خَطَرُ إِحْدَاثِ وَفِعْلِ وَنَشْرِ الْبِدَعِ فِي الدِّينِ وَأَنَّهُ مِنْ كَبِيرِ وَغَلِيظِ الْخَطَايَا وَأَضَرِّهَا
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ هَادِي الْوَرَى طُرُقَ الْهُدَى، وَزَاجِرِهِمْ عَنْ أَسْبَابِ التَّهْلُكَةِ وَالرَّدَى، وَصَلَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الْمُرْتَضَى، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اتَّبَعَ شَرَعَهُ فَاهْتَدَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْأَعْلَى، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُجْتَبَى.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَكَثِيرًا مَا نَسْمَعُ أَوْ نَقْرَأُ فِي خُطَبٍ وَدُرُوسٍ وَمُحَاضَرَاتٍ وَفَتَاوَى وَكُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ: الْكَلَامَ عَنِ الْبِدْعَةِ وَشَدِيدَ خَطَرِهَا عَلَى الْعَبْدِ، وَعَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَعَظِيمَ ضَرَرِهِمْ عَلَى النَّاسِ، وَعَنْ وُجُوبِ الْبُعْدِ عَنِ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا وَدُعَاتِهَا، وَفَرْضِيَّةِ التَّحْذِيرِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُبْتَدِعَةِ، وَمَا صَدَرَ هَذَا عَنْهُمْ وَلَا أَكْثَرُوا مِنْهُ وَلَا اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ إِلَّا امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنُصْحًا لِلنَّاسِ، وَرَحْمَةً بِهِمْ، وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وَاقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَيْرًا عَلَى طَرِيقِهِ فِي خُطَبِهِ وَدُرُوسِهِ وَمَوَاعِظِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي “صَحِيحِهِ” عَنْ جَابِرٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» ))، وَكَانَ التَّحْذِيرُ مِنَ الْبِدَعِ فِعْلًا وَإِحْدَاثًا مِمَّا أَوْصَى وَعَهِدَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ فِي مَوْعِظَتِهِ الْوَدَاعِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ، فَصَحَّ أَنَّ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» )).
وَالْبِدْعَةُ هِيَ: «كُلُّ مَا أُحْدِثَ فِي دِينِ اللَّهِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاكْتِمَالِ الشَّرْعِ بِوَفَاتِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِهِ طَلَبًا لِلْأَجْرِ»، وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَعْرِيفِ الْبِدْعَةِ بِهَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي “صَحِيحَيْهِمَا”: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ))، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ في “صَحِيحِ مُسْلِمٍ”: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ))، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ ــ أَوْ ــ مَنْ عَمِلَ ))، أَيْ: مَنِ اخْتَرَعَ وَابْتَدَعَ أَوْ فَعَلَ شَيْئًا يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فِي أَمْرِنَا هَذَا ))، أَيْ: فِي دِينِنَا الْإِسْلَامِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا لَيْسَ فِيهِ ))، أَيْ: مَا لَا يُوجَدُ فِي نُصُوصِهِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( فَهُوَ رَدٌّ )) أَيْ حُكْمُهُ: أَنَّهُ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَوْ عَمِلَهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْبِدَعَ الْمُحْدَثَةَ فِي الدِّينِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَعَاصِي، وَأَخْطَرِ الذُّنُوبِ، وَأَغْلَظِ السَّيِّئَاتِ، وَأَثْقَلِ الْأَوْزَارِ، وَمِنْ دَلَائِلِ هَذَا وَبَرَاهِينِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ:
الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ عَلَيهَا بِأَنَّهَا شَرٌّ وَبِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ، فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ زَاجِرًا أُمَّتَهُ عَنْهَا وَمُحَذِّرًا: (( إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطَبِهِ: (( وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )).
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِأَنَّهَا مَرْدُودَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي أَحْدَثَهَا أًوْ عَمِلَهَا لَا يَقْبَلُهَا اللَّهُ مِنْهُ، فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )).
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَعَّدَ عَلَيهَا بِالْعَذَابِ فِي النَّارِ، فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطَبِهِ: (( وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ )).
وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ ذِي دِينٍ قَوِيمٍ: أَنَّ مَا زَجَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ رَسُولُ اللَّهِ، وَوُصَفَهُ بِأَنَّهُ شَرٌّ وَبِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَى مُحْدِثِهِ وَفَاعِلِهِ، وَتَوَعّدَ عَلَيهِ بِالنَّارِ يَدْخُلُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ شَدِيدَةِ التَّحْرِيمِ، وَغِلَاظِ الذُّنُوبِ وَكِبَارِهَا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «الْبِدَعُ أَعْظَمُ مِنَ الْمَعَاصِي بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ عَجِيبِ أَمْرِ بَعْضِ النَّاسِ وَغَرَابَتِهِ وَجَهَالَتِهِ: قَوْلَهُمْ عَنِ الْبِدَعِ الَّتِي أَحْدَثُوهَا أَوْ فَعَلُوهَا أَوْ نَشَرُوهَا بَيْنَ الْخَلْقِ ــ تَسْوِيغًا وَتَسْوِيقًا لَهَا وَتَهْوِينًا مِنْ شَأْنِهَا وَاعْتِذَارًا لِأَنْفُسِهِمْ ــ: «إِنَّهَا بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ»، وَقَدْ كَفَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ وَإِبْطَالَ كَلَامِهِمْ هَذَا، فَحَكَمُوا بِأَنَّ جَمِيعَ الْبِدَعِ ضَلَالَاتٌ، وَالضَّلَالَاتُ لَا حَسَنَ فِيهَا الْبَتَّةَ، فَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي خُطَبِهِ: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))، وَصَحَّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( إِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))، وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً ))، وَلَفْظَةُ: (( كُل )) مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَالْأُصُولِ وَغَيْرِهِمْ، وَتُفِيدُ: أَنَّهُ لَا تُوجَدُ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ فِي الدِّينِ إِلَّا وَهِيَ فِي حُكْمِ شَرِيعَةِ اللَّهِ ضَلَالَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ إِمَامِ أَهْلِ الْعِرَاقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ قَالَ: «الْبِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْبِدْعَةَ لَا يُتَابُ مِنْهَا، وَالْمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا»، وَكَلَامُهُ هَذَا حَقٌّ، لِأَنَّ فَاعِلَ الْمَعْصِيَةِ يَعْتَقِدُ قُبْحَهَا، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ بِفِعْلِهِ لَهَا آثِمٌ، وَمُتَوَعَّدٌ عَلَيْهَا بِالْعَذَابِ، وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ فِي تَرْكِهَا، وَيَرْجُو أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ مِنْهَا، وَأَمَّا مُحْدِثُ الْبِدْعَةِ أَوْ فَاعِلُهَا أَوْ نَاشِرُهَا فَهُوَ يَسْتَحْسِنُهَا وَيَرَى أَنَّهُ مُصِيبٌ وَمَأْجُورٌ عَلَى مَا يَفْعَلُ فَيَصْعُبُ أَنْ يَتْرُكَهَا، بَلْ يَغْلِبُ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهَا حَتَّى يَمُوتَ إِلَّا إِنْ تَدَارَكَهُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ فَبَصَّرَهُ بِضَلَالِهَا، وَضَلَالِ مَوْقِفِهِ مِنْهَا، فَتَابَ مِنْهَا وَأَقْلَعَ عَنْهَا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ أَزْمِنَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ: «يَأْبَى اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ بِتَوْبَةٍ، وَمَا انْتَقَلَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ إِلَّا إِلَى شَرٍّ مِنْهَا».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
احْذَرُوا: الْمُجَاهَرَةَ بِالْبِدَعِ فِي الْمَسَاجِدِ أَوِ الطُّرُقَاتِ أَوِ الْمَجَالِسِ أَوْ مَقَاطِعِ الْفِيدْيُو أَوْ بَرَامِجِ التَّوَاصُلِ فِي الْهَوَاتِفِ الْجَوَّالَةِ أَوْ مَواقِعِ شَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتِّ، فَإِنَّ إِثْمَ الْبِدَعِ يَزْدَادُ وَيَغْلُظُ بِالْمُجَاهَرَةِ بِهَا، وَقَدْ أَبْعَدَ فَاعِلُ هَذَا نَفْسَهُ مِنَ الْعَافِيَةِ وَالسَّلَامَةِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ))، وَإِيَّاكُمْ: أَنْ تَكُونُوا مِنَ الدَّاعِينَ أَوِ النَّاشِرِينَ لِلْبِدَعِ فِي الْمَسَاجِدِ أَوْ عَنْ طَرِيقِ الْإِعْلَامِ وَالْفَضَائِيَّاتِ أَوْ عَبْرَ بَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَمَوَاقِعِ الْإِنْتَرْنِتِّ الْمُخْتَلِفَةِ أوِ الكُتُبِ وَالمَقَالَاتِ أَوْ غَيْرِهَا، لِأَنَّ وِزْرَ هَذَا وَإِثْمَهُ عَظِيمٌ كَبَّارٌ، وَلَا تَقْوَوْنَ عَلَى تَحَمُّلِهِ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُرَهِبًا: (( مَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا ))، وَالْبِدْعَةُ ضَلَالَةٌ بِنَصِّ قَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ فِي خُطَبِهِ: (( كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))، وَقَالَ الإِْمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي “صَحِيحِهِ”: «بَابُ إِثْمِ مَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ أَوْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ }»، أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ بِاجْتِنَابِ الْبِدَعِ فِي الدِّينِ إحْدَاثًا وَفِعْلًا وَدَعْوَةً وَنَشْرًا وَاسْتِمَاعًا وَمَجَالِسًا، وَبِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنِ، وَسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحَةِ، وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِي دِينِهِ وَتَخْتَلِفُوا بِسَبَبِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ آمِرًا وَزَاجِرًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا }.
وَسُبْحَانَ اللَّهِ: بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَلَهُ: الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وإلَيهِ: الْمَعَاد.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُنْعِمِ الْمَنَّانِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ بالسُّنَّةِ والْقُرْآنِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَإِنَّ هَجْرَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَدُعَاتِهَا، وَتَرْكَ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ، وَالْبُعْدَ عَنِ الِاسْتِمَاعِ لِمَا يَقُولُونَ، وَاجْتِنَابَ الْقِرَاءَةِ لِكُتُبِهِمْ وَمَقَالَاتِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ، وَالِاحْتِرَازَ مِنْ حُضُورِ دُرُوسِهِمْ، وَالتَّحْذِيرَ مِنْهُمْ وَمِنْ بِدَعِهِمْ وَكِتَابَاتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَالرَّدَّ عَلَيْهِمْ، وَكَشْفَ زَيْغِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَبَيَانَ تَلْبِيسِهِمْ، وَدَحْضَ شُبَهِهِمْ، لَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ فِي كِتَابِهِ “اعْتِقَادِ السَّلَفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ”: «وَاتَّفَقُوا مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِقَهْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَإِذْلَالِهِمْ وَإِخْزَائِهِمْ وَإِبْعَادِهِمْ وَإِقْصَائِهِمْ، وَالتَّبَاعُدِ مِنْهُمْ، وَمِنْ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِمُجَانَبَتِهِمْ وَمُهَاجَرَتِهِمْ»، وَقَالَ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ الشَّافِعِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ فِي كِتَابِهِ “شَرْحِ السُّنَّةِ”: «وَقَدْ مَضَتِ السُّنَّةُ وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ مُجْمِعِينَ عَلَى: مُعَادَاةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَمُهَاجَرَتِهِمْ»، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ الْمَالِكِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ فِي كِتَابِهِ “أُصُولِ السُّنَّةِ”: «وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ السُّنَّةِ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ الْمُضِلَّةِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ، وَيُخَوِّفُونَ فِتْنَتَهُمْ، وَيُخْبِرُونَ بِخِلَافِهِمْ، وَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ غِيبَةً لَهُمْ»، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ فِي كِتَابِ “جَامِعِ الرَّسَائِلِ وَالْمَسَائِلِ”: «وَمِثْلُ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ مِنْ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ أَوِ الْعِبَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَإِنَّ بَيَانَ حَالِهِمْ وَتَحْذِيرَ الْأُمَّةِ مِنْهُمْ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى “قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَعْتَكِفُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَوْ يَتَكَلَّمُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ؟ فَقَالَ: إِذَا قَامَ وَصَلَّى وَاعْتَكَفَ فَإِنَّمَا هُوَ لِنَفْسِهِ وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْلِمِينَ، هَذَا أَفْضَلُ”»، وَصَحَّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ تَلَامِذَةِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: «لَيْسَ لِمُبْتَدِعٍ غِيبَةٌ»، وَيَعْنُونَ بِهَذَا: أَنَّ التَّحْذِيرَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَذَمَّهُمْ وَعَيْبَهُمْ وَالْقَدْحَ فِيهِمْ لَا يُعْتَبَرُ مِنَ الْغِيبَةِ، لِأَنَّهُ: نَصِيحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَجْتَنِبُوا الْمُبْتَدِعَ وَيَجْتَنِبُوا بِدَعَهُ، وَنَصِيحَةٌ لِلْمُبْتَدِعِ نَفْسِهِ لِيَتْرُكَ بِدَعَهُ وَيَتُوبَ مِنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ التَّابِعِيِّ تِلْمِيذِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ مَا تَعْرِفُونَ»، وَأَهْلُ الْأَهْوَاءِ هُمُ: أَهْلُ الْبِدَعِ.
هَذَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ ــ تَبَارَكَ اسْمُهُ ــ: أَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْبَاطِلِ وَاجْتِنَابِهِ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، اللَّهُمَّ: اجْعَلْنَا مِمَّنْ أَحْيَيْتَهُمْ وَسَتُمِيتُهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ، اللَّهُمَّ: جَنِّبْنَا الْبِدَعَ فِي الدِّينِ، وَأَبْعِدْنَا وَأَهْلِينَا عَنْهَا وَعَنْ مُفْتِيهَا وَدُعَاتِهَا وَمَجَالِسِهَا وَكُتُبِهَا وَفَضَائِيَّاتِهَا وَصَوْتِيَّاتِهَا وَفِيدْيُوهَاتِهِا، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَأَكْرِمْنَا وَإِيَّاهُمْ بِرِضْوَانِكَ وَالْجَنَّةِ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.