إنَّ الله كَرِه لَكُم قِيل وقال وكثْرَة السؤال وإضَاعَة المال
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ قَيومِ السماواتِ والأرَضِينَ، باعِثِ الرُّسُلِ لِهدايَةِ المُكلَّفِينَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ رَبُّ العالَمينَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المَبعوثُ بالحقِّ المُبِينِ، اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الصَّالِحين.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فقد أخرجَ البخاريُّ ومسلمٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( إِنَّ اللهَ ــ عَزَّ وجَلَّ ــ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ))، وصحَّ عنِ المُغِيرَةَ بنِ شُعبَةَ ــ رضِيَ الله ُعنهُ ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَى: عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ ))، وفي هذا الحديثِ النَّبويِّ العظيمِ ثلاثُ فوائدَ جلِيلَةٍ:
الفائِدَةُ الأُولَى: النَّهْيُ عن قِيلَ وقالَ.
والمُرادُ بالنَّهيِّ عن قِيلَ وقالَ: تحريمُ كثرَةِ الكلامِ في أمورِ الناسِ، والأخبارِ والوقائعِ والأحداثِ، وما لا فائِدَةَ فيهِ، ولا يَعنِي مِنَ الأفعالِ والأقوالِ، لأنَّ كثرَةَ الخوضِ لُهُ مفاسِدُ عديدَةٌ على الخائضِ نفسِهِ، وعلى النَّاسِ.
ومِن هذهِ المفاسِدِ: أنَّهُ مِن أسبابِ الوقوعِ في كبيرَةِ الكذِبِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ))، وقالَ سَهْلٌ التَّسْتُريُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «مَنْ تَكَلَّمَ فِيمَا لا يَعْنِيهِ حُرِمَ الصِّدْقَ»
ومِنَ المفاسِدِ أيضًا: أنَّ صاحِبَهُ لا يَكادُ يَسلمُ مِنَ الوقوعِ في الغِيبَةِ، والغِيبَةُ مِن كبائرِ الذُّنوبِ باتفاقِ العلماءِ، وهيَ: «ذِكرُكَ أخاكَ المُسلِمَ في غيبَتِهِ بما يَكرَهُ مِمَّا هوَ فيهِ»، والناسُ تَكرَهُ الكلامَ فيها وفيما يَحصُلُ لَهَا ويَختَصُّ بها.
ومِنَ المفاسِدِ أيضًا: أنَّهُ مِن أسبابِ وقوعِ الفتنِ بينَ الناسِ، وتَنافُرِ القلوبِ، وحُصولِ النِّزاعِ والخُصوماتِ، لأنَّ الناسَ تَكرَهُ مَن يتكلَّمُ فيها، وتَحمِلُ في قلبِها عليهِ، وقد تُقابِلُهُ بالمِثلِ أوْ تُقاضِيهِ في المحاكِم وجِهاتِ الاختِصاصِ.
ومِنَ المفاسِدِ أيضًا: أنَّهُ مِنَ الاشتغالِ بالأمورِ التي لا تَعنِي أو تَضُرُّ عنِ الأمورِ النافعَةِ، ومَن أرادَ أنْ يُحسِنَ إسلامَهُ فليَترُكْ ما لا يَعنِيهِ، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ))، وقالَ الإمامُ الباقِرُ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «كَفَى بالمَرْءِ عَيبًا أنْ يُؤذِيَ جَليسَهُ بما لا يَعنِيهِ».
ومِنَ المفاسِدِ أيضًا: أنَّه يُوصِلُ إلى التَّجسُّسِ على النَّاسِ والتنقيبِ عن أقوالِهِم وأفعالِهِم وأخبارِهِم وتتبُّعها، وقدْ قالَ اللهُ تعالى ناهيًا: { وَلاَ تَجَسَّسُوا }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا ))، والتَّجَسُّسُ هوَ: «بَحثُ الإنسانِ عن عَوْرَاتِ وسيِّئَاتِ غيرِهِ»، والتَّحَسُّسُ هوَ: «طلبُهُ معرِفَةِ الأخبارِ والأحوالِ الغائِبَةِ عنهُ».
ومِنَ المفاسِدِ أيضًا: أنَّهُ قد يُفضِي إلى سَبِّ أولَعنِ أو غِيبَةِ النَّاسِ لِلمُتكلَّمِ فيهِ والمُخبَرِ عنهُ عندَ سماعِ ما لا يُرضَونَهُ مِنهُ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى زاجِرًا: { وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }.
الفائِدَةُ الثانيَةُ: النَّهْيُ عن كَثْرَةِ السُّؤالِ.
ويَدخُلُ في النَّهيِّ عن كثرَةِ السُّؤالِ: كثرَةُ سُؤالِ النَّاسِ المالَ وأمورَ الدُّنيا مِن غيرِ حاجَةٍ ولا ضَرورَةِ أو استِكثارًا، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَفْتَحُ إِنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتْحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ))، وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( لَأَنْ يَحْتَزِمَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَحْمِلَهَا عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ )).
ويَدخُلُ في النَّهيِّ عن كثرَةِ السُّؤالِ أيضًا: أنْ يُكثِرَ الإنسانُ مِنَ السُّؤالِ في المسائلِ الفِقهيَّةِ تَنَطُّعًا وتَكَلُّفًا فيما لم يَحصُلْ أو إحرَاجًا لأهلِ العلمِ وطُلابِهِ أو امتِحانًا لَهُم أو تَلَقُّطًا لِزَلَّاتِهِم، وقدْ كانَ السَّلفُ الصَّالحُ مِنَ الصحابَةِ فمَن بعدَهُم يَكرَهونَ ذلِكَ، ويَذُمُّونَ فاعِلَهُ، ولا يُجِيبونَهُ عقوبَةً لَهُ، وقدْ صحَّ عنِ التَّابِعِيِّ مَسروقٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( كُنْتُ أَمْشِي مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ فَقَالَ فَتًى: مَا تَقُولُ يَا عَمَّاهُ فِي كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَكَانَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «فَأَعْفِنَا حَتَّى يَكُونَ» )).
ويَدخُلُ في النَّهيِّ عن كثرَةِ السُّؤالِ أيضًا: أنْ يُكثِرَ الإنسانُ مِن السُّؤالِ عمَّا لا يَعنِيهِ مِن أحوالِ النَّاسِ وأقوالِهِم وأفعالِهِم، وقدْ قالَ الحسنُ البصرِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «مِنْ عَلامَةِ إعْرَاضِ اللَّهِ عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فِيمَا لا يَعْنِيهِ»، وثبَتَ عن جمْعٍ مِنَ السَّلفِ الصالِحِ أنَّهُم قالوا: «سُئلَ لُقمَانُ الحكِيمُ: أيُّ عملِكَ أوثَقُ في نفسِكَ؟ فقالَ: تَرْكُ مالا يَعنِينِي»، وقِيلَ لأحَدِ العُبَّادِ: «مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ؟ قَالَ: فَرَاغُ الْقَلْبِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، لِيَتَفَرَّغَ إِلَى مَا يَعْنِيهِ».
الفائِدَةُ الثالِثَةُ: النَّهْيُ عن إضَاعَةِ المالِ.
سَواءٌ كانَ هذا المالُ نُقودًا أوْ حيوَانًا أوْ أثاثًا أوْ بِضَاعَةً أوْ مَزرَعَةً أوْ سيَّارَةً أوْ لِباسًا أوْ طعامًا أوْ غيرَ ذلِكَ، أوْ كانَ المالُ قلِيلًا أوْ كثِيرًا.
ويَدخُلُ في إضاعَةِ المالِ: إنفاقُهُ في غيرِ حقِّهِ ومحَلِّهِ، كالإسرافِ فيهِ أوْ شِراءِ المُحرَّماتِ بهِ أوِ إنفاقِهِ على المعاصي أو تبذيرِهِ على اللهوِ واللعبِ والشَّهواتِ والمَلذَّاتِ، وقدْ قالَ اللهُ تعالى زاجِرًا: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ في وصِفِ إنفاقِ الصالِحينَ لِلمالِ: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٍ، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ ))، وثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ ))، وباذِلُ المالِ في الحرامِ قد جمعَ بينَ معصِيَتينِ، معصيَةُ إضاعَةِ المالِ، ومعصيَةُ ارتكابِ المُحرَّمِ بالمالِ، وكانَ الإثمُ عليهِ أشدّ.
ويَدخُلُ في إضاعَةِ المالِ أيضًا:إهمالُ الإنسانِ ما يَملكُهُ مِن حيوانٍ أوْ مراكِبٍ أوْ أجهزِةٍ أوْ غيرِها مِمَّا يَحتاجُ إلى رِعايَةٍ وحِمايِةٍ وحِياطَةٍ وصِيانَةٍ، حتى تكونَ بسبِ إهمالِهِ عُرضَةً لِلضَّياعِ أوِ السَّرِقَةِ أوِ التَّلَفِ أوِ الجُوعِ أوِ الهلَكَةِ.
ويَدخلُ في إضاعَةِ المالِ أيضًا: ترْكُ إصلاحِهِ والنظرِ فيهِ وتَنمِيَتِهِ مِمَّا يُسَبِّبُ ذهابَهُ والإضرارَ بمَن يَعُولُ، وقد صحَّ أنَّ عمرَ ــ رضِيَ الله ُعنهُ ــ قال: (( اتَّجِرُوا بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الصَّدَقَةُ ))، يَعنِي: الزَّكاة.
ويَدخلُ في إضاعَةِ المالِ أيضًا: إعطاؤُهُ لِناقِصِي العقولِ، كالصِّغارِ والسُّفهاءِ والمجانينَ ونحوِهِم، فيُبدِّدونَهُ فيما لا يَحِلُّ أو ما لا يَنفعُ، لأنَّ اللهَ قدْ جعلَ الأموالَ قِيامًا لِلنَّاسِ، بها تقومُ مصالِحُهُم الدِّينِيَّةِ والدُّنيوِيَّةِ، فتمامُ النِّعمَةِ فيها أنْ تُصرَفَ فيما خُلِقَتْ لَهُ مِن منافِعِ العِبادِ في دِينِهم ودُنياهُم، وقدْ قالَ الله سُبحانَهُ زاجِرًا: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا }.
{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، وصلاتُهُ وسلامُهُ على جميعِ أنبيائِهِ والمُؤمِنينَ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فاتقوا اللهَ ربَّكُم بالعملِ بما يُحبُّهُ ويَرضَاهُ، وسارِعوا إلى مغفرتِهِ وجنَّتِهِ بلُزومِ أمرِهِ واجتنابِ نواهِيهِ، فالمؤمِنُ مَن يَرجُو اللهَ ويَتَّقِيهِ، ولا تَتَّبِعوا خُطوَاتِ الشيطانِ، فإنَّهُ يُضِلُ مَن اتَّبَعَهُ ويُغوِيهِ، ويأمرُهُ بالفحشاءِ والمُنكرِ، وإلى طريقِ الجَحيمِ يَهدِيهِ، وقدْ قالَ اللهُ سبحانَهُ مُبشِّرًا لَكُم وآمِرًا: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ }، وبادِرُوا أعمارَكُم وأيَّامَكُم بأعمالِكُم الصالِحَةِ قبلَ انقضائِها، وحقِّقوا أقوالَكُم بأفعالِكُم، واغتنِموا ما بَقِيَ مِن أوقاتِ حياتِكُم بالإكثارِ مِنَ الطاعاتِ قبلَ المَماتِ، فإنَّ حقيقَةَ العُمُرِ ما أمضَاهُ العبدُ بطاعَةِ ربِّهِ، فبِها يَحْيَى حياةً طيِّبَةً في الدُّنيا والآخِرَةِ، وما سِوَى ذلِكَ فذاهِبٌ خسارًا، ومسؤولٌ عنهُ ومُحاسَبٌ عليهِ، وقد ثبتَ أنّ السَّلفَ الصالِحَ أوَّلَ الإسلامِ فيما بينَهُم كانوا يَتواعَظونَ بهذهِ الأربعِ:(( اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ )).
هذا وأسألُ اللهَ ــ عزَّ وجلَّ ــ: أنْ يُجنِّبَنا مُنكراتِ الأعمالِ والأخلاقِ والأهواء، وأنْ يجعلَنا مفاتيحَ لِلخيرِ، مغالِيقَ لِلشرِ، اللهمَّ: ارزُقِنا الهُدى والتُّقَى والعفافَ والغِنَى والجنَّاتِ، اللهمَّ: اغفرْ لِلمؤمِنينَ والمؤمِناتِ أحياءً وأمواتًا، اللهمَّ: ارفع الضُّرَ عن المُتضرِّرينَ مِن المسلمين في كٌلِّ مكانٍ، إنَّكَ جَوادٌ كريمٌ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.