وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضله وطرقه وثمراته وعواقب تركه وشرور الإخلال بطريقته
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي جعلَ العِزّةَ والسَّعادَةَ في لُزومِ شَريعتِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الدَّاعِي إلى مغفرَةٍ مِنَ اللهِ ورِضوانٍ، اللهمَّ فصَلِّ وسَلِّمْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وإخوانِهِ الآتِينَ بَعدَه.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكرِ بأمْرِ الناسِ ونُصحِهِم بفعلِ ما أوجبَ اللهُ علِيهِم، وترْكِ التفريطِ فيما فُرِضَ، ونَهيِهِم عنِ الشِّركِ والبدَعِ والمعاصِي، ونُصحِهِم باجتنابِها والبُعدِ عن أهلِها ودُعاتِها وقنواتِها وأماكِنِها ومواقِعِها لَمِن أهمِّ المُهمَّاتِ، وأفضلِ القُربَاتِ، وأرفعِ الحسناتِ، وأكبرِ المُنجِياتِ مِنَ العذاب والعُقوباتِ، بلْ هوَ واجِبٌ عظيمٌ، لأمرِ اللهِ بِهِ، بقولِهِ سُبحانَهُ: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ َ}، ووجوبُهُ ليسَ على الحاكِمِ فحسْب أو مَن يُوظِّفُهُم على الحُسْبَةِ، بلْ على عُمومِ المُكلَّفِينَ ذُكورًا وإناثًا بقدْرِ استطاعَتِهِم، لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ))، فقولُهُ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ )) “مَن” هذهِ هيَ الشَّرطِيَّةِ، وهيَ مِن صِيَغِ العُمومِ، فتَعُمَّ كلَّ مَن رَأى المُنكرَ، يجبُ عليهِ أنْ يُغيِّرَهُ بحسْبِ استطاعتِهِ، ولِعِظَمِ واجبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكرِ، وما يترتَّبُ عليهِ مِنَ المصالِحِ العظيمَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ، ويَندفعُ بِهِ مِنَ الشرورِ والفسادِ عنِ العِبادِ والبلادِ قدَّمَهُ اللهُ في بعضِ آياتِ القرآنِ على الإيمانِ، فقالَ تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }، وقدَّمَ اللهُ سُبحانَهُ واجبَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكرِ على إقامِ الصلاةِ معَ أنَّ الصلاةَ عمودُ الإسلامِ أعظمُ الأركانِ بعدَ الشهادَتينِ لِعِظَمِ الحاجَةِ إليهِ، وشِدَّةِ الضَّرورَةِ إلى القيامِ بِهِ, ولأنَّهُ بتحقيقِهِ تصلُحُ الأُمَّةُ ويَكثُرُ فيها الخيرُ وتظهَرُ فيها الفضائِلُ وتَختفِي مِنها الرَّذائِلُ وتُقامُ فيها الصلواتُ ويُحافَظُ عليها، فقالَ تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ }، وهوَ مِن أعظمِ الفوارِقِ بين أهلِ الإيمانِ وأهلِ النِّفاقِ، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ عنِ المُؤمِنينَ: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }، وقالَ تعالى عنِ المُنافِقينَ: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ }، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم موصوفٌ بالقيامِ بِهِ حتَّى في التورَاةِ والإنجيلِ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ }، والقيامُ بِهِ مِن وصَايا الصالِحينَ لأهلِيهِم، حيثُ قالَ لُقمَانُ الحكِيمُ لابنِهِ: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ }.
أيُّها المُسلِمونَ:
إيَّاكم أنْ تَتركوا الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكرِ أوْ تتهاوَنوا فيهِ أوْ تتغافَلوا عنهُ أو تُثبِّطوا مَن يقومُ بِهِ، فإنَّكُم إنْ فعَلْتُم ذلِكَ فتَحْتُم بابَ الشِّرِ على أنفسِكُم وأهلِيكُم وأمْنِكُم واقتِصادِكُم ومُجتمَعِكُم وبلادِكُم، فحِلَّتْ بِكُمُ العقوباتُ، ووُلِّيَّ عليكُم شِرارُكُم، ولم تُستجَبْ دعواتُ خيارِكُم، فقدْ قالَ حُذيفَةُ ــ رضِيَ الله ُعنهُ ــ: (( لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَحَاضُّنَّ عَلَى الْخَيْرِ أَوْ لَيُسْحِتَنَّكُمُ اللهُ جَمِيعًا بِعَذَابٍ أَوْ لَيُؤَمِّرَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ))، وصحَّ أنَّ أبَا بَكرٍ ــ رضِيَ الله ُعنهُ ــ قالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرِ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِقَابٍ» ))، وتركُهُ مِن أسبابِ حُلولِ الَّلعنَةِ بالنَّاسِ، لِقولِ اللهِ تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }، فجعلَ سُبحانَهُ عدَمَ نَهيِ بعضِهِم لِبعضٍ عن فِعلِ المُنكراتِ مِن أكبرِ عِصيانِهِم واعتدائِهِم، ولُعِنُوا على ترْكِهِ.
أيُّها المُسلِمونَ:
إنَّ منزِلَةَ مَن يأمرونَ الناسَ بالمعروفِ ويَنهونَهًم عنِ المُنكرِ عندَ اللهِ ربِّهِم لَعَظيمَةٌ وعالِيَةٌ، فهُمُ المُفلِحونَ، إذْ قالَ سُبحانَهُ: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }، وهُمْ مِن صالِحِي عبادِهِ، إذْ قالَ تعالى: { يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ }، وهُمْ خيرُ النَّاسِ، إذْ قالَ سُبحانَهُ: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }، ووعدَهُم سُبحانَهُ بأنَّهُ سَيَرْحَمُهُم، فقالَ تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ }.
أيُّها المُسلِمونَ:
إنَّ المُحرَّماتِ والمُنكراتِ تتفاوتُ في المرتبَةِ، فبعضُها أقبحُ وأغلظُ مِن بعض، والعقوبَةُ عليها أشدُ، والضَّررُ بها أكبرُ، وقدْ دلَّ القرآنُ والسُّنَّةُ والإجماعُ على: “أنَّ الشِّركَ باللهِ، كدُعاءِ الأنبياءِ أوِ الصالِحينَ معَهُ والطوافِ بقبورِهِم والذبحِ والنذرِ لَهُم هوَ: أخطرُها على العبادِ والبلادِ، وأعظمُها إثمًا، وأقبحُها آثارًا وعقوبَةً، ثمَّ البدَعُ في بابِ الاعتقادِ، وبابِ الأقوالِ والأفعالِ، ثمَّ المعاصِي، ككبائِرِ الذُّنوبِ وبعدَها الصغائِرُ”، والمُوفَّقُ المُسَدَّدُ الذي سارَ على طريقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ هوَ مَن أنكرَها جميعًا، واهتَمَّ بإنكارِ أعظمِها أكثرَ مِن غيرِها، وكان أمرُهُ بالمعروفِ ونهيُهُ عنِ المُنكرِ بعلمٍ وفِقهٍ، فيُنكِرُ ما دَلَّ النصُّ الصَّحيحُ مِنَ الشرعِ على أنَّهُ مُنكرٌ، فلا يجعلُ المكروهَ بمنزلَةِ المُحرَّمِ، ولا المُستحَبَّ بمنزلَةِ الواجبِ، ولا الكبائِرَ كالصغائِرِ، ولا المعصيَةَ كالشِّركِ، ويَرفِقُ بِمَن يُنكِرُ عليهِم في أقوالِهِ وأفعالِهِ، فلا يكونُ فظًّا معَهُم ولا غلِيظًا، لأنَّ الرِّفقَ ما كانَ في شيءٍ إلا زانَهُ ولا انتُزِعَ مِن شيءٍ إلا شانَهُ، ومَن يُحرَمِ الرِّفقَ يُحرَمِ الخيرَ، واللهُ يُعطِي على الرِّفقِ ما لا يُعطِي على العُنفِ، وكلُّ ذلِكَ ممَّا صحَّتْ بِهِ السُّنَّةُ النَّبويَّةُ، ويكونُ حلِيمًا صَبورًا على أذَى مَن يأمرُهُم وينهاهُم، لأنَّهُ يفعلُ ذلِكَ ابتغاءَ وجهِ اللهِ، وأجْرُهُ على اللهِ، فإنْ لمْ يَحلَمْ ويَصبرْ كانَ ما يُفسِدُ أكثرَ ممَّا يُصلِحُ، وقدْ قالَ بعضُ السَّلفِ الصالِحِ: «يَنْبَغِي لِمَن أَمرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنهَى عَن الْمُنكرِ أَنْ يكونَ: فقهيًا فِيمَا يَأْمرُ بِهِ، فَقِيهًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ، رَفِيقًا فِيمَا يَأْمرُ بِهِ، رَفِيقًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ، حَلِيمًا فِيمَا يَأْمرُ بِهِ، حَلِيمًا فِيمَا ينْهَى عَنهُ»، وقدْ ذَكرَ الإمامُ ابنُ تيميَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّه يَغلَطُ في بابِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عنِ المُنكرِ: «مَن يُريدُ أنْ يأمرَ ويَنهَى إمَّا بلسانِهِ وإمَّا بيدِهِ مُطْلَقًا، مِن غيرِ فقهٍ وحِلْمٍ وصبرٍ ونظَرٍ فيما يَصْلحُ مِن ذلِكَ وما لا يَصْلُحُ، وما يَقدِرُ عليهِ وما لا يَقدِرُ».
فإذا سمعتُم ــ يا عبادَ اللهِ ــ: مَن يقعُ في الشِّركِ فيَدعُوَ غيرَ اللهِ كأنْ يقولَ: “مَدَد يا بَدَويُّ، أغِثنا يا رسولَ الله،ِ فرِّجْ عنَّا يا جَيلانِيُّ”، فبيِّنوا لَهُ أنَّ هذا شِرْكٌ مُخرِجٌ عنِ الإسلامِ ولا تَسكتوا عنهُ، وإذا رأيتُم مَن يَحلِفُ بغيرِ اللهِ فيقولُ: “والنبيِّ أو بذمَّتِي أو بشرَفِي” فبيِّنوا لَهُ أنَّ هذا محرَّمٌ ومِنَ الشِّركِ ولا تَسكتوا عنهُ، وإذا رأيتُم مَن يَغتابُ أو يَنُمُّ أو يَسُبُّ فذكِّروهُ وعِظوهُ لِيَترُكَ ذلِكَ ولا تَسكتوا عنهُ، وإذا رأيتُم مَن يَسمَعُ أو يُشاهِدُ أو يَنشرُ أو يَفعلُ شيئًا مِن المُّحرَّماتِ أو يَحضرُ لَهَا أو يُجاهِرُ بها فنبِّهوهُ وذكِّروهُ وعِظوهُ ولا تَسكتوا عنهُ، وإذا رأيتُم مَن يُخطِأُ في صلاتِهِ أوْ وضوئِهِ أوْ حَجِّهِ أو عُمرَتِهِ فأرشِدوهُ وصحِّحوا لَهُ ولا تَسكتوا عنهُ، وإذا رأيتُم مَن يتكلَّمُ عن الحُكامِ في المجالسِ أوْ برامجِ التواصُلِ فانصَحوا لَهُ ولا تَسكتوا عنهُ، وإذا رأيتُم مَن يَكذِبُ أو يَغُشُّ في بيعِهِ وشرائِهِ ومِهنَتِهِ فعِظوهُ ونبِّهوهُ ولا تَسكتوا عنهُ، وإذا رأيتُم مَن يَظلِمُ فخوِّفوهُ باللهِ ولا تَسكتوا عنهُ، وهكذا تفعلونَ كلَّمَا رأيتُم مُنكرًا وبقدْرِ استطاعتِكُم لتكونوا مِنَ الآمِرينَ بالمعروفِ والناهِينَ عن المُنكرِ المُفلِحينَ المَرحُومِينَ خيرِ الناسِ، { وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ }.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ القهَّارِ، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ محمدٍ وآلِهِ وصحبِهِ الأخيارِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنَّ نصيحَةَ الحاكِمِ وأمرَهُ بالمعروفِ ونهيَهُ عن المُنكرِ ليسَتْ كباقِي الناسِ، إذ تكونُ في السِّرِ لا العلَنِ وفيما بينَهُما وبالمكاتباتِ السِّريَّةِ معَهُ وليسَ عبرَ الفضائِياتِ والجرائِدِ والخُطَبِ والمُحاضَراتِ ولا في مواقعِ الإنترنتِ وبرامِجِ التواصُلُ، ولا بالبيانَاتِ والخِطاباتِ المنشورَةِ المُوقَّعَةِ مِن عُمومِ الناسِ أوِ الأكادِيميينَ أوِ الدُّعاةِ، فإنْ قبِلَ النَّصيحَةَ السِّريَّةَ وعمِلَ بها فالحمدُ للهِ وجزاهُ اللهُ خيرًا وأحسَنَ إلى نفسِهِ ورَعيَّتِهِ، وإنْ لم يَقبلْ أو يَتجاوَبْ فإثمُهُ على نفسِهِ وهو مُضَاعَفٌ والناصِحُ قد أدَّى الذي عليهِ، وقد حكَمَ بهذهِ الطريقَةِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانِيَةً وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُوا بِهِ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ وَإِلا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ ))، وعلى هذا الطريقِ سارَ الصحابَةُ وباقِي السَّلفِ الصَّالِحِ، فصحَّ أنَّهُ قيلَ لأُسامَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( أَلاَ تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فَقَالَ: أَتُرَوْنَ أَنِّى لاَ أُكَلِّمُهُ إِلاَّ أُسْمِعُكُمْ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِى وَبَيْنَهُ))، وثبتَ عنِ ابنِ جُمْهَانٍ أنَّهُ قالَ: (( لَقِيتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقُلْتُ له: إِنَّ السُّلْطَانَ يَظْلِمُ النَّاسَ وَيَفْعَلُ بِهِمْ فَتَنَاوَلَ يَدِي فَغَمَزَهَا بِيَدِهِ غَمْزَةً شَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ جُمْهَانَ إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْمَعُ مِنْكَ فَأْتِهِ فِي بَيْتِهِ فَأَخْبِرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فَإِنْ قَبِلَ مِنْكَ وَإِلَّا فَدَعْهُ ))، وثبتَ أنَّ ابنَ جُبَيرٍ قالَ لابنِ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( آمُرُ إِمَامِي بِالْمَعْرُوفِ وأنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَلَا تَغْتَبْ إِمَامَك ))، فأمرَهُ ابنُ عباسٍ أنْ يكونَ أمرُهُ بالمعروفِ لِلحاكمِ في السِّر وأبانَ لَهُ أنَّ إعلانَهُ يُعتبرُ غِيبَةً، بل عدَّ العلماءُ مِنَ الصحابَةِ ومَن بعدَهُم إعلانَ النكيرِ على الحاكمِ في المَلأِ مِن إذلالِهِ وإهانتِهِ، وذلِكَ مُحرَّمٌ، فقالَ ابنُ كُسَيْبٍ: (( كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الفُسَّاقِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ» ))، وحسَّنهُ الألبانِيُّ، وثبتَ: (( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ))، فجعلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نصيحَةَ الحاكمِ عندَهُ وأمامَهُ وفي وجودِه وبينَ الناصِحِ وبينَهُ أفضلَ الجهادِ، فقالَ صلى الله عليه وسلم: (( عِنْدَ سُلْطَانٍ ))، وعامَّةُ ما يَذكُرهُ بعضُهم مِن أحاديثَ وآثارٍ وقِصَصٍ عن الإنكارِ على الحُكامِ علَنًا في غَيبَتِهم لا تَصِحُّ، وما ثبتَ إنَّما كانَ أمامَ الحاكمِ وفي حُضورِهِ لا غَيبَتِهِ، أو حرَّفَهُ أهلُ الضَّلالِ عن مساقِهِ ومعناهُ الصَّحيحِ، والشريعَةُ الإسلاميَّةُ حينَ جعلَتْ نُصحَ الحاكمِ سِرًّا ليسَ لأجلِ شخصِهِ أوْ مالِهِ أوْ عشيرتِهِ بلْ تقلِيلًا لِلشرِّ عنِ الأمَّةِ، وتكثيرًا لِلمصالِحِ، وإبعادًا لِلفتنِ، وتخفيفًا لِمفاسِدِها، وحِفظًا لِوَحدَةِ البلادِ وائتِلافِها، لأنَّ الإعلانَ يُهيِّجُ شَعبَهُ عليهِ، ويُبغِّضُهُ إلى نفوسِهِم، ويَفتحُ البابَ لِلأحزابِ والجماعاتِ لِتُؤلِّبَ الناسَ ضدَّهُ، حتى تَشتعِلَ المُظاهراتُ ثمَّ تتوسَّعُ إلى حَمْلِ السِّلاحِ والثوراتِ ويَتدخَّلُ الأعداءُ في البلادِ ويَحصُلُ الاقتتالُ وتتقسَّمُ البلادُ وتُدمَّرُ ويَضْعُفَ الاقتصادُ ويزيدَ الفقرُ والبَطالَةُ ويتشرَّدَ النّاسُ في الأرضِ.
أيُّها المُسلِمونَ:
إنَّ بابَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عنِ المُنكرِ خطيرٌ جدًّا، فليسَ كلُّ مَن أعلنَهُ طريقتُهُ جائِزَةٌ ويكونُ صادِقًا فيهِ ويُريدُ بِهِ الخيرَ لِلناسِ ويَبذلُهُ لِوجِهِ اللهِ، فقدْ استَغلَّتْهُ الخوارِجُ على مدارِ التاريخِ بدَعْمٍ مِن أعداءِ الإسلامِ والسُّنَّةِ لإثارَةِ المُسلِمينَ السُّنَّةِ على حُكَّامِهِم وخُروجِهِم عليهِم وإثارَةِ الفتنِ والاقتتالِ في بلادِ الإسلامِ السُّنِّيِّ، وقدْ كانَ مِن وصايا ابنِ سَبَأٍ اليهودِيِّ الشِّيعِيِّ الرَّافضِيِّ المُتظاهِرِ بالإسلامِ زُورًا وحَفِظَهَا لَنَا التارِيخُ ورِجالُهُ أنَّه قالَ وكتبَ لأتباعِهِ آمِرًا ومُوصِيًا: «ابدَؤُوا بالطَّعنِ على أُمَرَائِكُم، وأظهِروا الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكرِ تَستمِيلوا النَّاسَ»، وكانَ هذا الأفَّاكُ الأثِيمُ يَتَنَقَّلُ في بُلدانِ المُسلِمينَ لِيُؤَلِّبَهُم على الخلِيفَةِ عثمانَ بنِ عفانٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ بالطعنِ فيه بالباطل ورَمْيهِ بالتقصيرِ زُورًا حتى يَتفرَّقَ المُسلِمونَ وتحصُلَ الفتنُ بينَهُم ويَقْتَتِلوا، فطافَ الحِجازَ والشامَ والعراقَ فذَمَّهُ الصحابَةُ والتابِعونَ وعابُوا طريقتَهُ، فأخرجَهُ أهلُ هذهِ البلادِ، وكُلَّمَا دخلَ بلَدًا نَفَوهُ مِنها، ثمَّ دخلَ مِصْرَ وكانَ قدِ استفادَ مِمَّا جَرَى لَهُ في البلدانِ الأُخْرَى، فأظهَرَ بمِصرَ التَّنسُّكَ والزُّهدَ والأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكرِ وذَكَرَ عُيوبَ الأُمَرَاءِ في المَلأِ لِيَستمِيلَ ويَستعطِفَ قلوبَ النَّاسِ إليهِ، لأنَّ أكثرَ النَّاسِ يَغترُّونَ بمَن رَأوا ظاهرَهُ كذلِكَ ويَظُنونَ أنَّهُ شُجاعٌ ويُريدُ وجْهَ اللهِ ويتكلَّمُ بالحقِ، ولا يَتفطَّنونَ لِطريقتِهِ وهلْ هيَ مُوافِقَةٌ لِلشرعِ أمْ مُخالِفَةُ، وإلى أهدافِهِ ومقاصِدِه وما تؤُولُ إليهِ طريقتُهُ مِن شُرورٍ، حتى تأثَّرَ بِهِ أقوامٌ وعمِلوا بوصيَّتِهِ وتابَعَهُم آخَرُونَ، وكاتَبوا أهلَ الأمصارِ الأُخَرَى بذلِك، فكانَ أنْ تجمَّعَتْ مِنهُم طائِفَةٌ وتوجَّهوا إلى مدينَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحاصَروا الخلِيفَةَ الراشِدَ المَهدِيَّ الذي هوَ مِن أهلِ الجنَّةِ عثمانَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ والمحكومُ لَهُ بالشهادَةِ بنصِّ حديثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ، فقتلوهُ وهوَ صائِمٌ يَقرأُ القرآنَ حتى تحادَرَ دمُهُ على المُصحَفِ المُطهّر، بلْ إنَّ مِن الأُصولِ العقائِديَّةِ الكُبرَى عندَ طوائِفَ مِن المُبتدعَةِ أصْلًا سَمَّوهُ: “الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكرِ”، وفسَّروهُ: بالخروجِ على الحُكامِ وقِتالِهِم، فانتبِهوا يا عِبادَ اللهِ ولا تَغترُّوا بمَن يُظهِرُ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عنِ المُنكرِ حتى تَعرِضُوا طريقتَهُ على الشرع، وهلْ هيَ مُوافِقَةٌ لِنُصوصِ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبويَّةِ الصَّحيحَةِ وما كانَ عليهِ السَّلفُ الصالِحُ مِن الصحابَةِ فمَن بعدَهُم أمْ لا، وقُوموا أنتُم بِهِ طاعَةً للهِ، ووِفْقَ شريعتِهِ، ومُراعِينَ فيهِ لِلمصالِحِ والمفاسدِ، تَسعَدُوا وتُفلِحُوا وتُرحَمُوا في الدُّنيا والقبرِ ويومَ القِيامَةِ.
اللهمَّ: اجعلْنَا مِنَ الآمِرينَ بالمعروفِ والنَّاهِينَ عنِ المُنكرِ ابتغاءَ وجْهِكَ، واجعلْنَا مُوافِقينَ لِشريعتِكَ في أمْرِنَا ونَهْيِنَا، اللهمَّ: أصلِحْ لَنَا دُنيَانا التي فيها معاشُنَا، وآخِرَتَنَا التي إليها مَعادُنَا، وأصلِحْ وسدِّدْ وُلَاتَنَا ونُوّابَهُم وجُندَهُم، اللهمَّ: اكْفِنِا شَرَّ الفُجَّار، ومَكْرَ الكفارِ، وفسادَ الخوارِجِ والتغرِيبِيينَ، واغفرْ لَنَا ولأهلِينا والمُسلِمينَ أحياءً وأموتًا، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.