّ على هذه الأفضلية التي ذهب إليها أكثر العلماء عِدَّة أدلة:
الدليل الأوَّل: قول النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح في حديث ساعات يوم الجمعة: (( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ )).
[ رواه: البخاري (881)، ومسلم (850)، مِن حديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ. ]
والمراد بالبَدَنَة هنا: «الناقة مِن الإبل».
1 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحهعلى “صحيح مسلم” (9/ 65):
«قال أهل اللغة: سُمِّيَت البَدَنَة لِعظَمِها، ويُطلَق على الذَّكر والأُنْثَى، ويُطلَق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللُّغة.
ولكنَّ مُعْظَم استعمالها في الأحاديث وكتب الفقه: في الإبل خاصَّة».اهـ
ووجْه الاستدلال مِن هذا الحديث: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قدَّم الإبل في التَّقرُّب إلى الله سبحانه، فجعلَها في الدرجة الأولى، وجعلَ البقر في الدرجة الثانية، والغنم في الدرجة الثالثة.
2 ــ وقال الفقيه سِراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التوضيح لِشرح الجامع الصَّحيح” (5/ 16):
«فالشافعي، والأكثرون: ذهبوا إلى أنَّ التضحية بالبُدْن أفضل مِن البقر، لتقديم البَدَنَة على البقرة في حديث ساعة الجُمعة».اهـ
الدليل الثاني: قول النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح حين سُئل: أيُّ الرقاب أفضل؟ قال:(( أَعْلاَهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا )).
[ رواه: البخاري (2581)، واللفظ له، ومسلم (84)، مِن حديث أبي ذَرٍّ ــ رضي الله عنه ــ. ]
ووجْه الاستدلال مِن هذا الحديث: أنَّ الإبل أغلَى في الثَّمن، وأنفَس مِن البقر، والبقر أغلَى وأنفَس مِن الغنم، وأكثر لحمًا ونفعًا للفقراء.
الدليل الثالث: القياس على الهَدي في الحجّ.
1 ــ حيث قال الفقيه رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 320):
«العلماء متفقون على: أنَّ الأفضل في الهَدايا الإبل، ثُمَّ البقر، ثُمَّ الغنم، ثُمَّ المَعز».اهـ
ووجْه ذلك في الأضحية: أنَّ الهَدي مِن أعظَم شعائر الحُجَّاج أيَّام النَّحر، والأضحية مِن أعظَم شعائر غير الحُجَّاج في الأمصار، وهُما جميعًا نُسُك بالنَّص، وأيَّام ذبحهما واحدة، وطريقة التصرُّف في لحمهما مُتَّفِقَة، ويكونان مِن الأصناف الأربعة، ويُجزئ فيهما سُبع البَدَنَة والبقرة، والسِّن فيهما واحد، والعيوب نفسها، فكانا كذلك في الأفضلية.
2 ــ وقال الفقيه زَين الدِّين المُناوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فيض القدير شرح الجامع الصغير” (3 / 469 ــ رقم:4000):
«قوله: (( خَيْرُ الأُضْحِيَةِ الكَبْشُ الأَقْرَنُ )) ما له قَرْنان حسَنان أو معتدلان.
وتَمسَّك بهذا مالك في ذهابه إلى: أنَّ التضحية بالغنم أفضل مِن الإبل والبقر، وخالفه: الشافعي، وأبو حنيفة، كالجمهور.
وتأوَّلوه: على تفضيل الكبْش على مساويه مِن الإبل والبقر، فإنَّ البَدَنَة أو البقرة تُجزئ عن سَبعة، فالمُراد تفضيل الكبْش على سُبُع واحدةٍ مِنهما أو تفضيل سَبْعٍ مِن الغنم على بَدَنَة أو بقرة، ذَكره أبو زُرعة».اهـ
المسألة العاشرة / عن الاشتراك بين المُضحِّين بالإبل والبقر.
وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:
الفرع الأوَّل: عن حُكم اشتراك أكثر مِن مُضَحٍّ في ناقة واحدة أو بقرة واحدة.
يجوز أنْ يَشترك في البعير أو البقرة سَبعة مِن المُضَحِّين، ولا يجوز أكثر مِن سَبعة.
وإلى هذا: ذهب أكثر أهل العلم.
وقد نَسبَه إليهم: ابن عبد البَرِّ المالكي في كتابه “الكافي في فقه أهل المدينة” (1/ 420)، ومُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي في كتابه”المُغني” (13/ 363)، وغيرهما.
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذّب” (8/ 371):
«يجوز أنْ يَشترك سبعة في بَدَنَة أو بقرة لِلتضحية، سواء كانوا كلَّهم أهل بيتٍ واحدٍ أو مُتفرِّقين، أو بعضهم يُريد اللَّحم فيُجزئ عن المُتقرِّب، وسواء كان أضحية مَنذورة أو تطوعًا.
هذا: مذهبنا، وبِه قال: أحمد، وداود، وجماهير العلماء».اهـ
قلت:
ودليلهم على ذلك: القياس على الهَدي في الحج، لأنَّ: الجميع نُسُكٌ بالنَّص، ويَشتركان في كثير مِن الأحكام.
وقد قال جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ: (( حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ )).
[ رواه: مسلم (1318). ]
وقال الفقيه علاء الدِّين الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (5/ 70):
«ولا يجوز: بعير واحد ولا بقرة واحدة عن أكثر مِن سبعة، ويجوز ذلك عن سبعة أو أقل مِن ذلك، وهذا قول: عامَّة العلماء.
وقال مالك – رحمه الله -: يُجزئ ذلك عن أهل بيت واحد، وإنْ زادوا على سبعة، ولا يُجزئ عن أهل بيتين، وإنْ كانوا أقل مِن سبعة.
والصَّحيح: قول العامَّة».اهـ
الفرع الثاني: عن حُكم اشتراك أهل البيت الواحد في الأضحية بسُبع بعير أو سُبع بقرة.
لا رَيب أنَّ الأفضل لِمُريد الأضحية عن نفسه، وعن أهل بيته: أنْ يُضحِّيَ بشاة واحدة مِن الغنم.
وقد دَلَّ على هذه الأفضلية ثلاثة أمور:
الأمْر الأوَّل: ثبوت تشريك أهل البيت الواحد في الرأس الواحد مِن الغنم في الأضحية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، بخلاف التشريك في سُبع البَدَنَة أو البقرة فلم يأت فيه حديث ولا أثَر.
1 ــ حيث صحَّ عن أبي أيوب الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّه سُئل: (( كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» )).
[ رواه: الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، وغيرهما. ]
وصحَّحه: الترمذي، وابن العربي، ومُوفَّق الدِّين ابن قُدامة المقدسي، والسُّيوطي، والألباني.
2 ــ وصحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال حين ذبَح أضحيته:(( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).
[ رواه: مسلم (1967). ]
3 ــ وجاء بسند صحيح عن التابعي عِكرمة ــ رحمه الله ــ:(( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ كَانَ يَذْبَحُ الشَّاةَ يَقُولُ أَهْلُهُ: وَعَنَّا، فَيَقُولُ: وَعَنْكُمْ )).
[ رواه: عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8152). ]
وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنِية في الأجوبة النَّجدية” (5/ 406):
«وأمَّا في الفضل فقد ذَكر العلماء: أنَّ الشاة أفضل مِن سُبع بَدَنَة».اهـ
الأمْر الثاني: أنَّ الأضحية بشاة واحدة تَقَرُّبٌ إلى الله تعالى بدمٍ كامل مُستقِل، والتَّضحية بسُبع بَدَنَة أو سُبع بقرة تَقَرُّبٌ بدمٍ مُشرَّك مُبعَّض، والقُربَة بالدم المُستقِل أفضل مِن القُربَة بالدم المُشرَّك.
الأمر الثالث: أنَّ في ترْك الأضحية عن أهل البيت الواحد بسُبع بدَنَة أو سُبع بقرة والتضحية عنهم بشاة لُزوٌ سبيل الاحتياط لِهذه القُرْبة، والخروج مِن خلاف العلماء إلى مَحل الاطمئنان لِلقبول والإجزاء.
وقد قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (2/ 23 ــ عند حديث رقم:49):
«لكن إنْ ندَبَه على جهة النَّصيحة إلى الخروج مِن الخلاف فهو: حسنٌ محبوب مندوب إلى فِعله برفق.
فإنَّ العلماء متفقون على: الحَث على الخروج مِن الخلاف إذا لم يَلزم مِنه إخلال بسُنَّة أو وقوع في خلاف آخَر».اهـ
قلت:
فإنْ أشرَك الرَّجل في سُبع البعير أو سُبع البقرة أهل بيته معه: ففي الإجزاء تَردُّد شديد، ونظر قوي، والبُعد عنه أسلَم.
وذلك لأوجُه ثلاثة:
الوجْه الأوَّل: أنَّ تشريك جميع أهل البيت في سُبع بعير أو سُبع بقرة لم يأت فيه نصٌّ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولا أثَرٌ عن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، وإنَّما ورَدَ في الشاة الكاملة، فيُقتَصَر على ما ورَد في النَّص، ولا يُتجاوز.
1 ــ وقال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 150):
«سُبع البَدَنَة: لا يُجزئ إلا عن شخص واحد.
والدليل: إنَّما يُطلب مِمَّن أجازه، لأنَّه: المُدَّعي إجزاء السُبع عن اثنين فصاعدًا، ولا فرْق في ذلك بين الهدايا والضحايا، ولا يَجد مُدَّعِي ذلك إلى تحصيل الدليل سبيلًا، والنُّسُك عبادة مَحْضَة، والعبادات توقيفية».اهـ
2 ــ وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنِية في الأجوبة النَّجدية” (5/ 406):
«وأمَّا مسألة التشريك في سُبع البَدنة أو البقرة: فلم أرَ ما يَدُلُّ على الجواز، ولا عدمه».اهـ
الوجْه الثاني: أنَّ تشريك جميع أهل البيت في سُبع بعير أو سُبع بقرة لم يُنقل فِعله عن السَّلف الصالح مِن أهل القرون الأولى المُفضَّلة.
1 ــ حيث قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 149) عن هذا التشريك:
«ما جاء: عن السَّلف فِعل ذلك، لا في الهدايا ولا في الضحايا».اهـ
2 ــ وقال العلامة عبد الله بن محمد بن حُميد ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنِية في الأجوبة النَّجدية” (5/ 408):
«أمَّا الاشتراك في سُبع البَدنة: فلم أرَ أحدًا مِن أهل العلم يقول بِه.
بل: أفتى الرَّملِي الشافعي وبعض فقهاء نَجْد قبْل هذه الدعوة بالمَنع، لِمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (( تُجزئ الشاة عن الرَّجل وأهل بيته ))، ولأنَّ: الشاة دم مُستقِل، بخلاف سُبع البَدنة، فإنه شِرْكة في دم، ولِعدم مساواته لَها في العقيقة والزكاة، فحينئذ يُقتصَر على مَورِد النَّص».اهـ
الوجْه الثالث: أنَّ سُبع البعير أو سُبع البقرة في نُسك الهَدي لا يُجزئ إلا عن نفس واحدة بالنَّص والإجماع، فكذلك في نُسك الأضحية بالقياس.
حيث قال جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ: (( حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ )).
[ رواه: ومسلم (1318). ]
ووجْه الاستدلال مِن هذا الحديث: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أقام سُبع البعير وسُبع البقرة في الهَدي مقام الواحدة مِن الغنم، والواحدة مِن الغنم لا تُجزئ إلا عن نفسٍ واحدة، فكذلك السُبع في الأضحية لا يُجزئ إلا عن نفس واحدة.
فإنْ قيل: إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قد أقام سُبع البعير وسُبع البقرة مقام الشاة الواحدة مِن الغنم في هَدي الحج وهَدي الإحصار، وهذا يَدُلُّ على أنَّه مُجزِئ عمَّا تُجزِئ عنه.
فيُجاب عن هذا القول بثلاثة أمور:
الأمْر الأوَّل: أنَّ حديث جابر ــ رضي الله عنه ــ نصٌ في إجزاء البعير أو البقرة عن سَبعة أنفس، وليس في التشريك في السُبع.
وعليه: فإدخال التشريك في السُبع يُعتبر زيادة على ما ورَد في النَّص.
الأمْر الثاني: أنَّ هذا الفَهم لا يُعرَف إعماله عن السَّلف الصالح مِن أهل القُرون الأولى، ولا نُقل تَداولُه عن المُتقدِّمين مِن أئمة الفقه وشُرَّاح الحديث، مع توافر الإبل والبقر عند الناس، حتى إنَّها عند جُموعٍ عديدة أكثر مِن الغنم.
وحقيقته كما قال بعضهم: إنَّه فَهْمٌ مُعاصر أو جديد.
1 ــ وقد قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ كما في “فتاويه ورسائله” (6/ 149):
«ما جاء: عن السَّلف فِعل ذلك، لا في الهدايا ولا في الضحايا».اهـ
2 ــ وقال العلامة عبد الله بن محمد بن حُميد ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنِية في الأجوبة النَّجدية” (5/ 408):
«لم أرَ أحدًا مِن أهل العلم: يقول بِه».اهـ
الأمْر الثالث: أنَّ سُبع البُدنة أو البقرة في نُسك الهَدي لا يُجزئ إلا عن نفس واحدة بالنِّص والإجماع، فكذلك في نُسُك الأضحية بالقياس.
ومِن باب الزيادة:
1 ــ فقد قال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/ 220)، بعد حديث جابر ــ رضي الله عنه ــ المُتقدِّم في التشريك في الإبل والبقر:
«وأمَّا التشريك في السُبع مِنها: فمفهومُ هذا الحديث، وحديث (( تُجزئ الشاة عن الرَّجل وأهل بيته )) أنَّه لا يُجزِئ شِرْك في سُبع مِن بَدَنَة أو بقرة، وجزَم بِه شيخنا، وغيره.
وتَعبير الشارع بجواز البَدَنَة عن سَبعة، لأنَّ: الأصل أنَّه لا يُضحَّى بالدم إلا عن شخص، فإنَّ أصل الأضحية هي فِداء إسماعيل بكبشٍ كامل، فخصَّ الشارع الشاة عن الرَّجل وأهل بيته، وضَحَّى بكبش عن محمدٍ وآل محمد، وبكبش عن أُمَّة محمد، والبَدَنَة والبقرة أولَى، دون التشريك في سُبع بَدَنَة أو بقرة».اهـ
2 ــ وقال العلامة عبد الله بن محمد بن حُميد ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنِية في الأجوبة النَّجدية” (5/ 408):
«أمَّا الاشتراك في سُبع البَدنة: فلم أرَ أحدًا مِن أهل العلم يقول بِه.
بل: أفتى الرَّملِي الشافعي وبعض فقهاء نَجْد قبْل هذه الدعوة بالمَنع، لِمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: (( تُجزئ الشاة عن الرَّجل وأهل بيته ))…».اهـ
الفرع الثالث: عن الأفضل في الأضحية، هل هو التَّضحِية بشاة كاملة، أو بسُبعٍ مِن بعير أو بقرة.
ذهب أكثر أهل العلم إلى: أنَّ الأفضل هوالتَّضحِية بشاة كاملة.
وقال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “الدُّرر السَّنِية في الأجوبة النَّجدية” (5/ 406):
«وأمَّا في الفضل: فقد ذَكر العلماء أنَّ الشاة أفضل مِن سُبع بَدَنَة».اهـ
وقد دَلَّ على تفضيل الشاة على سُبع البعير وسُبع البقرة أمران:
الأمْر الأوَّل: أنَّ التضحية بالشاة كاملة عن الرَّجل وأهل بيته ثابت ومنقول ومُستفيض عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ.
الأمْر الثاني: أنَّ إراقة الدم مقصودة في الأضحية، ومَن ذبح شاة فإنَّه قد انفرَد بالتَّقرُّب بإراقة الدم كلِّه، بخلاف المُضحِّي بسُبع بعير أو سبُع بقرة فهو مُتقرِّب بدم مُشرَّك.
1 ــ وقال الفقيه زَين الدِّين المُناوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فيض القدير شرح الجامع الصغير” (3 / 469 ــ رقم:4000):
«قوله: (( خَيْرُ الأُضْحِيَةِ الكَبْشُ الأَقْرَنُ )) ما له قَرْنان حسَنان أو معتدلان.
وتمسَّك بهذا مالك في ذهابه إلى: أنَّ التضحية بالغنم أفضل مِن الإبل والبقر.
وخالفه: الشافعي، وأبو حنيفة، كالجمهور.
وتأوَّلوه: على تفضيل الكبْش على مساويه مِن الإبل والبقر، فإنَّ البَدَنَة أو البقرة تُجزئ عن سَبعة، فالمراد تفضيل الكبْش على سُبُع واحدةٍ مِنهما أو تفضيل سَبعٍ مِن الغنم على بَدَنَة أو بقرة، ذَكره أبو زُرعة».اهـ
2 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 366):
«فأمَّا التَّضحية بالكبش: فلأنَّه أفضل أجناس الغنم، وكذلك: حصول الفِداء بِه أفضل، والشاة: أفضل مِن شِرْكٍ في بَدَنَة، لأنَّ: اراقة الدَّم مقصودة في الأضحية، والمُنفرِد: يَتقرَّب بإراقته كلِّه، والكبش: أفضل الغنم، لأنَّه: أُضحِية النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو: أطيب لحمًا».اهـ
3 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 368) عقب قول الشِّيرازي [ والشَّاة أفضل مِن مُشارك سَبعة في بَدَنَة أو بقرة، لأنَّه يَنفرِد بإراقة الدم، والضَّأن أفضل مِن المَعز ]:
«التضحية بشاة: أفضل مِن المشاركة بسُبع بَدَنَة أو سُبع بقرة بالاتفاق، لِما ذَكره المُصنِّف».اهـ
والغالب: أنَّه يَقصد اتفاق الشافعية.
4 ــ وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله في كتابه “فتح الباري شرح” (10/ 10):
«ومَن ثمَّ قال الشافعية: إنَّ الأضحية بسَبع شياهٍ أفضل مِن البعير، لأنَّ الدم المُراق فيها أكثر، والثواب يزيد بحسبه».اهـ
قلت:
وقد قال بعض فقهاء الحنفية ــ رحمهم الله ــ: بخلاف ذلك، وجعلوا: الأفضلية بين الشاة والسُبع راجعة إلى الأكثر لحمًا مِنهما.
1 ــ حيث قال الفقيه أبو بكر الحدادي الزَّبِيدِي الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الجوهرة النَّيِّرة على مُختصر القدوري” (1/ 163)، في باب القِران:
«فإنْ قِيل: فمَا الأفضل سُبُع بَدَنَة أو شاة، قِيل: أيُّهُما كان أكثر لَحمًا فهو أفضل، لأنّ:َ بالكثرة يَكثر نَفع المساكين».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “دُرَر الحُكَّام شرح غُرر الأحكام” (1/ 235)، مِن كتب الحنفية:
«[ قوله: وذَبح لِلقِران ] أيْ: شَاة أو سُبُع بَدَنَة.
والاشتراك في البقرة أفضل مِن الشَّاة، والجَزُور أفضل مِن البقرة، كما فِي الأضحية، كذا في “البَحر”، ويُقَيَّد بِما إذا كانت حِصَّتُه مِن البقرة أكثر قِيمة مِن الشَّاة، كما هو في “منظومة ابن وهْبَان”».اهـ
ورُدَّ عليهم: بأنَّ المُراد مِن الأضحية إراقة الدم تقرُّبًا إلى الله تعالى.
وأمَّا اللحم: فجاء تَبعًا لاقصدًا، والشاة تقرُّب بدم مُستقِل، والسُّبع تقرُّب بدم مُشتَرك فيه.
المسألة الحادية عشرة / عن الأضحية بالغنم ضأنًا ومَعزًا.
وتحت هذه المسألة خمسة فروع:
الفرع الأوَّل: عن اشتراك أهل البيت الواحد في أضحية واحدة مِن الغنم.
تُجزِئ الواحدة مِن الضَّأن أو المَعز ذكورًا وإناثًا: عن الرَّجل وأهل بيته، وعن المرأة وأهل بيتها، ومِن أحد الإخوان أو الأخوات في البيت الواحد عن جميع مَن في البيت.
وهو: مذهب عامَّة أهل العلم، ونُقل: عدم الخلاف فيه بين العلماء.
وصُوِّب ورُجِّح هذا القول بأمرين:
الأوَّل: ما صحَّ عن أبي أيوب الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّه سُئل: (( كَيْفَ كَانَتِ الضَّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ» )).
[ رواه: الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، وغيرهما. ]
وصحَّحه: الترمذي، وابن العربي، ومُوفَّق الدِّين ابن قُدامة، والسيوطي، والألباني، وغيرهم.
الثاني: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حين ذبحأضحيته قال: (( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).
[ رواه: مسلم (1967)، مِن حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ. ]
1 ــ وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم بفوائد مسلم” (6/ 413):
«وكافة علماء الأمصار: في تجويز ذبح الرَّجل عنه وعن أهل بيته الضِّحية، وإشراكِهم فيها معه».اهـ
2 ــ وقال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المسالك في شرح موطأ مالك” (5/ 194):
«لا خِلافَ: أنّ الواحد من بَهِيمَة الأنعام تُجزئ الإنسان في أهل بيته.
ولكن قال مالك: يُستحب قول ابن عمر: “أنْ يُضحِّي عن الإنسان بشاةٍ لِمَن استطاع ذلك”.
ووجْهُ ذلك: أنَّه أكثر ثوابًا، وأبعَد في الاشتراك الذي بَيَّنَّا في الضَّحايا».اهـ
3 ــ وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 527):
«وإجزاء الواحدة مِن الغنم: لا نِزاع فيه».اهـ
4 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 122 ــ عند حديث رقم:1966):
«واستَدَل بهذا: مَن جوَّز تضحية الرَّجل عنه وعن أهل بيته، واشتراكهم معه فى الثواب، وهو: مذهبنا، ومذهب: الجمهور.
وكرهه: الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه».اهـ
الفرع الثاني: عن ضابط أهل البيت الذين تُجزئ عنهم شاة واحدة.
1 ــ قال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين” (25/ 41-42)، في بيان هذا الضابط:
«إذا كان: طعامُهم واحدًا، وأكلُهم واحدًا، فإنَّ الواحدة: تَكفيهم، يُضحِّي الأكبر عنه وعن أهل بيته.
وأمَّا إذا كان: كلُّ واحدٍ له طعام خاص، يَعني: مطبخٌ خاص بِه، فهُنا: كلُّ واحد مِنهم يُضحِّي، لأنَّه لم يُشارِك الآخَر في مأكله ومَشرَبه».اهـ
ـــ وقال أيضًا (25/ 43):
«أصحاب البيت الواحد: أضحيتهم واحدة، ولو تَعدَّدوا، فلو كانوا إخوة مأكلهم واحد، وبيتهم واحد، فأضحيتهم واحدة، ولو كان لَهم زوجات متعدِّدة، وكذا الأب مع أبنائه، ولو كان أحدُهم متزوِّجًا، فالأضحية واحدة».اهـ
2 ــ وذَكَر القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم بفوائد مسلم” (6/ 414)، هذه الضوابط الثلاثة عن أصحاب مالك:
الأوَّل: أنْ يكون المُشرَّكون في الأضحية مِن قرابة المُضحِّي، ومَن في حُكمِهم كالزوجة.
الثاني: أنْ يكون المُشرَّكون تحت نفقة المُضحِّي وجوبًا أو تطوعًا.
الثالث: أنْ يكون المُشرَّكون مِمَّن يَسكنون مع المُضحِّي وليسوا مِمَّن بات عنده.
3 ــ وقال العلامة عبد العزيز ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “فتاوى نور على الدَّرب” (18/ 191-192):
«إذا كنتم: في بيت واحد مُشتركين في السَّكن، أكلُكم واحد وطعامكم، يَكفيكم الضَّحية الواحدة.
أمَّا إذا كان: البيت شققًا مُختلفة، كلُّ أناسٍ بشقة مُستقِلين بأنفسهم، فالسُّنة لكلِّ أهلِ شقة، أو لكلِّ دورٍ مِن الأدوار أنْ يُضحُّوا عن أنفسهم، هذا هو السُّنة.
أمَّا إذا كنتم: مُجتمِعين، حالُكم واحدة، وطعامكم واحد، مُشترِكين في البيت، سواء كان دَورًا أو أدوارًا، فالضَّحية الواحدة تَكفي، وإنْ ضحَّيتم بأكثر فلا حرَج في ذلك».اهـ
الفرع الثالث: عن اشتراك أهل البيت الواحد في قِيمة الأضحية مِن الغنم على سبيل الحِصَص.
أجمع العلماء على: أنَّه لا يجوز أنْ يَشترك في الأضحية بالشاة أكثر مِن أهل بيت استقلالًا ومُحاصصة.
1 ــ حيث قال الفقيه ابن رُشد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 442):
«اتفقوا على: منْع الاشتراك في الضَّأن».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (12/ 156):
«واحتجَّ له ابن خواز بنداد: بإجماعهم على أنَّه لا يجوز الاشتراك في الكبْش الواحد».اهـ
3 ــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية (12/ 14-15):
«واعلم: أنَّ الشاة لا تُجزئ إلا عن واحد، وأنَّها أقل ما تَجب، وذَكر الأترازي: أنَّ هذا إجماع.
وقال الكاكي: وقال مالك وأحمد والليث والأوزاعي: يجوز الشاة عن أهل بيت واحد».اهـ
وتَدخل في هذا المَنع وعدم الإجزاء طائفتان:
الأوَّلى ــ الإخوة يَسكنون معًا في بيت واحد، فيُريدون الأضحية بشاة واحدة، فيَشتركون في ثمنها على سبيل الحِصَص، ويَدفع كل واحد مِنهم بعض ثمنها، ثُمَّ يُضحُّون بِها عنهم جميعًا، وعمَّن معهم مِن أهل البيت.
الثانية ــ مَن يَسكنون في بلاد غُرْبة في بيت واحد ــ أو عزْبَة ــ معًا إذا كانوا عِدَّة أشخاص، فيُحِبُّون أنْ يُضَحُّوا، فيَشترِكون في قِيمة الأضحية على سبيل الحِصص، ثُمَّ يُضحُّون بها عن جميعهم.
وهؤلاء: لا تُجزئ عنهم هذه الأضحية.
وعلاج هذه المسألة: أنْ يَتبرِّع الأولاد ذكورًا أو إناثًا بقيمة الأضحية مِن باب الهِبَة لأبيهم أو أُمِّهم أو أحدِهم لِيَشترِي بِها أضحية عن نفسه، فيُضَحِي بها، ويُشركهم معه وجميع أهل البيت في ثوابها إنْ شاء، وبهذا يكونوا قد ضَحوا، أو يُضحِّي أحد مِن في الغُرْبة بماله ويُشرِك مَن معه مِن زُملاء السَّكن في الثواب.
الفرع الرابع: عن الأضحية بأكثر مِن واحدة مِن الغنم.
لم يأت في النُّصوص الشرعية: تحديد عددٍ مُعيَّن مِن بهيمة الأنعام لا يُضحَّى إلا بِه، أو يُستحب الاقتصار عليه دون زيادة أو نقص.
وما جاء في عدد مِن الأحاديث مِن إجزاء الأضحية بالواحدة: لا يمنع مِن استحباب الزِّياد عند السَّعة واليُسر والقُدرة.
ويَدُل على مشروعية الزِّيادة هذه الأحاديث النَّبوية والآثار عن الصحابة:
الأوَّل ــ قول أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ )).
[ رواه: البخاري (5558 و 5553-5564)، ومسلم (1966). ]
الثاني ــ ما صحَّ عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال حين ذبَح أضحيته: (( بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ )).
[ رواه: مسلم (1967). ]
الثالث ــ ما أخرج البخاري (5553)، عن أنس ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ»، وَأَنَا أُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ )).
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 120- عند حديث رقم: 1966):
«وفي هذا الحديث: جواز تضحية الإنسان بعددٍ مِن الحيوان».اهـ
الرابع ــ ما أخرجه ابن ماجه (3148)، وعبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8150) ، والحاكم (7550 )، وغيرهم، عن أبي سَريحة الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( حَمَلَنِي أَهْلِي عَلَى الْجَفَاءِ بَعْدَ مَا عَلِمْتُ مِنَ السُّنَّةِ، كَانَ أَهْلُ الْبَيْتِ يُضَحُّونَ بِالشَّاةِ وَالشَّاتَيْنِ، وَالْآنَ يُبَخِّلُنَا جِيرَانُنَا )).
وصحَّحه: الحاكم، والذَّهبي، والبُوصيري، والشوكاني، والرَّباعي، والألباني.
وقال الهيثمي ــ رحمه الله ــ: «رواه الطبراني في “الكبير”، ورجاله رجال “الصَّحيح”».اهـ
1 ــ وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح البخاري” (6 / 18):
«فمَن أراد أنْ يُضحِّي عن نفسه باثنين وثلاثة، فهو: أزيد فى أجْره، إذا أراد بذلك وجْهَ الله وإطعامَ المساكين».اهـ
2 ــ وقال الفقيه بُرهان الدِّين ابن مَازة الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحيط البرهاني في الفقه النُّعماني” (6 / 101):
«في «النَّوازل»: رجلٌ ضَحَّى بشاتين.
قال محمد بن سلمة: لا تكون الأضحية إلا بواحدة، وقال غيره مِن المشايخ: تكون الأضحية بِهما، وبِه أخَذ الصَّدر الشهيد في «واقعاته».
ورَوى الحسن، عن أبي حنيفة: “لا بأس بالأضحية بالشاة والشاتين”.
وقد صحَّ أنَّ رسول الله ــ عليه السلام ــ كان يُضحِّي كل سَنة بشاتين».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “الفتاوى الهندية في مذهب الإمام أبي حنيفة” (42/ 273):
«ولو ضَحَّى بأكثر مِن ذلك: يجوز، ويكون أفضل».اهـ
4 ــ وجاء في كتاب “فتح الباري” (10/ 11)، لِلحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ:
«وحَكَى الرُّوْيَاني مِن الشافعية: استحباب التفريق على أيَّام النَّحر.
قال النَّووي: “هذا أرْفق بالمساكين، لكنَّه خلاف السُّنَّة” كذا قال.
والحديث دالٌ على: اختيار التثنية، ولا يَلزم مِنه أنَّ مَن أراد أنْ يُضحِّي بعددٍ فضحَّى أوَّلَ يومٍ باثنين، ثُمَّ فرَّق البقيَّة على أيَّام النَّحر أنْ يكون مُخالِفًا لِلسُّنًّة».اهـ
ــــ وجاء أيضًا في كتاب “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 10):
«ومَن ثمَّ قال الشافعية: إنَّ الأضحية بسَبع شياهٍ أفضل مِن البعير، لأنَّ الدم المُراق فيها أكثر، والثواب يزيد بحسبه، وأنَّ مَن أراد أن يُضحِّي بأكثر مِن واحد يُعجِّله».اهـ
5 ــ وقال الفقيه سراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التوضيح لِشرح الجامع الصَّحيح” (26/ 619):
«وهذِه الآثار: مُبيِّنة لِمعنى حديث أنس، ومُفسِّرة له، واختلافها يدُل على أنَّ الأمْر في ذلك واسع، فمَن أراد أنْ يُضحِّي عن نفسه باثنين وثلاثة فهو أزيد في أجْره، إذا أراد بذلك وجْه الله وإطعام المساكين».اهـ
6 ــ وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 45 ــ مسألة رقم:984):
«وجائز: أنْ يُضحِّي الواحد بعدد مِن الاضاحِى، ضَحَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين، ولم يَنْه عن أكثر مِن ذلك، والأضحية فِعل خير، فالاستكثار مِن الخير حسَن».اهـ
7 ــ وقال العلامة عبد العزيز ابن باز ــ رحمه الله ــ كما في “فتاوى نور على الدَّرب” (18/ 196):
«إذا ضحَّى الإنسان في بيته بواحدة عنه وعن أهل بيته حصَلت السُّنَّة بهذا، وإنْ ضحَّى بأكثر: ثنتين، ثلاثًا، أربعًا، أو بناقة، أو بقرة، فلا بأس، يأكل ويُطعِم ويَتصدق، كلُّ هذا طيِّب، إذا كان اللَّحم يُؤكل».اهـ
الفرع الخامس: عن الأفضل مِن أضاحي الغنم.
الأفضل في الأضاحي مِن الغنم، هو: ما كان مُوافقًا لأضحية النَّبي صلى الله عليه وسلم مِن جميع الجهات، ثُمَّ الأقرَب مِنها.
1 ــ حيث قال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ )).
[ رواه: البخاري (5558 و 5553-5564)، ومسلم (1966). ]
والأملَح هو: «الأبيض الذي يَشوبُه شيء مِن السَّواد».
2 ــ وجاء في حديث أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ )).
[ رواه: مسلم (1967). ]
وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم بفوائد مسلم” (6/ 412):
«قوله في الحديث: (( يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ ))أي: أنَّ قوائمَه وبطنَه وما حولَ عينيه أسود».اهـ
وقد دَلَّ الحديثان المُتقدِّمان على أنَّ أضحية النَّبي صلى الله عليه وسلم جمعَت أشياء ثلاثة:
الأوَّل: أنَّها مِن الكِباش.
يعني: مِن ذُكران الضأن الكِبار، وهي: الخِرَاف.
الثاني: أنَّها ذات قُرون.
1 ــ وقد قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحهعلى “صحيح مسلم” (13/ 128- عند حديث رقم:1966):
«قال العلماء: فيُستحَب الأقْرَن».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 136):
«أمَّا الكبشُ الأقْرْنُ الفحْلُ، فهو: أفضل الضَّحايا عند مالك، وأكثر أهل العلم».اهـ
الثالث: أنَّ لونَها أمْلَح.
والأمْلَحُ هو:«الأبيض الذي يَشوبُه شيء مِن السَّواد».
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 129- عند حديث رقم:1966):
«وأمَّا قوله: (( أمْلَحَين ))، ففيه: استحسان لَون الأضحية، وقد: أجمعوا عليه».اهـ
ــــ وقال أيضًا:«وأجمعوا على: استحباب استحسانها، واختيار أكملها».اهـ
ونقل الإجماع أيضًا على استحسان لَونها واختيار أكملها:
الفقيه علاء الدِّين ابن العطار الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “العُدَّة في شرح العُمدة” (3/ 1637).
المسألة الثانية عشرة / عن سِنِّ الأضحية.
الأضحية مِن جِهة السِّن على قسمين:
القسم الأوَّل: الإبل، والبقر، والمَعز.
وهذه الأصناف الثلاثة: لا يُجزئ مِنها إلا الثَّنِيُّ فمَا فوق عند عامَّة الفقهاء، بل حُكي إجماعًا إلا شذوذًا.
1 ــ حيث قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 366):
«وأجمعت الأُمُّة على: أنَّه لا يُجزئ مِن الإبل والبقر والمَعز إلا الثَّنيُّ، إلا ما حكاه العَبدري وجماعة مِن أصحابنا عن الأوزاعي: “أنَّه يُجزئ الجذَع مِن الإبل والبقر والمَعز”، وحَكى صاحب “البيان” عن عطاء: كالأوزاعي، هكذا نَقل هؤلاء».اهـ
2 ــ وقال الفقيه محمد بن الحسن التميمي الجوهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “نوادر الفقهاء” (ص:70 ــ رقم:54):
«وأجمعوا: أنَّ الجذَع مِن الإبل والبقر والمَعز لا يُجزئ في الهدايا ولا في الضحايا إلا الأوزاعي فإنَّه قال: “هو يُجزئ فيهما”».اهـ
3 ــ وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مُختصر اختلاف الفقهاء” (2/ 79 ــ رقم: 560):
«وأمَّا قول الأوزاعي في جواز الجَذَع مِن الإبل والبقر: ففاسد لم يَقل بِه أحد مِن العلماء غيره».اهـ
4 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَر المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 153-154):
«لا خِلاف علِمتُه بين العلماء: أنَّ الجَذَع من المَعز لا يُجزئ هديَّة ولا ضحيَّة.
والذي يُجزئ في الضَّحية والهَدي: الجَذَع مِن الضَّأن، فما فوقه، والثَّنِيُّ ممَّا سواه فما فوقه مِن الأزواج الثمانية».اهـ
5 ــ وقال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 524):
«واتفقوا: أنَّه لا يُجزئ مِمَّا سوى الضَّأن إلا الثَّنِيُّ على الاطلاق، مِن المَعز والإبل والبقر، لأنَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يَذبحون إلا ذلك».اهـ
وأخرج البخاري (5556 و 968)، واللفظ له، ومسلم (1961)، عن البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال:(( ضَحَّى خَالٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عِنْدِي دَاجِنًا جَذَعَةً مِنَ المَعَزِ، قَالَ: «اذْبَحْهَا، وَلَنْ تَصْلُحَ لِغَيْرِكَ» )).
وفي لفظٍ لَهما: (( اذْبَحْهَا وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ )).
6 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحهعلى “صحيح مسلم” (13/ 113 ــ عند حديث رقم:1961)، عقب هذا الحديث:
«وفيه: أنَّ جذَعة المَعز لا تُجزئ فى الأضحية، وهذا: مُتفقعليه».اهـ
7 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 185):
«وفيها: قال رسول الله لأبي بُردة: (( لا تُجزئ عن أحدٍ بعدَك ))، وهو: أمْر مُجتمَع عليه عند العلماء: أنَّ الجذَع مِن المَعز لا تُجزئ اليوم عن أحد، لأنَّ أبا بُرْدَة خُصَّ بذلك».اهـ
8 ــ وقال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 321):
«وأمَّا الأسنان، فإنَّهم أجمعوا: أنَّ الثَّنِيُّ فمَا فوقه يُجزئ مِنها، وأنَّه لا يُجزئ الجَذَع مِن المَعز في الضحايا والهدايا، لقوله ــ عليه الصلاة والسلام ــ لأبي بُرْدَة: (( تُجزئ عنْك ولا تُجزئ عن أحد بعدَك )).اهـ
قلت:
وأشهر الأقوال، والذي عليه الأكثر، أنَّ الثَّنِيَّ مِن الإبل: «ما أتمَّ خمس سِنين، ودخل في السادسة».
ومِن البقر: «ما أتمَّ سَنتين، ودخل في الثالثة».
وهو: مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، والمشهور في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة.
ونَسبه الفقيه شمس الدِّين السَّرخسِي الحنفي إلى: جمهور الفقهاء.
ودونكم ــ سددكم الله ــ بعض كلامهم، مع نصِّه، ومصدره، وقائله:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
1 ــ قال الفقيه شمس الدِّين السَّرخسِي الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المبسوط” (12/ 10):
«والثَّنِيُّ مِن البقر: الذي تمَّ له حولان، وطَعن في الثالث، عند جمهور الفقهاء ــ رحمهم الله تعالى ــ، ومِن الإبل: الذي تمَّ له خمس سِنين».اهـ
2 ــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12/ 48):
«م:[ ومِن الإبل ] ش: أي: الثَّنِي مِن الإبل، م: [ ابن خمس سنين ] ش: وطعن في السادسة».اهـ
الثاني: المذهب المالكي.
جاء في كتاب “الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني” (4/ 290)، مِن كتب المالكية:
[ والثَّنِيُّ مِن الإِبل: ابن سِتِّ سِنين ] والمُراد: تَمَّ خمس سِنين، ودخل في السادسة».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 393-394):
«وأمَّا الثَّنِىُّ مِن الإبل: فما استكمل خمس سِنين، ودخل في السادسة.
ورَوى حَرملة عن الشافعي: أنَّه الذي استكمل سِتَّ سِنين، ودخل في السابعة.
قال الرُّوْيَاني: وليس هذا قولًا آخَر للشافعي، وإنْ تَوهَّمَه بعض أصحابنا، ولكنَّه إخبارٌ عن نهاية سِن الثَّنِى، وما ذَكرَه الجمهور هو بيانٌ لابتداء سِنِّه.
وأمَّا الثَّنِىُّ مِن البقر فهو: ما استكمل سَنتين، ودخل في الثالثة.
ورَوى حَرملة عن الشافعي: أنَّه ما استكمل ثلاث سِنين، ودخل في الرابعة.
والمشهور مِن نُصوص الشافعي الأوَّل، وبِه قطَع الأصحاب، وغيرهم مِن أهل اللغة، وغيرهم.
وأمَّا الثَّنِىُّ مِن المَعز، ففيه وجهان سَبقا في كتاب الزكاة، أصحهما: ما استكمل سَنتين، والثاني: ما استكمل سَنة».اهـ
وكلام الفقيه الرُّوْيَاني الشافعي ــ رحمه الله ــ المتقدِّم:موجودفي كتابه “بَحْر المَذهب” (4/ 175).
الرابع: المذهب الحنبلي.
قال الإمام مُوفق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (5/ 460)، وغيره مِن الحنابلة:
«وثَنِيُّ البقر: له سنتان، وثَنِيُّ الإبل: له خمس سنين».اهـ
وأمَّا الثَّنِيُّ مِن المَعْز على الأشهر، وعليه الأكثر، فهو: «ما أتمَّ سَنَة، ودخل في الثانية».
وهو: مذهب الحنفية، والمشهور في مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، ومذهب الحنابلة.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ نصّ كلامهم، مع قائله، ومصدره:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
1 ــ جاء في كتاب “البْحر الرائق شرح كنز الدقائق” (2/ 233)، مِن كتب الحنفية:
«والمَذكور في “التَّبْيِينِ” مِن كتاب الأضحية: أَنَّ الثَّنِيَّ مِن الضَّأن والمَعز سواء، وهو: مَا تَمَّ لَه سَنة».اهــ
2 ــ وجاء في كتاب “رَدِّ المُحتار على الدُّر المُختار” (2/ 281)، مِن كتب الحنفية أيضًا:
«[ الثَّنِيُّ ] مِن الضَّأن والمَعز [ وهو: مَا تَمَّتْ لَه سَنة ] أَي: ودخل في الثانية، كما في “الهِداية”، وسائر كتب الفقه».اه
الثاني: المذهب المالكي.
1 ــ جاء في كتاب “الثَّمر الدانى في تقريب المعاني” (ص:392)، مِن كتب المالكية:
«[ والثَّنِيُّ مِن المَعز: مَا أوفَى سَنة، ودخل في الثانية ] ما ذَكرَه في سِنِّ الثَّنِيِّ مِن المِعز هو المشهور».اهـ
2 و 3 و 4 ــ وجاء نحوه أيضًا:
في كتاب “حاشية العدوي على كفاية الطالب الرَّبَّاني” (1/ 568)، و كتاب”شرح زَرُّوق على الرسالة” (2/ 569)، و كتاب “تَحبير المُختصر” (2/ 333)، وجميعها مِن كتب المالكية.
5 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 153-154):
«وثنيُّ المعز: إذا تَمَّت له سَنة، ودخل في الثانية».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
1 ــ قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 394)
«وأمَّا الثَّنِيُّ مِن المَعز، ففيه وجهان، أصحُّهما: ما استكمل سَنتين، والثاني: ما استكمل سَنة».اهـ
2 ــ وقال الفقيه الرُّوْيَاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بَحْر المذهب” (4/ 175).
«وأمَّا الثَّنِىُّ مِن المَعز، فهو: ما استكمل سَنة، ودخل في الثانية.
ورَوى حَرملة: ما استكمل سَنتين، وتأويله ما ذَكرِناه».اهـ
3 ــ وبنحوه أيضًا: قال الفقيه أبو الحسن المَاوردي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الحاوى الكبير” (15/ 77).
الرابع: المذهب الحنبلي.
قال الفقيه شمس الدِّين الزَّركشي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “مُختصر الخِرَقِي” (4/ 202):
«والثَّنِيُّ مِن المَعز: ما له سَنة، قاله الأصحاب».اهـ
2 ــ وقال أيضًا (7/ 12)، نقلًا عن صاحب المتن: «قال: “وثَنِيُّ المَعز: إذا تمت له سَنة، ودخل في الثانية”.
ش: قد تقدَّم أيضًا الكلام على هذا، وأنَّ هذا الذي قاله الأصحاب».اهـ
القسم الثاني: الضَّأن مِن الغنم.
ولا يُجزأ مِن الضَّأن: إلا الجَذَع فمَا فوق عند عامَّة أهل العلم.
1 ــ بل حكاه الفقيه أبو زكريا النَّووي النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 366):
إجماعًا مِن العلماء ــ رحمهم الله ــ.
2 ــ وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مُختصر اختلاف العلماء” (2/ 77 ــ مسألة:560):
«ورُوي عن ابن عمر: (( لَا يُجزِئُ إِلَّا الثَّنِيُّ مِن كلِ شَيء )).
وأجمَع فقهاء الأمصار على: جواز الجذَع مِن الضَّأن».اهـ
3 ــ وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 188):
«ويجوز الْجَذَعُ مِن الضَّأن بالسُّنَّة المَسنُونة».اهـ
قلت:
وجَذَعُ الضَّأن على أصحِّ الأقوال مِن جِهة السِّنِّ هو: «ما أتَمَّ سِتَّة أشهر ودخل في الشهر السابع، فأكثر».
وهو: مشهور مذهب الحنفية، وقولٌ عند المالكية، وقولٌ لِلشافعية، والصَّحيح المشهور في مذهب الحنابلة.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ نصّ كلامهم، مع قائله، ومصدره:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
1 ــ قال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحَنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (4/ 483):
«والجَذَع مِن الضَّأن: ما طَعن في الشهر السابع».اهـ
2 ــ وقال أيضًا (12/ 47):
«م:[ والجَذَع مِن الضأن: ما تمَّت له سِتة أشهر. ]
ش: وقال القدوري في “شرحه”: قال الفقهاء: الجذَع مِن الغنم ابن سِتة أشهر.
وقال القاسم الحرمي الرَّازي: سمعت أبا علي الدَّقاق قال: “مِن الضَّأن هو ما تمَّت له ثمانية أشهر وطَعن في الشهر التاسع”.
وفي “أضاحي أبي عبد الله الزَّعفراني”: ما تمَّت له سبعة أشهر، وطَعن في الشهر الثامن».اهـ
الثاني: المذهب المالكي.
1 ــ قال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الكافي في فقه أهل المدينة” (1/ 420):
«والجذَع مِن الضأن: ابن عشرة أشهر إلى سَنة ونحوها.
وأقل سِنِّ الجذَع مِن الضأن: ستة أشهر، وما زاد عليها إلى العشر أبعد مِن الإشكال».اهـ
3 ــ وقال الفقيه ابن جُزي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “القوانين الفقهية” (ص:208):
«فأمَّا الجذَع مِن الضأن: فهو ابن سِتة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: عشرة، وقيل: ابن سَنة كاملة».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
4 ــ قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإيضاح في مناسك الحج والعُمرة” (ص: 327):
«والجَذَع مِن الضَّأن: ما لَه سَنة على الأصَح، وقيل: سِتة أشهر، وقيل: ثمانية».اهـ
2 ــ وقال أيضًا في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 118):
«والجَذَعُ مِن الضَّأن: ما له سَنَة تامَّة، هذا هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة، وغيرهم.
وقِيل: ماله سِتَّة أشهر، وقِيل: سبعة، وقِيل: ثمانية، وقِيل: ابن عشرة، حكاه القاضي، وهو غريب».اهـ
3 ــ وقال الفقيه نَجم الدِّين ابن الرِّفْعة الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “كفاية النَّبيه في شرح التَّنبيه” (8/ 71):
«قال: [ وهو: ما له ستة أشهر ] أي: ودخل في السابع، كما حكاه غيره.
وعن أبي محمد القتبي: أنَّها تُجذِع إذا استكملت سَنة ودخلت في الثانية، ويُحكَى عن ابن فارس أيضًا، وهو الذي حكاه الإمام هُنا، والبندنيجي أيضًا، وحكاه حَرْملة، واختاره النَّووي.
وقال في “الذَّخائر”: إنَّه الذي عليه أكثر الأصحاب».اهـ
الرابع: المذهب الحنبلي.
قال الفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف في معرفة الراجح مِن الخلاف” (6/ 443):
«والجَذَع مِن الضَّأْن: مالَه نصف سنَة، على الصَّحيحِ مِن المذهب، وعليه الأكثر، وقيل: الجَذَع مِن الضَّأْن مالَه ثمانِ شُهور، اختاره ابن أبى موسى في “الإرشاد”».اهـ
فائدتان مُهمَّتان:
الفائدة الأولى: عن الصُّوف، ومتى يُعرف بِه أنَّ الضَّأن قد أجْذَع.
1 ــ قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 436-438):
«قال أبو القاسم: وسمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية: كيف تَعرفون الضَّأن إذا أجْذَع؟
قالوا: لا تَزال الصُّوفة قائمة على ظهره ما دام حَملًا، فإذا نامت الصُّوفة على ظهره، عُلم أنه قد أجْذَع».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 154)، عن جَذَع الضَّأن:
«وعلامته: أنْ يَرقُد صوف ظهرِه قبْل قيامه، فإذا كان ذلك، قالت الأعراب: فذا جَذَع».اهـ
الفائدة الثانية: عن بيان أنَّ تقدير سِنِّ الأضحية إنَّما هو لِبيان إجزاء الأعلى مِنه وعدم إجزاء الأصغر.
1 ــ قال الفقيه علاء الدِّين الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ـ في كتابه “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (5/ 70)، بعد ذِكره أسنان الأضاحي:
«وتقدير هذه الأسنان بِما قُلنا: لِمَنْعِ النُّقصان لا لِمَنْعِ الزِّيادة، حتى لو ضَحَّى بأقَلَّ مِن ذلك سِنًّا لا يجوز، ولو ضَحَّى بأكثر مِن ذلك سِنًّا يجوز، ويكون أفضل.
ولا يجوز في الأُضحِية: حَمَلٌ، وَلَا جَدْيٌ، وَلَا عِجْلٌ، وَلَا فَصِيلٌ، لأنَّ: الشَّرع إنَّما وَرَد بالأسنان التي ذَكرناها، وهذه لا تُسَمَّى بِها».اهـ
2 ــ وقال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 548 ــ قسم اختلاف العلماء):
«واتَّفقوا على: أنَّه مَن ذبح الأضحِية مِن هذه الأجناس بهذه الأسنان فمَا زَادَت أَنَّ أُضحِيته مُجزئة صحيحة، وأنَّ مَن ذبح مِنها مَا دُون هذه الأسنان مِن كل جِنسٍ مِنها لم تُجِزه أضحيته».اهـ
ويَعني بقوله: “واتفقوا“، أي: الأئمة أو المذاهب الأربعة.
المسألة الثالثة عشرة / عن العيوب التي تُرَدُّ بها الأضحية ولا تُجزئ معها.
ثبَت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي )).
[ رواه: أحمد (18510)، وأبو داود (2804)، والترمذي (1497)، والنسائي (4369-4371) واللفظ له، وابن ماجه (3144) وغيرهم، مِن حديث البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ. ]
وصحَّحه: التِّرمذي، وابن خُزيمة، وابن المُنذر، وابن حِبَّان، والحاكم، والبغوي، وابن العربي، وأبو العباس القرطبي، والنَّووي، وأبو عبد الله بن مُفلح، وابن المُلقِّن، والعَيني، والألباني، ومحمد علي آدم الإتيوبي.
وقال الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ: «ما أحسنه مِن حديث».اهـ
وقال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “عارضة الأحوذي” (6/ 305-306): «وهو حديث مشهور صحيح، لم يَبق أحد إلا أدخله في مسائل الأضْحَى».اهـ
وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم بفوائد مسلم” (6/ 412 ــ بعد حديث:1967): «وأدخلَه مالك في “الموطأ” لَمَّا صَحِبَه عنده العمل مِن المسلمين، واتفاقُّهم على قبوله».اهـ
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( العَجْفَاء التي لا تُنْقِي ))، أي: الهَزيلة التي لا مُخَّ في عظامِها لِشدَّة هُزالِها.
وإذا وُجِدَت هذه العيوب الأربعة في الأضحية: فإنَّها لا تُجزئ بإجماع أهل العلم.
وقد نَقل إجماعهم:
ابن عبد البرِّ المالكي في كتابيه “الاستذكار” (15/ 124)، و “التمهيد” (20/ 186)، وابن رُشد الحفيد المالكي في كتابه”بداية المجتهد” (2/ 435)، والقاضي عياض المالكي في كتابه “إكمال المَعلَم” (6/ 44- ــ حديث رقم:1966)، ومُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي في كتابه”المُغني” (13/ 369)، وأبو زكريا النَّووي الشافعي في كتابه”المجموع” (8/ 379)، وغيرهم.
ومِن الأضاحي التي لا تُجزئ أيضًا مع الأربع المُتقدِّمة المذكورة في الحديث السابق بسبب ما فيها مِن عيوب، هذه السَّبع:
الأولى ــ العَمياء.
ولا تُجزئ العَمياء: لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على أنَّ العوراء البيِّن عورها لا تُجزئ، فمِن باب أولَى أنْ لا تُجزئ العمياء، لأنَّ العَمَى أشدُّ في العَيب مِن العَوَر.
وقد نَقل الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 379):إجماع العلماء على عدم جواز الأضحية بالعمياء.
ونقل الإجماع أيضًا: الحافظ ابن عبد البَر المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (20/ 168).
وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 33):
«وقال داود الأصفهاني: “يجوز العمياء،لأنَّ: الشرع ورَد في العوراء، ولم يَرد في العمياء، والقياس عندي ليس بحُجَّة”.
وقالت العامَّة: الشرع لم يُجوِّز العوراء، والعمياء عَوَرٌ وزيادة، فيكون النَّص الوارد في العوراء واردٌ في العمياء، بدَلالة النَّص، كما في قوله سبحانه وتعالى: { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ }».اهـ
الثانية ــ مقطوعة أو مكسورة اليد والرِّجل أو المشلولة.
ولا تُجزئ مقطوعة أو مكسورة اليد والرِّجل أو المشلولة: لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على أنَّ العرجاء البيِّن عرجها لا تُجزئ، فمِن باب أولَى أنْ لا تُجزئ مقطوعة أو مكسورة اليد والرِّجل أو المشلولة، لأنَّ القَطْع والكَسْر والشَّلل أشدُّ في العيب مِن العرَج.
وإلى عدم الإجزاء: ذهب عامَّة العلماء.
بل قال الحافظ ابن عبد البَر المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (20/ 168):
«ألا تَرى أنَّ العوراء إذا لم تَجُز، فالعمياء أحْرَى ألا تجوز، وإذا لم تَجُز العرجاء، فالمقطوعة الرِّجل أو التي لا رِجْل لَها المُقعَدة أحْرَى ألا تجوز، وهذا كله واضح، لا خِلاف فيه».اهـ
ونَقل الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 120):
الإجماع على أنَّ قطع الرِّجل عَيب لا تُجزئ معه الأضحية.
الثالثة ــ مقطوعة الأُذن كلها أو أكثرها.
1 ــ حيث قال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 128):
«ولا خِلاف علمتُه بين العلماء: أنَّ قطْع الأذن كلِّها أو أكثرِها عَيبٌ يُتَّقَى في الأضاحي».اهـ
2 ــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “نُخَب الأفكار” (12/ 495):
«عطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سِيرين، والثوري، وأبا حنيفة، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وأبا يوسف، ومحمدًا: اتفقوا على أنَّه لا يجوز أنْ يُضحِّي بمَا فيه عَيب مِن العيوب الأربع المذكورة، ولا بما قطعت أُذُنه.
وقال أبو عمر: العيب في الأذن مُراعَى عند جماعة العلماء».اهـ
قلت:
وقد ورَد مِن عدة طُرق، عن على بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ )).
[ رواه: أحمد (732- 734 و 826 و 851)، وأبو داود (2804)، والترمذي (1498)، والنسائي (4372- 4373 و 4376)، وابن ماجه (3143)، وابن خُزيمة (2915- 2914)، وغيرهم. ]
وصحَّحه: الترمذي، وابن خُزيمة، وابن حِبَّان، والحاكم، والذهبي، وابن المُلقِّن، والعَيني، والألباني، ومحمد علي آدم الإتيوبي.
وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي ــ رحمه الله ــ: «ثبَت».اهـ
وذَكرَه الحافظ ضياء الدِّين المقدسي ــ رحمه الله ــ في كتابه: “الأحاديث المُختارة أو المُستخرَج مِن الأحاديث المُختارة مِمَّا لم يُخرِّجه البخاري ومسلم في صحيحيهما” (412-413 و 487).
ومعنى قوله ــ رضي الله عنه ــ: (( نَسْتَشْرِفُ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ)) أي: نطلب سلامتهما مِن العيب.
الرابعة ــ الهَتْمَاء.
والهَتماء هي: «التي لا أسنانَ لَها».
حيث قال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 131):
«الهَتماء: لا تجوز عند أكثر أهل العلم في الضحايا».اهـ
وسبب عدم إجزائها: أنَّ ذهاب الأسنان يُؤثِّر على أكلها العَلَف، فتَضعُف وتَهزُل.
وقد أخرج الإمام مالك في “الموطأ” (1785)، عن نافع مولى ابن عمر ــ رحمه الله ــ: (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ كَانَ يَتَّقِي مِنَ الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ: الَّتِي لَمْ تُسِنَّ، وَالَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقِهَا )).
وإسناده صحيح.
والمُراد بالتي (( لَمْ تُسِنَّ )) عند كثير مِن العلماء: التي لا أسنان لَها.
وقال التابعي الجليل ابن شِهاب الزُّهري ــ رحمه الله ــ: (( لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْمَسْلُولَةُ الْأَسْنَانِ )).
وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 135)، عقب كلام ابن شهاب الزَّهري هذا:
«قول ابن شِهاب في هذا الباب، هو: المعمول بِه».اهـ
يَعني: المعمول بِه عند العلماء.
وأمَّا إنْ بَقِيَت لِبهيمة الأنعام أسنان تستطيع أكل العلَف بها: فتُجزئ الأضحية بها.
حيث قال الإمام ابن تيميَّة ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (26/ 308):
«وأمَّا التي لهَا أسنان في أعلاها: فهذه تُجزئ باتفاق».اهـ
الخامسة ــ الجَرْبَاء.
وإلى عدم إجزء الجَرْباء في الأضحية: ذهب أكثر العلماء.
لأنَّ: الجرَب مرَض بيِّن، ويُؤثِّر في السِّمَن، وفي طَعم اللَّحم، وفي مَنظر الأضحية، فيُكرِّهَها إلى الناس، ويُنقص ثمنها.
وقد صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا: الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا)).
وقال التابعي الجليل ابن شهاب الزُّهري ــ رحمه الله ــ: (( لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْجَرْبَاءُ )).
وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 135)، عقب كلام ابن شهاب الزُّهري هذا:
«قول ابن شهاب في هذا الباب، هو: المَعمول بِه».اهـ
يعني: المعمول بِه عند العلماء.
وفرَّق بعض فقهاء الحنفية ــ رحمهم الله ــ، فقالوا: «الجرباء إنْ كانت سَمينة جاز، لأنَّ: الجَرَب في الجلد، ولا نُقصان في اللحم، وإنْ كانت مَهزولة لا تجوز، لأنَّ: الجَرَب في اللحم فانتقص».
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء مع نصِّه، ومصدره، وقائله:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
حيث قال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 41):
«والأصل عند العلماء: أنَّ كل عَيبٍ يُؤثِّر في اللحم يَمنع وإلا فلا».اهـ
الثاني: المذهب المالكي.
1 ــ قال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الكافي في فقه أهل المدينة” (1/ 422):
«ولا تجوز الجَرْباء إذا كان لَهَا مرضًا، لأنَّه: يَضُر بلحمها».اهـ
2 ــ وقال الفقيه جلال الدِّين ابن شاس المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة” (2/ 373):
«فلا تُجزئ المريضة البيِّن مرضها، وفي معناها: الجَرْباء الكثيرة الجَرَب، دون الجَرَب اليسي».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “خلاصة الجواهر الزَّكية في فقه المالكية” (ص:43)، لِلفقيه المنشليلي المالكي ــ رحمه الله ــ:
«ولا تُجزئ لِلأضحية: الجَرْباء».اهـ
4 ــ وقال الفقيه أبو العباس شهاب الدِّين القَرافي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الذخيرة” (4/ 147):
«ولا يُجزئ: الجَرَب البيِّن، لأنَّه: يُفسِد اللحم».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
1 ــ قال الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأُمّ” (2/ 223):
«ولا تُجزِئ: الجَرْبَاء، والجَرَب قليله وكثيره مرَضٌ بيِّن، مُفسِد لِلَّحم، وناقِص لِلثَّمن».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو الحسين العِمراني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البيان في مذهب الإمام الشافعي” (4/ 444)، عن الجَرَب في الأضحية:
«لأنَّه: يُفسد لَحمها، سواء قلَّ أو كثر، والنَّفس تَعاف أكله».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “كفاية الأخيارفي حلِّ غاية الاختصار” (ص: 530)، مِن كتاب الشافعية:
«ومِنها: الجَرْباء، فإنْ كثُر جَرَبُها ضَرَّ، وكذا إنْ قلَّ على الأصحِّ، ونصَّ عليه الشافعي، بأنَّه داء يُفسِد اللحم والوَدَك.
واختار الإمام، والغزالي: أنَّه لا يمنع الإجزاء إلا الكثير، كالمرض، وكذا قيَّده الرافعي في “المُحرَّر” بالكثير».اهـ
الرابع: المذهب الحنبلي.
1 ــ قال الفقيه نصير الدِّين السامري الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُستوعَب” (1/ 559):
«ولا يُجزئ في الهدايا ولا في الضحايا: مَعيب يَنقص لحمه بِعَيبه، وهي ثمانية.
والمريضة البيَّن مرضها: كالجَرِبَة، ونحوها، لأنَّ: الجَرَب يُفسد اللحم».اهـ
2 ــ وقال العلامة العُثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح المُمتِع على زاد المُستقنِع” (7/ 433):
«قال علماء الحنابلة: “إنَّ الجَرَب مرَض”، مع أنَّ الجَرَب لا يُؤثِّر تأثيرًا بيِّنًا على البهيمة، ولاسيَّما إذا كان يسيرًا، لكنَّهم قالوا: إنَّه مرض بيِّن، ثمَّ إنَّه مُفسِد لِلحم، فلا تُجزئ.
وعدم إجزاء المريضة: للنَّص والمعنى، فالنَّص: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( المريضة البيِّن مرضها ))، والمعنى: لأنَّ لحم المريضة يُخْشى على الإنسان مِن أكله أنْ يتأثَّر بِه».اهـ
الخامس: المذهب الظاهري.
حيث قال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 10 ــ مسألة:978):
«ولا تُجْزِئ في الأضحية: العَرجاء البيِّن عرَجُها، بلَغَت المَنْسَك أو لم تَبلُغ، مَشَت أو لم تَمش، ولا المريضة البيِّن مرَضها، والجَرَب: مَرَض، فإنْ كان كلُّ ما ذَكرنا لا يَبِين أجزأ».اهـ
السادسة ــ الصَّكاء أو السَّكاء.
والصَّكاء أو السَّكاء هي: «التي خُلِقت بلا أذنين».
وعدم الإجزاء، هو قول: أكثر العلماء.
فهو: مذهب الحنفية أو المشهور في مذهبهم، ومذهب مالك، والشافعي، وقول عند الحنابلة.
ووجْه عدم الإجزاء عندهم: أنَّ قطْع الأُذن كلِّها أو أكثرها لَمَّا كان مانعًا مِن الإجزاء بالإجماع، فعدمُ وجود الأذن أوْلَى.
وأمَّا الصحَّيح في مذهب الحنابلة، فهو: أنَّ ما خُلِق بلا أُذُنين يُجزئ.
ووجْه إجزائه عندهم: أنَّ عدم وجود الأُذُنين لا يُخِلُّ بمقصود الأضحية، فلا يُؤثِّر في سِمَن الأضحية، ولا في طَعْم لحمها.
وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 128):
«لا خِلاف علمتُه بين العلماء: أنَّ قطْع الأُذُن كلِّها أو أكثرِها عَيبٌ يُتَّقَى في الضحايا.
واختلفوا في الصَّكاء، وهي: التي خُلِقت بلا أذنين.
فذهب مالك، والشافعي: أنَّها إذا لم تَكن لَهَا أُذُن خِلْقة لم تَجُز، وإنْ كانت صغيرة الأذنين جازت، ورَوى بِشر بن الوليد عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة مِثل ذلك.
وذَكَر محمد بن الحسن عنه، وعن أصحابه: أنَّها إذا لم يَكن لَهَا أُذُن خِلْقة أجزأت في الضحايا».اهـ
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء مع نصِّه، ومصدره، وقائله:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
1 ــ قال الفقيه شمس الدِّين السَّرخَسي الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المبسوط” (12/ 29):
«قال: [ ولا يجوز أنْ يُضحِّي بشاة ليس لَها أذنان خُلِقت كذلك، وهي: السَّكاء ] لأنَّ قطْع الأُذُن لمَّا كان مانعًا مِن الجواز، فعدمُ الأُذُن أصلًا أوْلَى.
فأمَّا صغيرة الأُذُن، تُجزئ، لأنَّ الأُذُن مِنها صحيحة، وإنْ كانت صغيرة».اهـ
2 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (5/ 75):
«وأمَّا الذي يَرجع إلى مَحلِّ التَّضحية، فنوعان:
أحدهما: سلامة المَحَلِّ عن العيوب الفاحشة، فلا يجوز مقطوعة الأُذُن، والْأَلْيَة بالكليِّة، والتي لا أُذُن لهَا في الخِلْقَة.
وسُئِلَ محمد ــ رحمه الله ــ عن ذلك، فقال: لا يجوز مقطوعة إحْدَى الأُذُنَين بكمالها، والتي لَهَا أُذُن واحدة خِلْقَة».اهـ
3 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين السمرقندي الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “تحفة الفقهاء” (3/ 86):
«ولا يجوز: السَّكاء التي لا أُذُن لهَا في الخِلْقة، وإنْ كانت صغيرة يجوز».اهـ
الثاني: المذهب المالكي.
حيث جاء في كتاب “المُختصر الفقهي لابن عرفة” (2/ 349)، مِن كتب المالكية:
«لا تُجزئ: السَّكاء، وهي: المخلوقة بلا أُذُنين».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
حيث جاء في كتاب “كفاية الأخيار في حَلِّ غاية الإختصار” (ص: 530)، مِن كتب الشافعية:
«وتُجزئ: صغيرة الأُذُن، ولا تُجزئ: التي لم تُخلَق لهَا أُذُن على الراجح، وتُسمَّى: السَّكاء».اهـ
الرابع: المذهب الحنبلي.
1 ــ جاء في كتاب “كشَّاف القِناع عن متْن الإقناع” (3/ 6)، مِن كتب الحنابلة:
«[ و ]تُجزىء[ الجمَّاء، وهي: التي خُلِقت بلا قرْن، والصَّمعاء، وهي الصغيرة الأُذُن، ومَا خُلِقَت بلا أذن، والبَتراء التي لا ذَنَب لَهَا خِلْقة أو مقطوعًا ]، لأنَّ ذلك: لا يُخِلَّ بالمقصود».اهـ
2 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف” (9/ 352-354):
«قوله: [ وتُجزئ الجَمَّاء والبَتْراء والخَصِيّ ]
أمَّا الجماء، فتُجزئ على الصَّحيح مِن المذهب، اختاره: القاضي، وصحَّحه ابن البنَّا في “خصاله”، وجزَم بِه في “العُمدة”، و “الوجيز”، و “المُنوِّر”، و “المُنتَخب”، وغيرهم، وقدَّمه في “الكافي”، و “المُغني”، و “الشرح”.
وقال ابن حامد: لا تُجزئ الجَمَّاء، وقدَّمه في: “الهداية”، و “المُستوعب”، و “الخلاصة”، وأطلقهما في “المذهب”، و “مسبوك الذهب”، و “التلخيص”، و “المُحرَّر”، و “النَّظم، و “الرِّعايتين”، و “الحاويين”، و “الفائق”، و “الفروع، وغيرهم.
فائدة: لو خُلِقت بلا أُذُن، فهي كالجَمَّاء، قاله في “الرَّوضة”، وقطَع في “الرِّعاية” بالإجزاء».اهـ
السابعة ــ مقطوعة الأَلْيَة أو الإِلْيَة.
مقطوع الأَلْيَة أو أكثرها مِن أضاحي الضَّأن: لا يُجزئ عند عامَّة أو أكثر العلماء.
مِنهم: المذاهب الأربعة.
واختلفوا: في مقطوع بعض الأَلْيَة.
والأظهر: عدم الإجزاء سواء قلَّ أو كثُر القطع في الألية ومِنها، لأمرين:
الأمر الأوَّل: أنَّ قطع الألية عَيبٌ ظاهر، وأشدُّ مِن قطْع الأذن أو أكثرها الذي هو عَيبُ مُؤثِّر بالإجماع.
الأمر الثاني: أنَّ الألية عُضو مِن الأضحية يُقصَد بالأكل، والانتفاع بالدُّهن، وقد زال أو نقَص.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء مع نصِّه، ومصدره، وقائله:
الأوَّل: المذهب الحنفي.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مُختصر اختلاف العلماء” (2/ 88 مسألة:568):
«قال أبو حنيفة في العين والأُذُن والألية: إذا كان المقطوع الثُّلث أجزأه، فإنْ كان أَكثر لم يَجُز.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا بَقِي الأكثر أجزأه.
وقال أبو يوسف: أخبَرت أبا حنيفة بقَولِي، فقال: قَولِي كقَولِك.
وقال سفيان: تُجزئ المقطوعة الإلية».اهـ
الثاني: المذهب المالكي.
1 ــ قال الفقيه ابن فَرْحُون المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرشاد السالك إلى أفعال المناسك” (2/ 632):
«وكذلك قطع الأُذُن، والذَّنَب، ونحوه، لا يُجزئ على المشهور، ويُغتفَر اليسير، وهو ما دُون الثلث، وفي الثلث قولان».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “التاج والإكليل لِمُختَصر خليل” (4/ 367)، مِن كتب المالكية:
«وقال ابْنُ الْمَوَّازِ: الثُّلث يسير، وأمَّا الرُّبْع فيسِير باتِّفاق».اهـ
الثالث: المذهب الشافعي.
1ــ قال الفقيه أبو الحسن المَاوردي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الحاوي الكبير” (15/ 83):
«ولا تجوز الأضحية: بالمقطوعة الْإِلْيَة، وتجوز الأضحية: بالتي خُلِقَت مِن غير إِلْيَة، لأنَّ المِعْزَى لا ألَايَا لَهَا».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 404):
«مقطوعة بعض الْأَلْيَة: فلا تُجزئ عندنا، وبِه قال: مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة في رواية: إنْ بَقِي الثُّلث اجزأت، وفي رواية: إنْ بَقِي أكثرها اجزأت.
وقال داود: تُجزئ بكل حال».اهـ
الرابع: مذهب الحنابلة.
حيث قال الفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف في معرفة الراجح مِن الخلاف” (9/ 352):
«الثالثة: لو قُطع مِن الألية دون الثلث، فنَقل جعفر فيه: لا بأس بْه، ونَقل هارون: كل ما في الأُذُن وغيره مِن الشاة دون النِّصف لا بأس بِه.
قال الخَلَّال: رَوى هارون وحنبل في الألية: ما كان دون النِّصف أيضًا.
قال: فهذه رُخصة في العين، وغيرها.
واختيار أبي عبد الله: لا بأس بكل نَقْص دُون النِّصف، وعليه: أعتمد.
قال: ورَوى الجماعة التشديد في العين، وأنْ تكون سليمة».اهـ
الخامس: مذاهب وأقوال لآخَرين.
1 ــ قال الحافظ ابن المُنذر النَّيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف” (3/ 407):
«وقال حمَّاد بن أبي سليمان، ووليد: يُكرَه أنْ يُضحَّى بمقطوعة الألية».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 404):
«مقطوعة بعض الْأَلْيَة، فلا تُجزئ عندنا، وبِه قال مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة في رواية: إنْ بَقِي الثُّلث اجزأت، وفي رواية: إنْ بَقِي أكثرها اجزأت.
وقال داود: تُجزئ بكل حال».اهـ
3 ــ وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 10 ــ مسألة:978):
«لا تُجزئ في الأضحية: الهتماء، والمقطوعة الألية».اهـ
4 ــ وقال العلامة ابن عثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح المُمتِع على زاد المُستقنع” (7/ 435):
«فأمَّا مقطوع الألية، فإنَّه لا يُجزئ، لأنَّ: الألية ذات قِيمة، ومُرَادةٌ مقصودة، وعلى هذا: فالضَّأن إذا قُطِعت ألْيَته لا يُجزئ».اهـ
5 ــ وقال الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن البسَّام الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “توضيح الأحكام مِن بُلوغ المرام” (7/ 90-91):
«أمَّا مقطوعة الإلية أو بعضها، ومَجبوبة السّنام: فلا تُجزىء، لأنَّ هذا شيءٌ مقصود مِنها».اهـ
6 ــ وجاء في قرار “هيئة كبار العلماء” رقم (183) في (12 / 7 / 1414هـ،) ما يلي:
“لا تُجزىء الأضحية ولا الهَدي ولا العقيقة: بمقطوع الألية، لأنَّ: الإلية عضوٌ كاملٌ مقصود، فصار مقطوعها أولَى بعدم الإجزاء مِن مقطوع القرْن والأُذُن”».اهـ
مسألة: عن الأضحية بمقطوع الذَّنَب.
اختلف العلماء ــ رحمهم الله ــ: في التضحية بما قُطع ذَنَبُه مِن أضاحي المَعز، والبقر، وأنواع مِن الضأن.
فمِنهم مَن قال: لا تُجزئ، ومِنهم مَن قال: تُجزئ، ومِنهم: مَن حدَّ الإجزء بقطع مقدار مِن الذَّنب.
ثم حدَّه بعضهم: بالنصف، وبعضهم: بالثلث، وبعضهم: بالرُّبع، وبعضهم: باليسير.
والأظهر عدم الإجزاء لأمرين:
الأمر الأوَّل: أنَّ قطع الذَّنَب عَيبٌ ظاهر، وأشدُّ مِن قطْع الأذن أو أكثرها الذي هو عَيبُ مُؤثِّر بالإجماع.
الأمر الثاني: أنَّ الذَّنَب عُضو مِن الأضحية يُقصَد بالأكل، وقد زال أو نقَص.
فائدة جامعة: تتعلق بالعيوب التي لا تُجزئ في الأضحية.
1 ــ قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 120):
«وأجمعوا على: أنَّ العيوب الأربعة المذكورة في حديث البَراء، وهو: المَرَض، والعَجَف، والعَوَر، والعَرَج البيِّن، لا تُجزئ التَّضحية بها.
وكذا: ما كان في معناها أو أقبح، كالعَمى، وقطْع الرِّجل، وشِبْهِهِ».اهـ
2 ــ وقال التابعي الجليل ابن شهاب الزُّهري ــ رحمه الله ــ:(( لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْمَجْذُوعَةِ ثُلُثِ الْأُذُنِ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهَا، وَلَا تَجُوزُ الْمَسْلُولَةُ الْأَسْنَانِ، وَلَا الصَّرْمَاءِ، وَلَا جَدَّاءُ الضَّرْعِ، وَلَا الْعَجْفَاءُ، وَلَا الْجَرْبَاءُ، وَلَا الْمُصَرَّمَةُ الْأَطْمَاءِ، وَهِيَ الْمَقْطُوَعَةُ حَلَمَةُ الثَّدْيِ، وَلَا الْعَوْرَاءُ، وَلَا الَعَرْجَاءُ )).
3 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 135)، عقب كلام ابن شهاب الزُّهري المُتقدِّم:
«قول ابن شهاب في هذا الباب، هو: المعمول بِه».اهـ
يَعني: المعمول بِه عند العلماء.
4 ــ وقال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 435-436):
«أجمع العلماء على: اجتناب العرْجاء البيِّن عرَجها في الضحايا، والمريضة البيِّن مرَضها، والعَجْفاء التي لا تُنْقِي، مصيرًا لِحديث البَراء بن عازب.
وكذلك أجمعوا على: أنَّ ما كان مِن هذه الأربع خفيفًا، فلا تأثير له في منْع الاجزاء».اهـ
المسألة الرابعة عشرة / عن العيوب التي إذا وُجِدَتْ في الأضحية لم تُؤثِّر في إجزائها مع الكراهة.
الأفضل عند جميع العلماء ــ رحمهم الله ــ، هو: سلامة الأضحية مِن جميع العيوب التي لا تُؤثِّر في الإجزاء، وتصح معها الأضحية.
ووقد جاء في “موطأ مالك” (1785) بإسناد صحيح: (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ كَانَ يَتَّقِي مِنَ الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ: الَّتِي لَمْ تُسِنَّ، وَالَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقِهَا )).
1 ــ وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم بفوائد مسلم” (6/ 411):
«واسْتَحَبَّ جميعهم فيها: غاية الكمال، واجتناب النَّقْص».اهـ
1 ــ وقال الفقيه أبو العباس القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُفهِم لِما أشكل مِن تلخيص كتاب مُسلم” (5/ 365):
«وقد حصل مِن مجموع حديث عائشة، وأنس، وجابر: أنَّ الأَوْلَى في الأضحية نهاية الكمال في الخَلْق، والصِّفة، وهو: متفَق عليه».اهـ
ودونكم ــ سدّدكم الله ــ بعض العيوب التي لا تُؤثِّر في إجزاء الأضحية:
الأوَّل ــ عدم وجود قَرْن لِلأضحية خِلْقة.
وإجزاء الأضحية بما لا قَرْن له خِلْقة: مُجمَع عليه بين العلماء.
وما لا قَرْنَ لَه خِلْقَةً يُسمَّى: «بالأجَمِّ».
وعدم وجود القَرْن: لا يُخرِج عن حُسْن الخِلْقة، ولا يُعتبَر عيبًا، ولا مرضًا، ولا يُؤثِّر على اللَّحم، ولا في السِّمن، ولا في القِيمة غالبًا.
وقد قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/128 – عند حديث رقم:1966):
«وأجمَع العلماء على: جواز التضحية بالأجمِّ الذي لم يُخلَق له قرنان».اهـ
ونَقل الإجماع أيضًا على إجزاء ما لا قَرْن له خِلْقة في الأضحية:
ابن عبد البرِّ المالكي في كتابه”التمهيد” (20/ 171)، وأبو جعفر الطحاوي الحنفي، كما في كتاب “مُختصر اختلاف العلماء” (2/ 89 ــ مسألة:568)، وأبو بكر الجصَّاص الحنفي في كتابه “شرح مُختصر الطحاوي” (7/ 362-363)، والقدوري الحنفي كما في كتاب “البَناية شرح الهداية” (111/ 43)، وعلاء الدِّين ابن العطار الشافعي في كتابه “العُدة في شرح العُمدة” (3/ 1637)، وبدر الدِّين العَيني الحنفي في كتابيه “عُمدة القاري” (21 / 150)، و “البَناية شرح الهداية” (12/ 38)، وسِراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي في كتابه “الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام” (10/ 182)، وابن حَجَر العسقلاني الشافعي في كتابه “فتح الباري” (10/ 13 ــ عند حديث رقم:5554)، والقاضي فيصل المُبارَك الحنبلي في كتابه “خلاصة الكلام شرح عُمدة الأحكام” (ص: 380)، وغيرهم.
الثاني ــ القطْع اليسير أو الشَّق أو الكَيّ في الأذن.
وإلى جواز الأضحية بما فيه قطع يسير أو شَقٌّ أو كَيُّ يسير: ذهب أكثر أهل العلم.
بل قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 373):
«ويَحصل الإجزاء بها، لا نعلم فيه: خلافًا، ولأنَّ: شرط السلامة مِن ذلك يَشُق، إذ لا يَكاد يوجد سالم مِن هذا كلِّه».اهـ
الثالث ــ الخِصَاء أو التَّضحية بما لا خِصْية له مِن ذُكور بهيمة الأنعام.
وإلى جواز الأضحية بما لا خِصية له: ذهب عامَّة أهل العلم.
بل قال الإمام مُوفق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 371):
«ولا نعلم فيه: خلافًا».اهـ
لأنَّ: الخِصاء وإنْ كان نُقصان عضو، إلا أنَّه يُصلِح اللحم، ويُطيِّبُه، ويَزيد في السِّمن.
الرابع ــ عدم وجود الذَّنَب خِلقة أوالبَتْرَاء التي لا ذَنَبَ لَها خِلْقة في جنس ما له ذَنَب.
وقال الفقيه سراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التوضيح لِشرح الجامع الصَّحيح” (19/ 231):
«”والأَبْتَرَ”: الناقص، وهو مِن الدواب: مَن لا ذَنَب له».اهـ
والبَتْراء على الصَّحيح مِن أقوال أهل العلم: تُجزئ في الأضحية، وتصِح معها.
وهو: قول الحَكَم مِن التابعين، وأصحُّ الوجهين عند الشافعية، والصَّحيح في مذهب الحنابلة.
ووجْه إجزائها: ما قاله الفقيه زين الدِّين ابن المُنَجَّى التنوخي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُمتِع في شرح المُقنِع” (2/ 236):
«لأنّ: عدم ذلك لا يُنقِص اللحم، ولا يُخِلُّ بالمقصود، ولم يَرِد فيه نَهي».اهـ
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء مع نصِّه، ومصدره، وقائله:
1 ــ قال ابن الجَعْد في “مُسنده” (280):
حدَّثَنا شُعْبَة قال:(( سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنِ الْبَتْرَاءِ فِي الْأُضْحِيَّةِ؟ فَرَخَّصَ فِيهَا )).
وإسناده صحيح.
2 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 375):
«ولو قَطَع الذِّئب أو غيرُه أليَتَها أو ضَرْعَها: لم تُجزئ على المذهب، وبِه قطع الجمهور، وقيل: فيه وجهان.
وتُجزئ المخلوقة: بلا ضرْع أو بِلا ألْيَة على أصحِّ الوجهين، والذَنَب كَالْأَلْيَة، وقطْع بعض الْأَلْيَةِ أو الضَّرع كقطْع كلِّه».اهـ
ــــ وبمثله قال أيضًا: في كتابه “روضة الطالبين وعُمدة المُفتين” (3/ 196).
3 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف” (9/ 353-354):
«وأمَّا البَتْراءُ، وهى: التى لا ذَنَبَ لهَا، فتُجْزِئ، على الصَّحيح مِن المذهب، وقيل: لا تُجْزِئُ.
نقَل حَنْبَلٌ: لا يُضَحَّى بأَبْتَرَ، ولا بنَاقِصَةِ الخَلْقِ.
وألحَقَ المُصنِّف والشَّارح بالبَتْراء: ما قُطِع ذَنَبُها».اهـ
4 ــ وجاء في كتاب “الرَّوض المُربِع” (1/ 532)، مِن كتب الحنابلة:
«[ بل ] تُجزئ [ البَتراء ] التي لا ذَنَبَ لَهَا [ خِلْقة ] أو مقطوعًا».اهـ
5 ــ وجاء في كتاب “كشَّاف القِناع عن متْن الإقناع” (3/ 6)، مِن كتب الحنابلة:
«[ و ] تُجزىء [ البتراء التي لا ذَنَب لهَا خِلْقة أو مقطوعًا ] لأنَّ ذلك لا يُخِلَّ بالمقصود».اهـ
قلت:
وذهبت المالكية، وابن حزم الظاهري: إلى عدم إجزاء البتراء.
وقال بعضهم: تُكرَه.
وودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلامهم مع نصِّه، ومصدره، وقائله:
1 ــ جاء في كتاب “التوضيح في شرح مُختصر ابن الحاجب” (3/ 268)، مِن كتب المالكية:
«[ ولو كانت بغير أُذُنٍ أو ذَنَبٍ خِلْقَة، وهي: السَّكَّاءُ والبَتْرَاء، فكقطعهما ]أي: فلا يُجزيان، وقوله: [ السَّكَّاءُ ] راجع إلى المخلوقة بغير أُذُن، [ والْبَتْرَاءُ ] راجع إلى المخلوقة بغير ذَنَب».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “شرح مُختصر خليل” (3/ 35)، لِلخرشي المالكي ــ رحمه الله ــ:
«( ص ) وبَتْراء، وبَكْماء،…، وذاهِبة ثُلث ذَنَب.
( ش ) يعني: أنَّ كل واحد مِمَّا ذُكر يَمنع الإجزاء.
مِنها: البَتراء، وهي التي لا ذَنَب لهَا في جنس ما له ذَنَب، بأنْ خُلِقت بغير ذَنَب أو جَنَى عليها شخص فقطعه».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “الخُلاصة الفقهية على مذهب السادة المالكية” (ص: 264):
«فلا تُجزئ البَتراء، وهي التي لا ذَنَب لَهَا».اهـ
4 ــ وجاء في كتاب “التاج والإكليل لِمُختَصر خليل” (3/ 241)، مِن كتب المالكية أيضًا:
«ابن رُشد: لا تُجزىء البَتراء، وهي التي قُطِع مِن ذَنَبها النِّصف أو الثلث، قاله ابن حبيب، وابن وهْب، وقال ابن المَوَّاز: الثلث يسير، وأمَّا الرُّبع فيسير باتفاق».اهـ
5 ــ وجاء في كتاب “الموطأ برواية ابن زياد” (ص: 128):
«قال: وسُئل مالكٌ عن البَتْراء، والجَزَّاء، والعَوَر القائمة الأعين، والهَرِمة لِلضَّحية؟
قال: أكرَه كل ما نَقص مِن خَلِقه مِن الضحايا إلا لِمَن لا يَجد غير ذلك، أكره البَتْراء وإنْ لم يَذهب إلا رُبع ذَنَبها إلا لِمَن لم يَجد غيرها، وكذلك الجَزَّاء، فأمَا العوراء فإنَّها لا تُجزئ».اهـ
6 ــ وقال الإمام البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح السُّنة” (4/ 340):
«قال شُعبة: سألت الحَكَم عن البَتْراء؟: فرخَّص فيها، وسألت حمادًا؟: فكرهها».اهـ
7 ــ وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ـ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 10 ــ مسألة:974):
«ولا تُجزئ العَجْفاء التي لا تُنْقِي، ولا تُجزئ التي في أُذُنها شيء مِن النقص أو القطْع أو الثَّقْب النافذ، ولا التي في عينها شيء مِن العيب، أو في عينيها كذلك، ولا البَتراء في ذنَبها».اهـ
وأمَّا مذهب الحنفية، فالذي وجدته عنهم، هو:
1 ــ ما قاله الفقيه أبو بكر الرَّازي الجصَّاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مُختصر الطحاوي” (7/ 355):
«قال أبو جعفر: [ وإذا كانت مقطوعة الذَّنَب أو الأُذُن أو الألْيَة، فإنَّ أبا حنيفة كان يقول: إنْ كان الذي ذهب مِن ذلك الثلث فصاعدًا لم يَجُز أنْ يُضحِّي بها، وإنْ كان أقلّ يُجزئ، ثم رجَع فقال: إذا بَقِيَ الأكثر أجزأ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ].
قال أحمد: هذا الذي ذَكره أبو جعفر عن أبي حنيفة في أنَّ ذهاب الثلث مِن الأُذُن والذَنَب يَمنع جوازها، هي رواية أبي يوسف.
وقال في “الجامع الصغير”، وفي “الأصل”: إنَّ الثلث يُجزئ في قوله الأوَّل، ولا يُجزئ إذا ذهب أكثر مِن الثلث».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو الحسن السُّغْدي الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “النتف في الفتاوى” (1/ 239):
«فلا يجوز أنْ تكون مقطوعة الذَّنَب أو مقطوعة الأُذُن، فإنْ كان القطْع في الذَّنَب والأُذُن والطَّرَف أقلَّ مِن النِّصف جاز».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “الاختيار لِتعليل المُختار” (1/ 224)، مِن كتب الحنفية أيضًا:
«[ ولا تُجزئ مقطوعة الذَّنب ] لِمَا بيَّنا [ وإنْ ذهب البعض إنْ كان ثُلثًا فما زاد لا يجوز، وإنْ نَقص عن الثلث يجوز ] لأنَّ الثلث كثير بالنَّص.
وفي رواية: الرُّبع لِقيامه مقام الكُل، كما في مسح الرأس.
وقال أبو يوسف ومحمد: إنْ كان أقل مِن النِّصف يجوز، لأنَّ:الحُكم لِلغالب، وفي النِّصف عن أبي يوسف روايتان».اهـ
تنبيه مُهم:
عن ضعف حديث نبوي جاء فيه عدم جواز الأضحية بالبَتراء.
حيث أخرج النسائي (4372)، مِن طريق أبي إسحاق السَّبيعي، عن شُريح بن النُّعمان، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ، وَالْأُذُنَ، وَأَنْ لَا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا بَتْرَاءَ، وَلَا خَرْقَاءَ )).
وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ عقبه: «ضعيف، لكن جُملة: “الاستشراف” صحيحة».اهـ
وقال العلامة محمد علي آدم الإتيوبي ــ رحمه الله ــ: «حديث عليٍّ ــ رضي الله تعالى عنه ــ هذا ضعيف، لِعنعنة أبي إسحاق السَّبيعي، فإنَّه مُدلِّس».اهـ
وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ: «لم يَثبُت رفعُه».اهـ
واختُلِف أيضًا: في سماع شُريح بن النُّعمان مِن علي ــ رضي الله عنه ــ.
فقال الإمام الدارقطني ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُؤتلِف والمُختلِف” (2/ 49):
«حدثنا أبو محمد بن صاعد، حدثنا محمد بن عبد الله المَخرمي، حدثنا أبو كامل، ــ وهو وظفر بن مُدرك ــ، حدثنا قيس بن الرَّبيع، عن أبي إسحاق، عن شُريح بن النُّعمان، عن عليٍّ في الأضاحي.
قلت لأبي إسحاق: سمعته مِن شُريح؟ قال: أخبرني سعيد بن أشوع عنه».اهـ
وقال أيضًا في كتابه “الِعلل” (3/ 238): «ولم يَسمع هذا الحديث أبو إسحاق مِن شُريح».اهـ
وأيضًا: شُريحٌ بن النُّعمان مُختلَف فيه.
فقال أبو إسحاق السَّبيعي ــ رحمه الله ــ:«كان رجل صدق».اهـ
وذَكره ابن حِبَّان: في كتابه “الثقات”.
وقال ابن حجَرَ العسقلاني ــ رحمه الله ــ:«صدوق».اهـ
وقال الذهبي ــ رحمه الله ــ:«جيد الأمْر صالح، وقال أبو حاتم: “شِبه مجهول، لا يُحتجُّ بِه”».اهـ
وحصل أيضًا: اختَلَافٌ في مَتْن الحديث، فجاء عند الأكثر: بدون زيادة:(( بَتْرَاء )).
وأيضًا البَتَراء، قد قِيل: إنَّها ما لا ذَنَبَ لَها خِلْقة، وقِيل: إنَّها مقطوعة الذَّنَب.
الخامس ــ مكسورة القرْن.
وتُجزئ الأضحية: بمكسورة القَرْن، لأنَّ: القرْن لا يُؤثِّر في سِمَن الأضحية، ولا على طَعم لحمها.
وقد قال الحافظ ابن عبد البرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (20/ 171)، عن الإجزاء:
«على هذا جماعة الفقهاء: لا يَرون بأسًا أنْ يُضحِّي بالمكسورة القَرْن، وسواء كان قرْنها يُدمِي أو لا يُدمِي».اهـ
ــــ وقال أيضًا في كتابه “الاستذكار” (15/ 132-133):
«جمهور العلماء: على القول بجواز الأضحية بالمكسورة القرْن».اهـ
ونَسب الجواز إلى الجمهور أيضًا:
علاء الدِّين ابن العطار الشافعي في كتابه”العُدة في شرح العُمدة” (3/ 1637)، وسراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي في كتابه”الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام” (10/ 183)، وغيرهما.
وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مُختصر اختلاف العلماء” (2/ 89):
«ولا خِلاف بين العلماء: أَنَّ المكسور القرْن إذا بَرأ مِنه يُجزئ».اهـ
فائدة جامعة: تتعلَّق بما لا يُؤثِّر مِن العيوب في إجزاء الأضحية.
دَلَّ مفهوم قول النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي )).
على: «أنَّ المرَض الخفيف يجوز في الضحايا، والعرَج الخفيف الذي تَلحق بِه الشاة في الغنم، وكذلك النُّقطة في العين إذا كانت يسيرة، وكذلك المَهزولة التي ليست بغاية في الهُزال، ولا خلاف: في ذلك».
قال ذلك كله: الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابيه “التمهيد” (20/ 168) و “الاستذكار” (15/ 125).
وقال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 435-436):
«أجمع العلماءعلى: اجتناب العرْجاء البيِّن عرَجها في الضحايا، والمريضة البيِّن مرضها، والعَجْفاء التي لا تُنْقِي، مصيرًا لِحديث البَراء بن عازب.
وكذلك أجمعوا على: أنَّ ما كان مِن هذه الأ ربع خفيفًا، فلا تأثير له في منْع الاجزاء».اهـ
المسألة الخامسة عشرة / عن وقت ذبح الأضحية.
وتحت هذه المسألة أربعة فروع:
الفرع الأوَّل: عن أوَّل وقت ذبح الأضاحي.
اتفق العلماء ــ رحمهم الله ــ على أنَّ أوَّل أيَّام ذبح الأضحية هو: اليوم العاشر مِن شهر ذي الحِجَّة، وهو يوم العيد، عيد الأضحى، وعيد النَّحر، ولا تجوز الأضحية ولا تُجزئ قبْله.
1 ــ حيث قال الحافظ ابن المُنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإجماع” (ص:60):
«وأجمعوا على: أنَّ الضَّحايا لا يجوز ذبحها قبل طلوع الفجر مِن يوم النَّحر».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (3 / 290-291):
«وكالضَّحايا في أيَّامها لا يُعمل شيء مِن ذلك في غيرها، قام دليل الإجماع على ذلك».اهـ
3 ــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 29):
«أمَّا ليلة العاشر، وهي: ليلة العيد، لا يجوز بإجماع العلماء».اهـ
4 ــ وقال العلامة عبد الرحمن ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 536):
«فوقْت الذَّبح بلا نزاع أضحية كانت أو هَديًا: بعد صلاة العيد بالبلد.
والاعتبار كما قال ابن القيِّم: بنفس فِعل الصلاة والخطبة، لا بوقتهما، وإذا اجتمع عيد وجمعة، وصُلِّيَت الجمعة قبْل الزوال واكتُفِي بها عن صلاة العيد، جاز الذبح بعد صلاة الجمعة، لِقيامها مقام صلاة العيد».اهـ
وقد صحَّ عن البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» )).
[ رواه: البخاري (968)، واللفظ له، ومسلم (1961). ]
وصحَّ عن جُنْدب البَجَلِي ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ سَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ نُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ» )).
[ رواه: البخاري (5500)، ومسلم (1960)، واللفظ له. ]
وصحَّ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى )).
[ رواه: البخاري (5552). ]
1 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (23/ 182):
«وأجمعوا على: أنَّ الذبح لأهل الحضر لا يَجوز قبْل الصلاة، لِقوله صلى الله عليه وسلم: (( وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ ))».اهـ
ــــ وقال أيضًا في كتابه “الاستذكار” (15/ 154):
«أجمعوا: أنَّ مَن ذبح قبْل الصلاة وكان ساكنًا بمصر مِن الأمصار أنَّه لا يُجزئه ذبْحُه كذلك.
واختلفوا في: وقت ذبح أهل البادية للضَّحِيَّة».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو الحسن ابن بطَّال المالكي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح البخارى” (6/ 25):
«السُنَّة: الذبح بعد الصلاة.
وأجمع العلماء: أنَّ مَن ذبح قبل الصلاة فعليه الإعادة، لأنَّه ذبح قبْل وقته.
واختلفوا: فيمَن ذبح بعد الصلاة، وقبْل ذبح الإمام».اهـ
ونَقل الإجماع أيضًا على عدم إجزاء الذَّبح قبل الصلاة:
ابن حزم الظاهري في كتابه “المُحلَّى” (6/ 43 – مسألة رقم:982)، وابن رُشد المالكي في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 189)، والقاضي عياض المالكي في كتابه “إكمال المَعلم بفوائد مسلم” (6/ 400 ــ عند حديث:1960)، وبدر الدِّين العَيني الحنفي في كتابه “عُمدة القاري” (21/ 157)، والزرقاني المالكي في كتابه “شرح الموطأ” (3/ 111)، وغيرهم.
قلت:
وذبح الأضحية بعد انتهاء صلاة العيد، وخطبتيه، هو: أفضل أوقات الذبح، لأنَّه: فِعل النَّبي صلى الله عليه وسلم.
حيث صحَّ عن البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا )).
[ رواه: البخاري (968)، ومسلم (1961). ]
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 118ــ عند حديث رقم:1960):
«وأمَّا وقت الأضحية: فينبغي أنْ يَذبحها بعد صلاته مع الإمام، وحينئذ: تُجْزيه بالإجماع».اهـ
وأمَّا مَن كان في مكان لا تُقام فيه صلاة العيد وأراد أنْ يُضحِّي:
1 ــ كالبَدو الذين يَتنقَّلون مِن مكان إلى آخَر بدوابِّهم لِطلب العُشب والماء.
2 ــ أو مَن يكون أيَّام العيد في مُخيَّم في البرِّية.
3 ــ أو مَن يَعمل في أماكن بعيدة عن المُدن والقُرى، وأشباههم.
فإنَّهم: يَنتظرون بعد طلوع شمس يوم العيد وارتفاعها قِيد رُمح، مِقدار صلاة العيد، وخُطبتيه، ثمَّ يَذبحون أضاحيهم.
فإن فعلوا ذلك: أجزأت أضحيتهم عند عامَّة العلماء.
مِنهم: الحسن البصري، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، وربيعة بن عبد الرحمن، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري، وابن المُنذر، وغيرهم.
كما ذَكر ذلك عنهم: الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 118-119 ــ عند حديث رقم:1960)، وغيرُه.
وإنْ انتظروا مِقدار صلاة العيد فقط، بعد دخول وقتها، ثم ذبحوا أُضحيتهم أجزأت عند:
عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، ورَبيعة بن عبد الرحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” (10/ 24 ــ عند حديث رقم:5563) عن هذا القول:
«وهو: وجْه لِلشافعية قوي مِن حيث الدليل، وإنْ ضعَّفه بعضهم».اهـ
ووجْه هذا القول: أنَّ ظواهر الأحاديث تَدُلُّ على تعليق الذَّبح بالصلاة.
1 ــ حيث صحَّ عن حديث البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاَةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسْلِمِينَ )).
[ رواه: البخاري (5556)، واللفظ له، ومسلم (1961). ]
2 ــ وجاء نحوه: مِن حديث أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ عند البخاري (5546).
3 ــ وجاء في حديث جُنْدب البَجلي ــ رضي الله عنه ــ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ كَانَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ــ أَوْ نُصَلِّيَ ــ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللهِ )).
[ رواه: البخاري (5500)، ومسلم (1960)، واللفظ له. ]
فائدة مُهمَّة:
المُعتبَر في تحديد مِقدار وقت صلاة العيدين والخطبتين، هو: أسْبَق الأئمة انتهاءً مِنهما إذا صلاها في الوقت.
وقال الفقيه شمس الدِّين السفاريني الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “كشْف اللثام شرح عٌمدة الأحكام” (3/ 193)، عقب الحديث:
«والمقصود: قبْل فِعل الصلاة، إنْ كان يُصلِّي العيد في تلك البلد، فإنْ تعدَّدت الصلاة، فمِن أسبَق صلاة في البلد».اهـ
الفرع الثاني: عن آخِر وقت ذبح الأضاحي.
آخِر وقت ذبح الأضاحي هو: «غُروب شَمْس اليوم الثاني مِن أيَّام التشريق».
وعلى هذا: تكون أيَّام الذبح ثلاثة، يوم العيد، ويومان بعده.
يعني: اليوم العاشر، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر إلى غروب شَمْسِه.
وبهذا قال: أكثر أهل العلم مِن السَّلف الصالح فمَن بعدهم.
وهو: الصواب.
وثبت هذا القول عن: عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك ــ رضي الله عنهم ــ مِن الصحابة.
حيث أخرج مالك في “الموطأ” (1774)، عن نافع: (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: الْأَضْحَى: يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى )).
وإسناده صحيح.
وقال أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( الذَّبْحُ بَعْدَ النَّحْرِ: يَوْمَانِ )).
[ رواه: ابن حْزم في كتابه”المُحلَّى” (6/ 40 – مسألة رقم: 982)، وابن بشران في “أماليه” (433)، والبيهقي (19255)، واللفظ له. ]
وصحَّحه: ابن حْزم الظاهري.
1 ــ وقال الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “المُغني” (13/ 386)، لِموفَّق الدّين ابن قُدامة:
«أيَّام النَّحر ــ يعني: الذبح ــ ثلاثة، عن غير واحد مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم».اهـ
وقال الإمام أحمد أيضًا كما في كتاب “المُغني” (13/ 387)، لابن قدامة:
«أيَّام الأضحى التي أُجْمِع عليها: ثلاثة أيَّام».اهـ
2 ــ وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (3/ 167):
«واعتمد أحمد وغيره على: أقوال الصحابة، وقال: “عن خمسة مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”، ولا يُعرْف لَهم مُخالِف مِن الصحابة».اهـ
3 ــ وقال الحافظ أبو جعفر الطحاوي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مُختصر اختلاف العلماء” (3/ 218 – مسألة رقم: 1318):
«ولم يُروَ عن غيرهم مِن الصحابة [ خلافه ]، فثبَتت حُجَّته.
وأيضًا: فإنَّ مِثله لا يُقال مِن جهة الرَّأي، فدلَّ: أنَّه توقيف».اهـ
4 ــ وقال القاضي عبد الوهاب المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على نُكت مسائل الخلاف” (2 ــ رقم:1814/ 909):
«مسألة: أيَّام الأضحى ثلاثة، ولا يُضحَّى في اليوم الرابع، خلافًا للشافعي.
لِقوله تعالى: { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ }، وأقل الأيَّام ثلاثة.
ولأنَّه: إجماع الصحابة، ورُوي عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأنس، ولا مُخالِف لَهم، ولأنَّه: ليس بمعلوم كالخامس، ولأنَّه: لا يتعقبه مَبيت بمِنى فأشبَه ما بعده».اهـ
5 ــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 26)، في ترجيح هذا القول:
«قول الصحابة الذين لم يُروَ عن غيرهم مِن الصحابة خلافه: أولى بأنْ يُقال بِه».اهـ
6 ــ وقال الفقيه محمد عبد الباقي الزُّرقاني ــ رحمه الله ــ في شرحه على “موطأ مالك” (3/ 119 ــ رقم:1052):
«مالك، عن نافع، أنَّ عبد الله بن عمر قال: (( الأضحى يومان بعد يوم الأضحى)).
وإلى هذا ذهب: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وأكثر العلماء.
وقال الشافعي وجماعة: الأضحى يوم النَّحر وثلاثة أيَّام بعده».اهـ
قلت:
مَن ذبح في هذه الأيَّام الثلاثة: أجزأت أضحيته بإجماع.
ومَن ذبح بعد خروجها بغروب شمس اليوم الثاني مِن أيَّام التشريق: لم تُجزئ أضحيته عند أكثر العلماء.
وذهبت طائفة مِن أهل العلم إلى: جواز ذبح الأضحية في اليوم الثالث عشر، وهو ثالث أيَّام التشريق.
وعليه: فتكون أيَّام الذبح عندهم أربعة، يوم العيد، وثلاثة أيَّام بعده.
واحتُجَّ لهم بحديث: (( أَيَّام التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ذَبْحٌ )).
[ وقد أخرجه: البَزَّار (3443)، والدارقطني (4756)، وغيرهما. ]
وهو: حديث ضعيف، وضعَّفه: أكثر أئمة الحديث ــ رحمهم الله ــ.
وهذا القول هو: مذهب الشافعي، ونُقل عن عطاء والحسن مِن التابعين.
واختيار: ابن المُنذر، وابن تيمية، وابن باز، وابن عثيمين.
1 ــ وقال الفقيه محمد بن الحسين الجوهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “نوادر الفقهاء” (ص: 77 – رقم:64):
«وأجمعوا: أنَّ الضَّحية في اليوم الثالث عشر مِن ذي الحِجَّة غير جائز، إلا الشافعي فإنَّه أباحها فيه، كما في الأيَّام قبْله».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو بكر الجصَّاص الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح مختصر الطحاوي” (7/ 329):
«وقد رُوي عن بعضهم: أنَّ أيَّام التشريق كلها مِن أيَّام الذبح، وهو: عندنا شاذ، لاتفاق أئمَّة السَّلف على خلافه».اهـ
فائدة:
قال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 29):
«(م):[ ويجوز الذبح في لياليها ].
(ش): أراد الليلتين المُتسوطتين لا ليلة الرابع عندنا، لِخروج وقت التضحية بغروب الشمس مِن اليوم الثاني عشر.
وعند الشافعي ــ رحمه الله ــ: يَبقى.
أمَّا ليلة العاشر، وهي، ليلة العيد: لا يجوز بإجماع العلماء».اهـ
الفرع الثالث: عن حُكم ذبح الأضحية ليلًا.
ذبح الأضحية في النَّهار: أفضل، لأنَّه: فِعل النَّبي صلى الله عليه وسلم، ومُتَّفَقٌ عليه بين العلماء.
وقد تضافرت الأحاديث بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يَذبح أضحيته نهارًا في الضُّحَى، بعد فراغه مِن صلاة العيد وخطبته،
ومَن ذبح ليلًا: جاز له ذلك عند أكثر أهل العلم، لأنَّه: لا نَصَّ يَمنَع مِنه.
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذّب” (8/ 361-362):
«مذهبنا: جواز الذبح ليلًا ونهارًا في هذه الأيَّام، لكن: يُكره ليلًا.
وبِه قال: أبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، والجمهور، وهو: الأصحّ عن أحمد.
وقال مالك: لا يُجزئه الذبح ليلًا، بل يكون شاة لحم، وهي: رواية عن أحمد».اهـ.
ونَسبَ الجواز إلى الجمهور أيضًا: الفقيه سِراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام” (4/ 207).
وقال الفقيه ابن حْزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 44):
«وما نعلم أحدًا مِن السَّلف قبْل مالك منَع مِن التَّضْحِيَة ليلًا».اهـ
الفرع الرابع: عن حُكم ذبح الأضحية بعد انتهاء وقتها.
إذا خرج وقت ذبح الأضحية وانتهى: لم يَصح الذبح بعد خروجه عند عامَّة العلماء، الأئمة الأربعة، وغيرهم.
ولو ذبح بعده: لم تكن أضحية، لأنَّ: الأضحية عبادة موقَّتة بوقت، وقد ذهب وقتها، ولم يَرد دليل على قضائها.
وأمَّا الأضحية المنذورة: فيجب ذبحها قضاء عند أكثر العلماء.
وتَسقط: عند أبي حنيفة.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء، مع قائله، ومصدره:
1 ــ قال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 560 ــ قسم اختلاف العلماء):
«واتفقوا على أنَّه: إذا خرج وقت الأضحية على اختلافهم فيه، فقد فات وقتها، وأنَّه: إنْ تطوع بها مُتطوع لم يَصِح.
إلا أنْ تكون مَنذورة: فيجب عليه ذلك، وإنْ خرج الوقت».اهـ
ويَعني بقوله: “واتفقوا” أي: الأئمة الأربعة ــ رحمهم الله ــ.
2 ــ وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 538):
«وإنْ فات الوقت: قضَى الواجب، وسقط التطوع، وحكاه اتفاقًا».اهـ
ومُراده بقوله: “وحكاه اتفاقًا” أي: الفقيه ابن هُبيرة ــ رحمه الله ــ.
3 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (3 / 290-291):
«وكالضَّحايا في أيَّامها: لا يُعمل شيء مِن ذلك في غيرها، قام: دليل الإجماع على ذلك».اهـ
4 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 362):
«إذا فاتت أيَّام التضحية ولم يُضَحِّ التضحية المَنذورة: لزِمَه ذبحها قضاء.
هذا: مذهبنا، وبَه قال: مالك، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا تُقضَى بل تَفوت وتَسقط».اهـ
5 ــوقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 387-388):
«إذا فات وقت الذبح، ذبَح الواجب: قضاه وصنَع بَه ما يَصنع بالمذبوح في وقته.
وهو: مُخيَّر في التطوع، فإنَّ فرَّق لحمها كانت القُربَة بذلك دون الذبح، لأنَّها شاة لحم، وليست أضحية.
وبهذا قال: الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يُسلِّمها إلى الفقراء، ولا يذبحها، فإنْ ذبحها فرَّق لحمها، وعليه أرْشُ ما نقصَها الذبح، لأنَّ: الذبح قد سقط بفوات وقته.
ولَنَا: أنَّ الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يَسقط بفوات وقته، كتفرقة اللحم.
وذلك: أنَّه لو ذبَحها في الأيَّام، ثُمَّ خرَجت قبل تفريقها، فرَّقها بعد ذلك، ويُفارِق الوقوف والرَّمي، ولأنَّ: الأضحية لا تَسقط بفواتها بخلاف ذلك».اهـ
6 ــ وقال الفقيه أبو بكر الصِّقلي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الجامع لمسائل المدونة” (5/ 835):
«قال ابن القاسم: ولو ضلَّت أضحيته فلم يُبدلها، ثُمَّ وجدها بعد أيَّام النَّحر فليصنع بها ما شاء، وليس على أحدٍ أنْ يُضحِّي بعد أيَّام النَّحر، وهو بمنزلة مَن ترَك الأضحية، وكذلك لو أشترى أضحيته فحبسها حتى مضَت أيَّام النَّحر، فهذا والأوَّل سواء».اهـ
المسألة السادسة عشرة / عن الأكل والتَّصدُّق والإهداء مِن لَحم الأضحية، وإطعام جميع لَحمها للفقراء أو أكل المُضحِّي جميعه.
وتحت هذه المسألة فرعان:
الفرع الأوَّل: عن استحباب تثليث لَحم الأضحية.
المُستحَب عند أكثر العلماء: أنْ يَتصدقَ المُضَحِّي بالثلث مِن لَحم أُضحيته، ويهديَ الثلث، ويأكلَ هو وأهله الثلث.
لِمَجيء ذلك: عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فإنْ لم يأكل المُضَحِّي مِن أضحيتِه شيئًا، وأطعمَ الفقراءَ جميعَها: جاز عند عامَّة العلماء، وكان تاركًا لِلأفضلِ والمَسنون.
وإنْ أولَمَ عليها قرابتَه ولم يُعطِي شيئًا مِن لَحمها للفقراء: جازَ فعلِه على الأصَح، وكان مُقصِّرًا وتاركًا لِلأفضلِ والمَسنون، وفاتَه أجرٌ عظيم، وثواب كثير.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء ــ رحمهم الله ــ في تقرير ما تقدَّم وتقويته:
1 ــ قال الفقيه أبو عبد الله القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (12/ 32):
«ذهب أكثر أهل العلم إلى: أنَّه يُستحب أنْ يَتصدَّق بالثلث، ويُطْعِمَ الثلث، ويَأكل هو وأهله الثلث».اهـ
2 ــ وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى بالآثار” ( 5/ 313):
ومِن طريق وكيع، عن ابن أبي رَوَّاد، عن نافع، عن ابن عمر ــ رضي الله عنه ــ قال: (( الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا: ثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِين )).
والإسناد: حسنٌ، إنْ كان ابن حزم يَرويه مِن “جامع” الإمام وكيع ــ رحمه الله ــ مُباشرة، وهو الأظهر.
وصحَّ عن علْقَمة التابعي ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدْيِهِ، وَأَمَرَنِي إِنْ نَحَرْتُهُ: أَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ، وَآكُلَ ثُلُثًا، وَأَبْعَثَ إِلَى أَهْلِ أَخِيهِ بِثُلُثٍ )).
وعبد الله هو: ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ.
[ وقد أخرجه: ابن أبي عَروبة في كتاب “المناسك” (رقم: 110)، وابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (13190) واللفظ له، والطبراني في “المُعجم الكبير” (9702 و 9181)، وابن حزْم في “المُحلَّى” (5/ 313)، والبيهقي (10238)، وأبو يوسف في كتابه “الآثار” ( 582). ]
واحتجَّ بِه: الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ على استحباب التثليث في الأضحية.
والأضحية: نُسُك كالهَدي، ويَتشابهان في عامَّة الأحكام.
3 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/379-380)، في تقوية استحباب التثليث:
«وَلَنَا: ما رُوِيَ عن ابن عباس في صِفة أضحية النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( يُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ )).
رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في “الوظائف”، وقال: “حديث حسن”.
ولأنَّه: قول ابن مسعود، وابن عمر، ولم نَعرف لَهما مُخالفًا في الصحابة، فكان: إجماعًا.
ولأنَّ: الله تعالى قال: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ }.
والقانع: السائل، والمُعترُّ: الذي يَعتَريك، أي: يَتعرَّض لك لِتُطعمه، فلا يَسأل، فذَكر ثلاثة أصناف، فينبغي أنْ يُقسَم بينهم أثلاثًا».اهـ
ــــ وقال أيضًا (13/ 379):
«قال أحمد: “نحن نذهب إلى حديث عبد الله، يأكل هو الثلث، ويُطعِم مَن أراد الثلث، ويَتصدَّق على المساكين بالثلث”.
قال علْقَمة: (( بَعَثَ مَعِي عَبْدُ اللَّهِ بِهَدِيَّةٍ، فَأَمَرَنِي أَنْ آكُلَ ثُلُثًا، وَأَنْ أُرْسِلَ إلَى أَهْلِ أَخِيهِ عُتْبَةَ بِثُلُثٍ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ )).
وعن ابن عمر، قال: (( الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا: ثُلُثٌ لَك، وَثُلُثٌ لِأَهْلِك، وَثُلُثٌ لِلْمَسَاكِينِ ))».اهـ
قلت:
وصحَّ عن سلَمة بن الأكوع ــ رضي الله عنه ــ، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن لحوم الأضاحي: (( كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا )).
[ رواه: البخاري (5569). ]
وصحَّ عن أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( فَكُلُوا، وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا )).
[ رواه: مسلم (1971). ]
وصحَّ عن أبي أيوب الأنصاري ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ، وَيُطْعِمُونَ )).
[ رواه: الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، وغيرهما. ]
وصحَّحه: الترمذي، وابن العربي، ومُوفَّق الدِّين ابن قدامة المقدسي، والسيوطي، والألباني، وغيرهم.
وصحَّ عن ثوبان ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).
[ رواه: مسلم (1975). ]
4 ــ وقال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 450):
«واتفقوا على: أنَّ المُضحِّي مأمور أنْ يأكل مِن لحم أضحيته، ويَتصدق، لِقوله تعالى: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ }، وقوله تعالى: { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ }، ولِقوله صلى الله عليه وسلم في الضَّحايا: (( كُلوا وتصدَّقوا وادَّخِروا )).
فإنْ لم يأكل المُضحِّي مِن أضحيته شيئًا، وأطْعَم الفقراء جميعها: جاز، وكان تاركًا لِلأكمل».اهـ
5 ــ وقال القاضي عِياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم بفوائد مسلم” (6/ 425):
«وقال الطَّبَري: جميع أئمَّة الأمصار على جواز أنْ لا يأكل مِنها شيئًا، ويُطعِم جميعها».اهـ
قلت:
والطَّبري هو الإمام المُفسِّر، والفقيه المُحدِّث: أبو جعفر محمد بن جَرير الطبري ــ رحمه الله ــ.
6 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (08/ 391):
«بل يجوز: التصدُّق بالجميع، هذا هو: المذهب، وبِه: قطَع جماهير الأصحاب، وهو: مذهب عامَّة العلماء».اهـ
ــــ وقال أيضًا في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 140 ــ عند حديث رقم:1972):
«وأمَّا الأكل مِنها، فيُستحب ولا يَجب، هذا: مذهبنا، ومذهب: العلماء كافة إلا ما حُكِيَ عن بعض السَّلف أنَّه أوجَب الأكل مِنها، وهو قول أبى الطيِّب ابن سلَمة مِن أصحابنا، حكاه عنه المَاوردي، لِظاهر هذا الحديث في الأمْر بالأكلِ، مع قوله تعالى: { فَكُلُوا مِنْهَا }.
وحَمَل الجمهور هذا الأمْر على: النَّدب أو الإباحة».اهـ
7 الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/380):
«والأمْر في هذا: واسع، فلو تَصدَّق بها كلها، أو بأكثرها جاز، وإنْ أكلها كلها إلا أوقية تصدَّق بها جاز.
وقال أصحاب الشافعي: يجوز أكلها كلها».اهـ
8 ــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 52):
«الأكل مِن أضحيته: مُستحب عند أكثر العلماء.
وعند الظاهرية: واجب، وحُكي ذلك عن أبي حفص الوكيل مِن أصحاب الشافعي».اهـ
ـــ وقال أيضًا في كتابه “عُمدة القاري” (7/ 265):
«وفي أمْر عمر ــ رضي الله تعالى عنه ــ بالأكل مِن لَحم النُّسك إشارة إلى مشروعية الأكل مِن الأضحية، وهو: مُتَّفق على استحبابه.
واختُلِف: في وجوبه».اهـ
9 ــ وقال الفقيه المَحلِّي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “معين الأُمَّة” (ص:318):
«لو كانت الأضحية تطوعًا: يُستحب له أنْ يأكل مِنها بالاتفاق.
وقال بعض العلماء: بوجوبه».اهـ
الفرع الثاني: عن حُكم إطعام الكافر مِن لَحم الأضحية.
يجوز عند أكثر أهل العلم: إطعام الكافر مِن لَحم الأضحية إذا لم يَكن حرْبيًّا.
مِنهم: الحسن البصري مِن التابعين، وأهل الرَّأي، ومالك في قوله الأوَّل، وأحمد، وأبو ثور، وغيرهم.
وهو الأصحّ: مِن أقوال أهل العلم ــ رحمهم الله ــ.
وبعض العلماء: منعه، وبعضهم: كرهه، وبعضهم: جوَّزه في ضحيَّة التطوع دُون الواجبة.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء ــ رحمهمالله ــ، مع قائله، ومصدره:
1 ــ قال الحافظ ابن المُنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 410):
«أجمَع أهل العلم على: إباحة إطعام فقراء المسلمين مِن لحوم الضحايا.
واختلفوا: في إطعام أهل الذِّمة.
فرخَّص في إطعام اليهود والنَّصارى مِن ذلك: الحسن البصري، وهو كَشِبْه مذهب أصحاب الرَّأي، وبَه قال أبو ثور.
وقال مالك: غيرهم أحبُّ إلينا، وقد كان مالك: يَكره إعطاء النَّصارى جِلْد الضَّحية أو شيء مِن لحمها.
وكَرِه ذلك: الليث بن سعد.
فأمَّا مَا طُبِخ مِن لحوم الضحايا، وكانت الظِّئْر وما أشبَهها عند أهل البيت، فأرجو أنْ لا يكون بِه بأس في ما تُصيب مِنه معهم».اهـ
2 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 381):
«ويجوز: أنْ يُطعِم مِنها كافرًا، وبهذا قال: الحسن، وأبو ثور، وأصحاب الرَّأي.
وقال مالك: غيرهم أحبُّ إلينا، وكَره مالك والليث: إعطاء النصراني جِلْد الأضحية».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “البيان والتحصيل” (3 / 343-344)، لِلفقيه أبي الوليد ابن رُشد المالكي ــ رحمه الله ــ:
«وسُئل مالك: عن أهل الإسلام أيَهدُون مِن ضحاياهم لأهل الذِّمة مِن جيرانهم؟ فقال: لا بأس بذلك، ورجَع عنه بعد ذلك، وقال: “لا خَير فيه، غير مرَّة”».اهـ
ــــ وجاء فيه أيضًا (3/ 345):
«وسئل مالك: عن الضَّحية أيُطعم مِنها النصراني؟ قال: غيره أحب إلي مِنه، قال ابن القاسم: ما يعجبني».اهـ
ــــ وجاء فيه أيضًا (3/ 355):
«وسألته: عن الضَّحية والعقيقة أيُطعم مِنها أحد مِن النصارى أو غيرهم مِمَّن على غير الإسلام؟ فقال: ما سمعت ذلك، وأحِب إلي ألا يُطعم واحد مِنهم شيئًا».اهـ
4 و 5 ــ وجاء في كتاب “كفاية النَّبيه في شرح التَّنبيه” (8/ 92)، و كتاب”أسْنَى المطالب في شرح رَوض الطالب” (1/ 545)، وغيرهما، مِن كتب الشافعية:
«قال الشافعي في “البُويطي”: ولا يُطعِم مِنها أحدًا على غير دِين الإسلام».اهـ
6 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 425):
«ولم أرَ لأصحابنا: كلامًا فيه، ومُقتضَى المذهب: أنَّه يجوز إطعامهم مِن ضحِّية التطوع دون الواجبة».اهـ
واختار الجواز: ابن باز، وعبد الرزاق عفيفي، وابن عُثيمين.
قلت:
ويَدُلُّ على جواز إطعام الكافر غير الحربي مِن لحم الأضحية خمسة أمور:
الأمْر الأوَّل: أنَّه لم يَرد في الشرع ما يَنهى عن إطعامهم، بل جاء فيه ما يُجيز الإحسان إليهم إذا لم يكونوا حَربيين.
حيث قال الله تعالى في سورة “المُمتحنة”: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }.
الأمْر الثاني: إهداء الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ لِجيرانهم اليهود مِن لحم ما ذبحوه مِن الغنم.
حيث أخرج البخاري في “الأدب المُفرد” (105)، واللفظ له، وأبو داود (5152)، والترمذي (1943)، والحُميدي في “المسند” (604)، وغيرهم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً، فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» )).
وقال الإمام أبو عيسى الترمذي ــ رحمه الله ــ عقبه: «هذا حديث حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوجْه».اهـ
وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل” (3 / 402): «وإسناد هذا: صحيح على شرط مسلم».اهـ
الأمْر الثالث: عُموم قول النَّبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ )).
[ رواه: البخاري (2363)، ومسلم (2244)، مِن حديث أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ. ]
الأمْر الرابع: مدح الشَّريعة لِمَن يُطعِمون الأسرى مِن الكفار.
حيث قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (4/ 114):
«والكافر وغيرهم: يجوز دَفع صدقة التطوع إليهم، ولَهم أخذُها، قال الله تعالى: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا }، ولم يَكن الأسير يومئذ إلا كافرًا».اهـ
الأمْر الخامس: أنَّ نُسك الأضحية إنَّما هو في إراقة دمِها تقرُّبًا لله، وعبادة له.
حيث جاء في “فتاوى اللَّجنة الدائمة” (11/ 424 – رقم:1997)، برئاسة العلامة عبد العزيز ابن باز ــ رحمه الله ــ:
«يجوز لَنَا أنْ نُطعِم الكافر المُعاهَد والأسير مِن لحم الأضحية، ويجوز إعطاؤه مِنها لِفقره أو قرابته أو جِواره أو تأليف قلبه.
لأنَّ النُّسك: إنَّما هو في ذبحها أو نَحرها، قُربانًا لله، وعبادة له».اهـ
تنبيه:
الكافر الحربي: لا يجوز أنْ يُطعِمَه المسلم مِن لَحم أضحيته، لأنَّ: في إطعامِه تقويةً له، والمطلوب شرعًا إضعافه.
وقد جاء في “فتاوى اللَّجنة الدائمة” (11/ 424 – رقم:1997)، برئاسة العلامة عبد العزيز بن باز ــ رحمه الله ــ:
«ولا يُعطَى مِن لَحم الأضحية: حَربيًّا، لأنَّ: الواجب كبْتُه وإضعافُه، لا مُواساته وتقويته بالصدقة».اهـ
وقال العلامة عبد المُحسن العَبَّاد ــ سلَّمه الله ــ في إجابة صوتية له عن المُراد بالكافر الحربي:
«هو: غير الذِّمِّي، وغير المُستأمن، بل هو: مِن الكفار الذين بين المسلمين وبينهم حَرْب، فليسوا أهل ذِمَّة، وليسوا مُستأمنين، وليسوا ذَوي عهد».اهـ
المسألة السابعة عشرة / عن كيفية ذبح الأضحية.
وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:
الفرع الأوَّل: عن أقسام الأضحية مع الذَّبح.
الأضحية مع الذَّبح على قسمين:
القسم الأوَّل: الإبل.
والسُّنَّة في الإبل: أنْ تُنْحَرَ في الُّلبَّة، قائمة على ثلاث، ومقيَّدة اليد اليُسرى.
لِقول أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( نَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا )).
[ رواه: البخاري (1712 و 1714). ]
والمُراد بالبُدْن في هذا الحديث: «الإبل».
وعن زياد بن جُبير ــ رحمه الله ــ: (( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ أَتَى عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً، فَقَالَ: “ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً”، «سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» )).
[ رواه: البخاري (1713)، ومسلم (1320)، واللفظ له. ]
وصحَّ عن عبد الله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه قال: (( يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ } قَالَ: «قِيَامًا عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ مَعْقُولَةً، بِسْمِ اللَّه،ِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَإِلَيْكَ» )).
[ أخرجه: وكيع في “نُسخته عن الأعمش” (3)، والحاكم (1791)، واللفظ له، والطبراني في “الدعاء”(951)، والبيهقي (10217). ]
وصحَّحه: الحاكم، والذهبي.
وذَكره الحافظ ضياء الدين المقدسي ــ رحمه الله ــ في كتابه: “الأحاديث المُختارة أو المُستخرَج مِن الأحاديث المُختارة مِمَّا لم يُخرِّجه البخاري ومسلم في صحيحيهما” (10/ 17 – رقم:7).
وأخرجه أيضًا:
ابن جَرير الطَّبري في “تفسيره” (18/ 632-633 و 16/ 255-258)، من عدِّة طُرق عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ.
وفي أحد ألفاظه أنَّه ــ رضي الله عنهما ــ قال عن معنى قوله سبحانه: { صَوَافَّ } أي: (( مَعْقُولَة إِحْدَى يَدَيْهَا، قَائِمَة عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ )).
1 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (9/ 76 – عند حديث رقم:1320):
«يُستحب نَحْر الإبل وهي: قائمة معقولة اليد اليسرى …، وهو: مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، والجمهور».اهـ
2 ــ وقال الفقيه ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/ 225):
«قال المُوفَّق وغيره: لا خلاف في استحباب نَحْر الإبل، وذبح ما سواها».اهـ
القسم الثاني: البَقر، والضَّأن، والمَعز.
وهذه الأنواع الثلاثة: يُستحب عند ذبحها، أنْ تُضْجَع على جانبها الأيسر، ثم تُذبح.
1 ــ حيث قال الفقيه ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/226):
«أجمع المسلمون على: إضْجاع الغنم والبقر في الذبح».اهـ
والمُراد بالغنم: «الضَّأن، والمَعز».
2 ــ وقال الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (10/ 21 ــ عند حديث رقم:5558)، عن الغنم:
«واتفقوا على: أنَّ إضجاعها يكون على الجانب الأيسر، يَضع رِجلَه على الجانب الأيمن، لِيكون أسهل على الذابح في أخذ السِّكين باليمين، وإمساك رأسها بيده اليسار».اهـ
3 ــوقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 130 ــ عند حديث رقم:1967)، عقب حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ:
«وفيه: استحباب إضجاع الغنم فى الذبْح، وأنَّها لا تُذبح قائمة، ولا باركة، بل مُضْجَعة، لأنَّه أرفَق بها.
وبهذا: جاءت الأحاديث، وأجمع المسلمون عليه، واتفق العلماء.
وعمْلُ المسلمين على: أنَّ إضجاعها يكون على جانبها الأيسر، لأنَّه أسهل على الذابح فى أخذ السِّكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار».اهـ
ــــ وقال أيضًا (13/ 129):
«قوله: (( وَوَضَعَ رِجْله عَلَى صِفَاحهمَا )) أي: صفحة العُنق، وهى جانبه، وإنَّما فعَل هذا ليكون أثبَت له، وأمكن، لِئلَّا تضطرب الذبيحة برأسها، فتمنعه مِن إكمال الذبْح أو تؤذيه».اهـ
4 ــ وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (26/ 309-310):
«الأضحية وغيرها: تُضْجَع على شِقِّها الأيسر، ويَضع الذابح رِجله اليمين على عُنقها، كما ثبَت في الصَّحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومَن أضجعها على شِقِّها الأيمن، وجعَل رِجله اليسرى على عُنقها تكلَّف مُخالَفة يديه لِيَذبحها، فهو جاهل بالسُّنَّة، مُعذِّبٌ لِنفسه، ولِلحيوان.
ولكنْ يَحِلُّ أكلها، فإنَّ الإضجاع على الشِّق الأيسر أرْوَحُ للحيوان، وأيسرُ في إزهاق النفْس، وأعونُ للذبح، وهو السُّنَّة التي فعَلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليها عمَل المسلمين، وعمَل الأُمَم كلِّهم».اهـ
الفرع الثاني: عن حُكم تنكيس ذبْح الأضحية، بنَحْر ما يُذبَح، وذبْح ما يُنْحَر.
إنْ عكَس المُضحِّي أو مَن ينوب عنه فذَبَح ما يُنْحَر، أو نَحرَ ما يُذبَح: جاز فِعله مع الكراهة.
وهو مذهب الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
بل قال الإمام ابن المُنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب أهل العلم” (3/ 431):
«وليس يَختلف النَّاس: أنَّ مَن نَحَر الإبل، وذبّح البقر والغنم، أنَّه مُصيبٌ.
ولا أعلم أحدًا: حرَّم أكل ما نُحِر مِمَّا يُذبَح، أو ذُبِح مِمَّا يُنحَر.
وكَره مالك: ذلك، وقد يَكره المَرء الشيء ولا يُحرِّمه».اهـ
ووجْه عدم التحريم، وحِلِّ الأكل: أنَّ الذَّكاة قد وقعَت في محلِّها ولم تتجاوزه، وهو الرَّقبة، وأُنْهِر الدَّم وسال.
وقد صحَّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ )).
[ رواه: البخاري (2507) واللفظ له، ومسلم (1968)، مِن حديث رافع بن خَديج ــ رضي الله عنه ــ. ]
وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/ 226)، عن الأفضل في طريقة الذبح:
«والأولى: فِعل السُّنة المُتواترة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعليه: عامَّة المسلمين».اهـ
الفرع الثالث: عن مُباشرة المسلم ذبْح أضحيته بنفسه، وتوكيله لِغيره بذبحها، كمُسلمٍ بالغٍ أو مُراهقٍ أو امرأة أو كافرٍ كتابي أو غير كتابي، وذبح الكافر الكتابي بالصَّعق بالكهرباء.
الأفضل: أنْ يَذبح المُضحِّي أضحيتَه بيده، لأنَّه: فِعل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقُرْبَةٌ إلى الله ــ جلّ وعزَّ ــ، ومُباشرة القُرَب بالنفس أولَى.
1 ــ حيث صحَّ أنَّ أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ قال: (( ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي، وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ )).
[ رواه: البخاري (5558)، واللفظ له، ومسلم (1966). ]
2 ــ وجاء في حديث عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، فَفَعَلَتْ: ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).
[ رواه: مسلم (1967). ]
3 ــ وقال الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” جازمًا (عند حديث رقم:5559)، جازمًا:
(( وَأَمَرَ أَبُو مُوسَى بَنَاتِهِ أَنْ يُضَحِّينَ بِأَيْدِيهِنَّ )).
وذَكر الحافظ ابن حَجَر العسقلاني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “فتح الباري” (10/ 21)، مَن وصَله.
ثُمَّ قال عقبه: «وسنده صحيح».اهـ
4 ــ وثبت عن عبد الله بن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه: (( كَانَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ )).
[ رواه: مالك في “الموطأ” ( 145).]
1 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 116 ــ عند حديث رقم:1962):
«قوله: (( وَانْكَفَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى كَبْشَيْنِ فَذَبَحَهُمَا )).
فيه: إجزاء الذَّكر في الأضحية، وأنَّ الأفضل أنْ يَذبحها بنفسه، وهما: مُجْمَعٌ عليهما».اهـ
12 ــ وقال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المجتهد” (2/ 449):
«وأمَّا الذابح، فإنَّ العلماء: استحبُّوا أنْ يكون المُضحِّي هو الذي يَلي ذبح أضحيته بيده».اهـ
قلت:
ــــ فإنْ وكَّلَ المُضحِّي في ذبْح أو نَحْر أضحيته مُسلمًا بالغًا:
جاز توكيله، وجاز النَّحروالذبح باتفاق العلماء.
لِمَا أخرجه مسلم (1218)، عن جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم في حجَّةالوداع: (( انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ )).
1 ــ وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التمهيد” (2/ 107) عقب هذا الحديث:
«وفيه مِن الفِقه: أنْ يَتولى الرَّجل نَحْر هَديه بيده، وذلك عند أهل العلم مُستحب مُستحسَن، لِفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيده، ولأنَّها قُربة إلى الله ــ عزَّ وجلَّ ــ فمُباشرتها أولَى.
وجائز أنْ يَنحَر الهَدى والضحايا غير صاحبها، ألا تَرى أنَّ علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ نَحَر بعض هَدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو: أمْر لا خِلاف بين العلماء في إجازته، فأغْنَى عن الكلام فيه.
وأمَّا إذا كان صاحِب الهَدي أو الضَّحية قد أمَر بِنَحْر هَديه أو ذبْح أضحيته: فلا خِلاف بين الفقهاء في إجازة ذلك، كما لو وكَّل غيره بشراء هَديه فاشتراه، جاز بإجماع».اهـ
2 ــ وقال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المُجتهد” (2/ 449)، عن الأضحية:
«واتفقوا على: أنَّه يجوز أنْ يُوكِّل غيره على الذبح».اهـ
3 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 382):
«أجمعوا على: أنَّه يجوز أنْ يَستنيب في ذبح أضحيته مسلمًا».اهـ
وبنحوه أيضًا: قال في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 129 ــ عند حديث رقم:1966).
ونَقل الإجماع أيضًا على جواز توكيل المسلم في الذَّبح:
علاء الدِّين ابن العطَّار الشافعي في كتابه “العُدة في شرح العُمدة” (3/ 1638)، وابن حَجَر العسقلاني الشافعي في كتابه “فتح الباري” (10/ 21 ــ عند حديث رقم:5558)، والمُناوي الشافعي في كتابه “فيض القدير” (5/ 214 ــ عند حديث رقم: 7025)، وغيرهم.
تنبيه وفائدة:
قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 129 ــ عند حديث رقم:1966):
«قال أصحابنا: والأفضل لِمَن وكَّل أنْ يُوكِّل مُسلمًا فقيهًا بباب الذبائح والضَّحايا، لأنَّه: أعرَف بشروطها وسُننها».اهـ
ــــ وإنْ وكَّلَ المُضحِّي في ذبْح أو نَحْر أضحيته امرأة، أو مُراهقًا مِن المسلمين:
جاز توكيله، وجاز نحرهم وذبحهم.
وهو: مذهب عامَّة الفقهاء، الأئمة الأربعة، وغيرهم.
1 ــ حيث قال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 335 ــ قسم اختلاف العلماء):
«واتفقوا على: أَنَّ ذبْح العَبْد مِن المسلمين في الجواز كالحرِّ وامرأة مِن المسلمين، والمُراهق في ذلك كالرَّجل».اهـ
ويَعني بقوله: “واتفقوا” أي: الأئمة الأربعة.
2 ــ وقال الحافظ ابن المُنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 432-333):
«أجمع عَوام أهل العلم الذين حفظنا عنهم على: إباحة أكل ذبيحة الصَّبى والمرأة، إذا أطاقا الذَّبح، وأتيا على ما يجب أنْ يُؤتى عليه.
ومِمَّن حفظنا عنه ذلك: ابن عباس، والشَّعبي، وعطاء، والحسن البصري، ومُجاهد، والنَّخعي، ومالك، والثوري، والليث بن سعد، والحسن بن صالح، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنُّعمان، وأصحابه.
وقال جابر بن عبد الله: في ذبيحة الصَّبي: (( تؤكل ))، وكذلك قال طاوس، والقاسم بن محمد.
ومِن الحُجَّة على إباحة أكل ذبيحة المرأة، مع ما ذكرناه مِن إجماع مَن حفظنا قوله، في حديث ابن عمر: (( إنَّ امرأة كانت تَرعى على آل كعب بن مالك فخافت على شاة أنْ تموت، فأخذت حَجَرًا فذبَحت بَه، وأمرَهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلها ))».اهـ
قلت:
وحديث المرأة هذه: قد أخرجه الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ في “صحيحه” (5502 و 5505).
وفيه: إقرار النَّبي صلى الله عليه وسلم لِذكاة المرأة، بدليل أمرِه بأكل ما ذبحته.
ــــ وإنْ وكَّلَ المُضحِّي في ذبْح أو نَحْر أضحيته كافرًا كِتابيًّا ــ وهو: اليهودي والنّصراني ــ:
جاز التوكيل والنَّحر والذبح عند عامَّة أهل العلم.
ولكن: مع الكراهة عند أكثر العلماء.
ويَدُلُّ على أنَّ الكافر الكتابي مِن أهل الذَّكاة كالمُسلم:
قول االله ــ عزَّ وجلَّ ــ في سورة “المائدة”: { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ }.
وقال العلامة السعدي ــ رحمه الله ــ في “تفسيره” (1/ 221)، عند هذه الآية:
«أي: ذبائح اليهود والنَّصارى حلال لكم يا معشر المسلمين دون باقي الكفار، فإنَّ ذبائحَهم لا تَحِلُّ لِلمسلمين، وذلك لأنَّ: أهل الكتاب يَنتسبون إلى الأنبياء والكتب».اهـ
وهُم: مَن يُباشر الذَّبح لأنفسهم.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء ــ رحمهم الله ــ، مع قائله، ومصدره:
1 ــ قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرح على “صحيح مسلم” (13/ 129 ــ عند حديث رقم:1966):
«وإنْ استناب كتابيًّا: كُرِه كراهية تَنزيه، وأجْزَأه، ووقعَت التَّضحية عن المُوكِّل.
هذا: مذهبنا، ومذهب العلماء كافة، إلا مالكًا فى إحدى الرِّوايتين عنه، فإنَّه لم يُجوِّزها».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو العباس القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُفهِم” (5/ 362 ــ عند حديث رقم:1960):
«واختُلِف في الذِّمِّي: فأجاز ذلك عطاء ابتداءً، وهو أحد قولي مالك، وقال في قولٍ له آخَر: لا يُجزئه، وعليه إعادة الأضحية.
وكَرِه ذلك: جماعة مِن السَّلف، وعامَّة أئمَّة الأمصار، إلَّا أنَّهم قالوا: يُجزئه إذا فَعَل».اهـ
ــــ وبنحوه أيضًا جاء في: كتاب “إكمال المَعْلم بفوائد مسلم” (6/ 413 ــ عند حديث رقم:1967)، للقاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ.
3 ــ وقال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 335 ــ قسم اختلاف العلماء):
«واختلفوا هل يجوز أنْ يذبحها كِتابي؟
فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز مع الكراهة.
وقال مالك: لا يجوز أَنْ يذبحها إلا مسلم.
وعن أحمد: روايتان كالمذهبين، أشهرهما الجواز».اهـ
4 ــ وقال الفقيه جمال الدِّين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 408):
«عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء: يُكره أنْ يَستنيب في ذبْح أضحيته أو هَديه يهوديًا، ويُجزئه.
وعند مالك: لا يجوز، فإنْ استناب مَن ذَكرناه وذبحها لم يُجزئه، وكانت شاة لحم».اهـ
ومِمَّن نُقل عنه الجواز مِن التابعين: إبراهيم النَّخعي، وعطاء بن أبي رباح ــ في رواية صحيحة عنهما ــ، والزُّهري.
5 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 389):
«وجُملته: أنَّه يُستحب أنْ لا يَذبح الأضحية إلا مسلم، لأنَّها قُربة، فلا يَليها غير أهل القُربة.
وإنْ استناب ذِمِّيًّا في ذبحها: جاز مع الكراهة.
وهذا: قول الشافعي، وأبي ثور، وابن المُنذر، وحُكي عن أحمد: لا يجوز أنْ يذبحها إلا مسلم، وهذا قول مالك.
ومِمَّن كَرِه ذلك: عليٌّ، وابن عباس، وجابر ــ رضي الله عنهم ــ، وبِه قال: الحسن، وابن سِيرين».اهـ
ــــ ثُمَّ قال ــ رحمه الله ــ في ترجيح الجواز:
«ولَنا: أنَّ مَن جاز له ذبْح غير الأضحية، جاز له ذبْح الأضحية كالمُسلم، ويجوز أنْ يَتولى الكافر ما كان قُرْبة لِلمسلم، كبناء المساجد والقناطر.
والمُستحب: أنْ يَذبحها المُسلم لِيَخرُج مِن الخلاف، وإنْ ذبَحها بيده كان أفضل».اهـ
6 ــ وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 44 – مسألة رقم:983):
«ونَستحِبُّ لِلمُضحِّي رجلًا كان أو امرأة: أنْ يَذبح أضحيته أو يَنحرها بيده.
فإنْ ذبحها أو نَحَرَها له بأمْره مسلم غيره أو كتابِيٌّ: أجزأه، ولا حرَج في ذلك.
وقولنا هذا، هو: قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان».اهـ
7 ــ وقال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (12 / 59)، بعد ذِكر الجواز عند الحنفية:
«وبِه قال: الشافعي، وأحمد، وأبو ثَور، وابن المُنذر، وقال مالك: لا يجوز أنْ يذبحها إلا مسلم».اهـ
ومِمَّن رُويَت عنه الكراهة مِن التابعين: سعيد بن جُبير، والحسن البصري، وعطاء الخرَساني، ومجاهد بن جَبر، وعطاء بن أبي رباح في رواية، وعامر الشَّعبي، وطاوس بن كيسان.
وجاء بإسناد حسن عن جابر بن عبد الله ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَذْبَحَ النُّسُكَ إِلَّا مُسْلِمٌ )).
[ أخرجه: أحمد ابن منيع كما في “المطالب العالية” (2292)، و “إتحاف الخِيَرة المَهَرة” (4759).]
وجاء نحوه عن: علي بن أبي طالب، وابن عباس ــ رضي الله عنهم ــ.
وضعَّفهما: ابن حَزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 45 – مسألة رقم:983).
ثُمَّ قال بعد ذلك: «إلا أنَّه عن الحسن، وإبراهيم، والشَّعبي، وسعيد بن جُبير: صحيح».اهـ
تنبيهان:
التنبيه الأوَّل: عن حُكم توكيل الكتابي الذي يذبح بالصَّعق الكهربائي وأشباهه بذبح الأضحية، وأنَّ ذكاته لا تَحل، ولا يُؤكل ما ذبح.
قال الفقيه ابن جاسر الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “مُفيد الأنام ونور الظلام” (ص:915):
«ومُراد الأصحاب: جواز توكيل الذِّمي الكتابي في ذبيحة هَدي المسلم أو أضحيته إذا كان الكتابي يَذبح الأضحية أو الهَدي أو يَنحرهما في موضعه الشرعي بشروطه المُعتبَرة.
أمَّا إنْ كان يَذبحها بضربِ المسامير أو الفؤوس في الرأس ونحوه، أو بالكهرباء كما عليه عمل بعض النصارى في هذا الزَّمن:
فإنَّه لا يَصحُّ توكيله، ولا تَحِلُّ ذبيحته بذلك، لأنَّ ذبْحَه لِلبهيمة على هذه الصِّفة لا يُسمَّى ذكاة، ولا تَحِلُّ بذلك، بل حُكمها حُكم المَيتَة، فهي حرام كما لو فَعَل ذلك مسلم، وأولى».اهـ
التنبيه الثاني: عن إباحة ذبح الصَّبي والمرأة مِن أهل الكتاب إذا أطاقا وعقلا وذكَّيا.
1 ــ قال الحافظ ابن المُنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 445):
«أجمَع كل مَن نحفظ قوله مِن أهل العلم على: إباحة ذبيحة الصَّبى والمرأة مِن أهل الكتاب إذا أطاقا الذبح، وعقلاه، وذكَّيا كما يَجب.
فمِمَّن حفظنا ذلك عنه: الشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحابه، وبِه: نقول».اهـ
2 ــ وقال الإما موفَّق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المغني” (13/ 311):
«وجُملة ذلك: أنَّ كل مَن أمكنه الذَّبح من المسلمين وأهل الكتاب إذا ذبح حلَّ أكل ذبيحته رجلًا كان أو امرأة، بالغًا أو صبيًّا، حُرًّا كان أو عبدًا.
لا نعلم في هذا: خلافًا».اهـ
ــــ وإنْ وكَّلَ المُضحِّي في ذبْح أو نَحْر أضحيته كافرًا غير كتابي، كالكافر الوثني، والمجوسي، والبُوذي، والهُندوسي، والسِّيخي، والمُلحِد، والَّلادِيني، والمُرتد، وأشباهم:
فلا يَحِلُّ أكل ما ذَبحه أو نَحرَه، وقد نُقِل اتفاق أهل العلم على ذلك.
ودُونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء ــ رحمهم الله ــ، وإجماعهم، مع قائله، ومصدره:
1 ــ قال الحافظ ابن عبد البَر المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 217):
«وأجمعوا: أنَّ المَجوسي والوثنِي لو سَمَّى الله لم تُؤكل ذبيحته».اهـ
2 ــ وقال الإمام موفَّق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 296):
«أجمع أهل العلم على: تحريم صيد المجوسي وذبيحته.
إلا ما لا ذكَاة له، كالسَّمك والجراد، فإنَّهم أجمعوا على: إباحته».اهـ
ــــ وقال أيضًا (13/ 298):
«وحُكم سائر الكفار مِن عَبدة الأوثان، والزنادقة، وغيرهم، حُكم المجوس في تحريم ذبائحهم وصيدهم إلا الحيتان والجراد وسائر ما تُباح ميتته، فإنَّ ما صادوه مُباح، لأنَّه: لا يزيد بذلك عن موته بغير سبب».اهـ
3 ــ وقال الإمام ابن تيمية ــ رحمه الله ــ كما في “مجموع الفتاوى” (21/ 103)، عن تحريم ذبائح المجوس:
«وقد قيل: إنَّ ذلك مُجمَع عليه بين الصحابة».اهـ
4 ــ وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “أحكام أهل الذِّمة” (1/ 96)، عن ذبائح المجوس:
«وأمَّا تحريم ذبائحهم،ومناكحتهم: فاتفاق مِن الصحابة.
ولِهذا أنكر الإمام أحمد، وغيره، على: أبي ثور طردَه القياس، وإفتاءه بحِل ذبائحهم، وجواز مناكحتهم، ودعا عليه أحمد، حيث أقدم على مُخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة كانوا أفقهَ وأعلم وأسدَّ قياسًا ورأيًا».اهـ
5 ــ وقال الفقيه محمد بن الحسن التميمي الجوهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “نوادر الفقهاء (ص: 76 ــ رقم:61):
«وأجمعوا: أنَّ ذبيحة المُرتدين حرام على المسلم، إلا الأوزاعي فإنَّه أحلها».اهـ
المسألة الثامنة عشرة / عن التسمية، والتكبير، والدعاء بالقبول، عند ذبح الأضحية.
يُشرع لِمَن يذبح الأضحية أنْ يقول: «بسم الله، والله أكبر، اللهمَّ: مِنْك ولَك».
ويدعو مع ذلك بالقبول، كأنْ يقول: «اللهمَّ: تقبَّل مِنِّي ومِن أهل بيتي».
وله أنْ يَذكر اسمه مع الدعاء أو اسم مَن وكَّلَه بالذَّبح، فيقول: «اللهمَّ: تقبَّل مِن فلان وأهل بيته».
وتدُل على هذا أمور:
الأوَّل: حديث أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا ذبح أضحيته: (( سَمَّى، وَكَبَّرَ )).
[ رواه: البخاري (5565)، ومسلم (1966). ]
وفي لفظ آخَر عند مسلم: (( وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» )).
الثاني: قول أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ في شأن ذبح النَّبي صلى الله عليه وسلم أضحيته بنفسه: (( وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).
[ رواه: مسلم (1967). ]
الثالث: ما صحَّ عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ الذابح يقول: (( بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ )).
[ أخرجه: وكيع في “نُسخته عن الأعمش” (3)، واللفظ له، وابن جَرير الطَّبري في “تفسيره” (18/ 632-633 و 16/ 255-258)، والحاكم (1791)، والطبراني في كتابه “الدعاء” (951)، والبيهقي (10217).]
وصحّحه: الحاكم، والذهبي.
وذَكره الحافظ ضياء الدِّين المقدسي ــ رحمه الله ــ في كتابه: “الأحاديث المُختارة أو المُستخرَج مِن الأحاديث المُختارة مِمَّا لم يُخرِّجه البخاري ومسلم في صحيحيهما” (10/ 17 – رقم:7).
1 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على”صحيح مسلم” (13/ 129- عند حديث رقم:1966):
«قوله: (( وَسَمَّى ))، فيه: إثبات التسمية على الضَّحية، وسائر الذبائح، وهذا: مُجْمعٌ عليه».اهـ
2 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين ابن العطار الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “العُدة في شرح العُمدة” (3/ 1638):
«ومِنها: شرعية التسمية عليها، وكذا على سائر الذبائح، مُجمَع عليه، ولكن الخِلاف وقع في أنَّها شرط أمْ مستحبَّة».اهـ
3 ــ وقال الفقيه تاج الدِّين الفاكِهاني المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “رياض الأفهام في شرح عُمدة الأحكام” (5/ 460)، عقب حديث أنس ــ رضي الله عنه ــ:
«وفيه: استحباب التكبير مع التسمية، كما هو: مذهب الفقهاء».اهـ
4 ــ وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإحكام شرح أصول الأحكام” (2/ 531):
«وأمَّا التكبير، فمُستحب إجماعًا».اهـ
ــــ وبنحوه أيضًا قال: في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/ 227).
5 ــ وقال الإمام موفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 390)، عن التكبير عند الذبح:
«ولا نعلم في استحباب هذا: خِلافًا».اهـ
6 ــ وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم” (6/ 413 ــ عند حديث رقم:1967):
«أجاز أكثر العلماء مِن أصحابنا، وغيرهم: أنْ يقول في الضَّحية: “اللهمَّ: تقبَّل مِنِّى”، اقتداء بقول النَّبى صلى الله عليه وسلم.
واستَحبَّ ذلك: بعض أصحابنا.
وكَره أبو حنيفة: أنْ يقول شيئًا مِن ذلك عند الذَّبح والتسمية، قال: “ولا بأس بَه قبل ذلك”».اهـ
7 ــ وقال الفقيه أبو العباس القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُفهِم” (5/ 363 ــ عند حديث رقم:1960):
«قوله صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد وَمِنْ أُمَّة مُحَمَّد )).
هذا دليلٌ لِلجمهور على: جواز قول المضحِّي: “اللهم: تقبَّل مِنِّي”، على أبي حنيفة، حيث كَره أنْ يقول شيئًا مِن ذلك».اهـ
ــــ وأمّا قول: “اللهمَّ هذا مِنْكَ ولَك”: فحسَنٌ أيضًا.
لِمَا صحَّ عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ الذابح يقول: (( بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ: مِنْكَ وَلَكَ )).
وقد تقدَّم ذِكر مَن خرَّجه، وصحَّحه.
1 ــ وقال الإمام موفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 390):
«وإنْ زاد فقال: “اللهمَّ: هذا مِنك ولك”، “اللهم: تقبَّل منِّي” أو “مِن فلان”، فحسَنٌ.
وبِه قال: أكثر أهل العلم».اهـ
2 ــ وقال الفقيه شمس الدِّين عبد الرحمن ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح الكبير على المُقنِع” (9/ 458):
«إذا قال: “اللهمَّ: تقبل مِنِّى ومِن فلان، بعد قوله: اللهمَّ :هذا مِنك ولك”، فحسن، وهو: قول الأكثرين».اهـ
3 ــ وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/ 227)، عن معنى قول: “اللهمَّ هذا مِنك وإليك”:
«أي: مِن فضلِك ونعمتِك عليّ، لا مِن حولِي، ولا مِن قوَّتِي، ولك التقرُّب بِه، لا إلى مَن سواك، ولا رياء، ولا سُمعة».اهـ
قلت:
ويَرُدُّ على مِن كره الدعاء بالقبول عند ذبح الأضحية، أو كرِه تسمية المضحِّي مع هذا الدعاء، أو قال عنه بدعة:
قول أمُّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ الصَّحيح الذي أخرجه مسلم (1967)، في شأن ذبح النَّبي صلى الله عليه وسلم أضحيته: (( وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).
وهو: نصٌّ في هذه المسألة، لا يُعرَّج على خلافه.
كما قال صاحب كتاب “المُغني” (13/ 390): الفقيه مُوفَّق الدِّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ.
أربع فوائد جليلة:
الفائدة الأولى: مَن نَسِي التسمية عند الذبح، فإنَّ ذبيحته حلال، ويجوز له ولِغيره الأكل مِنها.
وإلى هذا: ذهب أكثر أهل العلم.
1 ــ وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/450):
«وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبَح: سَمَّى، فدلَّت الآية: أنَّ الذبيحة لا تَحِلُّ إذا لم يُذكر اسم الله عليها، وإنْ كان الذابِح مسلمًا، وهو رواية عن مالك.
وقيل: مُستحبَّة، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة».اهـ
ــــ وقال أيضًا:
«وجماعة السَّلف والخلَف على: سقوط التسمية سهوًا لا عمدًا».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “مسائل عبد الله بن الإمام أحمد، عن أبيه” (975) ــ رحمهما الله ــ أنّه قال:
“سألت أبي: عمَّن ذبح ولم يُسَمِّ ناسيًا أو عامدًا؟ قال: أمَّا ناسيًا، فلا بأس إنْ شاء الله، وأمَّا عامدًا، فلا يُعجبني”».اهـ
3 ــ وقال الفقيه المَحلِّي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “معين الأُمَّة” (ص:318):
«فإنْ ترَك التسمية عمدًا: لم تُؤكل ذبيحته، وإنْ تركها نسيانًا: أُكِلت.
وفي رواية عن مالك: تَصح مطلقًا، سواء ترَكها عمدًا أو سهوًا.
وعند أصحابه: إنْ ترَكها عمدًا لم تُؤكل ذبيحته، ومِنهم مَن يقول: إنَها مَيتَة.
وقال الشافعي: ترْكها عمدًا أو سهوًا لا يُؤثر.
وقال أحمد: إنْ تعمَّد التَّرك لم تُؤكل، وإنْ ترَكها ناسيًا: فعنه روايتان».اهـ
4 ــ وقال الفقيه جمال الدِّين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 409):
«عند الشافعي، وابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، ومالك: يُستحب التسمية في الذبيحة ولا يَجب ذلك، فإنْ ترَكها لم يُؤثِّر، وحَلَّ أكلها، سواء تركها عمدًا أو سهوًا.
وعند الشعبي، وأبي ثور، وداود: هي شرط في الإباحة.
وعند الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه: هى شرط في الإباحة مع الذِّكر دون النِّسيان.
وعند أحمد: لا تُشترط مع النِّسيان، ومع الذِّكر روايتان.
وعند أصحاب مالك: إذا ترَكها عمدًا غير مُتأوِّل حَرُم أكلها.
واختلفوا، فمِنهم مَن قال: هي سُنَّة، ومِنهم مَن قال: هي شرط مع الذِّكر».اهـ
وأخرج البخاري (5507)، عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ: (( أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لاَ نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لاَ؟، فَقَالَ: «سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ»، قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالكُفْرِ )).
الفائدة الثانية: عن صِفة التسمية.
الأفضل في التسمية: أنْ يَقتصِر الذابِح على قول: «بسم الله»، لأنَّه اللفظ الوارد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ــ رضي الله ــ عنهم ــ.
حيث قالت أمُّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ في شأن ذبح النَّبي صلى الله عليه وسلم أضحيته: (( وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ» )).
[ رواه: مسلم (1967). ]
وفي لفظٍ لِحديث أنس بن مالك ــ رضي الله عنه ــ: (( وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» )).
[ رواه: مسلم (1966). ]
وصحَّ عن ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ أنَّ الذابح يقول: (( بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ )).
[ أخرجه: وكيع في “نُسخته عن الأعمش” (3)، واللفظ له، وابن جَرير الطَّبري في “تفسيره” (18/ 632-633 و 16/ 255-258)، والحاكم (1791)، والطبراني في كتابه “الدعاء” (951)، والبيهقي (10217).]
وأخرج البيهقي (19168)، وغيره، مِن طريق قابوس بن أبي ظبيان، أنَّ أباه حدَّثه، قال: قال ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ: (( لا يَذبَحُ أُضحيَّتَكَ إلَّا مسلمٌ، وإِذا ذَبَحْتَ فقُلْ: «بسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ مِنكَ ولَكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِن فُلانٍ» )).
وفي إسناده: قابوس، وأكثر الأئمة على تضعيفه.
وقد وثَّقه: ابن مَعين في رواية، ويعقوب بن سفيان، والعِجلي.
وقال الحافظ ابن عَدي ــ رحمه الله ــ:«أرجو أنَّه لا بأس بِه».اهـ
وقال الإمام الدارقطني ــ رحمه الله ــ:«ضعيف، ولكن لا يُترك».اهـ
ومِثله: يتقوى بما قبله.
1 ــ وقال العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/ 227):
«والمشروع عند الذبح الاقتصار على: “بسم الله”».اهـ
2 ــ وقال القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “إكمال المَعْلم” (6/ 413 ــ عند حديث رقم:1967):
«ولا خِلاف: أنَّ “بسم الله” تُجزئ فيها».اهـ
فإنْ قال الذابح: «بسم الله الرحمن الرحيم»، كان تاركًا لِلأكمل.
الفائدة الثالثة: عن الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم مع التسمية والتكبير عند ذبح الأضحية، وأنَّها مكروهة، ولا تُشرع.
ذهب عامَّة الفقهاء ــ رحمهم الله ــ إلى: عدم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذَّبح.
وقالوا: لا يُذكر وقت الذَّبح إلا الله وحدَه.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام العلماء ــ رحمهم الله ــ، مع ذِكر قائله، ومصدره:
1 ــ قال الفقيه أبو العباس القرطبي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُفهِم” (5/ 363 ــ عند حديث رقم:1960):
«وكَره كافة العلماء مِن أصحابنا، وغيرهم: الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند التسمية في الذبح، أو ذِكْره، وقالوا: لا يُذكر هُنا إلا الله وحدَه.
وأجاز الشافعي: الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح».اهـ
2 ــ وبنحوه أيضًا قال: القاضي عياض المالكي ــ رحمه الله ــ كتابه “إكمال الَمعْلم بفوائد مسلم” (6/ 413 ــ عند حديث رقم:1967).
3 ــ وقال الفقيه تاج الدِّين الفاكِهاني المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “رياض الأفهام في شرح عُمدة الأحكام” (5/ 460):
«وقد استحبَّ الشافعي: الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم مع التسمية.
وخالفه: الجمهور في ذلك».اهـ
4 ــ وقال الفقيه المَحلِّي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “معين الأُمَّة” (ص:318):
«ويُستحب عند الشافعي: أنْ يُصلِّي على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح.
وقال أبو حنيفة ومالك: يُكره الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح.
وقال أحمد: ليس بمشروع».اهـ
5 ــ وبنحوه أيضًا قال: الفقيه جمال الدِّين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 409).
6 ــ وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمهما الله ــ في “مسائله عن أبيه” (969):
«قلت لأبي: هل يُصلَّى على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند الذبيحة؟، قال: ما سمعت فيه بشيء».اهـ
الفائدة الرابعة: هل يُسَمِّي المُوَكَّل بذبح الأضحية مَن وكَّله، فيقول عند الذبح: “اللهم: تقبَّل مِن فلان”؟
إنْ سَمَّى الوكيل في الذَّبح مَن وكَّله: فحسَن عند أكثر العلماء.
مِنهم: مالك، والشافعي، وأحمد.
وهو: الأفضل.
وإنْ اقتصر على النِّيَّة وحدَها: جاز بإجماع العلماء.
لأنَّ: النبي صلى الله عليه وسلم قد سمَّى نفسه حين ذبح أَضحيتَه، وسمَّى أُمَّته حين ضحَّى عمَّن لم يُضَح مِنهم.
حيث أخرج مسلم (1967)، عن أمُّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت في شأن ذبح النَّبي صلى الله عليه وسلم أضحيته: (( وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).
1 ــ وقال الإمام موفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 390-391):
«لا أعلم خلافًا في: أنَّ النِّيَّة تُجزئ، وإنْ ذَكر مَن يُضحِّي عنه، فحسنٌ.
لِمَا رَوينا مِن الحديث، وقال الحسن: (( يقول: بسم الله، والله أكبر، هذا مِنك ولك، تقبَّل مِن فلان )).
وكَرِه أهل الرأي: هذا».اهـ
قلت:
وأثر التابعي الحسن البصري: قد أخرجه مُسدَّد في “مُسنده” (كما في كتابَيّ “اتحاف الخِيَرة المَهَرة” رقم: 4668، و”المطالب العالية” رقم: 2315)، فقال:
ثنا هُشيم، عن يونس بن عُبيد، عن الحسن: (( أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الذَّبْحِ: “بِسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ، تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ” )).
وقال المُحدِّث البوصيري ــ رحمه الله ـ عقبه:«هذا حديث إسناد رواته ثقات».اهـ
2 ــ وقال الفقيه شمس الدِّين عبد الرحمن ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح الكبير على المُقنِع” (9/ 458):
«وليس عليه: أنْ يقول عمَّن، فإنَّ النية: تُجزئ بغير خلاف».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “المُدونة الكبرى” (1/ 481)، مِن كتب المالكية:
«قلت: فإنْ ذبح يقول: “بسم الله، والله أكبر، اللهمَّ: تقبَّل مِن فلان بن فلان؟،
قال: قال مالك: “إذا قال ذلك فحسَن، وإنْ لم يَقل ذلك وسَمَّى الله أجزأه ذلك».اهـ
4 ــ وقال الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأُمّ” (2/ 263):
«وإنْ ضَحَّى بِها عن أحد، فقال: “تقبَّل مِن فلان”، فلا بأس، هذا دعاء له، لا يُكرَه في حال».اهـ
5 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف” (9/ 357):
«ونصَّ أحمد: أنَّه لا بأس أنْ يقول: “اللهمَّ: تقبَّل مِن فلان”».اهـ
6 ــ وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “مُختصر اختلاف العلماء” (2/ 177 ــ مسألة رقم:643):
«كِره أصحابنا: أنِ يَذكر مع اسْم الله تعالى غيرَه، بأنْ يقول: “اللّهمَّ: تقبَّل مِن فلان”، ولا بأس بأنْ يقوله بعد الذبح.
وقال الليث: لا يَذكر مع اسْم الله تعالى عند الذبح، ولا عندالعطاس، ولا عند الذبيحة، وأنكَر قول مَن يقول: “اللهمَّ: مِنك وإليك”.
وقال مالك والشافعي: لا يُكره أنْ يقول بعد اسْم الله تعالى: “اللهمَّ: تقبَّل مِن فلان”».اهـ
قلت:
ويُزاد في توضيح مذهب أبي حنيفة ــ رحمه الله ــ لأهميَّته:
ما قاله الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية” (11/ 545-546):
«( م ):[ قال: ويُكره أنْ يَذكر مع اسم الله تعالى شيئًا غيره، وأنْ يقول عند الذبح: “اللهمَّ: تقبَّل مِن فلان” ].
( ش ): لم يَثبت في النُّسخة الصَّحيحة لفظة.
قال هُنا: وصورة المسألة في “الجامع الصغير”، عن محمد، عن يعقوب، عن أبي حنيفة ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: “يُكره أنْ يَذكر مع اسم الله شيئًا غيره، ويُكره أنْ يقول: “اللهم تقبَّل مِن فلان” هذا الذبح”.
وقال: لا بأس بِه إذا كان قبْل التسمية، وقبْل أنْ يَضْجع لِلذبح.انتهى.
وفي “كفاية” تاج الشريعة ــ رحمه اللَّه ــ: يَنبغي أنَّ ما يكون مِن الدعاء يُذكر قبْل الذبح، كما رُوي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أنْ يذبح أضحيته، قال: (( اللهم هذا مِنك، …، بسم الله والله أكبر، ثم ذبح ))، وهكذا عن عليٍّ ــ رضي الله عنه ــ».اهـ
المسألة التاسعة عشرة / عن حُكم استقبال القبلة عند ذبح الأضحية.
يُستَحبُّ عند ذبح الأضحية: أنْ تكون إلى جهة القِبلة، ويُكرَه أنْ تُذبح إلى غيرها مِن الجهات.
ونَقل العلامة ابن قاسم الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “حاشية الرَّوض المُربِع” (4/ 226): الإجماع على الاستحباب.
فقال عند قول صاحب المَتن[ موجَّهةً إلى القِبلة ]: «استحبابًا إجماعًا».اهـ
وثبت عن عبد الله بن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أنَّه: (( كَانَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ )).
[ رواه: مالك في “الموطأ” ( 145). ]
وثبت عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ أيضًا أنَّه: (( كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ ذَبِيحَةً لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ )).
[ رواه: عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8585)، ومِن طريقه ابن حزم في كتابه “المُحلَّى” (6/ 143) واللفظ له. ]
وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 143):
«ولا يُعرَف لابن عمر: مُخالِف مِن الصحابة».اهـ
وثبت عن التابعي محمد بن سِيرين ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: (( كَانَ يُسْتَحَبُّ: أَنْ تُوَجَّهَ الذَّبِيحَةُ إِلَى الْقِبْلَةِ )).
[ رواه: عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8587). ]
وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلَّى” (6/ 143):
«وصحَّت إباحة ذلك عن: النَّخعي، والشَّعبي، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، إباحة أكلها».اهـ
ويَقصِد بذلك: إباحة أكْل ما ذُبِح إلى غير القِبلة.
المسألة العشرون / عن حُكم أخذ مُريد الأضحية من شعره وأظفاره وجلده إذا دخلَّت عشر ذي الحِجَّة الأُوَل.
وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:
الفرع الأوَّل: عن حُكم أخذ المُضَحِّي مِن شعره وأظفاره وجِلده إذا دخلَت العشر.
إذا دخلت العشر الأُوَل مِن شهر ذي الحِجَّة: فإنَّ مُريد الأضحية منهِّي عن الأخذ مِن شعره وأظفاره وجِلده حتى يَذبح أو تُذبح عنه أُضْحِيته.
ودليل ذلك: ما أخرجه مسلم (1977)، عن أُمِّ سلَمة ــ رضي الله عنها ــ أنَّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).
وفي لفظ آخَر عند مسلم: (( مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا، حَتَّى يُضَحِّيَ )).
وقد صحَّحه: أحمد بن حنبل، ومُسلم، وأبو زُرعة الرَّازي، والترمذي، وابن حِبَّان، وابن المُنذر، وأبو جعفر الطحاوي، والحاكم، والبيهقي، وأبو عوانة، والطيوري، والبغوي، وابن رُشد الحفيد، وابن عساكر، وجمال الدِّين الظاهري الحنفي، وعبد الحق الأشبيلي، وابن قيِّم الجوزية، والذهبي، وابن المُلقِّن، وبدر الدِّين العَيني الحنفي، وابن حَجَر العسقلاني، والسيوطي، وعُبيد الله المُباركفورَي، وأبو العُلا المُبارَكفوري، والألباني، وابن باز، وابن عثيمين، ومُقبل الوادعي، ومحمد علي آدم الإتيوبي، وغيرهم.
وقال الحافظ أبو موسى المَدِيني ــ رحمه الله ــ في كتابه “اللطائف مِن دقائق المعارف” (195): «هذا حديث مشهور من حديث شعبة، …، وأورَده مسلم في “الصَّحيح” مِن حديث شعبة».اهـ
1 ــ وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح المُمتِع على زاد المُستقنِع” (7/ 488):
«وقوله: (( أو بَشْرَتِهِ ))، أي: جِلده».اهـ
2 ــ وقال الفقيه ابن الجوزي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “كشف المُشكل مِن حديث الصحيحين” (4/ 425):
«وجمهور العلماء على: أنَّه يُكرَه لِمَن أراد أنْ يُضحِّي أنْ يأخذ مْن شعره وأظفاره.
وقال أبو حنيفة: لا يُكره ذلك».اهـ
3 ــ وقال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 550-551 ــ قسم اختلاف العلماء):
«واتفقوا على: أَنَّه يُكره لِمَن أراد الأضحية أنْ يأخذ مِن شَعْرَة وظُفره في العَشْر إلى أنْ يُضحِّي.
وقال أبو حنيفة: لا يُكره».اهـ
ويَعني بقوله “واتفقوا”: الأئمة الثلاثة، مالك والشافعي وأحمد.
والكراهة تحريمية عند: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري، وغيرهم.
للنَّهيِّ الوارد في حديث أمِّ سلَمة ــ رضي الله عنها ــ، والأصل في النَّهي أنَّه لِلتحريم.
وكراهة تنزِيهية عند: عند مالك، والشافعي، وأبي جعفر الطحاوي مِن الحنفية، وبعض الحنابلة.
وقال الفقيه جمال الدِّين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 407):
«عند الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأكثر العلماء: يُكره لِمَن أراد أنْ يُضحِّي إذا دخل عليه عشر ذي الحِجَّة أنْ يأخذ شعره وظُفره.
وعند أبي حنيفة: لا يُكره له ذلك.
وعند أحمد في رواية، وإسحاق: يَحرُم عليه ذلك».اهـ
قلت:
وكَفُّ المُضحِّي عن الأخْذ مِن شعره وبشره وأظفاره، هو أيضًا: قول أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم، وقول يحيى بن يَعْمَر، وسعيد بن المُسيِّب، ومحمد بن سِيرين، مِن التابعين.
1 ــ حيث قال الإمام مُسدَّد في “مسنده” (كما في كتاب “المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية” (رقم:2287)، وكتاب “إتحاف الخيرة المَهرة بزوائد المسانيد العشرة” (4738)، وكتاب”المُحلَّى” (6/ 28 – رقم:976):
حدثنا المُعتمِر بن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أبي يقول: (( كَانَ ابْنُ سِيرِينَ: يَكْرَهُ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ، حَتَّى يَكْرَهَ أَنْ يَحْلِقَ الصِّبْيَانُ فِي الْعَشْرِ )).
وإسناده: صحيح.
2 ــ وأخرج مُسَّدد أيضًا في “مُسنده” واللفظ له، كما في كتاب “المطالب العالية” (2286)، وكتاب “اتحاف الخِيَرة المَهرة” (4737)، وعند الطحاوي في كتابه “شرح مُشكل الآثار” (14/ 142)، والحاكم في “المُستدرك” (7521)، والضَّبِي في “أخبار القضاة” (3/ 305)، وابن حزم في كتابه “المُحلَّى” (6/ 28)، عن كثير بن أبي كثير، قال:
(( إِنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ كَانَ يُفْتِي بِخُرَاسَانَ: “أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا اشْتَرَى الْأُضْحِيَّةَ وَأَسْمَاهَا وَدَخَلَ الْعَشْرُ، أَنْ يَكُفَّ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ”.
قَالَ قَتَادَةُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقُلْتُ: عَمَّنْ؟ قَالَ: عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )).
وقال العلامة الألباني ــ رحمه الله ــ في كتابه “إرواء الغليل” (4/ 378 ــ عند حديث رقم: 1163): «وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين, غير أبى الحسين أحمد بن عثمان الآدمى، حدثنا محمد بن ماهان، وهُما ثقتان».اهـ
وقال المُحدِّث البوصيري ــ رحمه الله ــ:«رواته ثقات».اهـ
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 363)، و في شرحه على “صحيح مسلم” (13/ 147- 148- عند حديث رقم:1977):
«والمُراد بالنَّهي عن الحَلْق والقَلْم: المنْع مِن إزالة الظُّفر بقَلْم أو كسْر أو غيره، والمنْع مِن إزالة الشعر بحَلْقٍ أو تقصير أو نتْف أو إحراق أو أخذِه بِنَوْرَةٍ أو غير ذلك، وسواء شعر العانة والإبط، والشارب والرأس وغير ذلك مِن شعور بَدَنه».اهـ
الفرع الثاني: عن المُضَحِّي يتعمَّد أو يَنسَى فيَأخذ مِن شعره أوأظفاره أوجِلده بعد دخول العشر.
1 ــ قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 362-363):
«فإنْ فعَل: استغفر الله تعالى، ولا فِدية عليه: إجماعًا، وسواء: فَعَله عمدًا أو نسيانًا».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو العباس ابن رسلان الرَّملي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “سُنن أبي داود” (12/ 145 ــ حديث قم:2791):
«فإذا ثبت هذا: فيَترك قطع الشعر وتقليم الأظفار، فإنْ فعَل: استغفر الله، ولا فدية فيه: إجماعًا، سواء: فَعله عمدًا أو نسيانًا».اهـ
ونَقل الإجماع على ذلك أيضًا مِن فقهاء الحنابلة:
شمس الدِّين عبد الرحمن ابن قُدامة في كتابه”الشرح الكبير على المُقنِع” (9/ 432)، وعلاء الدِّين المَرداوي في كتابه”الإنصاف” (9/ 432)، والفتوحِى في كتابه “معونة أُولِي النَّهى شرح المُنتهى” (4/ 308)، ومنصور البُهوتى في كتابه “كشَّاف القِناع عن متْن الإقناع، (3/ 23)، وابن ضويان في كتابه “منار السبيل في شرح الدليل” (1/ 277)، وابن جاسر في كتابه “مُفيد الأنام ونور الظلام” (ص:970).
الفرع الثالث: عن حُكم أخْذ مَن يَعولهم المُضّحِّي كالزوجة والأبناء والبنات والوالدين والإخوة والأخوات مِن شعرهم وأظفارهم وجلدهم.
وجدتُ لأهل العلم ــ رحمهم الله تعالى ــ في هذه المسألة قولان:
القول الأوَّل: أنَّ حُكمَهم كحُكم المُضَحِّي عنهم، فيُمسِكون عن الأخذ كما يُمسِك.
وهو: قول أكثر العلماء.
مِنهم: سعيد بن المُسيب مِن التابعين، والمالكية، والحنابلة، وبعض مُتأخِّري الشافعية.
وهو: الأظهر.
وقال الفقيه عبد الله بن عقيل الحنبلي ــ رحمه الله ــ في “فتاويه” (250):
«قال الفقهاء ــ رحمهم اللَّه ــ: وإذا دخلت عشر ذي الحِجَّة حرُم على مَن يُريد أنْ يُضَحِّي أو يُضَحَّى عنه أنْ يأخذ مِن شعره أو بشرته أو ظفره شيئًا حتى يُضَحِّي».اهـ
واختاره: العلامة مُقبل بن هادي الوادعي ــ رحمه الله ــ.
حيث كان ــ رحمه الله ــ يَعمل بِه، ويأمر بِه مِن يُضحِّي عنهم مِن أهل بيتِه.
واختاره أيضًا: الفقيه محمد بن سليمان الجرَّاح ــ رحمه الله ــ.
وقد قُوِّي هذا القول بأمور ثلاثة:
الأمْر الأوّل: أنَّ هذا الإمساك مُفتَىً بِه في عهد السَّلف الصالح ــ رحمهم الله ــ.
حيث قال الإمام مُسدَّد ــ رحمه الله ــ في “مُسنده” كما في “المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية” (رقم:2287) و “المُحلَّى” (6/ 28 – رقم:976):
حدثنا المُعتمِر بن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أبي يقول: (( كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ، حَتَّى يَكْرَهَ أَنْ يَحْلِقَ الصِّبْيَانُ فِي الْعَشْرِ )).
وإسناده: صحيح.
وقال بعضهم: لا يُعرَف لِغيره مِن التابعين قولٌ في هذه المسألة، ومُخالِف.
وقد قال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “إعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين” (4/ 90)، عن الفتوى بآثار التابعين:
«فصل: في جواز الفتوى بالآثار السَّلفية والفتاوى الصحابية، وأنَّها أَوْلَى بالأخذ بِها مِن آراء المُتأخرين وفتاويهم، وأنَّ قُربَها إلى الصواب بحسب قُرْب أهلها مِن عصر الرسول ــ صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ــ.
وأنَّ فتاوى الصحابة أَوْلَى أنْ يُؤخذ بِها مِن فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أَوْلَى مِن فتاوى تابعي التابعين، وهلُمَّ جَرا، وكلما كان العهد بالرسول أقرَب كان الصواب أغلَب.
وهذا: حُكمٌ بحسب الجِنس لا بحسب كل فرْدٍ فرْد مِن المسائل، كما أنَّ عصر التابعين وإنْ كان أفضل مِن عصر تابعيهم، فإنَّما هو بحسب الجِنس لا بحسب كل شخصٍ شخص، ولكنَّ المُفضَّلون في العصر المُتقدِّم أكثر مِن المُفضَّلين في العصر المُتأخِّر، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر مِن الصواب في أقوال مَن بعدهم، فإنَّ التفاوت بين علوم المُتقدِّمين والمُتأخِّرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضْل والدِّين».اهـ
الأمْر الثاني: أنَّ الشَّرع الحَنيف جعَل لَهم نوعَ مشاركة في الأضحية مع المُضحِّي، وهي المشاركة في الأجْر والثواب.
فيَشتركون معه في حُكم ترْك الأخْذ، لأنَّ: الجميع يُطلَق عليه اسم مُضحِّ شرعًا وعُرفًا.
إذ يقول الصِغار، وتقول النِّساء: «سَنُضَحِّي» وَ «ضَحَّينا»، ويقول النَّاس تصديقًا لهم: «قد ضَحَّيتُم»، مع أنَّ الأضحية مِن مال الأب أو الزوج أو الأخ.
الأمْر الثالث: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأهل بيته بأنْ يَتقبَّل الله أُضحيتَهم حين ذبح كبش أضحيته عنه وعنهم، كما دعا لِنفسه.
وهذا يَدل على أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم اعتبرهم مُضحِّين مِثلَه، وأنَّهم يُعتبرون في الشريعة مُضحِّين، فيكون حُكمهم كحُكم كل مُضحٍّ في الإمساك عن الأخذ مِن الشعر والأظفار والجلد.
وقد أخرج مسلم (1967)، عن أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت في شأن ذبح النَّبي صلى الله عليه وسلم أضحيته: (( وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
الأوَّل: المذهب المالكي.
1 ــ جاء في كتاب “حاشية الخرشي على مُختصر خليل” (3/ 393):
«( ش ) يعني: أنّه إذا دخل عشر ذي الحِجَّة فإنَّه يُندَب لِمَن أراد الأضحية أنْ لا يُقلِّم أظفاره ولا يَحلِق شيئًا مِن شعره ولا يَقُص مِن سائر جسده شيئًا، تشبيهًا بالمُحرِم، ويَستمر على ذلك حتى يُضحِّي، …
ويَدخل فيه: الـمُدْخَلُ في الضَّحية، حيث يُندَب له: ما يُندب لِمالِكها».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “منح الجليل شرح مُختصر خليل” (2/ 427):
«[ و ] نُدِب [ ترْك حلْقٍ ] لِشعر مِن جميع البَدَن وقصِّه أو إزالته بِنَوْرَةٍ، كذلك [ و ] ترْك [ قَلْمٍ ] لِظُفر [ لِمُضَحٍّ ] أي: مُريد تضحية، حيث يُثاب عليها حقيقة أو حكمًا.
فيَشمَل: الـمُدْخَلَ في الضَّحية بالشروط، فيُندَب له: ما يُندَب لِمالِكها مِن تركهما».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “الشرح الكبير” (2/ 121)، لِلفقيه الدرديري المالكي ــ رحمه الله ــ:
«[ و ] نُدِب [ ترْك حلْقٍ ] لشعر مِن سائر بَدَنه [ و ] ترْك [ قَلْمٍ لَمُضَحٍّ ] أي: لِمُريدها، ولو حُكمًا، بأنْ كان: مُشْرَكًا، بالفتح».اهـ
الثاني: المذهب الحنبلي.
1 ــ جاء في كتاب “الفروع” (3/ 555)، لِلفقيه أبي عبد الله ابن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ:
«ويَحرُم على مَن يُضَحِّي أو يُضَحَّى عنه في ظاهر كلام الأثْرم، وغيره: أخذُ شيء مِن شعره وظُفره وبشرته في العشر.
وقال القاضي وغيره: يُكره، وأطلق أحمدُ: النَّهي».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “المُبدِع في شرح المُقنِع” (3/ 299)، لِلفقيه أبي إسحاق بُرهان الدِّين ابن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ:
«ومَن أراد أنْ يُضَحِّي أو يُضحَّى عنه ودخل العشر: فلا يأخذ مِن شعره وبشرته وظفره شيئًا».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “دليل الطالب لِنيل المآرب” (ص:99)، لِلفقيه مَرْعي بن يوسف الكَرمي الحنبلي ــ رحمه الله ــ:
«إذا دخل العشر حَرُمَ على مَن يضحِّي أو يُضحَّى عنه: أخْذ شيء مِن شعره أو ظُفره إلى الذبح».اهـ
4 و 5 و 6ــ وبنحوه جاء أيضًا:
في كتاب “الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل” (1/ 408)، للحجاوي، وكتاب “الرَّوض المُربع شرح زاد المُستقنِع في اختصار المُقنِع” (ص:235)، لِمنصور البهوتي، وكتاب “منار السبيل” (1/263) لابن ضويان ــ رحمهما الله ــ مِن الحنابلة.
7 ــ وقال الفقيه محمد بن سليمان الجرَّاح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “نيل المطالب بشرح دليل الطالب” (ص:311)، مُعلِّقًا على قول مَرعي الكَرمي ــ رحمه الله ــ السابق:
«وإذا ضحَّيت عن أهل بيتك: لازم يُحرِمون كلهم، صغيرًا وكبيرًا».اهـ
8 ــ وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين ــ رحمه الله ــ في رسالة له بعنوان: “أحكام الأضحية والذكاة” (ص:87- مع مجموعة رسائل له):
«وذَكَر المُتأخرون مِن أصحابنا: أنَّه يَشمل المُضحَّى عنه، فلا يأخذ مِن شعره ولا ظُفره ولا بشرته».اهـ
قلت:
وهو أيضًا: قول المُتقدِّمين مِن الحنابلة.
حيث جاء في كتاب “الفروع” (3/ 555)، لِلفقيه أبي عبد الله ابن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ:
«ويَحرُم على مَن يُضَحِّي أو يُضَحَّى عنه في ظاهر كلام الأثْرم، وغيره: أخذُ شيء مِن شعره وظُفره وبشرته في العشر».اهـ
القول الثاني: أنَّه لا يُكرَه لَهم الأخْذ.
ونُقل هذا القول: عن بعض المُتأخِّرين مِن الشافعية.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام فقهاء الشافعية ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
1 ــ جاء في كتاب “حاشية الجَمَل على المنهج” (5/ 251)، مِن كتب الشافعية:
«وإنْ كان مِن أهل بيتٍ يُضحِّي أحدُهم عن البقيَّة، وهو كذلك، كما اقتضاه كلامهم، واعتمده الإسنوي، وكذا الأذرعي، حيث قال: “وغير المُضحِّي مِن العيال: لا أحسب أحدًا يَكرَه له إزالة ذلك، لأنَّه: ليس بمُضحٍّ حقيقة، وإنْ أشرَكه المُضحِّي في الثواب».اهـ
2 ــ وقال الفقيه سعيد باعشن الدَّوعَني الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح المُقدِّمة الحضْرميَّة” (ص:704)
«أمَّا مَن لم يُرِد التضحية: فلا يُكره له إزالة نحو شعر، وإنْ سقط عنه الطَّلب بفِعْل غيره مِن أهل بيتِه».اهـ
3 ــ وقال الفقيه التَّرمَسِي الشافعي ــ رحمه الله ــ في “حاشيته” (6/ 655):
«قوله: “لِمُريد التضحية”، خرج بمُريدها: مَن عَدَاه مِن أهل بيتِه، وإنْ وقعَت عنه، ففي “الإيعاب”: قضيته: إنْ لم يُرِدْها: لا يُكره له إزالة ذلك، وإنْ كان مِن أهل بيت يُضحِّي أحدهم عن البقيَّة، وهو كذلك، اقتضاه كلامهم، واعتمده الأسنوي، وكذا الأذرعي».اهـ
واختار هذا القول مِن المُعاصرين: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين، ــ رحمهم الله ــ.
واحتجوا لِقولهم هذا: بحديث أمِّ سلمة ــ رضي الله عنها ــ في “صحيح مسلم” (1977)، أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا )).
ووجْه الاستدلال مِن هذا الحديث: أنَّ النَّهي عن الأخْذ مِن الأظفار والشعر والبشرة وُجِّه إلى مُريد الأضحية، فيكون هو المطالب بِه لا غيره.
وأُجِيبَ عن هذا الاستدلال: بأنَّ المُضَحَّى عنهم يُعتبرون مضحِّين شرعًا وعُرفًا، ويُطلَق عليهم ذلك، فكانوا كمُريدها، ودخلوا في حُكم الحديث.
ومِن أدلة اعتبارهم مُضحِّين شرعًا، هذه الأدلة:
الأوَّل ــ ما أخرجه مسلم (1967)، عن أمِّ المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّها قالت في شأن ذبح النَّبي صلى الله عليه وسلم أضحيته: (( وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» )).
ودُعاء النبي صلى الله عليه وسلم لَهم بالقبول: ظاهر في اعتبارهم مُضحِّين.
الثاني ــ ما أخرجه الترمذي (1505)، وابن ماجه (3147)، عن عطاء بن يسار ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ حَتَّى تَبَاهَى النَّاسُ، فَصَارَتْ كَمَا تَرَى )).
وصحَّحه: الترمذي، وابن العربي، ومُوفَّق الدين ابن قُدامة، والسيوطي، والألباني، وغيرهم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ )): ظاهر في اعتبارهم مُضحين معه ومِثله.
الثالث ــ ما أخرجه البخاري (7210)، عن أبي عَقيل زُهْرة بن مَعْبد، عن جدِّه عبد الله بن هشام ــ رضي الله عنه ــ أنَّه: (( كَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ )).
وأمَّا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ )) الذي خرَج على الواحد:
فسببه أنَّه هو: القائم بالأضحيته مِن ماله، وهو المُنفِق على أهل بيتِه، ومِثل ذلك لا مَفهوم له.
ولأنَّ: المشاركة معه في الثمن مِن باب الحِصص في أضحية الضَّأن لِلمشتركين معه لا تُجزئ عند الجميع، ولا تكون أضحية.
فائدة:
1 ــ قال اللغوي أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحكَم والمُحيط الأعظم” (8/ 57):
«والبَشَرَة: ظاهر أعلى جِلْدَة الوجْه والرأس والجَسد مِن الإنسان، وهي: التي عليها الشَّعْر، وقيل: هي التي تَلِي اللَّحْم».اهـ
2 ــ وقال العلامة العثيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح المُمتِع على زاد المُستقنِع” (7/ 488):
«وقوله: «أو بشَرَته»، أي: جِلده، لا يأخذ مِنه شيئًا، وهل يُمكن للإنسان أنْ يأخذ مِن جِلده شيئًا؟.
نقول: يُمكن أنْ يأخذ كما يلي:
أوَّلًا: إذا كان لم يَخْتَتن، وأراد الخِتان في هذه الأيَّام، نقول له: لا تَختتن، لأنَّك ستأخذ مِن بشرتك شيئًا.
ثانيًا: بعض الناس يَغفل فتجده يَقطع مِن جَلده مِن عقِب الرِّجْل، والإنسان الذي يَعتاد هذا الشيء لابُدَّ أنْ يُصاب بتشقق العقِب، فإنْ ترَكه سَكن، وإنْ حرَّكه فتَن عليه، ولو كان فيه جَلد ميِّت اتركه حتى لا يتشقَّق ويَزيد».اهـ
المسألة الحادية والعشرون / عن حُكم الاجتزاء بالأضحية عن العقيقة إذا ضُحِّيَّ بها عن المولود.
وتحت هذه المسألة فرعان:
الفرع الأوَّل: عن حُكم الاجتزاء بالأضحية عن العقيقة.
اختلف أهل العلم ــ رحمهم الله ــ في إجزاء الأضحية عن العقيقة على قولين:
القول الأوَّل: إجزاء الأضحية عن العقيقة.
وهو: قول محمد بن سِيرين، والحسن البصري، وقتادة، وهشام بن عُروة، مِن التابعين، ورواية عن الإمام أحمد، وقول بعض الشافعية.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ ما وقفْت عليه مِن أقوالهم في الإجزاء، مع ذِكر القائل، والمَصدر:
الأوَّل ــ قال ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (24267):
حدثنا عثمان بن مطَر، عن هشام، عن الحسن، قال: (( إِذَا ضَحَّوْا عَنِ الْغُلَامِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنَ الْعَقِيقَةِ )).
وفي إسناده: عثمان بن مطَر، وهو ضعيف، وفي رواية هشام عن الحسن: كلام يسير.
وله طريق آخَر:
حيث قال عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (7966):
عن مَعْمَر، عن رجُل، عن الحسن، قال: (( وَإِذَا ضُحِّيَ عَنْهُ أَجْزَأَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الْعَقِيقَةِ )).
وفي إسناده: راو لم يُسَم.
الثاني ــ وقال ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (24268):
حدثنا وكيع، عن سفيان، عن هشام، وابن سيرين، قالا: (( يُجْزِئُ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ مِنَ الْعَقِيقَةِ )).
وإسناده: صحيح.
الثالث ــ وقال عبد الرزاق ــ رحمه الله ــ في “مُصنَّفه” (7967):
عن مَعْمَر، عن قتادة، قال: (( مَنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ أَجْزَأَتْهُ أُضْحِيَتُهُ )).
وإسناده: صحيح.
الرابع ــ وقال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تُحفة المَودود بأحكام المولود” (ص:126):
«قال الخلَّال: “باب ما رُوي أنَّ الأضحية تُجزئ عن العقيقة”
أخبرنا عبد الملك الميموني، أنَّه قال لأبي عبد الله ــ ويَعني بِه: أحمد بن حنبل ــ:
“يجوز أنْ يُضَحَّى عن الصَّبي مكان العقيقة؟
قال: لا أدري، ثُمَّ قال: غير واحد يقول بِه، قلت: مِن التابعين؟ قال: نعم”.
وأخبرني عبد الملك في موضع آخَر، قال ذَكر أبو عبد الله أنَّ بعضهم قال: (( فإنْ ضَحَّى أجزأ عن العقيقة )).
وأخبرنا عصمة بن عصام، حدثنا حنْبل: أنَّ أبا عبد الله قال:
“أرجو أنْ تُجزئ الأضحية عن العقيقة ــ إنْ شاء الله تعالى ــ لِمَن لم يَعق”.
وأخبرني عصمة بن عصام في موضع آخَر، قال: حدثنا حنبل: أنَّ أبا عبد الله قال:
“فإنْ ضَحَّى عنه أجزأت عنه الضَّحية مِن العقوق”.
قال: “ورأيت أبا عبد الله اشترى أُضِحية ذبحها عنه وعن أهله، وكان ابنه عبد الله صغيرًا فذبحها، أُرَاه أراد بذلك العقيقة والأضحية، وقسَم اللحم، وأكل مِنها”».اهـ
الخامس ــ وجاء في كتاب “نهاية المُحتاج إلى شرح المِنهاج” (8/ 145)، للفقيه شمس الدِّين الرَّملي الشافعي ــ رحمه الله ــ:
«ولو نَوى بالشَّاة المذبوحة الأضحية والعقيقة: حصَلا، خِلافًا لِمَن زَعم خِلافه».اهـ
السادس ــ وجاء في كتاب “حاشية الجَمَل على شرح المَنهج” (5 / 264)، مِن كتب الشافعية أيضًا:
«ولو نَوى بالشاة المذبوحة الأضحية والعقيقة حصَلا، خلافًا لِمَن زَعم خِلافه.اهـ شرح م ر”.انتهى».اهـ
السابع ــ وجاء في كتاب “كشَّاف القِناع عن مَتن الإقناع” (3/ 29)، مِن كتب الحنابلة:
«[ ولو اجتمع عقيقة وأضحية ونوى الذبيحة عنهما ] أي: عن العقيقة والأضحية [ أجزأت عنهما نصًّا ]، وقال في “المُنتهى”: وإنْ اتفق وقت عقيقة وأضحية فعَقَّ أو ضحَّى أجزأ عن الأخرى.اهـ، ومُقتضاه: إجزُاء إحداهما عن الأخْرى وإنْ لم ينوها، لكن تعبير المُصنِّف مُوافق لِما عبَّر بِه في “تحفة الودود” آخِرًا».اهـ
الثامن ــ وقال الفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف” (9/ 437):
«السادسة: لو اجتمع عقيقة وأضحية، فهل يُجزئ عن العقيقة إنْ لم يعق؟
فيه: روايتان منصوصتان.
وأطلقهما في: “الفروع”، و “تجريد العناية”، و “القواعد الفقهية”.
وظاهر ما قدَّمه في “المُستوعَب”: الإجزاء، قال في رواية حنبل: “أرجو أنْ تُجزئ الأضحية عن العقيقة”».اهـ
التاسع ــ وجاء في كتاب “دقائق أُولِي النُّهى لِشرح المُنتهى” (1/ 616)، مِن كتب الحنابلة:
«[ وإنْ اتفق وقت عقيقة وأضحية ] بأنْ يكون السابع أو نحوه مِن أيَّام النَّحر [ فعَقَّ ] أجزأ عن أضحية [ أو ضحَّى أجزأ عن الأُخْرى ] كما لو اتفق يوم عيد و جمعة فاغتسل لأحدهما».اهـ
العاشر ــ وجاء في كتاب “مطالب أُوْلِي النُّهى” (2/ 492)، مِن كتب الحنابلة:
«[ وإنْ اتفق وقت عقيقة وأضحية فعَقَّ أو ضحى ] ونوى عنهما [ أجزأ ] ما ذبحه [ عن الأُخرى ] كما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسُنَّة المكتوبة، أو صلَّى بعد الطواف فرضًا أو سُنَّة مكتوبة، وقع عنه وعن ركعتي الطواف».اهـ
الحادي عشر ــ وجاء أيضًا بنحوه ما تقدَّم في الإجزاء:
في كتاب “مُنتهى الإرادات” (2/ 202 ــ مع “حاشية ابن قائد”)، وكتاب الرَّوض النَّدي (1/ 367)، لِلبعلي، وكتاب “حاشية الخلوتي على مُنتهى الإرادات” (2/ 451)، للبُهوتي الخلوتي، وغيرها، وجميعها مِن كتب الحنابلة,
واختار الإجزاء مِن المٌعاصرين: العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ ــ رحمه الله ــ.
ووجْه هذا القول:
ما قاله الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تُحفة المَودود بأحكام المولود” (ص:127)،عند ذِكر حُجَّة كلِّ قول:
«ووجْه الإجزاء: حصول المقصود مِنها بذبحٍ واحد، فإنَّ الأضحية عن المولود مشروعة كالعقيقة عنه، فإذا ضَحَّى ونَوى أنْ تكون عقيقة وأضحية وقَع ذلك عنهما.
كما لو صَلَّى ركعتين يَنوي بِهما تحية المسجد وسُنَّة المكتوبة، أو صَلَّى بعد الطواف فرْضًا أو سُنًّة مكتوبة، وقع عنه وعن ركعتي الطواف، وكذلك لو ذبح المُتمتِّع والقارن شاة يوم النَّحر أجزأه عن دم المُتعة، وعن الأضحية».اهـ
القول الثاني: عدم إجزاء الأضحية عن العقيقة.
وهذا القول هو: إحدى الرِّوايتين عن قتادة مِن التابعين، والمذكور في بعض كتب المالكية، وظاهر كلام أكثر الشافعية، ورواية أُخْرى عن الإمام أحمد، وقول طائفة مِن أصحابه.
وكأنَّه: قول الأكثر.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ ما وقفْت عليه مِن أقوالهم في عدم الإجزاء، مع ذِكر القائل، والمصدر:
الأوَّل ــ قال ابن أبي شَيبة في “مصنَّفه” (24269):
حدثنا عثمان بن مطَر، عن سعيد، عن قتادة، قال: (( لَا تُجْزِئُ عَنْهُ حَتَّى يُعَقَّ عَنْهُ )).
وإسناده: ضعيف، لِضَعف عثمان بن مَطر.
وقد تقدَّم في القول الأوَّل أنَّه صحَّ عن قتادة الإجزاء.
الثاني ــ وقال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ في “مسائله عن أبيه الإمام أحمد” (944):
«سألت أبي عن العقيقة يوم الأضحى: وهل يجوز أنْ تكون أضحية وعقيقة؟
قال: لا، إمَّا عقيقة، وإمَّا ضحية، على ما سَمَّى».اهـ
الثالث ــ وقال الفقيه شهاب الدِّين المالكي الشهير بالقَرَافي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الذَّخيرة” (4/ 166):
«قال صاحب “القبَس”: قال شيخنا أبو بكر الفِهري:”إذا ذبح أضحيته لِلأضحية والعقيقة لا تُجزئه، فلو أطعَمَها وليمةً لِلعرس أجزأه”.
والفرْق: أنَّ المقصود في الأوَّلَيِن إراقة الدم، وإراقة الدم لا تُجزئ عن إراقتين، والمقصود مِن الوليمة الإطعام، وهو غير مُناف لِلإراقة، فأمكَن الجمْع».اهـ
الرابع ــ وجاء في كتاب “مواهب الجليل في شرح مُختصر خليل” (3/ 258)، لِلفقيه الحطاب الرُّعيني المالكي ــ رحمه الله ــ:
«قال ابن عَرَفة: وفي “سَماع القرينين”: مَن وافق يوم عقيقةِ ولدِه يوم الأضْحى ولا يَملك إلا شاة عقَّ بِها.
ابن رُشد: إنْ رَجا الأضحية في تالييه، وإلا فالأضحية، لأنَّها آكد، قِيل: سُنَّة واجبة، ولم يَقُل في العقيقة.انتهى.
ونحوه للَّخْمِي.
فإنْ ذبح أضحيته لِلأضحية والعقيقة أو أطعَمَها وليمة، فقال في “الذَّخيرة”:
قال صاحب “القبَس”: قال شيخنا أبو بكر الفِهري: “إذا ذبح أضحيته لِلأضحية والعقيقة لا يُجزئه، وإنْ أطعَمَها وليمةً أجزأه”.
والفرْق: أنَّ المقصود في الأَوَّليِن إراقة الدم، وإراقة الدم لا تُجزئ عن إراقتين، والمقصود مِن الوليمة الإطعام، وهو غير مُناف لِلإراقة، فأمكَن الجمْع.انتهى.».اهـ
الخامس ــ وقال الفقيه ابن حَجَر الهيتمي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “تُحفة المُحتاج في شرح المنهاج” (9/ 369-370):
«وظاهر كلام المَتْن والأصحاب: “أنَّه لو نَوى بشاة الأضحية والعقيقة لم تحصل واحدة مِنهما”.
وهو: ظاهر، لأنَّ: كُلًّا مِنهما سُنَّة مقصودة، ولأنَّ: القصْد بالأضحية الضِّيافة العامَّة، ومِن العقيقة الضِّيافة الخاصَّة، ولأنَّهما: يَختلفان في مسائل كما سيأتي.
وبهذا: يَتضح الرَّد على مَن زَعم حصولها، وقاسه على غُسل الجمعة والجنابة، على أنَّهم صرَّحوا بأنَّ مَبْنَى الطهارات على التداخل، فلا يُقاس بها غيرها».اهـ
ــــ وقال أيضًا كما في “الفتاوى الفقهية الكبرى” (4/ 256):
«الذي دَلَّ عليه كلام الأصحاب وجَرَينا عليه مُنذ سنين: “أنَّه لا تداخل في ذلك”.
لأنَّ: كُلًّا مِن الأضحية والعقيقة سُنَّة مقصودة لذاتها، ولَهَا سببٌ يُخالِف الأُخْرى، والمقصود مِنه غير المقصود مِن الأُخْرى، إذ الأضحية فداءٌ عن النفْس، والعقيقة فداءٌ عن الولد، إذ بِها نُمُوُّه وصلاحه ورَجاء بِرِّه وشفاعته.
وبالقول بالتداخل: يَبطُل المقصود مِن كلٍّ مِنهما، فلم يُمكن القول بِه نظير ما قالوه في سُنَّة غُسل الجمعة وغُسل العيد، وسُنَّة الظهر وسُنَّة العصر.
وأمَّا تحيَّة المسجد ونحوها، فهي ليست مقصودة لِذاتها، بل لِعدم هتك حُرْمَة المسجد، وذلك حاصل بصلاة غيرها، وكذا صوم نحو الاثنين، لأنَّ القصْد مِنه إحياء هذا اليوم بعبادة الصوم المخصوصة، وذلك حاصل بأيِّ صوم وقَع فيه.
وأمَّا الأضحية والعقيقة: فليستا كذلك، كما ظَهر مِمَّا قرَّرته، وهو واضح.
والكلام حيث اقتَصَر على نحو شاة أو سُبع بَدَنة أو بقرة، أمَّا لو ذَبح بَدَنة أو بقرة عن سَبعة أسباب، مِنها ضَحيَّة وعقيقة، والباقي كفارات، في نحو الحلْق في النُّسُك، فيُجزئ ذلك، وليس هو مِن باب التداخل في شيء، لأنَّ كل سُبع يَقع مُجْزيًا عمَّا نَوي بِه.
وفي “شرح العُباب”: لو ولِد له ولَدان ولو في بطنٍ واحدة فذبح عنهما شاة، لم يتأدَّ بِها أصل السُّنَّة، كما في “المجموع”، وغيره.
وقال ابن عبد البر: لا أعلم فيه خِلافًا.اهـ
وبهذا يُعلم: أنَّه لا يُجزئ التداخل في الأضحية والعقيقة مِن باب أولى، لأنَّه إذا امتَنع مع اتحاد الجْنس فأوْلَى مع اختلافه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب».اهـ
السادس ــ وقال الفقيه نصير الدِّين السامري الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُستوعِب” (1/ 568)، في شأن الإمام أحمد:
«وقال في رواية حنبل: “أرجو أنْ تُجزئ الأضحية عن العقيقة إنْ لم يعق.
وقد رُوي عنه رواية أُخْرى: أنَّ الأضحية لا تُجزئ عن العقيقة”».اهـ
واختاره عدم الإجزاء مِن المعاصرين: الألباني، والعثيمين، وأحمد النَّجمي، وعبد المُحسن العبَّاد، وعُبيد الجابري.
ووجْه عدم الإجزاء:
ما قال الإمام ابن قيِّم الجوزية ــ رحمه الله ــ في كتابه “تُحفة المَودود بأحكام المولود” (ص:127)، عند ذِكر حُجَّة كلِّ قول:
«ووجْه عدم وقوعها عنهما: أنَّهما ذَبْحان بسببين مُختلِفين، فلا يَقوم الذَّبح الواحد عنهما، كدم المُتعة، ودم الفِدية».اهـ
الفرع الثاني: عن إجزاء الأضحية عن العقيقة متى يكون عند مَن يرى الإجزاء.
قال العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ الحنبلي ــ رحمه الله ــ كما في “فتاوى ورسائل سماحته” (6 / 159):
«ثُمَّ نَعرِف أنَّه لو اجتمع أضحية وعقيقة كَفَى واحدة.
صاحب البيت عازم على التضحية على نفسه، فيذبح هذه أضحية، وتدخل فيها العقيقة.
ــــ وفي كلام لِبعضهم ما يُؤخذ مِنه: “أنْ لابُدَّ مِن الاتحاد”: أنْ تكون الأضحية والعقيقة عن الصغير.
ــــ وفي كلام آخَرِين: أنَّه لا يُشترط، إذا كان الأب سَيُضحِّي، فالأضحية عن الأب، والعقيقة عن الولد.
الحاصل: أنَّه إذا ذبح الأضحية عن أُضحية ونواها عن العقيقة كَفَى، وهذا مبسوط في “التُّحفة” المذكورة».اهـ
تنبيه:
عن نسبة إجزاء الأضحية عن العقيقة إلى مذهب أبي حنيفة.
رأيت عددًا مِن الباحثين المعاصرين ــ سدَّدهم الله ــ: يَذكرون أنَّ مذهب الحنفية إجزاء الأضحية عن العقيقة، ثُمَّ يُؤكدون هذا بكلام نُقل في عدد مِن كتبهم.
ونصُّه كما جاء كتاب “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (5/ 72)، لِلفقيه علاء الدِّين الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ــ:
«وكذلك إذا أراد بعضهم العقيقة عن ولدٍ وُلِد له مِن قبْل، لأنَّ ذلك جهة التقرُّب إلى الله تعالى ــ عزَّ شأنه ــ بالشُّكر على ما أنعَم عليه مِن الولد، كذا ذَكر محمد ــ رحمه الله ــ ».اهـ
وكلام فقهاء الحنفية ــ رحمهم الله ــ هذا:
إنَّما هو عن اشتراك مَن يُريد الأضحية مع غيره في الإبل والبقر، وأنَّ المُشتركين إذا كانوا جميعًا يُريدون القُربة جاز، كأنْ يكون بعضهم يُريد الهَدي، وبعضهم الأضحية، وبعضهم العقيقة، بخلاف ما لو أراد بعضهم اللحم، وبعضهم الأضحية، فلا تُجزئ الأضحية.
1 ــ حيث قال الفقيه الكاساني الحنفي ــ رحمه الله ــ قبل ذلك بيسير (5/ 71) في شروط الأضحية:
«ومِنها: أنْ لا يُشارِك المُضحِّي ــ فيما يَحتمل الشرِكة ــ مَن لا يُريد القُربة رأسًا، فإنْ شارك لم يَجُز عن الأضحية، وكذا هذا في سائر القُرب سوى الأضحية إذا شارَك المُتقرِّب مَن لا يُريد القُربة لم يَجُز عن القُربة كما في دم المُتعة، والقِران، والإحصار، وجزاء الصيد، وغير ذلك.
وهذا: عندنا».اهـ
2 ــوجاء في كتاب “دُرَر الحكام شرح غُرَر الأحكام” (1/ 266)، مِن كتب الحنفية:
«( قوله: إلى سبعة ) أي: مُريدين القُربة، وسواء اتفقت جهات القُربة أو اختلفت كأضحية وجزاء صيد وإحصار وكفارة شيء أصابه في الإحرام وتطوع ومُتعة وقِران وعقيقة عن وَلَد وُلِد له مِن قبل.
كذا ذكره محمد في “نوادر الضحايا”، ولم يذكر ما إذا أراد أحدهم الوليمة ــ وهي: ضيافة التزويج ـــ، وينبغي أنَّه يجوز.
ورَوى عن أبي حنيفة: أنَّه كره الاشتراك عند اختلاف الجهة.
ورُوي أنَّه قال: “لو كان هذا مِن نوع واحد لكان أحب إلي”، وهكذا قال أبو يوسف، كذا في “البدائع”».اهـ
ــــ وبمعناه أيضًا جاء في كتاب:
“رَد المُحتار على الدُّر المُختار” (6/ 326)، لابن عابدين الحنفي ــ رحمه الله ــ.
قلت:
وقد قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذّب” (8/ 371):
«يجوز أنْ يَشترك سَبعة في بَدَنَة أو بقرة لِلتضحية، سواء كانوا كلَّهم أهل بيتٍ واحدٍ أو مُتفرِّقين، أو بعضهم يُريد اللَّحم فيُجزئ عن المُتقرِّب، وسواء كان أضحية مَنذورة أو تطوعًا.
هذا: مذهبنا، وبِه قال: أحمد، وداود، وجماهير العلماء».اهـ
المسألة الثانية والعشرون / عن استحباب حلْق شعر الرأس بعد نحر أو ذبح الأضحية.
قال الحافظ ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (13890):
حدثنا ابن نُمير، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ: (( أَنَّهُ ضَحَّى بِالْمَدِينَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ )).
وإسناده: صحيح.
وقال الإمام مالك في “الموطَّأ” (1763)، عن نافع: (( أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ضَحَّى مَرَّةً بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ نَافِعٌ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا فَحِيلًا أَقْرَنَ، ثُمَّ أَذْبَحُهُ يَوْمَ الْأَضْحَى، فِي مُصَلَّى النَّاسِ.
قَالَ نَافِعٌ: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ، وَكَانَ مَرِيضًا، لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ.
قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ حِلاَقُ الرَّأْسِ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى، وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ )).
وإسناده: صحيح، بل في غاية الصِّحة.
وقد ذَكر بعضُهم: أنَّه لا يُعرَف لابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ مُخالِفٌ في هذا الفِعل مِن الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمه الله ــ، وهو الأصحُّ في مذهبه، وقول جماهير أصحابه: إلى استحباب حلْق شعر الرأس بعد ذبح الأضحية، لِفعل ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ هذا.
1 ــ وقال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المسالِك في شرح موطأ مالك” (5/ 179):
«قوله: (( وَحَلَقَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الكَبْشُ ))، ولَعَلّه امتنع مِن ذلك حتى ضَحَّى، على وجْه الاستحباب، ولم يَر ذلك واجبًا عليه».اهـ
2 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين المَرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف في معرفة الراجح مِن الخِلاف” (4/ 110):
«فائدة: يُستَحبُّ الحلْق بعد الذبح، على الصَّحيح مِن المذهب، وعليه جماهير الأصحاب.
قال أحمد: “وهو على ما فَعَل ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ، تعظيمٌ لِذلك اليوم”، وجزَم بِه في “الرِّعاية”، وغيرها، وقدَّمَه في “الفُروع”.
وعنه: لا يُستحب، اختاره: الشيخ تَقيُّ الدِّين».اهـ
3 ــ وقال الفقيه أبو عبد الله بن مُفلح الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الفُروع” (3/ 406):
«ويُستحب: الحلْق بعد الذبح.
قال أحمد: “على ما فَعَل ابن عمر، تعظيمٌ لِذلك اليوم”، وعنْه: لا، اختاره: شيخنا».اهـ
ويَعني بشيخه: الإمام تَقِيّ الدِّين ابن تيميَّة ــ رحمه الله ــ.
4 ــ وقال الفقيه سِراج الدِّين ابن المُلقِّن الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “التوضيح لِشرح الجامع الصحيح” (12/ 131):
«فائدة: رَوى ابن أبي شَيبة، عن ابن عمر: (( أَنَّهُ ضَحَّى بِالْمَدِينَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ )).
وكان الحسَن: يَحلِق رأسه يوم النَّحر بالبصرة.
وقال ابن عَون: قلت لِمحمد: (( كانوا يَستحِبُّون أنْ يأخذ الرَّجل مِن شعره يوم النَّحر، قال: نعم ))».اهـ
قلت:
وأثَرُ التابعي محمد بن سِيرين ــ رحمه الله ــ قد أخرجه الحافظ ابن أبي شَيبة في “مُصنَّفه” (13894)، فقال:
حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن ابن عَون، قال: (( قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ شَعْرِهِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» )).
وإسناده: صحيح.
وقال الفقيه محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ــ رحمهما الله ــ في كتاب “الموطأ” (631)، بروايته، بعد أثَر ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ:
«وأمَّا الحِلاق: فنقول فيه بقول عبد اللَّه بن عمر: إنَّه ليس بواجب على مَن لم يَحُج في يوم النَّحر، وهو قول أبي حنيفة، والعامَّة مِن فقهائنا».اهـ
قلت:
وسبحان الله كيف لم يَطَّلِع الحافظ الهُمام ابن عبد البَرِّ المالكي بُخاري بلاد المغرب ــ رحمه الله ــ على كلام الإمام أحمد، ومذهبه، وما نُقِل مِن استحباب عن التابعين، أو الصحابة، أو عنهُما جميعًا، كما في أثْر ابن سيرين الصَّحيح المُتقدِّم.
إذ قال ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 142)، بعد أثَر ابن عمر ــ رضي الله عنهما ــ:
«وأمَّا حلْق ابن عمر لِرأسه: فلم يَذكر أنَّه مِن سُنَّة الأضْحَى، ويُمكِن أنْ يكون فَعَلَه لِمرضِه الذي كان يَشكو، أو قد أخبَر أنَّه ليس بواجب على الناس.
ولا هو عند أحد مِن أهل العلم: من سُنَّة الأضحى، فيما عَلِمْت».اهـ
المسألة الثالثة والعشرون / عن بعض الفوائد المُتعلِّقة بأحكام ومسائل الأضحية.
الفائدة الأولى:
لا يَصِحُّ حديث خاص عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في فضل وذِكر ثواب ذبح الأضحية.
حيث قال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي” (6/ 288):
«ليس في فضل الأضحية: حديث صحيح، وقد رَوى الناس فيها عجائب لم تَصح، مِنها: قوله: (( إنَّها مطاياكم مِن الجنَّة ))».اهـ
قلت:
ويَكفِي في فضل الأضحية أمران:
الأوَّل: فِعل النَّبي صلى الله عليه وسلم لَهَا، وفِعل أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، كما في الآحاديث والآثار المُتضافرة المُستفيضة.
الثاني: تسمية النَّبي صلى الله عليه وسلم لَهَا “بالنُّسك” كما في حديث البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ عند البخاري (955)، ومسلم (1961).
الفائدة الثانية:
مَن كانت عنده إبل أو بقر أو ضَأن أو مَعز، فاختار مِنها واحدة صحيحة سليمة مِن العيوب، وأوجبَها أضحية له، ثُمَّ حدَث بِها عَيب يَمنع الإجزاء، وليس مِن فعله، ولا هو سببه، فإنَّه يذبحها وتُجزئه عند أكثر العلماء.
1 ــ حيث قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 373):
«وجُملته: أنَّه إذا أوجَبَ أضحية صحيحة سليمة مِن العيوب ثمَّ حدَث بها عَيب يَمنع الأجزاء، ذبَحها، وأجزأته.
رُوي هذا عن: عطاء، والحسن، والزَّهري، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق.
وقال أصحاب الرأي: لا تُجزئه، لأنَّ: الأضحية عندهم واجبة، فلا يَبرأ مِنها إلا بإراقة دمها سليمة، كما لو أوجبَها في ذمَّته ثم عيَّنها فعابَت.
ولَنَا: ما رَوى أبو سعيد قال: (( ابتعنا كبشًا نُضحِّي بِه، فأصاب الذئب مِن ألْيَته، فسألنا النَّبي صلى الله عليه وسلم: “فأمَرنا أنْ نُضحِّي بِه” )) رواه ابن ماجة.
ولأنَّه: عَيبٌ حدَث في الأضحية الواجبة، فلم يَمنع الأجزاء، كما لو حدَث بها عَيب بمُعالجة الذَّبح، ولا نُسلِّم أنَّها واجبة في الذِّمة، وإنّما تعلَّق الوجوب بعينها.
فأمَّا إنْ تَعيَّبت بفِعله: فعليه بدلُها، وبِه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إذا عالج ذبْحها فقَلَعت السِّكين عينَها، أجزأت استحسانًا.
ولَنَا: أنَّه عَيب أحدَثه بها قبْل ذبحِها، فلم تُجزئه، كما لو كان قبْل معالجة الذَّابح».اهـ
2 ــ وجاء في كتاب “المُدونة الكبرى” (1/ 549)، مِن كتب المالكية:
«قلت: أرأيت إنْ اشتريت أضحية وهي سَمينة، فعجِفَت عندي أو أصابها عَمَى أو عَوَر، أيُجزئُنِي أنْ أُضَحِّي بها في قول مالك؟
قال: قال مالك: لا يُجزئك.
وقال مالك: إذا اشترى أضحية فأصابها عنده عَيب أو اشتراها بذلك العيب لم يُجِزه، فهي لا تُجزئه إذا كان أصابها ذلك بعد الشراء.
قلت: لم قال مالك هذا في الضَّحايا؟ وقال في الهَدي: أنَّه يُجزئه إذا اشتراها صحيحة ثُمَّ عَمِيَت أنْ يَنحرها ولا شيء عليه في الهَدي الواجب والتطوع.
قلت: فما فرْق ما بين الضَّحايا والهَدي.
قال: لأنَّ الأضحية لم تَجب عليه كما وجَبَ عليه الهَدي، ألا تَرى أنَّ الهَدي إذا ضَلَّ مِنه ثمَّ أبدَله بغيره ثم وجدَه بعد ذلك نَحَره ولم يكن ما أبدَل مكانه يَضع عنه نَحْره.
قال: وإنَّ الضَّحية لو ضلَّت مِنه ثمَّ أبدلَها بغيرها، ثمَّ أصابها لم يكن عليه ذبحها، وكانت مالا مِن ماله، فهذا فرْق ما بينهما.
قلت: أرأيت إنْ لم يُبدِّل أضحيته هذه التي ضاعت حتى مضَت أيَّام النَحر، ثمَّ أصابها بعد أيَّام النَّحر كيف يَصنع بها في قول مالك؟
قال: لم أسمع مِن مالك فيها شيئًا، ولكنْ أَرَى أنْ لا شيء عليه فيها، لأنَّ مالكًا قال: “إذا وجدها وقد ضَحَّى ببدلها أنَّه لا شيء عليه فيها”، فلو كانت واجبة عليه لكان عليه أنْ يذبحها إذا أصابها، وإنْ كان قد أبدلها وقد مضَت أيَّام النَّحر فليس على أحد أنْ يُضحِّي بعد أيَّام النَّحر، وهو بمنزلة رَجلٍ ترَك الأضحية».اهـ
3 ــ وقال الفقيه بُرهان الدِّين ابن مَازة الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحيط البرهاني في الفقه النُّعماني” (5 / 292):
«وكذا إذا اشترى شاة سليمة ثُمَّ تَعَيَّبَتْ بِعَيْبٍ مانعٍ: إنْ كان غنيًّا عليه غيرُها، وإنْ كان فقيرًا تُجْزِيه هذه.
لِمَا ذَكَرْنا: أنَّ الوجوب على الغَني بالشَّرع ابْتِدَاء لا بالشِّراء، وعلى هذا قالوا: إذا ماتت المُشْتَراة لِلتَّضحية فَعَلَى المُوسِر مكانها أُخْرَى، ولا شيء على الفقير».اهـ
الفائدة الثالثة:
تَعَيُّنُ شاةٍ بعينها ووجوبُها على المُضحِّي لا يكون إلا بالقول عند أكثر العلماء.
كأنْ يقول المُضحِّي: “هذا الكبش أُضْحِيَتي هذه السَّنة” أو “لله عليَّ أنْ أُضَحِّي بهذا الكبش”، ونحو ذلك.
وأمَّا مُجرَّد الشراء بِنيَة الأضحية: فلا يُوجِبها عليه.
1 ــ حيث قال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح” (1/ 555-556 ــ قسم اختلاف العلماء):
«واختلفوا في إيجاب الأضحية بأيِّ شيء يَقع؟
فقال أبو حنيفة: إذا نَوى شراءها فهو إيجابها.
وقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا يُوجِبها إلا القول».اهـ
2 ــ وقال الفقيه جمال الدِّين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 409):
«عند الشافعي، وأحمد، وأكثر العلماء: إذا اشترى شاة بنِية أنَّها أضحية ملَكَها بالشراء ولم تَصر أضحية.
وعند مالك وأبي حنيفة: تَصير بذلك أضحية».اهـ
3 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 377):
«مسألة: قال: [ وإيجابها أنْ يقول: هي أضحية ]
وجُملة ذلك: أنَّ الذي تَجب بِه الأضحية، وتتعيَّن بِه، هو القول دون النِّيَّة.
وهذا: منصوص الشافعي.
وقال مالك و أبو حنيفة: إذا اشترى شاة أو غيرها بنيَّة الأضحية صارت أضحية، لأنَّه مأمور بشراء أضحية، فإذا اشتراها بالنِّيَّة وقعَت عنها، كالوكيل
ولَنَا: أنَّه إزالة مِلك على وجْه القُرْبة، فلا تُؤثِّر فيه النِّيَّة المُقارِنة لِلشراء، كالعتق، والوقف.
ويُفارِق البيع، فإنّه لا يُمكِنه جعْلُه لِموكِّله بعد إيقاعه، وهاهُنا بعد الشراء يُمكنه جعلها أضحية.
فأمَّا إذا قال: هذه أضحية، صارت واجبة، كما يَعتِق العبد بقول سيِّده: “هذا حُرٌّ”.
ولو أنَّه قلَّدَها أو أشعَرَها يَنوي بِه جعْلها أضحية، لم تَصِر أضحية حتى يَنطق بِه لِمَا ذَكرنا».اهـ
4 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 404-405):
«إذا اشترى شاة ونواها أضحية: ملَكَها، ولا تَصير أضحية بمُجرَّد النِّيَّة، بل لا يلزمه ذبحها حتى يَنذره بالقول.
مذهبنا، وبِه قال: أحمد، وداود.
وقال أبو حنيفة ومالك: تصير أضحية، ويَلزمه التضحية بمُجرَّد النِّيَّة.
دليلنا: القياس على مَن اشترى عبدًا بنيِّة أنْ يُعتِقه، فإنَّه لا يُعتق بمُجرَّد النِّيَّة».اهـ
ــــ وقال أيضًا (8/ 401-401):
«أمَّا إذا نَوى جعْل هذه الشاة هديًا أو أضحية ولم يتلفَّظ بشيء، فقولان.
الصَّحيح الجديد: أنَّها لا تَصير ضحِيَّة، وقال في القديم: تَصير، واختاره ابن سُريج، والاصطخري».اهـ
5 ــ وقال الفقيه أبو المعالي بُرهان الدِّين محمود ابن مَازَةَ البُخاري الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المحيط البُرهاني في الفقه النُّعماني” (6/ 87):
«أجمَع أصحابنا ــ رحمهم الله ــ: أنَّ الشاة تَصير واجبة الأضحية بالنَّذر، بأنْ قال: “لله عليَّ أنْ أُضحِّي هذه الشاة”.
وأجمعوا على: أنَّها لا تَصير واجبة الأضحية بمُجرَّد النِّية، بأنْ نَوى أنْ يُضحِّي هذه الشاة، ولم يذكر بلسانه نيَّته.
وهل تَصير واجبة الأضحية بالشراء بنية الأضحية؟
قال: إنْ كان المُشتري غنيَّا لا تَصير واجبة الأضحية باتفاق الرِّوايات كلِّها، حتى لو باعها، واشترى أُخْرى، والثانية شَرٌّ مِن الأولى، جاز، ولا يجب عليه شيء.
وإنْ كان المُشتري فقيرًا، ذّكر شيخ الإسلام خواهِر زَادَه في شرح “كتاب الأضحية”: أنَّ في ظاهر رواية أصحابنا تَصير واجبة الأضحية.
ورَوى الزَّعفراني عن أصحابنا: أنَّها لا تَصير واجبة.
وإلى هذا أشار شمس الأئمة السَّرخسي ــ رحمه الله ــ في “شرحه”.
وذَكر شمس الأئمة الحلواني في “شرحه”: أنَّ في ظاهر رواية أصحابنا لا تَصير واجبة الأضحية.
وذَكر الطحاوي في “مختصره”: أنَّها تَصير واجبة.
وأمَّا إذا صرَّح بلسانه وقت الشراء أنَّه اشتراها لِيُضحِّي بها، فقد ذَكر شمس الأئمة الحلواني: أنَّها تَصير واجبة».اهـ
الفائدة الرابعة:
إذا أوجَبَ رجُلٌ أضحيةً وعيَّنها بالقول ثُمَّ مات قبْل ذبحها، فهل تُذبح عنه، أمْ تنتقل لِلورثة؟
أصحٌّ أقوال أهل العلم: أنَّها تُذبح عنه، لأنَّها قد تعيَّنت في ذِمَّته ووجَبَت، وأصبحت كالموقوفة.
وهذا القول هو قول: أبي يوسف ومحمد مِن أصحاب أبي حنيفة، وأحمد، وأبي ثور، وغيرهم.
ويُشبِه: أنْ يكون مذهب الشافعي، كما قال الفقيه مُوفَّق الدَّين ابن قدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ.
وبِه قال: الأوزاعي، إنْ لم يترك المُضحِّي دَينًا عليه لا قضاء له إلا مِن هذه الأضحية التي أوجبَها.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
1 ــ قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 378):
«إذا أوجَبَ أضحية ثُمَّ مات لم يَجُز بيعها، وإنْ كان على الميِّت دَين لا وفاء له.
وبهذا قال: أبو ثور، ويُشبِه مذهب الشافعي.
وقال الأوزاعي: إنْ ترَك دَينًا لا وفاء له إلا مِنها بِيعَت فيه.
وقال مالك: إنْ تشاجر الورثة فيها باعوها.
ولَنَا: أنَّه تعيَّن ذبحها، فلم يصِحَّ بيعها في دَينه، كما لو كان حيًّا.
إذا ثبَت هذا، فإنَّ ورثته يقومون مقامه في الأكل، والصدقة والهدية، لأنَّهم يقومون مقام مَوْرُوثِهم فيما له، وعليه».اهـ
2 ــ وقال الفقيه أبو جعفر الطحاوي الحنفي ــ رحمه الله ــ كما في “مختصر اختلاف العلماء” (3/ 229 ــ مسألة:1331:)
«قال أبو حنيفة: إِذا أوجَب أضحية ثمَّ مات قبْل ذبحها فالورثة يَصنعون بِها ما شاؤوا.
وقال أبو يوسف ومحمد: إِذا أوجَبها صارت كالوقف، وخرَجت عن مِلكه، ولم تُورث عنه، وتُذبح بعد وفاته.
وقال مالك: إذا مات صارت مِيراثًا، وَلَا تُذبح عنه».اهـ
3 ــ وقال الحافظ ابن المُنذر ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 409):
«واختلفوا في الأضحية يموت صاحبها قبْل أنْ يذبحها.
فقال مالك: إذا اتشاح أهل الميراث مِنها باعوها.
وقال الأوزاعي: إذا مات قبل يوم النَّحر يُذبح عنه يوم النَّحر، ولا يكون ميراثًا إلا أنْ يَترُك دَيْنًا لا وفاء له إلا مِن تلك الضَّحية، فتباع في دَينه.
وقال أحمد وأبو ثور: تُذبح».اهــ
4 ــ وقال الفقيه أبو الوليد بن رُشد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البيان والتحصيل” (3/ 372):
«قوله: “إن مات قبل أنْ يذبح أضحيته إنَّ الورثة لا يَلزمهم أنْ يذبحوها عنه إلا أنْ يشاءوا، وإنَّ لِلغرماء أنْ يأخذوها فيما لَحِقه مِن الدَّين بعد شرائها”.
صحيح على أصولهم في أنَّها لا تجب إلا بالذبح.
هذا: قول مالك في “المُدونة”، ومذهبه، ومذهب جميع أصحابه».اهـ
ــــ وقال أيضًا (3/ 377):
«قال عبد المالك بن الحسن: سألت أشهب بن عبد العزيز: عمَّن اشترى أضحية ليُضحِّي بها، فلما انصرف مِن المَصلَّى مات.
قال: لا يُضحَّى بها عنه، وتكون ميراثًا.
قال محمد بن رشد: قوله: “لا يُضحى بها عنه”، أي: ليس يَلزمهم ذلك إلا أنْ يشاءوا.
على ما قال ابن القاسم في رسْم العتق مِن سماع عيسى، إذ لا تجب الضَّحية إلا بالذبح».اهـ
5 ــ وقال الفقيه ابن العربي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المسالك في شرح موطأ مالك” (5/ 180-181):
«اختلف العلماء في الأُضحية يموت صاحبها قبل أنْ تُذبح.
فقال مالك: إذا تشاحَّ أهل الميراث فيها، باعوها وكانت ميراثًا.
وقال الأوزاعي: إذا مات قبل يوم النَّحر، فإنَّها تُذبح عنه يوم النَّحر، لأنَّها قُرْبَة وشِبه صدقة ولا تكون ميراثًا، إِلَّا أنْ يَترك ديْنًا لا وفاء له إلَّا مِن تلك الأُضحية، فتُباع في دَينِه.
وقال أحمد بن حنبل وأبو ثور: تُذبح، لأنَّها مِن القُربات التي يَنتفع الميت بها».اهـ
الفائدة الخامسة:
عن حُكم بيع المُضحِّي لِشيء مِن لحم أضحيته أو جلدها أو صوفها وشعرها بعد ذبحها، وحُكم انتفاعه بجلدها وصوفها وجِلالها.
أمَّا بيع شيء مِن لَحم الأضحية، فقد نُقل الإجماع على تحريمه.
وأمَّا بيع جلدها وصوفها وشعرها: فالجمهور على تحريمة.
لأنَّه: جُزء مِن البهيمة، ويُنتفع بِه كاللحم.
وأمَّا انتفاع المُضحِّي بجلد وصوف وجِلال أضحيته: فقد نُقل عدم الخلاف بين العلماء في جوازه.
قلت:
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
1 ــ قال الفقيه ابن رُشد الحفيد المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “بداية المُجتهد” (2/ 451):
«والعلماء متفقون فيما علِمت: أنَّه لا يجوز بيع لحمها.
واختلفوا في جِلدها وشعرها وما عدا ذلك مِمَّا يُنتفع بِه مِنها.
فقال الجمهور: لا يجوز بيعه.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدراهم والدنانير ــ أي: العُروض ــ.
وقال عطاء: يجوز بكل شيء، دراهم ودنانير، وغير ذلك.
وإنَّما فرَّق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها: لأنَّه رَأى أنَّ المُعاوضة بالعُروض هي مِن باب الانتفاع، لإجماعهم على: أنَّه يجوز أنْ يَنتفع بِه».اهـ
2 ــ وقال الفقيه شمس الدِّين السفاريني الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “كشف اللِّثام شرح عُمدة الأحكام” (7/ 49):
«واتفق العلماء على: أنَّه لا يجوز بيع شيء مَن الأضاحي بعد ذبحها.
ثُمَّ اختلفوا في جلودها.
فقال أبو حنيفة: يجوز بآلة البيت، كالغربال، والمنخل، فإنْ باعها بدنانير ودراهم وفلوس، كُره ذلك، وجاز، إلا أنْ يبيعها بذلك، ويَتصدق بِه، فلا يُكره إذن.
وقال الإمام أحمد، وكذا الإمام مالك، والشافعي: لا يجوز ذلك».اهـ
3 ــ وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 312):
«ذَكرنا أنَّ مذهبنا: أنَّه لا يجوز بيع جلد الأضحية، ولا غيره مِن أجزائها، لا بما يُنتفع بِه في البيت ولا بغيره.
وبِه قال: عطاء، والنَّخعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق، هكذا حكاه عنهم ابن المُنذر.
ثمَّ حَكَى عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق: أنَّه لا بأس أنْ يَبيع جلد هديه ويَتصدق بثمنه.
قال: ورخصَّ في بيعه أبو ثور، وقال النَّخعي والأوزاعي: “لا بأس أنْ يَشتري بَه الغربال والمنخل والفأس والميزان، ونحوها”.
وحَكَى أصحابنا عن أبي حنيفة: أنَّه يجوز بيع الأضحية قبْل ذبحها، وبيع ما شاء مِنها بعد ذبحها، ويَتصدق بثمنه، قالوا: وإنْ باع جلدها بآلة البيت جاز الإنتفاع بها، ودليلنا حديث علي ــ رضي الله عنه ــ».اهـ
4 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 383):
«فأمَّا جواز الانتفاع بجلودها وجِلالها: فلا خلاف فيه.
لأنَّه: جُزء مِنها، فجاز لِلمُضحِّي الإنتفاع بِه كاللَّحم».اهـ
5 ــ وقال الفقيه علاء الدِّين المرداوي الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإنصاف” (9/ 384):
«قال المُصنِّف، والشارح: لا خلاف فى الانتفاع بجلودها».اهـ
ومِن أدلة جواز الانتفاع بجلود الأضاحي:
ما أخرجه مسلم (1971)، عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ أنَّه قالت: (( دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى زَمَنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ»، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الْأَسْقِيَةَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: نَهَيْتَ أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا» )).
وعند أبي داود (2812)، وغيره، بلفظ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ مِنْ ضَحَايَاهُمْ، وَيَجْمُلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ، وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ )).
وصحَّحه: ابن حِبَّان، ومُوفق الدِّين ابن قدامة، والألباني.
وسبب تحريم بيع لحم الأضحية وجلدها وصوفها وباقي الأشياء مِنها:
أنَّها بعد الذبح قد تعيَّنت لله بجميع أجزائها، وما تعيَّن لله، فإنَّه لا يجوز أخذ العِوض عليه بالبيع، كالوقف.
وقد أخرج البخاري (1490 و2623)، ومسلم (1620)، عن عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «لاَ تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» )).
وقد أشار إلى هذا السبب، والاستدلال له بالحديث: العلامة العُيمين ــ رحمه الله ــ في كتابه “الشرح المُمتع” (7/ 474).
وقال الفقيه ابن دقيق العيد ــ رحمه الله ــ في كتابه “إحكام الأحكام شرح عُمدة الأحكام” (3/ 153):
«وفي الحديث: دليل على المنع مِن الرجوع في الصدقة والهِبة، لِتشبيهه: برجوع الكلب في قَيئه، وذلك يدل على: غاية التنفير».اهـ
وأخرج مسلم (1317)، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا»، قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» )).
وفي لفظ آخَر: (( أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا )).
وقال الإمام البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح السُّنة” (7/ 188)، عقب هذا الحديث:
«فيه دليل على: أنَّ ما ذبَحه قُرْبَة إلى الله تعالى لا يجوز بيع شيء مِنه، فإنَّه ــ عليه السلام ــ لم يُجوِّز أنْ يُعطِي الجزَّار شيئًا مِن لحم هديه، لأنَّه يُعطيه بمقابلة عمله.
وكذلك كل ما ذبحه لله سبحانه وتعالى مِن أضحية، وعقيقة، ونحوها.
وهذا إذا أعطاه على: مَعنى الأُجْرة.
فأمَّا أنْ يَتصدق عليه بشيء مِنه: فلا بأس بِه، هذا قول: أكثر أهل العلم».اهـ
الفائدة السادسة:
مَن عيَّن بهيمة لِيُضَحِّي بها، ثُمَّ هلكت أو ضَاعت أو سُرقت بغير تفريط مِنه، ولا تعَدٍّ، ولا تقصير، فلا شيْ عليه في أصحِّ أقوال أهل العلم.
وذلك لِمَا: أخرجه البيهقي (19197)، بإسناد صحيح، عن تَميم بن حُوَيصٍ المِصرِيَّ أنَّه قال: (( اشتَرَيتُ شاةً بمِنًى أُضحيَّةً فضلَّت، فسأَلتُ ابنَ عباسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – عن ذَلِكَ فقالَ: لا يَضُرُّكَ )).
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
1 ــ قال الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأُمّ” (2/ 247):
«وإذا اشترى الرَّجل الضَّحية فأوجبَها أو لم يُوجبها، فماتت أو ضَلَّت أو سُرقت فلا بَدَل عليه، وليست بأكثر مِن هَدى تطوعٍ يُوجِبه صاحبه فيموت، فلا يكون عليه بَدَل، إنَّما تكون الأبدال في الواجب.
ولكنّه إنْ وجدَها بعدما أوجبَها ذبحها، وإنْ مضَت أيَّام النَّحر كلِّها، كما يُصنَع في البُدن مِن الهَدي تَضِل، لم يَكن أوجبَها فوجدها، لم يكن عليه ذبحها، ولو ذبحها كان أحبَّ إليَّ ».اهـ
2 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 388):
«وإذا وجبَت الأضحية بإيجابه لَها، فضَلَّت أو سُرقت، بغير تفريط مِنه، فلا ضمان عليه.
لأنَّها: أمانة في يَده، فإنْ عادت إليه ذبحها، سواء كان في زمَن الذَّبح أو فيما بعده على ما ذَكَرناه».اهـ
3 ــ وجاء في كتاب “المُدونة الكبرى” (1/ 549)، مِن كتب المالكية:
«قلت: أرأيت إنْ سُرقت أضحيته أو ماتت أعليه البَدَل؟، قال: قال مالك: إذا ضَلَّت أو ماتت أو سُرقت، فعليه أنْ يشتري أضحية أخْرى».اهـ
4 ــ وقال الفقيه أبو المعالي بُرهان الدِّين محمود ابن مَازَةَ البُخاري الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحيط البُرهاني في الفقه النُّعماني” (6/ 87-86):
«ذَكَر الزَّعفراني في “أضاحيه”: رجُل اشترى أضحية، فأوجَبَها لِلأضحية فضَلَّت عنه، ثم اشترى مِثلها، وأوجَبَها أضحية، ثم وجَد الأولى.
قال: “إنْ كان أوجَب الأُخْرى إيجابًا مُستأنفًا، فعليه أنْ يُضحِّي بهما، وإنْ كان أوجبَها بدلًا عن الأُولى، فله أنْ يذبح أيُّهما شاء”، ولم يُفصِّل بين الغَني والفقير.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: الفقير إذا اشترى أضحية، فسُرقت، فاشترى أُخْرى مكانها، ثم وجَد الأولى، فعليه أنْ يُضحِّي بهما، فرَّق بينه وبينما إذا كان غنيًّا.
والفرْق: أنَّ الوجوب على الفقير بالشراء، والشراء يتعدَّد، فيتعدَّد الوجوب، والوجوب على الغَني بإيجاب الشرع، والشرع لم يُوجب الأضحية إلا واحدة.
وفيه أيضًا: الفقير إذا اشترى أضحية، فضَلَت، فليس عليه أنْ يشتري مكانها أُخْرى، ولو كان غنيًّا، فعليه ذلك، لأنَّ: الوجوب على الفقير بالشراء، والشراء يتناول هذا العين، فوجَب التضحية بهذه العين، فسقط الوجوب بهلاكه، أمَّا الوجوب على الغَني فبإيجاب الشرع، والشرع لم يُوجب التضحية بهذه العين، فلا يَسقط الوجوب بهلاكه».اهـ
ــــ وقال أيضًا (5 / 292):
«وعلى هذا قالوا: إذا ماتت المُشْتَراة لِلتَّضحية فَعَلَى المُوسِر مكانها أُخْرَى، ولا شيء على الفقير».اهـ
5 ــ وقال الحافظ ابن المُنذر ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف” (3/ 4080409) “باب الأضحية تُوجَب ثمَّ تَضيع فيشتري غيرها ثمَّ تُوجد الأولى”:
«رُوِّينا عن ابن عباس أنَّه قال: (( إذا ضاعت فقد أجزأ )).
وقال الشافعي: لا تبدل عليه إذا ضلَّت أو سُرقت إنَّما الإبدال في الواجب.
وقال مالك في الأضحية: إنْ أصابها يوم النَّحر ذبحها، إلا أنْ يكون ضَحَّى فلا شيء عليه، فإنْ وجدها بعد يوم النَّحر صَنع بها ما شاء.
وقال أحمد، وإسحاق: في الأضحية تَهلك، ثم ابتاع غيرها، ثم وجدها قالا: يَذبحهما جميعًا.
وقال أبو ثور: إذا وجَد الأُولى يَصنع بالأُخْرى ما بَدا له.
وقال النُّعمان: إذا ضلَّت فوجدها بعد يوم النَّحر تَصدق بها حيَّة ولا يذبحها، لأنَّ أيام النَّحر قد ذهبت.
وبِه قال يعقوب، قال: ولو هلكت فاشترى غيرها فذبحها، ثم وجَد الأولى، فإنْ كانت التي ذبح مثلها أو أكثر قِيمة مِنها فإنَّه يَصنع بها ما بَدا له، وإنْ كانت أقل قِيمة تَصدق بفضل ما بينهما مِن القِيمة، ثمَّ يَصنع بالأُخْرى ما بَدا له».اهـ
الفائدة السابعة:
مَن أوجَب وعيَّن أضحية فليس له إبدالها بما هو دونها بلا خلاف بين العلماء، ويجوز أنْ يُبدلَها بأفضل مِنها عند أكثر أهل العلم، واختلفوا في إبدالها بمِثلها.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
1 ــ قال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 384)، عن إبدال الأضحية التي أوجَبها بما هو دونها:
«وقول الخِرَقِي: [ بخيرٍ مِنها ] يدُل على: أنَّه لايجوز بدونها.
ولا خِلاف: في هذا، لأنَّه: تفويت جُزء مِنها، فلم يَجُز كإتلافه».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن المُنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف على مذاهب العلماء” (3/ 409):
«واختلفوا في الرَّجل يُوجب الأضحية، ثمَّ يُريد إبدالها بغيرها.
فمِمَّن رَأى أنْ يَبيعها ويشتري غيرها: عطاء.
وقال عكرمة: في البَدَنَة كذلك، ورَخصَّ فيه: أحمد، وقال ابن الحسن: لا بأس بِه، ومنَع مِنه: الشافعي، وأبو ثور، وقال مالك: ذلك له في الضَّحية يُبدلها بخير مِنها، وليس ذلك في الهَدي».اهـ
3 ــوقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 383-384):
«مسألة: قال: [ ويجوز أنْ يُبدل الأضحية إذا أوجبَها بخير مِنها ]
هذا: المنصوص عن أحمد، وبِه قال: عطاء، ومجاهد، وعكرمة، ومالك، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن.
واختار أبو الخطَّاب: أنَّه لا يجوز بيعها ولا إبدالها.
لأنَّ أحمد: نصَّ في الهَدي إذا عَطِب أنَّه يُجزىء عنه، وفي الأضحية إذا هلكَت أو ذبحها فسُرقت لا بَدَل عليه، ولو كان مِلكه ما زال عنها لزِمه بدَلَها في هذه المسائل،.
وهذا: مذهب أبي يوسف، والشافعي، وأبي ثور، لأنَّه: قد جعلها لله تعالى فلم يَملك التصرُّف فيها بالبيع والإبدال كالوقف، …
ولَنَا: أنَّه عدَل عن عينٍ وجبَت لِحَق الله تعالى إلى خير مِنها مِن جنسها فجاز، كما لو وجبَت عليه بنت لَبون فأخرج حِقَّه في الزكاة.
فأمَّا بيعها: فظاهر كلام الخِرَقِي أنَّه لا يجوز.
وقال القاضي: يجوز أنْ يبيعها ويَشتري خيرًا مِنها.
وهو قول: عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة.
لِمَا: ذَكرنا مِن حديث بُدْن النَّبي صلى الله عليه وسلم وإشراكه فيها، ولأنَّ: مِلكه لم يَزُل عنها بدليل جواز إبدالها، ولأنَّها: عين يجوز إبدالها، فجاز بيعها كما قبْل إيجابها.
ولَنَا: أنَّه جعلها لله تعالى فلم يَجُز بيعها كالوقف.
وإنَّما جاز إبدالها بجنسها، لأنَّه: لم يَزُل الحق فيها عن جنسها، وإنَّما انتقل إلى خير مِنها، فكأنَّه في المَعنى ضَمُّ زيادة إليها».اهـ
ــــ وقال أيضًا (13: 384)، عن إبدال الأضحية التي أوجَبها بما هو دونها أو بمِثلها:
«وقول الخِرَقِي: “بخيرٍ مِنها”، يدُل على: أنَّه لايجوز بدونها.
ولا خِلاف: في هذا، لأنَّه: تفويت جزء مِنها، فلم يَجُز كإتلافه.
وإنَّه لا يجوز بمثلها: لِعدم الفائدة في هذا.
وقال القاضي في إبدالها بمثلها احتمالان:
أحدهما: جوازه، لأنَّه: لا يَنقُص مِمَّا وجَب عليه شيء.
ولَنَا: أنَّه بغير ما أوجَبَه لِغير فائدة، فلم يَجُز كإبداله بما دونها».اهـ
4 ــ وقال الفقيه أبو المعالي بُرهان الدِّين محمود ابن مَازَةَ البُخاري الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحيط البُرهاني في الفقه النُّعماني” (6/ 88):
«وإذا اشترى أضحية وباعها حتى جاز البيع في ظاهر رواية أصحابنا، ثمَّ اشترى مِثلها، وضَحَّى بها، فإنْ كانت الثانية مِثل الأُولى أو خير مِنها جاز، ولا يَلزمه آخَر، وإنْ كانت الثانية شرًّا مِن الأُولى، فعليه أنْ يَتصدق بفضل الثمنين.
قال شمس الأئمة السرخسي في “شرحه”: مِن أصحابنا من قال: هذا إذا كان الرَّجل فقيرًا، فأمَّا إذا كان غنيًّا مِمَّن يَجب عليه الأضحية، فليس عليه أنْ يَتصدق بفضل القِيمة، لأنَّ: في حق الغَني الوجوب عليه بإيجاب الشرع، فلا يِتعيَّن بتعينه في هذا المَحل.
ألا تَرى أنَّها لو هلكَت بقيِت الأضحية عليه، فإذا كان ما ضَحَّى بِه محلًا صالحًا لم يَلزمه شيء آخَر.
وأمَّا الفقير، فليس عليه أضحية شرعًا، وإنَّما لزِمَه بالتزامه في هذا المَحل بعينه، ولهذا لو هلكَت لم يَلزمه شيء آخَر، فإذا استفضل لِنفسه شيئًا مِمَّا التزمه كان عليه أنْ يَتصدق بِه.
قال الشيخ: والأصحُّ عندي أنَّ الجواب فيهما سواء، لأنَّ: الأضحية وإنْ كانت واجبة على الغَني في ذِمَّته، فهو مُتمكِّن مِن تعيين الواجب في المَحل، فيتعيَّن بتعيينه في هذا المَحل مِن حيث قدْر المالية، لأنَّه: تعيين، وإنْ كان لا مَعنى مِن حيث فراغ الذِّمَّة».اهـ
5 ــ وقال الفقيه أبو بكر الصِّقلي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الجامع لمسائل المدونة” (5/ 851)
«قال ابن القاسم: ومَن اشترى أضحية وأراد أنْ يُبدلها، قال مالك: لا يُبدلها إلا بخير مِنها.
قلت: فإنْ باعها واشترى دونها ما يَصنع بها وبفضلة الثمن؟، قال: قال مالك: لا يجوز له أنْ يَستفضل مِن ثمنها شيئًا، وذَكرت له الحديث الذي جاء في مثل ذلك، فأنْكَره، وقال: يشتري بجميع الثمن شاة.
قال ابن القاسم: فإنْ لم يجد بالثمن شاة فليزد مِن عنده حتى يشتري مثلها.
قال ابن حبيب: إن باعها واشترى بدون الثمن مِثلها أو خيرًا مِنها أو دونها فليتصدق بما استفضل، وكذلك لو أبدلها بدونها فليتصدق بما بين الثمنين، فإنْ شحَّ في الوجهين جميعًا صَنع بالفضل ما أحب.
وكذلك قال مَن لقيت مِن أصحاب مالك».اهـ
6 ــ وقال الإمام إسحاق بن منصور الكوسج ــ رحمه الله ــ في “مسائله عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه” (8/ 4028 ــ مسألة:2866):
«قلتــ يعني: لِلإمام أحمد ــ: تُستبدل الضَّحية؟، قال: نَعم بخيرٍ مِنها.
قال إسحاق: كما قال».اهـ
7 ــ وقال الإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ــ رحمهمها الله ــ في “مسائله عن أبيه” (ص: 266 ــ مسألة:987):
«قلت لأبي: اذا اشترى الرَّجل الشَّاة فأراد أن يَستبدل ما هو خير مِنها؟ قال: لا بأس».اهـ
8 ــ وقال الإمام الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الأُمّ” (2/ 246):
«ولا لَه أنْ يُبدلها بما هو خيرٌ مِنها، لأنَّه هكذا يقول في كل ما أَوْجَب، ولا تَعْدو الضَّحية إذا أُشتُرِيت أنْ يكون حكمُها حُكمَ واجبِ الهَدي، فلا يجوز أنْ تُبدَّل بألفٍ مثلها.
أو حكمُها حكمَ مالهِ يَصنع بِه ما شاء، فلا بأس أنْ يُبدِّلَها بما شاء، مِمَّا يجوز ضَحِية، وإنْ كان دونها ويَحْبِسُها».اهـ
الفائدة الثامنة:
عن مكان ذبح الأضحية، وأنَّه مكان وجود المُضحِّي وقت الذبح مِن حضَر أو سَفر.
السُّنة: أنْ يَذبح المُضَحِّي أُضحيَتة في المكان الذي يتواجد فيه وقت الذَّبح، فإنْ كان في بلده ذبح فيها، وإنْ كان في سفر ذبح في السَّفر.
لأنَّه: فِعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفِعل أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ في زمنه، وبعد وفاته.
أمَّا ذبح المُضحِّي في بلده:
فقد أخرج البخاري (968)، ومسلم (1961)، عن البَراء بن عازب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» )).
وأمَّا ذبح المُضحِّي في السَّفر:
فقد أخرج مسلم (1975)، عن ثوبان ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا ثَوْبَانُ: أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ»، فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ )).
وقال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المجموع شرح المُهذَّب” (8/ 403):
«مَحِلُّ التضحية: موضع المُضحِي، سواء كان بلده أو موضعه مِن السَّفر.
والأفضل: أنْ يُضحِّى في داره بمَشهَد أهله، هكذا قاله أصحابنا».اهـ
وجاء في كتاب “النَّجم الوهاج في شرح المِنهاج” (9/ 519)، مِن كتب الشافعية:
«ومحل التضحية: بلد المُضحِّي حيث كان في وقتها».اهـ
ومَن فعل ذلك فذبح أُضحيته في مكانه:
1 ــ فقد وافق فِعله فِعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفِعل أصحابه ــ رضي الله عنهم ــ، واقتدى بِه وبِهم، وكانوا سلَفَه.
2 ــ وسيكون ممَّن أظهر شِعار وشعيرة الأضحية بين أهله وأبنائه وبناته، وبين رِفاقه في السَّفر، ومَن صاحبَه، وأحياها فيهم، فلا تُنسَى مِنهم مع الأيَّام أو تُهجَر أو تَضْعُف.
3 ــ وسيتمكن بيُسر مِن تطبيق سُنن عديدة تتعلق بالأضحية بنفسه، كاختيار الأضحية على أكمل الوجوه، وذبحِها بيده، وفي أفضل أوقاته، لأنَّه: أمير نفسه، والدُّعاءِ بالقبول مِنه ومِن أهل بيته، لأنَّه: أحرَص مِن غيره، وإقامةِ سُنَّةِ التثليثِ بأكله وإهدائه مِنها، وإعطاء فقراء بلده مِن لحمِها، لاسيَّما جيرانه وقرابته مِنهم.
4 ــ وسيكون مُطمئنًّا في فِعله هذا، وأنَّه أصاب السُّنة النَّبوية، ومعه دليل الشرع يُقويه، ولن يَجترئ أحد على تخطئته إلا جاهل بالشريعة أو صاحب هوى وتحزُّب يُغالط.
5 ــ وسيخرج مِن خلاف العلماء الدائر بين الجواز والكراهة والتحريم، وليس فيهم مَن يقول أنَّه السُّنة.
وقد قال الفقيه أبو زكريا النَّووي الشافعي ــ رحمه الله ــ في شرحه على “صحيح مسلم” (2/ 23 ــ عند حديث رقم:49):
«لكن إنْ ندَبَه على جهة النَّصيحة إلى الخروج مِن الخلاف فهو: حسنٌ محبوب مندوب إلى فِعله برفق.
فإنَّ العلماء متفقون على: الحَث على الخروج مِن الخلاف إذا لم يَلزم مِنه إخلال بسُنَّة، أو وقوع في خلاف آخَر».اهـ
وأمَّا مَن كان يتعذَّر عليه ذبح الأضحية في مكانه أو لا يَكفي ماله لِلأضحية ببلده لِزيادة سعره ويَكفي في بلاد أُخرى لِرُخصها:
فذبحها في هذه البلاد الأُخْرى ففِعله جيد وحسن.
وذلك لأمرين:
الأوَّل: أنَّ توكيل غيره فيها خير مِن تركها.
والثاني: أنَّه قد أقام هذه الشعيرة، وتقرَّب إلى الله بها.
وبعض قوانين بعض بلاد الكفر: تَمنع مِن ذبح الأضاحي، ويتعذَّر على المسلمين مِن أهلها أو المُقيمين فيها إقامة هذه الشعيرة.
وهذا: مَخرج لَهم، لإقامة هذه الشعيرة.
الفائدة التاسعة:
لا يُعطَى الجزَّار أُجْرَتَه مِن لَحم الأضحية ولا مِن جلدها عند الأئمة الأئمة الأربعة، وغيرهم.
ويجوز أنْ يُعطى مِن باب الصدقة عند أكثر أهل العلم، ومِثل الصدقة الهدية.
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
1 ــ قال الفقيه بدر الدِّين العَيني الحنفي ــ رحمه الله ــ في كتابه “البَناية شرح الهداية (12/ 55):
«( م ): قال: ولا يُعطْي أُجْرة الجزَّار مِن الأضحية.
( ش ):أي: مِن الأضحية، هذا: عند عامة أهل العلم.
ورخَّص الحسن، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر: في إعطائه الجلد».اهـ
2 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 381):
«مسألة: قال: [ ولا يُعطَى الجازِر بأُجْرته شيئًا مِنها ].
وبهذا قال: مالك، والشافعي، وأصحاب الرَّأي.
ورخَّص الحسن، وعبد الله بن عُبيد بن عُمير: في إعطائه الجلد.
فأمَّا إنْ دَفع إليه لِفقره أو على سبيل الهدية: فلا بأس، لأنَّه: مُستحِق لِلأخذ، فهو: كغيره، بل هو: أولَى، لأنَّه: باشرها، وتاقت نفسه إليها».اهـ
3 ــ وقال الفقيه عون الدِّين ابن هُبيرة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإفصاح عن معاني الصِّحاح” (1/ 558 ــ قسم اختلاف العلماء):
«واتَّفقوا على أنَّه: لا يُعْطي ذابحها بأُجْرته شيئًا مِنها، لا مِن الجِلد ولا مِن اللحم».اهـ
ويَعني بقوله: “اتفقوا” أي: أئمة المذاهب الأربعة على نفس الحُكم.
ودليل ذلك:
ما أخرجه مسلم (1317)، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ أنَّه قال: (( «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا»، قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» )).
وفي لفظ آخَر: (( أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا )).
وقال الإمام البغوي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “شرح السُّنة” (7/ 188)، عقب هذا الحديث:
«فيه دليل على: أنَّ ما ذبَحه قُرْبَة إلى الله تعالى لا يجوز بيع شيء مِنه، فإنَّه ــ عليه السلام ــ لم يُجوِّز أنْ يُعطِي الجزَّار شيئًا مِن لحم هديه، لأنَّه: يُعطيه بمقابلة عمله.
وكذلك: كل ما ذبحه لله سبحانه وتعالى مِن أضحية، وعقيقة، ونحوها.
وهذا: إذا أعطاه على مَعنى الأُجْرة.
فأمَّا أنْ يَتصدق عليه بشيء مِنه: فلا بأس بِه، هذا قول: أكثر أهل العلم».اهـ
الفائدة العاشرة:
مَن عيَّن أضحية فوَلَدَت مولودًا حيًّا، فولدُها تابع لَهَا، حُكمه حُكمها، يُذبح ويُضحَّى بِه معها، على أصح أقوال أهل العلم.
وذلك لِما ثبت عن المُغيرة بن حَذْف ــ رحمه الله ــ أنَّه قال: ((كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَلِيٍّ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي اشْتَرَيْتُ بَقَرَةً نَتُوجًا لأُضَحِّيَ بِهَا، وَإِنَّهَا وَلَدَتْ فَمَا تَرَى فِيهَا وَفِي وَلَدِهَا؟ فَقَالَ: لا تَحْلُبْهَا إِلا فَضْلا عَنْ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الأَضْحَى فَضَحِّ بِهَا وَبِوَلَدِهَا عَنْ سَبْعَةٍ مِنْ أَهْلِكَ )).
وفي لفظ بعضهم: (( فَانْحَرْهَا هِيَ وَوَلَدَهَا عَنْ سَبْعَةٍ )).
[ أخرجه: ابن سعد في كتابه “الطبقات الكبرى” (6/ 231)، واللفظ له، والبيهقي (19192 و 19192)، وابن أبي حاتم في “العِلل” (1619)، وابن قُدامة في “المُغني” (13/ 375-376)، وغيرهم. ]
وقد رواه: شُعبة، والحَكم، وسفيان الثوري، وأبوالأحوص، والأجلح ــ خمستهم ــ عن زُهير بن أبي ثابت، عن المُغيرة بن حَذْف، عن علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ بِه.
وزهير، وثقه ابن مَعين، وأبو حاتم الرَّازي، وغيرهما.
ومُغيرة بن حَذْف، قال عنه ابن معين: “مشهور”، وذَكره ابن خلفون في “الثقات”، ورَوى عنه جمع مِن الثقات، وهو يَحكي واقعة شهدها.
وقال الإمام أبو زُرعة الرَّازي ــ رحمه الله ــ كما في كتاب “العِلل” (1619)، لابن أبي حاتم:
«الصَّحيح: ما حدثنا أبو نُعيم، عن أبي إسرائيل، عن الحَكم، عن المُغيرة بن حَذْف، عن علي: (( أَنَّهُ أَتَاهُ رجلٌ بِبَقَرَةٍ قَدْ وَلَدَتْ يريدُ أنْ يُضَحِّيَ بِهَا؟، فَقَالَ: «لا تَشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا إِلا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يومُ الأَضْحَى ضَحَّيْتَ بِهَا وَوَلَدِها» )).
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ــ رحمه الله ــ في كتابه “تلخيص الحبير” (4/ 266 ــ رقم:2413):
«وحُكِي عن أبي زُرعة أنَّه قال: هو حديث صحيح».اهـ
ودونكم ــ سدَّدكم الله ــ بعض كلام الفقهاء ــ رحمهم الله ــ مع مصدره، وقائله:
1 ــ الإمام قال إسحاق بن منصور الكوسج في “مسائله عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية” (1674):
«قلت: قال سفيان في رجلٍ اشترى بَدَنَةً فنَتَجت، قال: إذا نحرَها يَبدأُ بالأُمِّ، ثم ولدها، قال أحمد: لا تُبالي بأيِّها بَدَأت، قال إسحاق: كما قال أحمد».اهـ
2 ــ وقال الحافظ ابن المُنذر النيسابوري ــ رحمه الله ــ في كتابه “الإشراف” (3/ 409):
«رُوِّينا عن علي بن أبي طالب أنَّه قال: (( في البَدنة لا يَشرب مِن لبنها إلا فضلًا عن ولدها، فإذا كان يوم النَّحر فنَحرَها هي وولدها عن سبعة ))، وبه قال الشافعي».اهـ
3 ــ وقال الإمام مُوفَّق الدِّين ابن قُدامة الحنبلي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُغني” (13/ 375-376):
«وجُملته: أنَّه إذا عيَّن أضحية فولدُها تابع لَهَا، حُكمه حُكمها، سواء كان حَمْلًا حين التَّعيين أو حدَث بعده.
وبهذا قال: الشافعي.
وعن أبي حنيفة: لا يَذبحه ويَدفعه إلى المساكين حيَّا، وإنْ ذبحه دفعه إليهم مذبوحًا، وأرْش ما نَقَصَه الذبح، لأنَّه: مِن نمائها لَزِمه دفعه إليهم على صفته، كصوفها وشعرها.
ولَنَا: أنَّ استحقاق ولَدِها حُكم يَثبت لِولد بطريق السِّراية مِن الأُمِّ، فيثبُت له ما يَثبت لَها، كولَد أُمِّ الولد والمُدبَّرة.
إذا ثبَت هذا، فإنَّه يَذبحه كما يذبحها، لأنَّه: صار أضحية على وجْه التَّبَع لأُمِّه، ولا يجوز ذبْحه قبل يوم النَّحر، ولا تأخيره عن أيَّامه كأُمِّه.
وقد رُوي عن علي ــ رضي الله عنه ــ أنَّ رجلًا سأله فقال: (( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إنِّي اشْتَرَيْت هَذِهِ الْبَقَرَةَ لِأُضَحِّيَ بِهَا وَإِنَّهَا وَضَعَتْ هَذَا الْعِجْلَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَحْلُبْهَا إلَّا فَضْلًا عَنْ تَيْسِيرِ وَلَدِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَضْحَى فَاذْبَحْهَا وَوَلَدَهَا عَنْ سَبْعَةٍ )).
رواه: سعيد بن منصور، عن أبي الأحْوص، عن زُهير العبْسي، عن المُغيرة بن حَذْف، عن علي».اهـ
4 ــ وجاء في كتاب “الدِّين الخالص” (5/ 40)، لِمحمود خطاب السُّبكي ــ رحمه الله ــ:
«وقالت المالكية: ولَد الأُضحية إِنْ خرج حيًّا قبل ذبح أُمِّه أو بعدَه وبِه حياة مستقرة، نُدِب ذبْحه، وفُعِل بِه ما يُفعل بأُمِّه، وإِنْ لم يُذبح وبقِى لِعام قابل، صحَّ أنْ يُضَحَّى بِه».اهـ
5 ــ وقال الفقيه ابن حزم الظاهري ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُحلى” (6/ 38-39 ــ مسألة رقم:979):
«وإنْ ولدت: فله أنْ يبيع ولدها أو يُمسكه أو يذبحه، …، وقال أبو حنيفة، والشافعي: “إنْ ولدت ذبح ولدها معها”، وقال مالك: “ليس عليه ذلك”.
رُوِّينا عن علي أنَّه سأله رجل معه بقرة قد ولدت فقال: (( كنت اشتريتها لأُضحِّي بها؟، فقال له علي: لا تحلبْها إلا فضلًا عن ولدها، فإذا كان يوم الأضحى فاذبحها وولدها عن سبعة ))».اهـ
6 ــ وقال الفقيه جمال الدِّين الصردفي الشافعي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المعاني البديعة في معرفة اختلاف أهل الشريعة” (1/ 410):
«مسألة: عند الشافعي، وأحمد: إذا ولدت الأضحية ذبح ولدها معها.
وعند أبي حنيفة: لا يُذبح ويدفع إلى الفقراء وهو حَي، فإنْ ذبَحه أخرجه وقِيمة ما نقص بالذبح».اهـ
الفائدة الحادية عشرة:
عن الأضحية عن الجَنين الذي في بطن أُمِّه.
1 ــ أخرج الإمام مالك في “الموطأ” (2139 أو 362)، عن نافع مولى ابن عمر: (( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي عَمَّا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ )).
وإسناده: صحيح.
2 ــ وقال عبد الرزاق في “مُصنَّفه” (8136):
أخبرنا مَعِمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: (( أَنَّهُ كَانَ لَا يُضَحِّي عَنْ حَبَلٍ، وَلَكَنْ كَانَ يُضَحِّي عَنْ وَلَدِهِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، وَيَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ كُلِّهِمْ )).
وإسناده: صحيح.
وقال القاضي أبو الوليد الباجي المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “المُنتقى شرح الموطأ” (3/ 100):
«قوله: (( لم يكن يُضحِّي عمَّا في بطن المرأة ))، يريد: أنَّه ليس له حُكم الحَي حتى يَستهل صارخًا بعد الولادة.
ألا تَرى: أنَه لا يَرث، ولا يُورث، ولا يُحكم له بحُكم الوصية، والأضحية مِن أحكام الحَي.
وقد رَوى محمد، عن مالك: لا يُعجبني أنْ يُضحِّي الرَّجل عن أبويه المَيتين».اهـ
وقال الحافظ ابن عبد البَر المالكي ــ رحمه الله ــ في كتابه “الاستذكار” (15/ 206-207):
«الاختلاف في الضَّحية عمَّا في بطن المرأة: شُذوذ.
وجمهور العلماء على: ما رُوي عن ابن عمر في ذلك».اهـ
××××××××××××
××××××××××××
الفهارس
المقدمة: [ص: 1]
المسألة الأولى / عن المُراد بالأضحية: [ص: 2]
المسألة الثانية / عن مشروعية الأضحية: [ص: 2-5]
المسألة الثالثة / عن نوع مشروعية الأضحية، وأنَّها استحباب: [ص: 5-8]
المسألة الرابعة / عن الأضحية للمسافر: [ص: 8-10]
المسألة الخامسة / عن حُكم الأضحية للحاج: [ص: 10-15]
المسألة السادسة / عن حُكم الأضحية عن الميِّت: [ص: 15-27]
تنبيهان:
الأوَّل: إذا أوصَى الميِّت بأنْ يُضحَّى عنه، وترَك لذلك مالًا، فإنَّ وصيَّتَه تُنفَّذ: [ص: 23-26]
الثاني: مَن ضَحَّى عن ميِّت فهل له الأكلُ مِن الأضحية؟: [ص: 26-27]
المسألة السابعة / عن ذبح الأضحية والتصدق بثمنها أيُّهما أفضل: [ص: 27-28]
المسألة الثامنة / عن الأجناس التي يُضحَّى بها مِن الحيوان: [ص: 29-30]
المسألة التاسعة / عن أفضل ما يُضحَّى بِه مَن بهيمة الأنعام: [ص: 30-313]
المسألة العاشرة / عن الاشتراك بين المُضحِّين بالإبل والبقر: [ص: 33-41]
وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:
الأوَّل: عن حُكم اشتراك أكثر مِن مُضَحٍّ في ناقة واحدة أو بقرة واحدة: [ص: 33-34]
الثاني: عن حكم اشتراك أهل البيت الواحد في سُبع بعير أو سُبع بقرة: [ص: 34-38]
الثالث: عن الأفضل في الأضحية، هل هو التَّضحِية بشاة كاملة، أو بسُبعٍ مِن بعير أو بقرة: [ص: 39-41]
المسألة الحادية عشرة / عن الأضحية بالغنم ضأنًا ومَعزًا: [ص: 41-49]
وتحت هذه المسألة خمسة فروع:
الأوَّل:عن اشتراك أهل البيت الواحد في أضحية واحدة مِن الغنم: [ص: 41-42]
الثاني: عن ضابط أهل البيت الذين تُجزئ عنهم شاة واحدة: [ص: 42-44]
الثالث: عن اشتراك أهل البيت الواحد في قيمة الأضحية مِن الغنم على سبيل الحِصَص: [ص: 44-45]
الرابع: عن الأضحية بأكثر مِن واحدة مِن الغنم: [ص: 45-48]
الخامس: عن أفضل الأضاحي مِن الغنم: [ص: 48-49]
المسألة الثانية عشرة / عن سِنِّ الأضحية: [ص: 49-59]
الأضحية مِن جِهة السِّن على قسمين:
الأوَّل: الإبل، والبقر، والمَعز: [ص: 49-55]
الثاني: الضَّأن مِن الغنم: [ص: 55-58]
فائدتان:
الأولى: عن الصوف ومتى يُعرف بِه أنَّ الضأن قد أجذَع: [ص:58]
الثانية: عن بيان أنَّ تقدير سِن الأضحية إنَّما هو لبيان إجزاء الأعلى مِنه وعدم إجزاء الأصغر: [ص: 59]
المسألة الثالثة عشرة / عن العيوب التي تُرَدُّ بها الأضحية ولا تُجزأ معها: [ص: 59-74]
مسألة: عن الأضحية بمقطوع الذَّنَب: [ص:73]
فائدة جامعة: تتعلق بالعيوب التي لا تُجزئ في الأضحية: [ص: 73-74]
المسألة الرابعة عشرة / عن العيوب التي إذا وُجِدَتْ في الأضحية لم تُؤثِّر في إجزائها، مع الكراهة: [ص: 74-83]
تنبيه: عن ضعف حديث في عدم جواز الأضحية بالبَتراء : [ص:81-82]
فائدة جامعة: تتعلَّق بما لا يُؤثِّر مِن العيوب في إجزاء الأضحية : [ص:83]
المسألة الخامسة عشرة / عن وقت ذبح الأضحية: [ص: 83-94]
وتحت هذه المسألة أربعة فروع:
الأوَّل: عن أوَّل وقت ذبح الأضاحي: [ص: 83-87]
فائدة: عن المُعتبَر في تحديد وقت الذبح، وأنَّه بمقدار صلاة العيد والخطبتين: [ص: 87-88]
الثاني: عن آخِر وقت ذبح الأضاحي: [ص: 88-91]
الثالث: عن حُكم ذبح الأضحية ليلًا: [ص: 91-92]
الرابع: عن حُكم ذبح الأضحية بعد انتهاء وقتها: [ص: 92-94]
المسألة السادسة عشرة / عن الأكل والتَّصدُّق والإهداء مِن لحم الأضحية، وإطعام لحمها جميعه للفقراء، أو أكل المُضحِّي جميعه: [ص: 94-103]
وتحت هذه المسألة فرعان:
الأوَّل: عن استحباب تثليث لحم الأضحية: [ص: 94-99]
الثاني: عن حُكم إطعام الكافر مِن لحم الأضحية: [ص: 99-102]
تنبيه: الكافر الحربي لا يجوز أنْ يُطعِمَه المسلم مِن لَحم أضحيته: [ص: 102-103]
المسألة السابعة عشرة / عن كيفية ذبح الأضحية: [ص: 103-116]
وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:
الفرع الأوَّل: عن أقسام الأضحية مع الذَّبح: [ص: 103-106]
القسم الأوَّل: الإبل: [ص: 103-104]
القسم الثاني: البَقر، والضَّأن، والمَعز: [ص: 104-106]
الفرع الثاني: عن حُكم تنكيس ذبْح الأضحية، بنَحْر ما يُذبَح، وذبْح ما يُنْحَر: [ص:106]
الفرع الثالث: عن مُباشرة المسلم ذبْح أضحيته بنفسه، وتوكيله لغيره كمسلمٍ بالغٍ أو مُراهقٍ أو امرأة أو كافرٍ كتابي أو غير كتابي في ذبْحها، وذبح الكافر الكتابي بالصعق بالكهرباء: [ص: 107-116]
مسألة أولى: عن ذبح المُضحي أضحيته بنفسه: [ص: 107-108]
مسألة ثانية: عن توكيل المُضحي لِرَجل ذَكر مسلم في ذبح أضحيته: [ص: 108-109]
فائدة: عن توكيل مسلم خبير بالذبح، وفقيه بأحكامه : [ص:109]
مسألة ثالثة: عن توكيل المُضحي لامرأة أو مُراهق مِن المسلمين في ذبح أضحيته: [ص: 109-110]
مسألة رابعة: عن توكيل المُضحي لِكافر كِتابي في ذبح الأضحية: [ص: 111-114]
تنبيهان:
الأوَّل: عن توكيل الكتابي الذي يذبح بالصعق بذبح الأضحية، وأنَّ ذكاته لا تَحل، ولا يؤكل ما ذبح: [ص:114]
الثاني: عن إباحة ذبح الصبي والمرأة مِن أهل الكتاب إذا أطاقا وعقلا وذكَّي[ص:114-115]
مسألة خامسة: عن توكيل المسلم لِكافر غير كِتابي كالوثني والمجوسي وغيرهما في ذبح الأضحية: [ص: 115-116]
المسألة الثامنة عشرة / عن التسمية، والتكبير، والدعاء بالقبول، عند ذبح الأضحية: [ص: 116-127]
مسألة أولى: عن مشروعية التسمية والتكبير والدعاء بالقبول وقول اللهم هذا منك ولك، وقول اللهم هذا مِن فلان: [ص: 116-120]
مسألة ثانية: عمَّن نَسِي التسمية عند الذبح، فإنَّ ذبيحته حلال، ويجوز له ولغيره الأكل مِنها: [ص: 120-121]
مسألة ثالثة: عن صفة التسمية: [ص: 121-123]
مسألة رابعة: عن الصلاة على النَّبي صلى الله عليه وسلم عند ذبح الأضحية وأنَّها مكروهة لا تُشرع: [ص: 123-124]
مسألة خامسة: هل يُسَمِّي المُوَكَّل بالذبح مَن وكَّله، فيقول عند الذبح: “اللهم تقبَّل مِن فلان”:[ص: 1242-126]
زيادة: توضيح تتعلق بمذهب الحنفية : [ص: 126-127]
المسألة التاسعة عشرة / عن استقبال القبلة عند ذبح الأضحية، وأنَّه سنة لا واجب: [ص: 127-128]
المسألة العشرون / عن أخذ مُريد الأضحية من شعره وأظفاره وجلده إذا دخلَّت عشر ذي الحِجَّة الأُوَل: [ص: 128-139]
وتحت هذه المسألة ثلاثة فروع:
الأوَّل: عن حُكم أخذ المُضَحِّي مِن شعره وأظفاره وجِلده إذا دخلَت العشر: [ص: 128-131]
الثاني: عن المُضَحِّي يتعمَّد أو يَنسَى فيأخذ مِن شعره وأظفاره وجِلده بعد دخول العشر: [ص: 131-132]
الثالث:عن حُكم أخْذ مَن يَعولهم المُضّحِّي كالزوجة والأبناء والبنات والوالدين والإخوة والأخوات مِن شعرهم وأظفارهم وجلودهم: [ص: 132-138]
فائدة: عن المُراد بالبشرة: [ص:139]
المسألة الحادية والعشرون / عن حُكم الاجتزاء بالأضحية عن العقيقة إذا ضُحِّيَّ بها عن المولود [ص: 139-149]
وتحت هذه المسألة فرعان:
الأوَّل: عن حُكم الاجتزاء بالأضحية عن العقيقة: [ص: 139-146]
الثاني: عن إجزاء الأضحية عن العقيقة متى يكون عند مَن يرى الإجزاء: [ص: 147]
تنبيه: عن نسبة إجزاء الأضحية عن العقيقة إلى مذهب أبي حنيفة: [ص: 147-149]
المسألة الثانية والعشرون / عن استحباب حلْق شعر الرأس بعد ذبح الأضحية: [ص: 149-151]
المسألة الثالثة والعشرون / عن بعض الفوائد المتعلِّقة بأحكام ومسائل تتعلق بالأضحية: [ص: 152-178]
الفائدة الأولى: لا يَصِحُّ حديث خاص عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في فضل وذِكر ثواب ذبح الأضحية: [ص:152]
الفائدة الثانية: مَن كانت عنده إبل أو بقر أو ضأن أو مَعز فاختار مِنها واحدة صحيحة سليمة مِن العيوب، وأوجبَها أضحية له، ثُمَّ حدَث بها عيب يَمنع الإجزاء، ليس مِن فعله، ولا هو سببه، فإنَّه يذبحها وتُجزئه: [ص: 152-154]
الفائدة الثالثة: تَعَيُّنُ شاةٍ بعينها ووجوبُها على المُضحِّي لا يكون إلا بالقول عند أكثر العلماء: [ص: 154-157]
الفائدة الرابعة: إذا أوجَبَ رجُلٌ أضحيةً وعيَّنها بالقول ثُمَّ مات قبْل ذبحها، فهل تُذبح عنه، أمْ تنتقل للورثة؟: [ص: 157-159]
الفائدة الخامسة: عن حكم بيع المُضحِّي لشيء مِن لحم أضحيته، أو جلدها أو صوفها وشعرها بعد ذبحها، وانتفاعه بجلدعا وصوفها وجِلالها: [ص: 160-163]
الفائدة السادسة: مَن عيَّن بهيمة لِيُضحِّي بها، ثُمَّ هلكت أو ضاعت أو سُرقت بغير تفريط مِنه ولا تعَدٍّ ولا تقصير فلا شيْ عليه في أصحِّ أقوال أهل العلم: [ص: 163-166]
الفائدة السابعة: مَن عيَّن أضحية فليس له إبدالها بما هو دونها بلا خلاف، ويجوز أنْ يُبدلَها بأفضل مِنها عند أكثر أهل العلم، واختلفوا في إبدالها بمِثلها: [ص: 166-170]
الفائدة الثامنة: عن مكان ذبح الأضحية، وأنَّه مكان وجود المُضحِّي وقت الذبح مِن حضَر أو سَفر: [ص: 170-172]
الفائدة التاسعة: لا يُعطَى الجزَّار أُجْرَة مِن لحم الأضحية ولا مِن جلدها عند الأئمة الأئمة الأربعة، وغيرهم: [ص: 172-174]
الفائدة العاشرة: مَن عيَّن أضحية فوَلَدَت مولودًا حيًّا، فولدُها تابع لَهَا، حُكمه حُكمها، يُذبح ويُضحَّى بِه معها، على أصح أقوال أهل العلم: [ص: 174-177]
الفائدة الحادية عشرة: عن الأضحية عن الجنين الذي في بطن أُمِّه: [ص: 177-178]
الفهارس: [ص: 178-185]