إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « الماء نعمة فلا تسرفوا فيه ولا تذهبوا بركته بالذنوب »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « الماء نعمة فلا تسرفوا فيه ولا تذهبوا بركته بالذنوب »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 26 يونيو 2026
  • 13
  • إدارة الموقع

الماء نِعمَة فلا تُسرفوا فيه ولا تُذهِبوا برَكته بالذُّنوب

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــخطبة 

الحمدُ للهِ الذي بيدِه آجالُ العِبادِ، وإليهِ المَرجِعُ والمآبُ، وعليهِ الحِسابُ والجزاءُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ شديدُ العِقابِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المُنِيبُ الأوَّابُ، وصَلَّى الله وسلَّمَ عليهِ وعلى جميعِ الأنبياءِ الأمجَادِ، وعلى الصحابَةِ الأبرَارِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فإنَّ الماءَ نِعمَةٌ كُبرَى، وضرورَةٌ عُظمَى، يحتاجُهُ النَّاسُ والحَيوَانُ والنَّباتُ في معاشِهِم شديدًا، بلْ لا حياةَ لَهُم مِن غيرِهِ، ويَحتاجُهُ الجَوُّ بهوائِهِ وغُبارِهِ، وتحتاجُهُ الأرضُ بأتربَتِهَا ونباتِهَا وأشجارِهَا ومبانِيهَا ومراكِبِهَا ومصانِعهَا وثرواتِهَا النِّفطيَّةِ  والغازِيَّةِ وغيرِهَا، وقدْ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعلا ــ مُمتَنًّا على عبادِه بالماءِ: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ }، وقالَ تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ }، وقالَ سُبحانَهُ: { وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }، وقالَ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ }، وقالَ ــ تبارَكَ وتقدَّس ــ: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ }، وقالَ عزَّ شأنُهُ: { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ }.

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ أضرارَ وعواقِبَ قِلَّةِ المياهِ، وقِلَّةِ بركَتِهَا شديدَةٌ وبئِيسَةٌ جدًّا، إذْ تقِلُّ بسبَبِها مياهُ الأنهارِ والعُيونِ والآبارِ، وتيبَسُ الأرضُ، ويَحترِقُ أو يَموتُ غِطاؤُها النَّباتِيُ، وتَشتدُّ حَرارَةُ وبُرودَةُ الجَوِّ، لاسِيَّما معَ مُرورِ الأيَّامِ السِّنينَ، وإسرافِ النَّاسِ الكبيرِ في الماءِ، وتزايُدِ استخدامِ الماءِ في الصِّناعاتِ الحديثَةِ، وكثرَةِ الزِّراعَةِ العشوائيَةِ غيرِ المَدروسَةِ، وأنتُم تعلمونَ ما حصلَ لأهلِ بلادٍ كثيرَةٍ مِن شُحٍّ في الأمطارِ، وانحسارٍ لِمياهِ الأنهارِ وتلوُّثِها، وجَفافِ العُيونِ، ونُضُوبِ أو قِلَّةِ مياهِ الآبارِ الجَوفيِّةِ، وبُعْدِهَا الشديدِ عن سطحِ الأرضِ إلى مِئاتِ وآلافِ الأمتارِ، حتَّى رُؤيَ أهلُها يُخرُجونَ مِن بُيوتِهِم في طلبِ الماءِ مِن قبْلِ صلاةِ الفجرِ فلا يَرجِعونَ إلا معَ مَغيبِ الشمسِ، وبماء لا يَكفِيهِم إلا لأيَّامٍ قليلَةٍ، وبسعرٍ كبيرٍ، وقد يكونُ مُعكَّرًا بالشَّوائِبِ وما يَضُرّ، وأمَّا مَزَارِعُهُم وبساتِينُهُم فيبِسَتْ أشجارُهَا، وقلَّتْ محاصِيلُهَا، بل لمْ تَعُدْ مِن مصادِرِ رِزقِهِم، وأصبَحُوا يَبحثونَ عن أعمالٍ ومِهَنٍ ووظائفَ أُخْرَى، وفي بلادٍ غيرِ بلادِهِم، وارتفعَتْ عندَهُم أسعارُ المَعيشَةِ لقلَّةِ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ، وأعلافِ البهائِمِ، والحَطَب.

ألَا فاتقوا اللهَ ــ أيُّّها النَّاس ــ لِئَلَّا يُصيبَكُم كالذي أصابَهُم أوْ يَحلَّ بدِيارِكُم، واعرِفُوا قدْرَ نِعمَةِ الماءِ عليكُم، وفضْلَ مُبارَكَةَ اللهِ لَكُم فيها، ولا تُذْهِبُوهَا أو تُنقِصُوهَا بالذُّنوبِ والآثامِ، والإسرافِ والتبذيرِ، وتَرْكِ أوْ ضَعفِ شُكرِ اللهِ عليها، فإنَّهُ ما نَزلَ بالعِبادِ بلاءٌ وشَرٌّ إلا بذَنْبٍ، ولا حَلَّتْ مُصيبَةٌ وكَرْبٌ إلا مِن خطاياهُم، ولا فشَا الفسادُ في البَرِّ والبحرِ والجَوِّ إلا بسبِ سيِّئَاتِهِم، ولا ذَهبَتْ برَكَةُ النِّعَمِ إلا مِنَ الآثامِ، وقدْ قالَ اللهُ ــ تبارَكَ وتقدَّسَ ــ مُخْبِرًا لَنَا عن ذلِكَ ومُحذِّرًا مِنهُ: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، وقالَ ــ جلَّ وعزَّ ــ: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ))، وثبتَ: (( أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ أَكْثَرُ، وَتَلَا: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } ))، ونُقِلَ عن بعضِ الصحابَةِ وغيرِهِم أنَّهُم قالوا: (( مَا نَزَلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ )).

وإنَّهُ لا يَرتفِعُ ذلِكَ عن العِبادِ إلا بتقوى اللهِ ــ جلَّ وعلا ــ، باتِّباعِ أوامِرِهِ، والقِيامِ بِما فرَضَ، وتَرْكِ ما نَهَى عنهُ وزجَرَ، والتوبَةِ النَّصوحِ إليهِ، وكثْرَةِ استغفارِهِ، والاستقامَةِ على شريعتِهِ، والبُعدِ عنِ الفسادِ في الأرضِ والإفسادِ بالشِّركيَّاتِ والبِدَعِ والمعاصِي، فقد قالَ اللهُ ــ عزَّ شأنُهُ ــ مُبشِّرًا: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }، وقالَ سُبحانَهُ: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ }، وأخْبَرَ ــ جلَّ وعلا ــ أنَّ نُوحًا ــ عليهِ السلامُ ــ قالَ لِقومِهِ: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا }، وقالَ اللهُ ــ تبارَكَ اسمُهُ ــ: { وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ }، وقالَ تعالى: { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا }.

اللهمَّ: أطعَمْتَ وسَقَيتَ وأغنَيتَ وأقنَيتَ وهَدَيتَ وأحيَيتَ، فلَكَ الحمدُ على ما أعطيتَ.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي تتابَعَتْ على خلقِهِ نِعمُهُ، وتكامَلَتْ فيهِم حُجَجُهُ، وصلَّى اللهُ على خاتَمِ أنبيائِهِ محمدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ كثيرًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها النّاسُ:

فقدِ اتفقَّ الفقهاءُ ــ رحمَهُمُ اللهُ ــ على النَّهيِّ عن الإسرافِ في الماءِ حتَّى ولو كانَ الإنسانُ على شاطِئِ البحرِ، أو كانَ يَستعملُ الماءَ في عبادَةٍ كوضوءٍ واغتسالٍ مِن حيضٍ أو جنابَةٍ أو لِجُمُعَةٍ أو إحرامٍ بحَجٍّ أو عُمْرَةٍ أو لِعيدٍ، وقدْ صحَّ عن أنسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ ))، والمُدٌّ: مِلُ كَفَيِّ اليَدَينِ المُتوسِّطَتينِ، وجاءَ في حديثٍ صحَّحَهُ جمْعٌ مِنَ العلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ ))، فاحذَروا أنْ تكونوا مِن هؤلاءِ القومِ المُعتدِينَ، وقدْ قالَ العلماءُ ــ: «الطَّهُورُ هو: الماءُ الذي يُتَطهَّرُ بِهِ، والاعتِدَاءُ في الطَّهورِ يكونُ: بالزِّيادَةِ على ثلاثِ غسْلاتٍ في الوضوءِ، وإسرافِ الماءِ، والمُبالَغَةِ في الغَسْلِ إلى حَدِّ الوَسْوَاسِ».

اللهمَّ يا حَيُّ يا قيومُ: ارْفَعِ الضُّرَ عنِ المُتضرِّرينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، ومُنَّ علينا وعليهِم بالأمِنِ والرِّزقِ والعافيَةِ وراحَةِ النفسِ وطُمأنينَةِ القلبِ، اللهمَّ: سدِّد ولاةَ أُمورِ المُسلِمينَ إلى مراضيكَ، وأقِمْ بِهِم شريعَتَكَ، وأصلِحْ بِهِم عبادَكَ وأرضَكَ، اللهمَّ: أجِرْنا ووالِدِينا وأهلِينا وجميعَ المُسلِمينَ مِن خِزْيِ الدُّنيا وعذابِ الآخِرةِ، وثبِّتنَا بالقولِ الثابتِ في الحالِ والمِآلِ، واغفرْ لَنَا الذُّنوبَ، واحشُرنَا في زُمرَةِ نبيِّكَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأدخِلْنا في شفاعتِهِ، وأورِدْنَا حوضَهُ العذْبَ الشَّهِيَّ الزُّلالَ شارِبينَ مِنهُ، إنَّك سميعُ الدُّعاءِ، واسعُ الفضْلِ والعطاءِ، عظيمُ الرَّحمَةِ، جَوادٌ كريمٌ.

وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.