إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: « فضل العلم الشرعي وآثاره على الخلق وأخذه عن الأثبات وبركة العمل به ». ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « فضل العلم الشرعي وآثاره على الخلق وأخذه عن الأثبات وبركة العمل به ». ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 17 سبتمبر 2014
  • 62٬815
  • إدارة الموقع

فضل العلم الشرعي وآثاره على الخلق وأخذه عن الأثبات وبركة العمل به

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الواحِدِ القهَّارِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الجَّبَّارُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المُختارُ، فصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الأبرَارِ.

أمَّا بَعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فإنَّ مِن أعظَمِ العبادَاتِ التي يَجدُرُ أنْ نكونَ في عِدادِ أهلِهَا، والسَّابَّقِينَ لَهَا، والمُكثِرينَ مِنها، وتُلازِمُنَا ونَستمِرُ عليها إلى ساعَةِ انقِضاءِ حياتِنَا الدُّنيا: عِبادَةَ طلبِ العلمِ الدِّينيِّ الشَّرعِيِّ المَبنيِّ على قالَ اللهُ وقالَ رسولُهُ وقالَ الصحابَةُ، عِبادَةَ التفقُّهِ في الدِّينِ، وقدْ صَحَّ أنَّ التابِعِيَّ الزُّهرِيَّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْفِقْهِ»، وأعظَمُ مِن هذا القولِ، وأطيَبُ لِقلبِ المُؤمنِ، وأرفَعُ لِهمَّتِهِ قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( مَنْ يُرْدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِهُ فِي الدِّينِ ))، وصَحَّ أنَّ التابِعِيَّ ابنَ الشِّخِّيرِ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: «حَظٌّ مِنْ عِلْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَظٍّ مِنْ عِبَادَةٍ»، وصحَّ أنَّ الإمامَ الشافِعِيَّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: «طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ»، وقالَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «تَذَاكُرُ الْعِلْمِ بَعْضُ لَيلَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْيَائِهَا»، يعني: مِن إحيائِهَا بقيامِ الليل.

ولَمَّا أدرَكّ السَّلفُ الصالِحُ الماضونَ هذا الفضلَ لِلعلمِ، وهذهِ المنزلَةِ، وعِظَمَ الأجْرِ فيهِ: سمِعتَ وقرأتَ عن كثرَةِ العلماءِ، وتَزايُدِ أعدادِ طُلابِ العلمِ في كلِّ بلدٍ، ومِن كُلِّ شَعْبٍ وقبيلَةٍ، وعرَبٍ وعَجَمٍ، وحاضِرَةٍ وبادِيَةٍ، وذُكورٍ وإناثٍ، ومُسِنِّينَ وكُهولٍ وشبابٍ وصِغارٍ، ولَمَّا ضَعُفَ هذا الإدرَاكُ عندَنا، وفي عامَّةِ بِيئاتِنَا: رأيتَ الرَّجلَ مِنَّا يَحْصُلُ على أعلَى الشهادَاتِ العِلميَّةِ في أمورِ دُنياهُ، ويَتبوَّأُ رَفيعَ المراتبٍ، ويَسُودُ في النَّاسِ، ويُشارُ إليهِ، ويُتعجَّبُ ويُعجَبُ بمَا وصَلَ إليهِ، إلَّا أنَّهُ ــ ولِلأسفِ الشديدِ ــ في بابِ العلمِ بالدِّينِ والشريعَةِ مِن أضعَفِ النَّاسِ، يَرجِعُ فيهِ إلى طالبِ عِلمٍ شرعِيٍّ صغيرٍ بسُؤالِهِ عن عقيدتِهِ وأحكامِ عبادَاتِهِ ومُعاملاتِهِ، أوْ يَنقادُ إلى خُرَافاتِ وجهالاتٍ وضَلالاتِ مُعمَّمٍ شِيعِيٍّ أو صُوفِيٍّ أوْ إباضِيٍّ، معَ أنَّ اللهَ تعالى لم يَخلُقْهُ إلا لأجلِ عبادته، كما قالَ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }، ولا تُعرَفُ عبادتُهُ سُبحانَهُ على الوجْهِ المقبولِ الذي يَحصُلُ بِهِ الإجزَاءُ والصِّحَّةُ وعظيمُ الثوابِ إلا عن طريقِ طلبَِ العلمِ الشرعِيِّ، والتفقُّهِ في الدِّينِ، ومَطلوبٌ مِنهُ ومِن كلِّ مسلمٍ وجُوبًا أنْ يَتعلَّمَ مِن العِلمِ ما يُقيمُ بِهِ ما يَجِبُ عليهِ مِن أُمورِ دِينِهِ، ويأثَمُ بترْكِ تَعلُّمِهِ.

يا طالِبَ القُربِ مِن اللهِ ــ سدَّدكَ اللهُ وقوَّاكَ ــ:

إنْ كُنتَ تُريدُ الرِّفْعَةَ في الدُّنيا والآخِرَةِ: فاطلُبْهَا في العلم الشَّرعِيِّ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }، وقوله تعالى: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }، ولِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الثابتِ: (( إِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ )).

وإنْ أرَدتَ خشيَةَ اللهِ، ورِقَّةَ القلبِ: فعلَيكَ بطلَبِ العلمِ الشَّرعِيِّ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ }، ولمَّا كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أعظَمَ النَّاسِ عِلمًا، وأجلَّهُم فِقهًا، كان كما أخبرَ عن نفسِهِ، إذْ صَحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي ))، وثبتَ أنَّ الإمامَِ سُفيانَ الثَّوريَّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: «إِنَّمَا يُتَعَلَّمُ الْعِلْمُ لِيُتَّقَى اللَّهُ بِهِ، وَإِنَّمَا فُضِّلَ الْعِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُتَّقَى اللَّهُ بِهِ».

وإنْ رُمْتَ الجَنَّةَ: فطَلبُ العلمِ الشَّرعيِّ مِن أوسَعِ أبوابِهَا، إذْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ )).

وإنْ كانَ النَّاسُ يَرِثُونَ الدَّرَاهِمَ والدَّنانِيرَ فيَنبسِطونَ ويَتوسَّعونَ مِن الدُّنيا: فطالِبُ العلمِ الشَّرعِيِّ يَرثُ أفضَلَ الخلْقِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ويُسعِدُ قلبَهُ في الدُّنيا سعادَةً لا مَثيلَ لَهَا، ويَتوسَّعُ بسببِ العلمِ في الجِنانِ بأفضَلِ ما يكونُ مِن نَعيمٍ ودَرَجَةٍ، إذْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرغِّبًا في التفقُّهِ في الدِّينِ: (( إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ )).

أيُّها النَّاسُ:

كيفَ لا يكونُ العلمُ الشَّرعِيُّ وأهلُهُ بهذا الفضلِ والمنزلَةِ، وفِيهِ: حِفظُ الدِّينِ عن تَحريفِ وتَلبيسِ المُضِلِّينَ، وإبطالُ ضَلالاتِ المُبتَدِعينَ، وتمييزُ الحقِّ مِنَ الباطلِ، والتوحيدِ مِنَ الشِّركِ، والسُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، والطاعَةِ مِنَ المعصيَةِ، وأهلِ السُّنَّةِ والحقِّ مِن أهلِ البْدعَةِ والضَّلالَةِ، كيفَ لا يكونُ كذلِكَ، وفيهِ: حِفظُ دِينِ العبدِ وسلامَتِهِ مِنَ الوقوعِ فيما حرَّمَ اللهُ عليهِ في جميعِ الأبوابِ، في بابِ التوحيدِ والشِّركِ، وبابِ السُّنَّةِ والبِدْعَةَِ، وبابِ العبادَاتِ معَ اللهِ، وبابِ المُعامَلاتِ معَ الخلقِ، كيفَ لا يكونُ كذلِكَ، وفيهِ: دَرْءُ الفتَنِ المُضْعِفَةِ للدِّينِ والإيمانِ، والمُلَبِّسَةِ على القلبِ والذِّهنِ مِن َالوصولِ إلى الحقِّ، والجَالِبَةِ لِلقتلِ والاقتتالِ وإهلاكِ الحَرْثِ والنِّسْلِ والخوفِ والتشريد بعدَ الأمْنِ، والجُوعِ والفقرِ بعدَ الغِنى.

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ العلمَ الشَّرعِيَّ: نورٌ يَسيرُ بِهِ العبدُ إلى ربِّهِ في عقيدتِهِ وعبادتِهِ وأخلاقِهِ ومُعاملاتِهِ وما يُحيطُ بِهِ مِن فِتَنٍ وتنازُعٍ وإضْلالٍ وفسادٍ على صِراطٍ مُستقيمٍ، إذْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا }، ونحنُ رِجالًا ونِساءً عرَبًا وعَجَمًا وفي كلِّ أرضٍ ووقتٍ مُحتاجُونَ شديدًا إلى العلمِ الشَّرعيِّ، وإلى طلبِهِ والجِدِّ في دِرَاسَتِهِ، مُحتاجُونَ إليهِ في معرِفَةِ عَقيدَتِنَا وتوحِيدِنَا وأُصولِ دِينِنَا وعِبادَاتِنَا مِن صلاةٍ وصيامٍ وحَجٍّ وزَكاةٍ وغيرٍها، مُحتاجُونَ إليهِ في معرِفَةِ ما أُحِلَّ لَنَا وما حُرِّمَ علينا وأحكامِ مُعاملاتِنَا وعُقودِنَا وأنْكِحَتِنَا، مُحتاجُونَ إليهِ في معرِفَةِ تَعامُلِنَا معَ حُكَّامِنَا وما يَحدُثُ في بِلادِنَا وما حَولَهَا مِن فِتَنٍ، وتعامُلِنَا معَ أعدائِنَا في الحرْبِ والسِّلمِ ووقْتِ القوَّةِ والضَّعْفِ، مُحتاجُونَ إليهِ في معرِفَةِ أهلِ البِدَعِِ والأهواءِ وأهلِ التغريبِ والإلحادِ واللبرالِيَّةِ والعلمانِيَّةِ والفسادِ وأحزابِهِم وتنظيماتِهِم ورِجالاتِهِم ومُخطَّطاتِهِم حتَّى لا نكونَ مِنهُم ولا معَهُم ولا يَصِلوا إلينَا وإلى بُيوتِنَا وأهلِينَا، ونَتَضَرَّرُ بِفتَنِهِم وضَلالِهِم وفسادِهِم وشَرِّهِم ومَكرِهِم وكَيدِهمِ.

وإنَّنَا نعيشُ في زمَنٍ: قَلَّ فيهِ العلماءُ الرَّاسخونَ الأثباتُ، وكثُرَ فيهِ الجهلُ بأحكامِ الدِّينِ، وعَمَّ المُدُنَ والقُرَى والبَوادِيَ، وزُهِدَ في أهلِهِ ومجالِسِهِ ودُروسِهِ وكُتبِهِ، حتَّى أصْبَحْتَ تَرَى الرَّجُلَ قدِ دَرَسَ في جامِعاتٍ ومعاهِد تُدرِّسُ العلمّ الشَّرعِيَّ، وحَضَرَ دُرُوسَ العلماءِ وطُلابِ العلمِ الأقوياءِ سِنينَ عديدَةٍ، ثُمَّ تسألُهُ أو تُذاكِرُهُ أو يُستَفتَى وإذا بِهِ ضعيفُ العلمِ، قليلُ الفِقهِ، قدْ نَسِيَ ما درَسَ، وذهبَ عنهُ ما حَفِظَ، وباتَ أشبَهَ بالعوامٍ، ناهِكَ عن باقِي النَّاسِ، وهذا يُؤكِّد لَنَا ما صحَّ مِن إخبارٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ ))، فكيفَ إذا جمَعْنَا معَهُ قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ))، فالجِدَّ الجِدَّ ــ عِبادَ اللهِ ــ في طلَبِ العلمِ الشَّرعِيِّ وحِفظِهِ ومُذاكراتِهِ ومُراجَعَتِهِ والاستزادَةِ مِنهُ، فذلِكَ مِن أعظمِ تقوى اللهِ، أقبِلُوا عليهِ بِهمَّةٍ عالِيَةٍ، ورَغبَةٍ كبيرَةٍ، وإخلاصٍ واحتسابٍ لِلأجْرِ، واسألُوا ربَّكُم الإعانَةَ عليهِ والقبولَ، واعلَموا أنَّكُم إنْ حضَرْتُم مجالِسَ أهلِهِ فأنْتُم في عِبادَةٍ عظيمَةٍ، وإنْ قرأتُم كُتبَهُ وحفِظتُم أدِلَتَّهُ ومسائِلَهُ فأنتُم في عِبادَةٍ، وإنْ راجعتُموهُ وذاكرتُموهُ معَ غيرِكُم أو لِوحدِكُم فأنْتُم في عِبادَةٍ، وإنْ خَرَجْتُم في سبيلِ طلبِهِ فأنتُم في عِبادَةٍ، وإنْ عَمِلتُم بِهِ فأنْتُم في عِبادَةٍ، وإنَّ علَّمتُموهُ غيرَكُم فأنْتُم في عِبادَةٍ، وإنَّ مِن بَرَكَةِ العلمِ الشَّرعِيِّ وكبيرِ نفعِهِ أنَّ العبدَ يَتعلَّمُ مسألَةٍ واحِدَةً أو يُعلِّمُهَا لِغيرِهِ فيُعبَدُ اللهُ بها طُولَ الحَياةِ، وأنَّ العبدَ يَسمَعُ الواعِظَ فيَتأثَّرُ بِهِ أيامًا، ويأخُذُ عنِ العالِمِ مسألَةً فيَعمَلُ بِها إلى أنْ يموتَ، وقدْ قالَ اللهُ آمِرًا عبادَهُ ومُبشِّرًا لَهُم: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ }، وأمرَ اللهُ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم بالدُّعاءِ بزِِيادَةِ العلمِ، فقالَ سُبحانَهُ: { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا }، والحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا، وعلى كُلِّ حالٍ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ خالِقِ الأَنَامِ، وصلَّى اللهُ على الأنبياءِ العِظامِ، والصَّحابَةِ الكِرام.

أمَّا بَعد، أيُّها المُسلِمونَ:

فإنَّ تقوىَ اللهِ خيرُ لِباسٍ لَكُم وزَادٍ، وأفضلُ وسيلَةِ إلى رِضَا ربِّ العِبادِ، إذْ قالَ سُبحانَهُ: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، فاتَّقوهُ، واعلَموا أنَّ مِن أعظمِ خِصالِ التقوى، وأجَلِّ صِفاتِ المُؤمِنينَ، ودَلائِلِ جَليلِ الدِّيانَةٍ، وحُسْنِ العقلِ وسَدَادِهِ: الحِرَصَ الشديدَ على التفقُّهِ في الدِّينِ، وأخذَهُ عن أهلِهِ الرَّاسِخينَ الأكابِرِ وطُلَّابِ العلمِ الأقوياءِ مِن أهلِ السُّنَّةُ السائِرينَ على مَنهجِ السَّلفِ الصالِحِ مِن الصحابَةِ والتابِعينَ فمَن بَعدَهُم، وقدْ صحَّ عن تِلميذِ كثيرٍ مِنَ الصحابَةِ محمدِ بنِ سِيرينَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّهُ قالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»، واحذَرُوا شديدًا: أنْ تأخُذوا العلمَ الشَّرعِيَّ عن أهلِ البِدَعِِ والأهواءِ وأصحابِ الجماعاتِ والأحزابِ والتنظيماتِ، وأهلِ التَّصَوُّفِ والطُّرُقِ الصُّوفِيَّةِ، وأهلِ التكفيرِ أتباعِ الخوارجِ، وأبْعِدُوا أنفُسَكُم عن كُتُبِهِم وأشرِطَتِهِم وبرامجِهِم في الفضائِياتِ ومواقعِ شَبَكَةِ الإنْترنتِّ، وعن مقاطِعِ صَوتِياتِهِم في بَرامِجِ التواصُلِ الاجتماعِيِّ، وعن فتاويهِم وخُطَبِهِم ودُروسِهِم ومُحاضَراتِهِم، لِئَلَّا تَضِلُّوا بِسَببِهم، فإنَّ الدِّينَ أعزُّ ما تَملِكونَ، ولأجلِهِ خُلِقتُم، وبِهِ تخسَرونَ أو تَربَحونَ يومَ القيامَةِ، وخافُوا مِن ضلالِهِم على دِينِكُم، فقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إِلَّا الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ )).

يا طالِبَ العلمِ ــ جمَّلَكَ اللهُ بتقواهُ ــ:

إنَّ مِن برَكَةِ العلمِ الشِّرعِيِّ: أنْ يُرى أثَرُهُ وثَمرَتُه على صاحِبِهِ، فترَاهُ في عبادَتِهِ ومُعامَلَتِهِ، وتعلُّمِهِ وتعليمِهِ ودعوَتِهِ، وسَمتِهِ وهدِيِهِ، وخُلُقِهِ وأدَبِهِ ووقارِهِ وحِلْمِهِ، ومَدخَلِهِ ومَخرَجِهِ، ورِفقِهِ ولِينِهِ، وسَفَرِهِ وإقامَتِهِ، ومعَ القريبِ والبعيدِ، والمُوافِق والمُخالِفِ، والعَدوَّ البَغيضِ والصَّديقِ، وقدْ ثبتَ عنِ الإمامِ سُفيانَ الثَّوريِّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّهُ قالَ: «زَيِّنُوا الْعِلْمَ بِأَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَزَيَّنُوا بِالْعِلْمِ»، وثبتَ عنِ التابِعِيِّ أبي قِلابَةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّهُ قالَ: «إِذَا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكَ عِلْمًا فَأَحْدِثْ لَهُ عِبَادَةً، وَلَا يَكُنْ إِنَّمَا هَمُّكَ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ النَّاسَ»، وما أشنَعَ عدمَ العملِ بالعلمِ، وأعظم خطرِهِ، وأقبَحَ أثرَهِ وعاقِبَتِهِ، فقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُرَهِّبًا: { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ }، وقالَ تعالى مُنكِرًا: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }، وثبتَ أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سيَخْلُو بِهِ رَبُّهُ كَمَا يَخْلُو أَحَدُكُمْ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ: مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ ))، وقالَ غيرُ واحدٍ مِنَ السَّلفِ: «مَا بَلَغَنِي حَدِيثٌ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ إِلاَّ عَمِلْتُ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً».

اللهمَّ: اجعلْنَا مِمَّن إذا ذُكِّرَ ادَّكَرَ، وإذا وُعِظَ اعتبَرَ، وإذا أُعطِيَ شَكرَ، وإذا ابتُلِيَ صَبرَ، وإذا أذْنَبَ استغفَرَ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، إنَّك سميعُ الدُّعاءِ، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.