إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « توجيهات مهمات نحتاجها أوقات الاعتداء على أهل أو بلاد الإسلام »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقعِ.

خطبة مكتوبة بعنوان: « توجيهات مهمات نحتاجها أوقات الاعتداء على أهل أو بلاد الإسلام »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقعِ.

  • 10 يوليو 2026
  • 15
  • إدارة الموقع

توجيهات مُهمَّات نحتاجُها أوقات الاعتداء على أهل أو بلاد الإسلام

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي يَبتلِي عبادَهُ بالسَّرَاءِ والضَّرَّاءِ، ويَختبِرُهُم بالمنْعِ والإعطاءِ، ولَهُ الحِكمَةُ فيما قدَّرَ وقَضَى، وكلُّ عبدٍ إلى ما قدَّرَهُ عليهِ وقضَاهُ صائِرٌ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ القهَّارُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أُوذِيَ في اللهِ بالقولِ والفِعلِ، وسُعِيَ في قتْلِهِ مِرارًا فأنجَاهُ اللهُ، وأُخْرِجَ مِن بلَدِهِ وأهلِهِ فأعزَّهُ اللهُ، اللهمَّ صَلِّ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسَلِّمْ تسلِيمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فاتقوا اللهَ تعالى حقَّ تقواهُ، وكونوا لِنعَمَتِهِ شاكرِينَ، ولابتِلائِهِ صابرِينَ مُحتَسِبينَ، ومِن ذُنوبِكُم تائِبينَ مُستَغفِرينَ، واعلَموا أنَّ اللهَ قدْ قَضَى أنْ يَبتَلِيَ المُؤمِنينَ فيما يُحِبُّونَ ويَكرَهونَ، وفي أنفسِهِم وأهلِيهِم وأبنائِهِم وبناتِهِم وأموالِهِم ودِيارِهِم وأبدانِهِم لِينظُرَ كيفَ يعملونَ؟ أيَصبِرونَ أمْ يَجزَعونَ، وهلْ يتوبونَ مِن ذُنوبِهِم ويَستغفِرونَ أمْ يَستمِرونَ في غيِّهِم ويَزيدونَ؟ فقالَ سُبحانَهُ: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وقالَ تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }، فأخبَرَ سُبحانَهُ في هذهِ الآياتِ بأنَّهُ سَيبتَلِي عبادَهُ بشيءٍ مِن الخمسَ المَذكوراتِ، ووعَدَ الصابرِينَ على هذا الابتلاءِ بالرَّحمَةِ، ووصَفَهُم بالهِدايَةِ، وأتمَّ النِّعمَةَ بصلواتِهِ عليهِم، ولَهُ سُبحانَهُ الحِكْمَةُ التامَّةُ في تقديرِ المُصيباتِ، وتَنويعِِ الشِدَّاتِ، والزِّيادَةِ لِبعضٍ دُونَ بعضٍ، وسُكَّانِ بلَدٍ دُونَ آخَرِينَ، وأهلِ زمَانٍ دونَ زمانٍ.

فيَا مَن أصابتْهُ آلَامٌ وجُروحٌ، وحَلَّتْ بِهِ مِحَنٌ وكُروبٌ، ودَهَمَتْهُ حُروبٌ ومَجازِرٌ، وحصَلَتْ لَهُ فِتَنٌ وشُرورٌ، وأُجْلِيَ مِن بلَدِهِ وشُرِّدَ، واعترَتْهُ أمراضٌ في عقلِهِ أوْ بَدَنِهِ أوْ أهلِهِ، وضَرَبَهُ الجُوعُ والفاقَةُ بعدَ الغِنَى والشِّبَعِ، وجاءَهُ الخوفُ بعدَ الأمْنِ، أمَا سمِعتَ قولَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ))، أمَا مَرَّ بِكَ قولُهُ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحُ: (( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))، ألَمْ يَبلُغْكَ قولُهُ صلى الله عليه وسلم الثابتُ: (( مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّهُ لا يَخفَى عليكُم ما يَجرِي هذهِ الأيَّامِ على إخوانٍ لَكُم مُسلمينَ مِن ظُلمٍ واعتِداءٍ وتَدمِيرٍ وإهلاكٍ وتَجوِيعٍ وتَمزيقٍ وتخويفٍ وإرهابٍ وقَتْلٍ وإبادَةٍ وإجلاءٍ وتشريدٍ وحِصَارٍ وخَنْقٍ مِن غيرِ رأفَةٍ ولا رحمَةٍ، بلْ بقسوَةٍ وشَراسَةٍ، وغِلْظَةٍ وشَناعَةٍ، قلَّ مِثلُهَا في التاريخِ، حتَّى إنَّهُ لمْ يَسلَمْ مِنها شيخٌ كبيرٌ ولا امرأَةٌ عجوزٌ ولا طِفلٌ رَضِيعٌ ولا أمٌّ حُبْلَى ولا شابٌّ وشابَّةٌ ولا مريضٌ ولا مُقعَدٌ ولا منزِلٌ ولا مسجِدٌ ولا مدرسَةٌ ولا مُستشفًى ولا طريقٌ، يَجري إهلاكُهُم وتدميرُهُم بأيَدٍ حاقِدَةٍ، وأنفُسٍ مُجرِمَةٍ فاجِرَةٍ، وأسلِحَةٍ فتَّاكَةٍ، وتعاوُنٍ غادِرٍ، واعتداءٍ مُتَكَرِّرٍ.

ومعَ هذا كُلِّهِ فلا نقولُ إلا ما يُرضِي اللهَ عَنَّا: «إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجِعونَ، اللهمَّ أْجُرْنَا في مُصيبَتِنَا وأخْلِفْ لَنَا خيرًا مِنهَا»، ونقولُ لإخوَانِنَا المُعتدَى عليهِم: «إنَّ للهِ ما أخَذَ ولَهُ ما أعْطَى وكُلُّ شيءٍ عندَهُ بأجَلٍ مُسمّى فلْتَصْبِروا ولْتَحْتَسِبوا»، ونُوصِيهِم: بالصَّبرِ، وأنْ لا يَستهِينوا بِهِ، فإنَّ اللهَ وعَدَ على الصَّبرِ بالنَّصرِ والظَّفَرِ في الدُّنيا وإهلاكِ الظالِمِ الباغِي والعَدوِّ الكافِرِ، وفي الآخِرَةِ بالجنَّةِ، فقالَ تعالى: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ }، وثبَتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأُمِّ عَمَّارٍ وَهُمَا يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «اصْبِرُوا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ» ))، ونقولُ لِهؤُلاءِ الظالِمينَ المُجرِمينَ المُعتدِينَ الذين تكالَبُوا عليهِم: انتَظروا بأسَ اللهِ وعُقوبتَةُ، فقدْ صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } ))، واعلَموا أنَّ دِماءَ وأموالَ وأعرَاضَ المُسلِمينَ عندَ ربِّهِم ليستْ بهِيِّنَةٍ ولا رَخيصَةٍ، بلْ جعلَ لَهَا مَوعِدًا للمُحاسبَةِ والمُقاصَّةِ والجَزاءِ، حتَّى إنَّهُ يُقتَصُّ لِلبَهيمَةَ المَنطُوحَةِ بقَرْنِ أُخْتِهَا المُعتَدِيَةِ، فصحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ )).

ويا مَن ابتُلِيتُم بالاعتداءِ والظُّلمِ بَغْيًا وعُدوانًا عليكُم بهذهِ الأُمورِ الثلاثَةِ:

الأمْرُ الأوَّل: بالتَّضرُّعِ إلى اللهِ في دَفْع ما حَلَّ بِكُم، فإنَّ التَّضَرُّعَ مِن أجَلِّ حِكَمِ الابتلاءِ بالبأسَاءِ والضَّرَاءِ، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }، بلْ إنَّ اللهَ تعالى ذَمَّ ووبَّخ أقوامًا لمْ يَتضرَّعُوا إليه حِينَ ابتِلاهُم، فقالَ ــ عَزَّ وجَلَّ ــ: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }.

الأمْرُ الثاني: أنْ تُنزِلوا شكواكُم باللهِ وحدَهُ لا بخلْقِهِ، فإنَّهُ لا رَبَّ لَكُم غيرَهُ تَقصِدونَهُ وتَدعونَهُ، ولا إلَهَ لَكُم سِوَاهُ تُؤمِّلُونَهُ وتَرجُونَهُ، ولا حولَ ولا قوَّةَ لَكُم إلا بِهِ، وهوَ سُبحانَهُ نِعْمَ المَولَى والنِّصيرِ، الذي يَتوَلَّى المُؤمِنينَ فيَدْفَعُ عنهُم شَرَّ الكُفَّارِ، وكيدَ الفُجَّارِ، وتكالُبَ الأشرارِ، ومَكرَ أهلِ الإجرَامِ، ومَن كانَ اللهُ مَولَاهُ وناصِرَهُ فلا خوفٌ عليهِ، ومَن كانِ اللهُ عليهِ فلا عِزَّ لَهُ ولا مَنَعَةَ وإنْ كانْ بيَدِهِ المالُ والسِّلاحُ والرِّجَالُ، ولتكنْ لَكُم أُسْوَةٌ بنبِيِّ اللهِ وعبدِهِ الصابِرِ يعقوبَ ــ عليهِ السلامُ ــ في مُصابِهِ بولَدِهِ يُوسُفَ، إذْ قالَ: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ }، وقالَ لِمَن آلمُوهُ: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ }، فكانتِ العاقِبَةُ: { ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ }، ولتَكونُوا على يَقينٍ بأنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ، والفرَجَ معَ الكرْبِ، وأنَّ مع العُسْرِ يُسْرًا، وبذلِكَ قضَى اللهُ وحَكَمَ.

الأمْرُ الثالِثُ: أنْ تُكثِروا مِن العبادَاتِ مِن صلاةٍ وصِيامٍ ودُعاءٍ واستِغفارٍ وقراءَةِ قرآنٍ وذكرٍ للهِ، وغيرِهَا، فإنَّها مِن أشَدِّ أسلِحَةِ النَّصرِ على الأعداءِ، وأوسَعِ أبوابِ الفرَجِ والتنفيسِ، ولَمَّا تجمَّعَتْ قريشٌ وغطَفَانٌ وقبائِلُ العرَبِ بتحرِيضٍ مِن اليهودِ والمُنافقينَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم والمُؤمِنينَ في غزوَةِ الأحزَابِ، قالَ حُذيفَةُ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أوصَى بالإكثارِ مِن العبادَات وبيَّنَ كبيرَ أجْرِهَا وقتَ القتلِ والاقتتالِ، فقالَ: (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ: كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )).

وسُبحانَ اللهِ وبحَمدِهِ: عدَدَ خلْقِهِ، ورِضَا نفسِهِ، وزِنَةَ عرشِهِ، ومِدَادَ كلِماتِهِ.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ التَّوَّابِ، والصلاةُ والسلامُ على نَبِيِّهِ الأوَّابِ، وآلِهِ وصَحبِهِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فإنَّ مِنَ الأُمورِ المُحرَّمَةِ شرْعًا حينَ الفِتَنِ والظُّلمِ والاعتِداءِ: سَبَّ ولَعْنَ حُكَّامِ المُسلِمينَ، والتحريضَ عليهِم، والتألِيبَ ضِدَّهُم، لأنَّ هذهِ الطريقَةَ تزيدُ الشُّرورَ والفِتَنَ والأضرارَ في البلادِ، وعلى الدِّينِ والدُّنيا والعِبادِ، ولِسانُ المُؤمِنِ عَفِيفٌ، وليسَ بفاحِشِ ولا بِذِيءٍ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ ))، وثبت أنَّ أنَسًا ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( نَهَانَا كُبْرَاؤُنا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَنَا: لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ وَلَا تَغْشَوْهُمْ وَلَا تَعْصُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ ))، والمُؤمِنُ يُدْرِكُ أنَّهُ مُحَاسَبُ على نُطْقِ لِسانُهُ في حقِّ الحاكِمٍ وغيرِ الحاكِم ومَن يُحِبُّ ومَن يَكرَهُ، وفي ذِهْنِهِ قولُ ربِّهِ تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }.

ولا يجوزُ: أنْ يَفتاتَ أحَدٌ على حاكِمِ بلِدِهِ في مسائِلِ العلاقاتِ معَ الدُّولِ الأُخْرَى، ويتظاهَرَ عليهِ لِطرْدِ سفيرٍ أوْ قطْعِ علاقَةٍ معَ دولَةٍ أوِ الضَّغطِ عليها اقتصادِيًا، ويَتكلَّمَ فيهِ لأجْلِ موقِفٍ اتَّخذَتْهُ حُكومَتُهُ، لأنَّ هذهِ الأمورَ مِن اختِصاصِ الحاكِمِ، وهوَ الذي يُقدِّرُ المَصالِحَ والمفاسِدَ العائِدَةَ على بلَدِهِ أو بلادِ المُسلِمينَ الأُخْرَى باتِّخاذِ مِثلِ هذهِ الإجرَاءَاتِ، وأعرَفُ بمآلاتِ هذهِ الأفعالِ وعَواقِبهَا، وأدْرَى بضَعْفِ وقُوَةِ واقتصادِ دولَتِهِ، وبمَكْرِ أعدائِهَا بهَا وقُوَّتِهمِ، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهُ: (( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ مِنَ الأُمورِ المُقررَّةِ في القرآنِ والسُّنَّةِ، والمُسلَّمَاتِ في الإسلامِ: أنَّهُ ما تَسلَّطَ علينا أعدَاؤُنَا، وتوسَّعَتْ آلامُنَا، واشتَدَّتْ مِحَنُنَا، وضَعُفَتْ قُوَانَا، وتدَهوَرَ اقتِصادُنَا، وهُنَّا على النَّاسِ إلا بسبَبِ ذُنوبِنَا، وما يقعُ مِنَّا وفينَا مِن شِركِيَّاتٍ وبدَعٍ ومعاصِي، وقدْ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعزَّ ــ في تقريرِ هذا الأمرِ: {  وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }، وقالَ سُبحانَهُ: { وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }، وثبتَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ عن أُمَّتِهِ معَ الذُّنوبِ: (( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَأْخُذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللهِ إِلَّا جَعَلَ بِأَسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))، ألَا فلا يَغِبْ عَنَّا هذا الأصَلُ، ولا نَنَسَاهُ أوْ نَغْفَلَ عنهُ، أو نُضَلَّلَ جِهتَهُ مِن قِبَلِ الفضائِيَّاتِ والمُحَللينَ السِّياسِيينَ وأبوَاقِ التغرِيبِ والعَلمانِيَّةِ واللِّبرَالِيَّةِ، { فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ }.

اللهمَّ: ارْفَعِ الضُّرَ عنِ المُتضرِّرينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، وسَلِّمْ لَهُم أنفُسَهُم وأهلِيهِم وأموالَهُم ودِيارَهُم، وادْفَعْ عنهُم ما نَزَلَ بِهِم مِن بَلاءَ وكَرْبٍ، وارْبِطْ على قُلوبِهِم فلا يقولوا ويفعلوا إلا ما يُرضِيكَ، اللهمَّ: مَن آذَى  المُسلِمينَ واعتَدَى عليهِم فأنْزِلْ عليهِ رِجْزَكَ وعذابَكَ، ورُدَّ كيدَهُم عليهِم وفي بلادِهِم، واجعَلْ أسلِحتَهُم مَحرَقةًَ لَهُم، ونَكَِّل بِهِم وشرِّدْهُم في الأرضِ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحيَاءً وأموَاتًا، إنَّك سميعٌ مُجِيبٌ قوِيُّ قادِرٌ قاهِرٌ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.