صَونُ اللِّسَان عن غِيبَة أهلِ الإيمان
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ اللهِ جامِعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لِيومِ الفصْلِ والدِّينِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الِصادِقُ الأمِينُ، اللهمَّ فصَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ المَيامِين.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فاتقوا اللهَ ربَّكُم حقَّ تقواهُ، ولا تغترُّوا بإمهالِهِ لَكُم، وحِلمِهِ عليكُم، وأصلِحوا أقوالَكُم، وانتبِهوا لِمَا يخرجُ مِن قيلِ ألسِنَتِكُم، فإنَّ كلامَكُم مُحْصًى عليكُم، وإنَّكُم لمُجازَونَ عليهِ، وقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُرهِّبًا لَكُم ومُنبِّهًا: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }، { رَقِيبٌ عَتِيدٌ } «يكتبُ كُلَّ ما تكلَّمَ بِهِ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، حتى إنَّهُ يكتبُ قولَهُ: أكلتُ وشرِبتُ وذهبتُ وجئتُ ورأيتُ»، هكذا قالَ ابنُ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُما ــ، ويومَ القيامَةِ تُحْضَرُ الكتبُ التي سَجلَّتِ الملائِكَةُ فيها أقوالَ النَّاسِ وأفعالَهُم، فتطيرُ لَهَا القلوبُ، وتعظُمُ مِن وقعِها الكُروبُ، ويُشفِقُ مِنها المُجرِمونَ، وحِينَئِذٍ يَتوجَّعونَ فيقولونَ: { يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا } أيْ: مالَهُ لا يَترُكُ خطيئَةً صغيرَةً ولا كبيرَةً إلا وقدْ كُتِبتْ وحُفِظتْ علِينا فيهِ، فلَم يُنْسَ مِنها عملُ سِرٍّ ولا علانِيَةٍ ولا ليلٍ ولا نهارٍ ولا وقتَ شبابٍ وكُهولَةٍ وشَيخُوخَةٍ، { أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }، شهيدٌ على الظواهِرِ والسَّرائِرِ والخَبايا والأقوالِ والأفعالِ والمُجَاهرَةِ.
أيُّها النَّاسُ:
الخوفَ الخوفَ والنَّجاةَ النَّجاةَ مِن هذا اللسانِ قبلَ ساعَةِ السِّياقِ، وبُلوغِ الرُّوحِ التراقِيَ، قبلَ أنْ يقولَ الإنسانُ: أينَ المفر؟ يومَ يُبعثَرُ ما في القبور ويُحَصَّلُ ما في الصُّدورِ ولا ينفعُ ندَمٌ ولا يُقبلُ مُعْتَذَرٌ، بلْ عقوبَةٌ وعذابٌ شديدٌ، وقد ثبتَ أنَّ رَجُلًا سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: ((مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَىَّ؟ فَأَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ «هَذَا» )).
أيُّها النَّاسُ:
لمَّا أدرَكَ الصالِحونَ الخائِفونَ مِنَ اللهِ الوجِلُونَ، أهلُ القلوبِ الخاشِعَةِ المُنكسِرَةِ الليِّنَةِ، والعقولِ الحيَّةِ المُتبَصِّرَةِ خطرَ اللسانِ على صاحبِهِ رأيتَ مِن أحوالِهِم عَجَبًا، وسمِعتَ عنهُم ما يَزيدُكَ مِنَ اللهِ رَهَبًا، وقرأتَ في صِفاتِهِم ما يُعرِّفُكَ نقصَكَ وضَعْفَ دِينِكَ كثيرًا، وأنَّكَ مُفرِّطٌ مُتساهِلٌ مُسَوِّفٌ مُغتَرٌّ، فثبتَ عنِ ابنِ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( أَنَّهُ ارْتَقَى الصَّفَا فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: يَا لِسَانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ» ))، وثبتَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ دخلَ على أبي بَكْرٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُما ــ وهوَ يَجْبِذُ لِسانَهُ، فقالَ لَهُ: (( مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ )) أيِ: المَهَالِكِ، وثبت أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ ))، وقيلَ لِبَكْرٍ المُزَنِيّ: «إِنَّك تُطيِلُ الصَّمْتَّ، فَقَالَ: إِنَّ لِسَانِيَ سَبُعٌ إِنْ تَرَكْتُهُ أَكَلَنِي»، وقالَ بعضُهُم: «رأيتُ مالِكًا صامِتًا لا يتكلَّمُ ولا يلتفِتُ يمِينًا ولا شِمَالًا إلَّا أنْ يُكلِّمَهٌ إنسانَ فيَسمعُ مِنهُ ثمَّ يُجِيبُهُ بشيءٍ يسيرٍ، فقِيلَ لَهُ في ذلِكَ، فقالَ: وهلْ يَكُبُّ النَّاسَ في جهنَّمَ إلا هذا وأشارَ إلى لِسانِهِ»، وأبْيَنُ مِن هذا ما صحَّ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ )).
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ السلامَةَ مِن غضَبِ اللهِ، وألِيمِ عقابِهِ، وشديدِ بأسِهِ، وكبيرِ انتقامِهِ، وعظيمِ أخذِهِ، لَهَا أثمانٌ وأسبابٌ، ومِن أجَلِّ أثمانِها وأسْعَدِ أسبابِها حِفظُ اللسانِ وصونُهُ وإبعادَهُ عن صُنوفِ اللَّغو مِن الكذِبِ والنَّمِيمَةِ والغِيبَةِ والسَّبِّ واللَّعنِ والقذْفِ وشهادِةِ الزُّورِ والسُّخرِيَةِ والاستهزاءِ وهَجْوِ النَّاسِ بِذِكْرِ عُيوبِهِم والتَّنكِيتِ عليهِم لِلإضْحاكِ والنَّبْزِ بالُّسوءِ والتعييرِ والتحقيرِ والقدْحِ في الأنسابِ، لأنَّ اللسانَ إنْ لم يُحفظْ أكَبَّ صاحبَهُ على وجهِهِ في النَّارِ، حيثُ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لِمُعاذٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟», فَقَالَ مُعَاذٌ: بَلَى، فَأَخَذَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا», فَقَالَ مُعَاذٌ: وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟, فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ: عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» ))، بلْ قد يُسقِطُ اللسانُ صاحبَهُ في أسِحَقِ منازِلٍ النَّارِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْمَغْرِبِ ))، وقدْ تُسبِّبُ كلِمَةُ اللسانِ السَّيِّئِةِ سَخَطَ الرَّبِ على قائِلِها إلى يومِ القيامَةِ، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ))، وحِفظُ اللسانِ والفرْجِ عمَّا حُرِّمَ عليهِما قدْ ضَمِنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِصاحبِهِ الجَنَّةَ، حيثُ صحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ )).
{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ العظيمِ الحَلِيمِ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على النبيِّ محمدٍ وآلِهِ وصَحِبِهِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فاتقوا اللهَ تعالى في إخوانِكُم المُسلِمينَ مِن أيِّ جِنسٍ ولَونٍ وبلَدٍ وعِرْقٍ ونسَبٍ وعرَبٍ وعَجَمٍ، وصِغارٍ وشبابٍ وكُهولٍ ومُسِنِّينَ ورِجالٍ ونِساءٍ وحُكامٍ ومحكومِينَ وعُلماءٍ وعساكِرٍ بحِفظِ ألْسِنَتِكُم عن غِيبَتِهِم، والوقيعَةِ في أعراضِهِم، وعن لَعْنِهِم وسَبِّهِم، فإنَّ ذلِكَ مِنَ الذُّنوبِ الكبيرَةَ، والخِصَالِ القبيحَةِ، والطِباعِ الرَّدِيئَةِ، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ )).(( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ))، وقد اتَّفَقَ العلماءُ على أنَّ غِيبَةَ المُسلِمِ لأخيهِ المُسلِمِ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ وليسَ مِن صِغارِها»، ويَدُلُّ على أنَّ الغِيبَةَ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ قولُ اللهِ سُبحانَهُ زاجِرًا: { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }، حيثُ شبَّهَ اللهُ الغِيبَةَ بأكلِ لَحْمِ الآدَمِيِّ الميِّتِ المُسلِمِ، وأكلُ لَحْمِهِ مِن أشنَعِ وأشدِّ الآثامِ، وأخسِّ وأبشع الفِعالِ، وقدْ ثبتَ عن عمرِو بنِ العاصِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( أَنَّهُ مَرَّ عَلَى بَغْلٍ مَيِّتٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَأَنْ يَأْكُلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذَا الْبَغْلِ حَتَّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ )) أي: خيرٌ لَهُ مِن أنْ يَغتابَ مُسلِمًا ويقعَ في عِرْضِهِ.
والغِيبَةُ هيَ: «أنْ يَذكرَ المُسلِمُ أخاهُ المُسلِمَ في وقتِ غِيابِهِ بما هوَ فيهِ مِمَّا يَكرَهُ»، وسَواءٌ تكلَّمَ على خِلْقَتِهِ أو خُلُقِهِ أو فِعالِهِ أو أقوالِهِ أو عقلِهِ أو أهلِهِ أو نَسَبِهِ أو لَونِهِ أو طبعِهِ أو غيرِ ذلِكَ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ))، وصحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنها ــ قالتْ: (( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، ــ تَعْنِي: أنَّها قَصِيرَةٌ ــ فَقَالَ لَهِا: لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ )).
أيُّها النَّاسُ:
إنَّ المُغتابَ لا يَضرُّ بغِيبَتِهِ غيرَ نفسِهِ، وإنَّهُ لنْ يُسوِّدَ بها إلا وجهَهُ وصحيفَةَ أعمالِهِ، وسَتَجْلِبُ لَهُ في الدُّنيا التقبيحَ والخِزْيَ والإهانَةَ والتحقيرَ والمشاكِلَ، وأمَّا في الآخِرَةِ فعاقِبَتُها عليهِ بئِيسٌةٌ وألِيمَةٌ، إذْ لا تُكفِّرُها الصلاةُ ولا الصيامُ ولا الصَّدقَةُ ولا الحَجُّ ولا تِلاوَةُ القرآنِ ولا كثرَةُ الذِّكرِ والاستغفارِ ولا غيرُها مِن الأعمالِ الصالِحَةِ، بلْ سَتَبقَى لِلقصاصِ والمُوازَنَةِ بينَ الحسناتِ والسيِّئَاتِ، وهوَ بغِيبَتِهِ أو سبِّهِ أو لَعنِهِ أو هَجْوِهِ أو تَنكيتِهِ قد يجعل نفسَهُ في الآخِرَةِ مِنَ المُفلِسينَ، وسيَرفَعُ مِن حالِ ومنازِلِ مَن تكلَّمَ فيهِم، ويَزيدُ في حسناتِهِم، ويُخفِّفُ مِن سيِّئَاتِهِم، فيَا لِسعادَتِهِم بذلِكَ، ويا لِعظيمِ ما كسبوهُ منهُ، ويا لِخسارَتِهِ الشديدَةِ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))، وثبتَ أنَّ الإمامَ عبدَ الرحمنِ بنَ مَهْدِيٍّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ لَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَا يَبْقَى فِي هَذَا الْمِصْرِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَعَ فِيَّ وَاغْتَابَنِي، وَأَيُّ شَيْءٍ أَهْنَأُ مِنْ حَسَنَةٍ يَجِدُهَا الرَّجُلُ فِي صَحِيفَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْمَلُهَا وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا».
وإنَّ مِن عُقوباتِ المُغتابِينَ أيضًا: ما ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ )).
ومِن عُقوباتِ المُغتابِينَ التي قدْ تَحصُلُ لَهُم في الدُّنيا: ما جاءَ بسندٍ صحَّحَهُ الإمامُ الألبانِيُّ وغيرُهُ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرهِّبًا: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَبِعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَفَضَحَهُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ ))، ألَا فكيفَ بعدَما ذُكِرَ مِن وعيدٍ شديدٍ في الغِيبَةِ تَهْنَأُ لِلمُغتابِ حَياةٌ ويَطِيبُ لَهُ عَيشٌ ويَهدأُ لَهُ بالٌ وتَلَذُّ لَهُ عَينٌ بنومٍ.
هذا، وأسأل اللهَ سُبحانَهُ: أنْ يُطهِّرَ قلوبَنَا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحسَدِ، وألسِنَتَنا مِنَ الغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ والسَّبِّ واللَّعنِ والكذِبِ والبُهتانِ، اللهمَّ: احفظْ علينا أسماعَنا وأبصارَنا وألسِنَتَنا عن كُلِّ ما يُغضِبُكَ، اللهمَّ: ارفعِ الضُّرَ عنِ المُتضرِّرينَ مِنَ المُسلِمينَ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينا ولِجميعِ المُسلِمينَ والمُسلِماتِ أحياءً وأمواتًا، أهلينا، اللهمَّ: ثقِّلَ موازِينَنا بالحسناتِ، وبيِّضْ وجُوهَنا يومَ نلقاكَ، واجعَلْ قبورَنا مِن رِياضِ الجِنانِ، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.