إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الحديث > خطبة مكتوبة بعنوان: « الفوائد المستنبطة من حديث: (( اتق الله حيثما كنت )) »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « الفوائد المستنبطة من حديث: (( اتق الله حيثما كنت )) »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 28 ديسمبر 2016
  • 35٬467
  • إدارة الموقع

الْفَوَائِدُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ حَدِيثِ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ))

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَدَبَ الشَّرْعِيَّ عُنْوَانَ التَّوْفِيقِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فَهَدَاهُمْ إِلَى جَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَخَذَلَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِحِكْمَتِهِ فَانْحَطُّوا فِي أَسَافِلِ الْأَخْلَاقِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، الَّذِي أَدَّبَهُ رَبُّهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، وَأَثْنَى عَلَى خُلُقِهِ وَوَصَفَهُ بِالْعَظِيمِ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وأَتْبَعِهِ إِلَى يَوْمِ الْحَشْرِ وَالْجَزَاءِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَقَدْ صَحَّ أّنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ نَفْسِهِ: (( أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ))، وَالْمُرَادُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي مَنَّ اللهُ بِهَا عَلَيهِ: «الْكَلِمَاتُ الْقَلِيلَةُ الْمُوجَزَةُ الَّتِي تَحْوِي الْمَعَانِيَ وَالْمَسَائِلَ الْعَدِيدَةَ».

وَلَوْ نَظَرْنَا فِي غَالِبِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ الْأَلْفَاظِ لَوَجَدْنَاهَا قَلِيلَةً مُوجَزَةً، وَلَوْ نَظَرْنَا إِلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعَانِي وَالْفَوَائِدِ وَالْمَسَائِلِ الَّتِي تُسْتَنْبَطُ مِنْهَا وَتُسْتَخْرَجُ لَوَجَدْنَاهَا كَثِيرَةً جِدًّا، حَتَّى إِنَّ عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدْ كَتَبَ مُجَلَّدًا كَامِلًا أَوْ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً أَوْ عَشَرَاتِ الْأَوْرَاقِ فِي شَرْحِ حَدِيثٍ وَاحِدٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدُونَكُمْ ــ سَلَّمَكُمُ اللَّهُ ــ حَدِيثًا وَاحِدًا مُخْتَصَرًا مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَكِّدُ لَكُمْ هَذَا، فَأَقُولُ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ:

ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى أَحَدَ أَصْحَابِهِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ فَقَالَ لَهُ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )).

وَقَدِ انْتَظَمَ هَذَا الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ عَظَيمَةٍ جَلِيلَةٍ:

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: مُعَامَلَةُ الْعَبْدِ مَعَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَكَيْفَ تَكُونُ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ )).

الْأَمْرُ الثَّانِي: مُعَامَلَةُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ إِذَا قَصَّرَتْ فِي جَنْبِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا )).

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: مُعَامَلَةُ الْعَبْدِ مَعَ النَّاسِ، وَكَيْفَ تَكُونُ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )).

وَلَوْ أَرَادَ عَالِمٌ أَوْ طَالِبُ عِلْمٍ أَنْ يَشْرَحَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ حَقَّ شَرْحِهَا، وَيُبَيِّنَ مَسَائِلَهَا وَشَوَاهِدَهَا، وَيَذْكُرَ مَا تَنْتَظِمُهُ مِنْ مَعَانٍ وَأَحْكَامٍ، وَمَا فِيهَا مِنْ فَوَائِدَ، لَاحْتَاجَ إِلَى عِدَّةِ خُطَبٍ أَوْ لِقَاءَاتٍ، وَلَوْ كَتَبَ عَنْهَا فَسَتَكُونُ فِي أَوْرَاقٍ كَثِيرَاتٍ، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِشَرْحٍ مُخْتَصَرٍ يُنَاسِبُ مَقَامَ الْخُطْبَةِ، وَحَالَ الْحُضُورِ، وَلَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ.

فَقَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ )) مَعْنَاهُ الْمُخْتَصَرُ: افْعَلْ مَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْكَ، وَاجْتَنِبْ كُلَّ مَا نَهَاكَ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ عَلَيْكَ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، حَيْثُ يَرَاكَ النَّاسُ وَحَيْثُ لَا يَرَوْنَكَ، وَسَوَاءٌ كُنْتَ لِوَحْدِكَ فِي الْمَسْكَنِ أَوِ الْعَمَلِ أَوِ الْمَرْكَبَةِ أَوِ الطَّرِيقِ أَوْ كُنْتَ مَعَ غَيْرِكَ يَرَوْنَ فِعَالَكَ وَيَسْمَعُونَ كَلَامَكَ، وَسَوَاءٌ كُنْتَ فِي بَلَدِكَ يَرَاكَ أَهْلُكَ وَعِيَالُكَ وَقَبِيلَتُكَ وَعَشِيرَتُكَ وَأَصْحَابُكَ فَتَخْشَى الْفَضِيحَةَ وَالذَّمَّ إِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا يَحْرُمُ وَيُخْزِي وَيَشِينُ أَوْ كُنْتَ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ وَالسَّفَرِ لَا يَرَاكَ إِلَّا مَنْ لَا يَعْرِفُكَ مِنَ الْغُرَبَاءِ وَالْأَبَاعِدِ لَا تَخَافُ مِنْ لَوْمٍ وَلَا عِتَابٍ وَلَا سُمْعَةٍ سَيِّئَةٍ، وَلَا تَسْتَحِي مِنْهُمْ، وَقَدْ قَالَ التَّابِعِيُّ قَتَادَةُ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ وَاعِظًا لِمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَيَاةٌ: (( وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ يَا ابْنَ آدَمَ لَشُهُودًا مِنْ رَبِّكَ فَرَاقِبْهُمْ، وَآثِرِ اللَّهَ فِي سَرَائِرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، الظُّلْمَةُ عِنْدَهُ ضَوْءٌ، وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ )).

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا )): فَجَمِيلٌ جِدًّا أَنْ يَأَتِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ))، لِأَنَّ: الْمُؤْمِنَ الَّذِي يَتَّقِي رَبَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ حُقُوقِ الْمَخْلُوقِينَ، إِذْ كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، فَأَمَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَدْفَعُ هَذَا التَّقْصِيرَ وَالزَّلَلَ وَيَمْحُوهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِأَنْ يُتْبِعَ السَّيِّئَةَ بِالْحَسَنَةِ لِتَمْحُوَهَا، وَالْحَسَنَةُ هِيَ: «كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى».

وَأَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ الدَّافِعَةِ لِلسَّيِّئَاتِ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ بِذِكْرِهِ وَحُبِّهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالطَّمَعِ فِيهِ وَفِي فَضْلِهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَقَدْ قَالَ اللهُ ــ عَزَّ شَأْنُهُ ــ مُرَغِّبًا: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }، وَقَالَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ: { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }، وَكَمْ فِي نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ تَرْتِيبِ الْمَغْفِرَةِ وَحَطِّ الْخَطَايَا عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ، فَصَحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: { أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» ))، وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ))، وَصَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ )).

وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )): فَأَوَّلُ الْخُلُقِ الْحَسَنِ: «أَنْ تَكُفَّ عَنِ النَّاسِ أَذَاكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَتَعْفُوَ عَنْ مَسَاوِئِهِمْ وَأَذِيَّتِهِمْ لَكَ، ثُمَّ تُعَامِلَهُمْ بِالْإِحْسَانِ الْقَوْلِيِّ وَالْإِحْسَانِ الْفِعْلِيِّ».

وَأَخَصُّ مَا يَكُونُ بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ: سِعَةُ الْحِلْمِ عَلَى النَّاسِ، وَالصَّبْرُ عَلَيْهِمْ، وَعَدَمُ الضَّجَرِ مِنْهُمْ، وَبَشَاشَةُ الْوَجْهِ مَعَهُمْ، وَلُطْفُ الْكَلَامِ، وَالْقَوْلُ الْجَمِيلُ الْمُؤْنِسُ لِلْجَلِيسِ الْمُدْخِلُ عَلَيْهِ السُّرُورَ الْمُزِيلُ لِوَحْشَتِهِ وَمَشَقَّةِ حِشْمَتِهِ، وَقَدْ يَحْسُنُ الْمُزَاحُ أَحْيَانًا إِذَا كَانَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي الْإِكْثَارُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا الْمُزَاحُ فِي الْكَلَامِ كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، إِنْ عُدِمَ أَوْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ فَهُوَ مَذْمُومٌ.

وَمِنَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ: أَنْ تُعَامِلَ كُلَّ أَحَدٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَيُنَاسِبُ حَالَهُ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَعَاقِلٍ وَأَحْمَقَ، وَعَالِمٍ وَجَاهِلٍ، وَحَاكِمٍ وَمَحْكُومٍ، وَحَاضِرٍ وَبَادٍ، وَعَرَبِيٍّ وَأَعْجَمِيٍّ، وَمِنْ أَهْلِ بَلَدِكَ وَعَادَاتِكَ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: (( تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ ))، وَثَبَتَ أّنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ ))، وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ ))، وَصَحَّ أّنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ )).

{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَيْهِ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ، وَعَلَى الصَّحْبِ الْكِرَامِ لَهُ وَالْآلِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي: بِتَقْوَى اللَّهِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ الرَّقِيبِ عَلَى كُلِّ أَفْعَالِنَا، وَتَكْتُبُ مَلَائِكَتُهُ كُلَّ مَا نَقُولُ وَنَفْعَلُ، وَبِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ بِلَا تَسْوِيفٍ أَوْ تَأْخِيرٍ أَوْ تَكَاسُلٍ، فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ قَرِيبٌ، وَحَيَاتُنَا بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ لَا بِأَيْدِينَا، وَبِالْكَفِّ عَنْ عِصْيَانِهِ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَنَا عَذَابُهُ الْمُصِيبُ الْأَلِيمُ، وَتَمَتَّعُوا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الْوَاجِبِ وَالسُّنَنِ قَبْلَ أَنْ تُمنَعُوا عَنْهُ بِمَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ حَرْبٍ، وَقَدْ أَتَاحَ اللَّهُ لَكُمُ الْمُهَلَ، وَأَكْثَرَ الْفُرَصَ، وَأُنْذِرُكُمْ شِدَّةَ بَأْسِ اللَّهِ فَحَاذِرُوهُ، وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَرَاقِبُوهُ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَغْضَبُوهُ، فَانْتَقَمَ مِنْهُمْ حِينَ خَالَفُوهُ، حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ مُرَهِّبًا: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ }، وَقَالَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: { فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ }، وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ }، وقالَ سُبْحَانَهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }.

اللَّهُمَّ: اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، اللَّهُمَّ: إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا ولِلمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، اللَّهُمَّ: أَكْرِمْنَا بِرِضْوَانِكَ، وَالْعِتْقِ مِنْ نِيرَانِكَ، وَالتَّنَعُّمِ فِي جَنَّاتِكَ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.