إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان ” الترهيب من الغيبة والنميمة مع أحكام نحتاج إليها في شهر رجب “، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع..

خطبة مكتوبة بعنوان ” الترهيب من الغيبة والنميمة مع أحكام نحتاج إليها في شهر رجب “، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع..

  • 19 يناير 2023
  • 20٬836
  • إدارة الموقع

الترهيب مِن الغِيبَة والنَّمِيمَة مع أحكام نحتاج إليها في شهر رجَب

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الأحَدِ الصَّمَدِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، المُكْرَمُ بالشفاعَةِ، اللهمَّ فصَلِّ وسلِّم عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فاتقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ بإصلاحِ ألسِنَتِكُم، والخوفِ الشديدِ مِمَّا يَصدُرُ عنها مِن أقوالٍ، فقدْ قالَ ربُّكُم مُرهِّبًا لَكُم: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }، وثبت أنَّ رجُلًا قالَ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَىَّ؟ فَأَخَذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ «هَذَا» ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ ))، وثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

اتقوا اللهَ تعالى باجتنابِ الغِيبَةِ، والتوبَةِ مِنها، والتَّحلُّلِ مِمَّنِ اغتبتُمُوهُ، قبلَ ساعَةِ السِّياقِ وبُلوغِ الرُّوحِ التراقِيَ، قبلَ أنْ يقولَ الإنسانُ: أينَ المَفَرُّ؟ يومَ يُبعثَرُ ما في القُبورِ ويُحَصَّلُ ما في الصُّدورِ ولا يَنفَعُ ندَمٌ ولا يُقبَلُ مُعْتَذَرٌ، بلْ عقوبَةٌ وعذابٌ ونكالٌ وقصَاصُ، ولقدْ نَقلَ جمْعٌ مِن العلماءِ:«اتفاقَ الفقهاءِ على أنَّ غِيبَةَ المُسلمِ لأخيهِ المُسلمِ مِن كبائرِ الذُّنوبِ»، ويَدُلُّ على أنَّها مِن الكبائِرِ قولُ اللهِ تعالى زاجِرًا ومُخوِّفًا: { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ }، حيثُ شبَّهَ سبحانَهُ الغِيبَةَ بأكلِ لَحمِ بَدّنِ الآدَمِيِّ الميِّتِ المُسلِمِ، وثبتَ عن عمرِو بنِ العاصَ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ: (( أَنَّهُ مَرَّ عَلَى بَغْلٍ مَيِّتٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَأَنْ يَأْكُلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذَا الْبَغْلِ حَتَّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ )) أي: خيرٌ لهُ مِن أنْ يَغتابَ مُسلِمًا ويَقعَ في عِرْضِهِ، والغِيبَةُ هيَ: «أنْ يَذكرَ المُسلمُ أخاهُ المُسلِمَ في وقتِ غِيابِهِ عنهُ بما هوَ فيهِ مِمَّا يَكرَهُ»، وسواءٌ تكلَّمَ على خِلقتِهِ أو خُلقِهِ أو فِعالِهِ أو أحوالِهِ أو عقلِهِ أو ذكائِهِ أو أهلِهِ أو نَسَبِهِ أو لَونِهِ أو مَنطِقِهِ أو غيرِ ذلكَ مِمَّا هوَ فيهِ ويَكرَهُهُ، لِمَا صحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ لأصحابِهِ: (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ ))، وصحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضيَ اللهُ عنها ــ قالتْ: (( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، ــ تَعْنِي: أنَّها قَصِيرَةً ــ فَقَالَ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ مُبيِّنًا بعضَ عُقوبَةِ المُغتابِينَ: (( لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ))، وجاءَ بسندٍ صحَّحهُ الإمامُ الألبانِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ وغيرُهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرهِّبًا ومُحذِّرًا: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَبِعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَفَضَحَهُ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

اتقوا اللهَ تعالى باجتنابِ النَّميمَةِ، والتوبَةِ مِنها، فإنَّها مِن السَّيِّئاتِ الكِبار، وكبائِرِ الذُّنوبِ باتفاقِ العلماءِ، ومِنَ الظُّلمِ والأذيَّةِ لِلخلْقِ، والإضرارِ والإفسادِ في الأرضِ، حتى إنَّهُ لَيُعَذَّبُ عليها في القبرِ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بقبرينِ فقالَ: (( أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ))، وأمَّا في الآخِرَةِ، فقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسَّرَ النَّمِيمَةَ وبيَّنَ معناها، فقالَ لأصحابِهِ: (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ: النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ ))، فتَبيَّنَ مِن هذا الحديثِ وغيرِهِ أنَّ النَّمِيمَةَ هِيَ: «نقلُ قَبيحِ ما يقولُهُ الرَّجُلُ أو المرأَةُ في الآخَرِ»، ونُهِيَ عنِ النَّمِيمَةِ وحُرِّمَتْ وذُمَّتْ شرْعًا وعقلًا وطبْعًا وغُلِّظَتٍ عقوبَتُها لأنَّها تُوقِعُ العداوَةَ والبَغضاءَ بينَ المؤمنينَ بعدَ المَودَّةِ والمَحبَّةِ، وتُنَفِّرُ بعضَهُم مِن بعضٍ بعدَ الأُلفَةِ والتَّعاونِ، وتقطعُ صِلَتَهُم بعدَ القرابَةِ والصُّحبَة، وتُدخِلُهُم أبوابَ الفتنِ والخُصوماتِ والنِّزاعاتِ والتَّفَكٌّكِ بعدَ التعاضُدِ وسَلامَةِ الصُّدور والترابُطِ، وتَجُرُّهُم إلى تَتَبُعِ عثراتِ بعضٍ، والكَيدِ والمَكرِ لِبعضٍ، والكذبِ والافتراءِ والغِيبَةِ والبُهتانِ والذَّمِ والقدحِ لِبعضٍ، والتَّفاضُحِ وهتْكِ الأستارِ بعدَ السَّترِ والصِّيانَةِ، بل تُؤدِّي إلى ما هوَ أكبرُ مِن ذلكَ وأشَرُّ وأظْلَمُ وأطْغَى مِن ذُنوبٍ وفُرْقَةٍ وأضرارٍ ومفاسِدَ، حتى قالَ الفقيهُ يَحيى بنُ أكْتَمٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: (( يُفْسِدُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ ))، وجاءَ في حديثٍ حسَّنهُ الإمامُ الألبانِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأصحابِهِ: (( أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ» )).

اللهمَّ: اهدِنا لأحسَنِ الأعمالِ والأخلاقِ، واصْرِف عنَّا سَيِّئَهَا يا رَحِيمُ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الأعلَى، وسَلَّمَ على النَّبيِّ المُصْطَفى، وآلِهِ وصَحبِهِ وصَلَّى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فلَقد دخلتُم [ أوشَكْتُم على الدُّخولِ ] في أحدِ الأشهرِ الأربعةِ الحُرُم، ألَا وهوَ شهرُ رجَب، وقد قالَ اللهُ في إثباتِ حُرمَتِهِ وحُرمَتِها: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }، فاحذَرُوا شديدًا أنْ تَظلِموا أنفسَكم في الأشهرِ الحُرُمِ بفعلِ السيِّئَاتِ أو المُجاهَرَةِ بها مِن شِركيَّاتٍ وبِدَعٍ ومعاصٍ، فإنَّ اللهَ قد نَهاكُم عن ذلِكَ فقالَ سُبحانَهُ: { فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }، ولأنَّ السيِّئاتِ تَعظُمُ وتتغلَّظُ في كلِّ زمانٍ أو مكانٍ فاضِلٍ، وقدْ ثبتَ عن قتادةَ التابعيِّ ــ رحمهُ اللهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( إِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا )).

أيُّها المُسلِمونَ:

جَرَتْ عادَةُ البعضِ على تخصِيصِ شهرِ رجَبٍ أو أوَّلِ يومٍ مِنهُ أو أوَّلِ خميسٍ أو جُمعَةٍ فيهِ بالصيامِ، وهوَ تخصيصٌ لم يَثبتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابِهِ، فما صامُوا هذهِ الأيَّامَ لأجْلِ دخولِ شهرِ رجَبٍ، ولا دَعوا الناسَ إلى صومِها، ولا يَزالُ العلماءُ على اختلافِ بُلدانِهِم ومذاهبِهِم وأزمانِهِم يُنكِرونَ ما يُروَى عن هذا الصيامِ مِن أحاديثَ ضعيفَةٍ أو مكذوبَةٍ، ويُبيِّنونَ بُطلانَها، بلْ وكتَبوا في تَبيينِ عدمِ صِحَّتِها كُتبًا مُستقِلَّةً مُفرَّدَةً، فقالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقلانِيُّ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «لم يَرِدْ في فضلِ شهرِ رجَبٍ ولا في صيامِهِ ولا في صيامِ شيءٍ مِنهُ مُعيَّنٍ ولا في قيامِ ليلَةٍ مخصُوصَةٍ فيهِ: حديثٌ صحيحٌ»، وقالَ الحافظُ ابنُ رجبٍ الحنبلِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «لم يَصِحَّ في فضلِ صومِ رجَبٍ بخُصوصِهِ شيءٌ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابِهِ»، وأمَّا مَن كانتْ لَهُ عادَةُ صيامٍ جميعَ أشهُرِ السَّنَةِ: فلا حرَجَ عليهِ بصيامِ عادتِهِ في رجَبٍ، لأنَّه لم يَقصِدْ تخصيصَهُ وتعظيمَهُ بالصيامِ فيهِ.

أيُّها المُسلِمونَ:

جَرَتْ عادَةُ البعضِ على تخصِيصِ شهرٍ رجَبٍ بصلاةٍ تُسمَّى صلاةَ الرَّغائِبِ، وتُؤدَّى في ليلَةِ أوَّلِ جُمعَةٍ مِنهُ ما بينَ المغربِ والعشاءِ، وأوَّلُ ما عُرِفَتْ في القرْنِ الخامسِ الهِجرِيِّ، وهذهِ الصلاةُ يَحرُمُ أنْ تُصلَّى أو يُدْعَى إلى صلاتِها، لأنَّ: مرِجعَ الصلاةِ هوَ القرآنُ والأحاديثُ الصَّحيحَةُ، ولم تَرِدْ فيهِما، وقدْ قالَ الفقيهُ ابنُ العطَّارِ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ عنها: «الأحاديثُ المَرويَّةُ في فضْلِها كلٌّها موضوعَةٌ باتفاقِ أهلِ النَّقلِ والعدالَةِ»، وقالَ الحافظُ ابن رجَبٍ الحنبلِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «لم يَصِحَّ في رجَبٍ صلاةٌ مخصوصَةٌ تَختَصُّ بِهِ، والأحاديثُ المَروِيَّةُ في فضلِ صلاةِ الرَّغائِبِ كذِبٌ وباطِلٌ لا تَصِحُّ، وهذهِ الصلاةُ: بدعَةٌ عندَ جُمهورِ العلماءِ».

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ حادِثَةَ الإسراءِ والمِعرَاجِ حادِثَةٌ عظيمَةٌ وآيَةٌ كبيرَةٌ ومُعجِزَةٌ باهِرَةٌ، وقدْ جاءَ إثباتُها في القرآنِ، وتكاثرَتْ فيها الأحادِيثُ النَّبويَّةُ، ولم يَصحَّ في تَعيينِ وقتِ وقُوعِها حديثٌ واحدٌ ولا أثرٌ، لا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابِهِ ولا عن تلامذتِهِم مِنَ التابِعينَ، وقدِ اختلَفَ العلماءُ في تحديدِ زمَنِ وقُوعِها اختلافًا كبيرًا، فمِنهُم مَن قالَ: كانتْ في ربيعٍ الأوَّلِ، ومِنهُم مَن قالَ: في ربيعٍ الآخِرِ، ومِنهُم مَن قالَ: في رجَبٍ، ومِنهُم مَن قالَ: في رمضانَ، ومِنهُم مَن قالَ: في شوالٍ، ومِنهُم مَن قالَ: في ذِي القَعْدَةِ، ومِنهُم: مَن جعلَها في أوائلِ الشهرِ، ومِنهُم: مَن جعلَها في أوسَاطِهِ، ومِنهُم: مَن جعلَها أواخِرَهِ، ومِن أضعفِ الأقوالِ قولُ مَن قالَ: كانتْ في رجَبٍ في ليلَةِ السابعِ والعشرينَ، وقالَ الفقيهُ ابنُ دِحْيَةٍ المالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «ذَكرَ بعضُ القُصَّاصِ أنَّ الإسراءَ كان في رجَبٍ وذلِكَ عندَ أهلِ التعديلِ والتجريحِ عَينُ الكذِبِ»، وقالَ الفقيهُ ابنُ العطَّارِّ الشافِعيُ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «ذَكرَ بعضُهم أنَّ المِعراجَ والإسراءَ كانَ فيهِ، ـ أي: في رجَبٍ ـ، ولم يَثبُتْ ذلِكَ».

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ حادِثَةَ الإسراءِ والمِعرَاجِ لم يَرِدِ الاحتفالُ بِها والاجتماعُ لَهَا لا عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابِهِ ولا عنِ التابِعينَ ولا عن أحدٍ مِن أهلِ القُرونِ الأُولَى ولا عنِ الأئمَّةِ الأربعَةِ، وهذا الأمرُ يَكفِي كلَّ حريصٍ على دِينِهِ في أنْ لا يكونَ مِن المُحتفِلينَ بها ولا المُجتمِعينَ معَ أهلِها ولا الدَّاعِينَ إلى ذلِكَ ولا المُبارِكِينَ بِه ولا الدَّاعِمينَ بمالٍ وطعامٍ وشرابٍ ومكانٍ لأهلِهِ، ويَكفِيهِ أيضًا في إبطالِ الاحتفالِ والإنكارِ على أهلِهِ وعلى مَن يُسهِّلُ فِعلَهُم هذا ويُهوِّنُ مِن شأنِهِ، لأنَّهُ لو كانَ هذا الاحتفالُ مِن الخيرِ وزِيادَةِ الدِّينِ لَمَا ترَكَهُ أشدُّ الناسِ تعظيمًا وانقيادًا للهِ ورسولِهِ وشَرعِهِ، ألَا وهُم أهلُ القُرونِ الثلاثَةِ الأُولَى الذينَّ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ فيهِم: (( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ))، ومَن لم يَسَعْهُ ما وسِعَهُم مِن الترْكِ لِهذا الاحتفالِ وغيرِهِ مِن البِدَعِ في رجَبٍ فلا يَضُرُّ إلا نفسَهُ، وضَلَّ وانحرَفَ عن سَبيلِهم.

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يُجنِّبَنا الشِّركَ والبِدَعَ والمعاصِيَ، وأنْ يَرزُقَنا لُزومَ التوحِيدِ والسُّنَّةِ إلى المَماتِ، وأنْ يُعيذَنا مِن الفتنِ ما ظهرَ مِنها وما بطَنَ، إنَّهُ سميعُ الدٌّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولِكُم.