إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > العقيدة > خطبة مكتوبة بعنوان: « موعظة وتذكير مع الترهيب من التشاؤم في شهر صفر »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « موعظة وتذكير مع الترهيب من التشاؤم في شهر صفر »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 23 يوليو 2026
  • 118
  • إدارة الموقع

مَوْعِظَةٌ مَعَ التَّرْهِيبِ مِنَ التَّشَاؤُمِ فِي شَهْرِ صَفَرَ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى الْجِنَانِ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ التُّقَى وَالرِّضْوَانِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَعَظِّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، وَأَجِلُّوهُ إِجْلَالًا كَبِيرًا، فَلَا يَرَى مِنْكُمْ إِلَّا مَا يُرْضِيهِ، وَلَا يَرَاكُمْ إِلَّا حَيْثُ يُحِبُّ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّكَاسُلَ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَالْإِصْرَارَ عَلَى الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ، وَالتَّسْوِيفَ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى دِينِهِ وَمَرْضَاتِهِ، فَإِنَّكُمْ عَلَى وَشَكِ النُّقْلَةِ وَالِارْتِحَالِ، وَآجَالُ أَنْفُسِكُمْ بِيَدِ اللَّهِ لَا بِأَيْدِيكُمْ، وَإِلَيْهِ وَحْدَهُ لَا إِلَى غَيْرِهِ.

أَلَسْنَا نَرَى: الْإِنْسَانَ يَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مُطْمَئِنًّا هَانِئًا يَنْتَظِرُ غَدَهُ ثُمَّ لَا يَقُومُ مِنْهُ؟

أَلَسْنَا نَرَى: مَنْ وَافَاهُ أَجَلُهُ وَهُوَ فِي مَرْكَبَتِهِ يُرِيدُ بَيْتَهُ وَأَهْلَهُ؟

أَلَسْنَا نَرَى: مَنْ قُطِعَتْ حَيَاتُهُ وَهُوَ مُؤَمِّلٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَأَنْ يُصْبِحَ ذَا مَالٍ وَأَهْلٍ وَوَلَدٍ؟

أَلَسْنَا نَرَى: مَنْ جَاءَتْهُ سَاعَةُ مَوْتِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَمُنْكَرٍ وَفَاحِشَةٍ؟

أَلَسْنَا نَرَى: مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَفَاضَتْ رُوحُهُ وَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: غَدًا أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، غَدًا أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي، غَدًا أَلْزَمُ مَا يُرْضِي خَالِقِي، غَدًا أَكُونُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، غَدًا أَكُونُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا.

{ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ }.{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ }.{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ }.{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ }.

أَيُّهَا النَّاسُ:

إِنَّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى مِنَ الْكُفَّارِ:

التَّطَيُّرَ ــ وَهُوَ: التَّشَاؤُمُ ــ، حَيْثُ: كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِالْأَشْيَاءِ كَرُؤْيَةِ الْغُرَابِ وَالْبُومِ وَرُؤْيَةِ الرَّجُلِ الْأَعْوَرِ أَوِ الْأَعْمَى أَوِ الْمُبْتَلَى فِي جَسَدِهِ، وَيَتَشَاءَمُونَ بِدُخُولِ شَهْرِ صَفَرَ، وَبِسَمَاعِ بَعْضِ الْأَصْوَاتِ وَالْأَسْمَاءِ، حَتَّى تَرَكُوا بَعْضَ مَصَالِحِهِمْ وَأَسْفَارِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ ضَرَرٌ أَوْ يَلْحَقَ بِهِمْ بَلَاءٌ، لِضَعْفِ تَوَكُّلِهِمْ عَلَى اللَّهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ الَّذِي بِيَدِهِ تَصْرِيفُ جَمِيعِ أُمُورِ عِبَادِهِ، وَإِلَيْهِ أَقْدَارُ خَلْقِهِ، وَلَا يَحْصُلَ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا كَتَبَهُ وَقَدَّرَهُ وَشَاءَهُ وَأَذِنَ بِوُقُوعِهِ.

وَقَدْ ثَبَتَ أنَّ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ قالَ لِرَجُلٍ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيءٌ جِهَةَ القَدَرِ: (( لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ ))، ثُمَّ أتَى هذا الرَّجُلُ إِلَى ابِنِ مَسْعُودٍ وَحُذيفَةَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ــ فَقَالَا لَهُ مِثلَمَا قَالَ أُبَيٌّ ، ثُمَّ أتَي زَيدَ بنَ ثَابِتٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ فَحَدَّثَهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ مِثلَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ الثَّلَاثَةِ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ــ.

وَقَدْ أَبْطَلَتْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ: التَّطَيُّرَ وَالتَّشَاؤُمَ الْجَاهِلِيَّ، لِأَنَّ: الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا لَمْ يَجْعَلْهَا اللَّهُ أَسْبَابًا حَقِيقِيَّةً لِحُصُولِ أَضْرَارٍ وَمَصَائِبَ وَشُرُورٍ بِرُؤْيَتِهَا أَوْ سَمَاعِهَا أَوْ دُخُولِهَا.

فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (( لَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: (( الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ )).

وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (( مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ ))، وَثَبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ )).

وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (( لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ )).

وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: (( وَلَا صَفَرَ ))، أَيْ: لَا تَشَاؤُمَ بِشَهْرِ صَفَرَ، وَلَا عَلَاقَةَ لِدُخُولِهِ بِحُصُولِ مُصِيبَةٍ أَوْ ضَرَرٍ أَوْ هَزِيمَةٍ فِي حَرْبٍ أَوْ كَثْرَةِ فِتَنٍ وَحَوَادِثَ، فَلَا يَمْتَنِعِ الْعَبْدُ مِنْ شَيْءٍ سَيَفْعَلُهُ بِسَبِ دُخُولِ شَهْرِ صَفَرَ عَلَيْهِ.

وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ التَّطَيُّرَ فِي الْقُرْآنِ: إِلَّا عَنْ أَعْدَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ وَيَتَشَاءَمُونَ بِهِمْ وَبِمَنْ آمَنَ بِهِمْ وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ }.

فَجَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ السُّعَدَاءِ، إِنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْفَتَّاحِ الْعَلِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ الْأَمِينِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْمَيَامِينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ يَا رَبَّنَا يَا كَرِيمُ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ لِبَاسٍ لَكُمْ وَزَادٍ، وَأَفْضَلُ وَسِيلَةٍ إِلَى رِضَاهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ آمِرًا لَكُمْ: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }.{ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }.

وَحَقِيقَةُ تُقَاهُ سُبْحَانَهُ هِيَ: فِعْلُ مَا أَمَرَ بِهِ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ، وَالْقِيَامُ بِالْفَرَائِضِ، وَالتَّكْمِيلُ بِالسُّنَنِ، وَالْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ وَالطَّاعَةِ، وَصُحْبَةِ أَهْلِهَا، وَتَرْكِ الشِّرْكِيَّاتِ وَالْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي، وَالْبُعْدِ عَنْ أَهْلِهَا وَقَنَوَاتِهَا وَدُعَاتِهَا وَأَحْزَابِهَا وَجَمَاعَاتِهَا وَطُرُقِهَا وَفِرَقِهَا.

مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ: بِتَحْقِيقِ التَّقْوَى، وَجَعَلَنِي وَإِيَّاكُمْ: مِنَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَجَعَلَنَا: مِمَّنْ إِذَا ذُكِّرَ ادَّكَرَ، وَإِذَا وُعِظَ اعْتَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ: وَفِّقِ الْوُلَاةَ وَنُوَّابَهُمْ وَجُنْدَهُمْ وَعُمَّالَهُمْ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَسَدِّدْهُمْ إِلَى مَرَاضِيكَ، اللَّهُمَّ: ارْفَعِ الضُّرَّ عَنِ الْمُتَضَرِّرِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ: أَصْلِحْ لَنَا الذُّرِّيَّةَ وَالنِّسَاءَ وَجَمِيعَ الْأَهْلِ وَالْقَرَابَةِ، وَبَارِكْ لَنَا فِيهِمْ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.