إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: ” الترغيب في الرفق واللين والترهيب من العنف والفظاظة “. ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: ” الترغيب في الرفق واللين والترهيب من العنف والفظاظة “. ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 28 أبريل 2016
  • 18٬714
  • إدارة الموقع

التَّرغيب في الرِّفق واللِّين والتَّرهيب مِن العُنف والفَظَاظة

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ على ما أسْدَاهُ مِنَ الإنعامِ بالدِّينِ وفي الدُّنيا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ علامُ الغُيوبِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المَبعوثُ لِتتميمِ صالِحِ الأخلاقِ، اللهمَّ فصلِّ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسَلِّمْ تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فإنَّ مِنَ السَّجايا الجميلَةِ النَّيِّرَةِ، والخِلالِ النَّبيلَةِ المُحَبَّبَةِ، والطِّباعِ الشريفَةِ المَليحَةِ، والأخلاقِ السَّامِيَةِ الرَّفِيعَةِ، والفِعالِ المَحمودَةِ شرْعًا وعقْلًا وحِسًّا: الاتِّصَافَ بالرِّفقِ واللِّين في الأفعالِ والأقوالِ، وعندَ الغضَبِ والرِّضَا، وحِينَ الضِّيقِ والسَّعَةِ، ومعَ البعيدِ والقريبِ، والأخْذَ والإعطاءَ معَ الخَلقِ كلِّهِم بالأسهَلِ والأجمَلِ والأيسَرِ، والدَّفعَ في جميعِ الأحوالِ بالأخَفِّ والأحسَنِ والأرْفَقِ، وقدْ قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلّ ــ مُمتَنًّا على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم اتِّصَافَهُ بهذا الخُلقِ، ودَاعيًا لَنَا لِلاقتداءِ بِهِ فيهِ: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ }، وصَحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُبشِّرًا أصحابَ هذا الخُلقِ العظيمِ ومُحرِّضًا لَهُم إليهِ: (( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى ))، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ في تبيينِ بعض آثارِ هذا الخُلقِ الجميلِ مع النَّاسِ: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }، وقالَ اللهُ تعالى آمِرًا باستعمالِ هذا الخُلقِ معَ المُؤمِنينَ: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرغِّبًا في هذا الخُلقِ وواصِفًا أهلَهُ: (( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ المُؤمِنَّ قوِيَّ الإيمانِ رفيقٌ بالمُؤمنينَ في أقوالِهِ وأفعالِهِ، هَيِّنٌ لَيِّنٌ معَهُم في تعامُلِهِ، لَطِيفٌ في مُعاشَرتِهِ، تغشَاهُ السُّهولَةُ والتيسيرُ، وتَملؤُهُ السَّماحَةُ والسَّلاسَةُ، وتَكسُوهُ البَشاشَةُ والبِشْرُ، صَدْرُهٌ رَحْبٌ حتَّى معَ خصْمٍ لَهُ وجاهلٍ عليهِ، ونَفْسُه تُجانِبُ الغِّلَ والحِقدَ والضَّغينَةَ، عامِلٌ بقولِ رَبِّهِ وخالقِهِ سُبحانَهُ: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا }، ومُتَّبِعٌ لِمَا ثبتَ عن نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، فَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الوَجْهِ وحُسْنُ الخُلُقِ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ الرِّفقَ بالصغيرِ والكبيرِ والذَّكرِ والأُنثى في القولِ والفِعلِ، ووقتِ العُسرِ واليُسرِ، وحينَ السُّكونِ والوَحْشَةِ، ومعَ الخطأِ والجَهلِ، لَيمَسُّ بلُطفِهِ قلوبَ الخُصومِ، وأهلَ الجَفوَةِ والقساوَةِ والقطيعَةِ، فيُحوِّلُهُا مِن قسوتِها وجَفوتِها وبُغضِها ونُفرَتِها إلى تعاطُفِها وتقارُبِها ومحبَّتِها، ومِن شِدَّتِها وغِلْظَتِها إلى رِقَّتِها ولُطفِها، ومِن عَطَنِها وعطَبِها إلى سَعَتِها وسلامَتِها، وقد بيَّنتْ نصوصُ القرآنِ والسُّنَّةِ النَّبوِيَّةِ ثمارَ هذا الخُلقِ الجليلِ، وعظيمَ فوائدِهِ، وآثارَهُ على الغيرِ، وكبيرَ أجْرِهِ، وعُلُوَّ منزلَتِهِ، فصَحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَما لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }، بلْ إنَّ الرِّفقَ ما صاحَبَ حالًا ولا تصَرُّفًا ولا مسْلَكًا ولا قولًا ولا فِعلًا إلا زيَّنَهُ وجمَّلَهُ وحبَّبَهُ إلى الخَلقِ، وجاءْتْ أهلَهُ الخيراتُ، وحلّْتْ بِهِمُ البَرَكَاتُ، وكثُرْتْ لَهُمُ الحسناتُ، وعامَلَهُم الناسُ بما يُحِبُّونَ، ولا نُزِعَ مِن حالٍ ولا قولٍ ولا فِعلٍ إلا شانَهُ وكدَّرَهُ وكرَّهَهُ إلى النُّفوسِ، وقدْ صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ الرِّفقَ إذا زَالَ عن أقوالِ العبدِ وأفعالِهِ، ومِن تَصَرُّفَاتِهِ الحياتِيَّةِ، وفي تعامُلاتِهِ الاجتماعِيَّةِ، وعلاقاتِهِ الأُسَرِيَّةِ، فقدْ جانَبَهُ الخيرُ، وغَمَرَتْهُ الخسارَةُ، وتَناوَشَتْهُ الشُّرورُ، وأبغضَهُ الناسُ، ونفَروا عنهُ، وكرِهُوا لُقيَاهُ والحديثَ معهُ، ومَن لايَنَهُ مِنهُم وجامَلَهُ في الظاهرِ فقلبُهُ يُبغِضُهُ، ويَتمنَّى عدمَ لُقيَاهُ، ويَطلبُ البُعدَ عنهُ، بلْ حتَّى أهلَهُ يَتحاشَونَهُ، ويَنفِرونَ عنهُ، ويُقلِّلونَ مُجالَسَتَهُ والكلامَ معهُ، وقدْ صحَّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا أَرَادَ اللهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ )).

ألَا فكُنْ ــ أيُّها المُؤمِنُ الكريمُ ــ رَفيقًا بالناسِ، لَيِّنًا معَ القريبِ مِنهُم والبعيدِ، هَيِّنًا في تعامُلِكَ، سهلًا وسمْحًا في أخْذِكَ وإعطائِكَ، وتجنَّبِ الغِلظَةَ والخُشونَةَ والجَفوَةَ والحَماقَةَ والرُّعونَةَ والصَّفَاقَةَ، وحاذِرْ مِن العُنفِ بشَتَّى أشكالِهِ، ومُختَلَفَ صُوَرِهِ، وانْءَ بنفسِكَ عن الفَظاظَةِ والشِّدَّةِ والقسوَةِ، لاسِيَّمَا في الجوانِبِ الخيِّرَةِ، وفي الدَّعوةِ إلى دِينِ اللهِ، والأمْرِ بالمعروفِ والنِّهيِّ عن المُنكَرِ، والنُّصْحِ والإرشادِ، والتعليمِ والتدريسِ، وفي الكتابَةِ والمَقالِ والرُّدودِ، فقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُبشِّرًا أهلَ هذا الخُلقِ: (( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ: عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ الرِّفقَ بمعناهُ الواسِعِ الجميلِ الذي يَدخلُ في جميعِ الأمورِ، ويَشمَلُ كُلَّ مجَالاتِ الحياةِ، ويكونُ معَ جميعِ المُعَامَلِينَ، لمَطلوبٌ مِن كُلِّ أحدٍ، فيَرفِقُ الحاكِمُ برَعِيَّتِهِ، والمَحكومُ بحاكمِهِ، والقاضي في قضَائِهِ، والمسؤولُ بمَن تحتَ مسؤولِيَّتِهِ، والوالِدُ بولدِهِ، والزوجُ بزوجِتِهِ، والجارُ بجارِهِ، والصاحِبُ بصاحبِهِ، والكبيرُ بالصغيرِ، والشَّابُ بالمُسِنِّ، والأبناءُ والبناتُ بآبائِهِم وأُمَّهاتِهِم، والتاجِرُ بمَن يَعملُ لدَيهِ، والعامِلُ بصاحِبِ العملِ، والبائِعُ بالمُشترِي، والمِهَنِيُّ بمَن استأجرَهُ وعامَلَهُ، والطبيبُ والمُمرِّضُ والصَّيدلِيُّ بالمريضِ، والغنِيُّ بالفقيرِ، والمُدرِّسُ بالطالبِ، والإخوَةُ والأخوَاتُ ببعضٍ، طاعَةً للهِ سُبحانَهُ، حيثُ قالَ آمِرًا عِبادَهُ: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا }، وعمَلًا بأمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( يَا عَائِشَةُ: عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ ))، وبُعْدًا عمَّا يُغضِبُ اللهَ علينا مِنَ الأخلاقِ والخِصالِ الرَّدِيئَةِ، وتثقِيلًا لِميزانِ حسَناتِنا، حيثُ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ أَثْقَلَ مَا وُضِعَ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُلُقٌ حَسَنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ ))، وتأسِيًّا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في مُعامَلتِهِ لِلناسِ، فقدْ صَحَّ أنَّ أنسًا ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا ))، وطلَبًا لِلجنَّةِ ونَعِيمِها الذي لا يَنقطِعُ ولا يَنفَدُ، إذْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( سُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ ))، ألَا فاتقوا اللهَ ربَّكُم بالتَّحلِّي بهذهِ الأخلاقِ الفاضِلَةِ، والخِصالِ الحَميدَةِ، في جميعِ أحوالِكُم وأعمارِكُم، لَعلَّكُم تُرحمُونُ وتُفلِحُونَ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ المَحمودِ على كُلِّ حَالٍ، وصلاتُهُ وسّلامُهُ على أنبيائِهِ العِظامِ.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فإنّ مِن أسوأِ الأخلاق، وأقبَحِ الصفات، وأصفقِ الخِلال: الفُحشَ بالقول أو الفِعل، أو في المُزاح، أو في الأخذِ والإعطاء، وأشباهِ ذلك، فقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَفَى أنْ تكون هذهِ الصِّفةُ مِن خِلالِ المؤمنِ وسجاياه، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ ))، إذ كلُّ تصرُّفٍ وحالٍ وموقفِ خالطَهُ الفُحشُ فهو قبيحٌ ومذمومٌ شرعًا وطبعًا وعقلًا، وشَانَ ما قارنَهُ وداخَلَه، لِمَا ثبت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا شَانَهُ، وَلَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

احرِصُوا شديدًا على استعمالِ الرِّفقِ واللِّينِ بينَكُم، وفي عُسرِكُم ويُسرِكُم وغضَبِكُم، وليَظهَرٍ في كلامِكُم وفِعالِكُم ومَواقِفِكُم ومقالاتِكُم ورُدودِكُم ونُصحِكم وتغريدَاتِكُم ورسائلِكُم، معَ التَّزيُّنِ بالحِلِمِ، والتَّضَلُعِ بالأَنَاةِ، والتَّرَقِّي بسَعَةِ الصَّدرِ، والتَّجمُّلِ بسلاسَةِ النَّفْسِ والنَّفَسِ، إذْ الرِّفقُ محمودٌ في نفسِهِ، وفي طريقَتِهِ وعواقِبِهِ وثمارِهِ، ويُضادُّهُ العُنفُ والحِدَّةُ والغِلظَةُ والشِّدَةُ والقسوَةُ والشَّراسَةُ، وهُما نتيجَةٌ لِلغضبِ والفظاظَةِ، والرِّفقُ واللِّينُ نتيجَةُ حُسنِ الخُلقِ، وسلامَةِ الصَّدرِ، ولا يُحَسَّنُ الخُلقُ إلّا بِضَبْطِ قوَّةِ الغضبِ، وكَبْحِ جِماحِ الشَّهوَةِ، وكسْرِ طمَعِ النفسِ، ويا للهِ كمْ مِن صاحِبٍ قد فَارَقَهُ رِفاقُهُ أوِ افترَقَ عن زوجَتِهِ أوْ ولَدَهِ أوْ إخوتِهِ بسببِ عُنفِهِ وعَجَلَتِهِ وعدَمِ تعَقُّلِهِ؟ وكمْ مِن تباغُضٍ وتَنافُرٍ حصَلَ أوْ زادَ بسببِ العُنفِ والعَجَلَةِ وعدَمِ التَّعُّقلَ؟ وكمْ مِن رَحِمٍ قُطعِتْ بسببِ تَعنيفٍ بقولٍ، وقسوَةٍ في فِعلٍ، وشَراسَةِ طبْع؟ وكمْ مِن حَقٍّ رُدَّ ولمْ يُعمَلْ بِهِ بسببِ تِعنيفٍ وحِدَّةَ طبْعٍ وخُشونَةٍ وغِلظَةٍ؟ ولا رَيبَ أنَّ الإنسانَ إذا عامَلَ النَّاسَ بالرِّفقَ واللِّينَ وجَدَ في صدرَهِ لَذَّةً وانشِراحًا، وراحَةَ بَالٍ، وطُمَأنِينَةَ نفسٍ، وأدرَكَ حاجتَهُ وقضاها أو حصَّل بعضَها، وإذا عاملَهُم بالشِّدةِ والعُنفِ نَدِمَ وأسِفَ وضاقَتْ عليهِ نفسُهُ، وتَمَنَّى أنْ لمْ يَكُنْ قدْ فَعَلَ أو قالَ ذلِكَ، ولكِنْ بعدَ فواتِ الأوَانْ، ولمْ يُدرِكْ حاجتَهُ، وإِنْ أَدرَكَها فبِمَشَقَّةٍ، ومعَ ذَمٍّ، ولقد أحسنَ مَن قالَ: «لَو سَارَ ألْفُ مُدَجَّجٍ في حَاجَةٍ … لَمْ يَقْضِهَا إلا الذي يَتَرَفَّقُ»، وصَحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأشَجِّ عبدِ قَيسٍ: (( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ ))، وكان يُقالُ أيَّامَ السَّلفِ الصَّالِحِ : (( مَا أَحْسَنَ الْحِلْمُ وَيُزَيِّنُهُ الرِّفْقُ )).

هذا، وأسألَ اللهَ: أنْ يَنفعَني وإيَّاكُم بما سمِعتُم، وأنْ يَجعلَنا مِمَّن يَستمِعونَ القولَ فيتَّبِعونَ أحسنَهُ، اللهمَّ: ثبِّتْ قلوبَنا على التوحيدِ والسُّنَّةِ إلى المماتِ، وارْفَعِ الضُّرَ عنِ المُتضرِّرِينَ مِن المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، وأعِذْنَا وإيَّاهُم مِنَ الفتنِ ما ظهرَ مِنها وما بَطنَ، اللهمَّ: اهدِنَا لأحسَنِ الأخلاقِ والأعمالِ لا يَهدي لأحسَنِها إلا أنتَ، واصْرِفْ عنَّا سيِّئَها فلا يَصْرِفُهُ عنَّا إلا أنتَ، اللهمَّ: سدِّدِ الحُكَّامَ ونُوَّابَهُم وجندَهُم لِمَراضِيكَ وخيرِ الدِّينِ والدُّنيا والعِبادِ، واغفِرْ لَنَا ولأهلِينا ولِجميعِ المُسلِمينَ أحياءً وأمواتًا، وأكْرِمْنَا بِرِضَوانِكَ والجنَّةِ، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، واسِعُ العَطاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.