إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: « سورة الفاتحة وشيء من فضائلها وفوائدها وأحكامها وتفسيرها »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « سورة الفاتحة وشيء من فضائلها وفوائدها وأحكامها وتفسيرها »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 16 مارس 2017
  • 33٬269
  • إدارة الموقع

سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وَشَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِهَا وَفَوَائِدِهَا وَأَحْكَامِهَا وَتَفْسِيرِهَا

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ جَامِعِ الشَّتَاتِ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، وَسَامِعِ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ذُو الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:

اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِإِعْمَارِ أَوْقَاتِكُمْ وَمَجَالِسِكُمْ وَبُيُوتِكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، بِتَعَلُّمِ قِرَاءَتِهِ وَإِجَادَتِهَا، وَتِلَاوَتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَدَبُّرِ آيَاتِهِ وَتَفَهُّمِهَا، وَدِرَاسَةِ أَحْكَامِ تِلَاوَتِهِ، وَمَا نَزَلَ فِي آيَاتِهِ مِنْ أَحْكَامٍ، وَمَعْرِفَةِ تَفْسِيرِهِ وَمَعَانِي كَلِمَاتِهِ، إِذْ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سَبَبِ إِنْزَالِهِ عَلَيْكُمْ: { طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ مُعَاتِبًا مَنِ انْشَغَلَ قَلْبُهُ عَنْ تَفَهُّمِ آيَاتِ الْقُرْآنِ: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا }، وَقَالَ ــ جَلَّ شَأْنُهُ ــ مُبَشِّرًا بِتَيْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلْمُقْبِلِينَ عَلَيْهِ: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }، ثُمَّ اعْلَمُوا: أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَوْقَاتِ الْمُسْلِم هِيَ تِلْكَ الْأَوْقَاتُ الَّتِي يَقْضِيهَا مَعَ كِتَابِ رَبِّهِ الْقُرْآنِ، فَيَتْلُو وَيَتَدَبَّرُ وَيَتَعَلَّمُ الْأَحْكَامَ وَيَأْخُذُ الْعِظَةَ وَالْعِبْرَةَ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثِيرَ الْمُدَارَسَةِ لِلْقُرْآنِ، فَكَانَ يُدَارِسُ نَفْسَهُ، وَكَانَ يُدَارِسُهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يُدَارِسُ أَصْحَابَهُ، وَسأَتَدَارَسُ مَعَكُمْ فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ سُورَةَ “الْفَاتِحَةِ”، وَسَوْفَ يَكُونُ الْكَلَامُ عَنْهَا فِي خَمْسِ وَقَفَاتٍ

الْوَقْفَةُ الْأُولَى / عَنْ فَضْلِ سُورَةِ الْفَاتِحَة.

سُورَةُ الْفَاتِحَةِ الَّتِي افْتُتِحَ بِهَا الْمُصْحَفُ الشَّرِيفُ، وَتُسْتَفْتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ، أَفْضَلُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِابْنِ الْمُعَلَّى: (( لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ ))، وَصَحَّ أنَّ مَلَكًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ )).

الْوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ / عَنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ صَّلَاةٌ جَهْرِيَّةٌ وَسِرِّيَّةٌ فَرِيضَةٌ وَنَافِلَةٌ مِنْ إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ إِلَّا بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ))، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ))، وَالْخِدَاجُ هُوَ: النُّقْصَانُ وَالْفَسَادُ، وَلِمَا ثَبَتَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( كُنَّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا ))، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْفَاتِحَةِ وَيَحْفَظَهَا، لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ صَلَاةٌ إِلَّا بِقِرَاءَتِهَا.

وَإِذَا دَخَلَ الْمَأَمُومُ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَتَّسِعْ وَقْتُ قِيَامِهِ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ: فَإِنَّهُ يَرْكَعُ وَلَا يُتِمُّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ، قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَأَمَّا مَقْطُوعُ اللِّسَانِ وَالْأَخْرَسُ: فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ بِأَنْ يَقِفَ قَائِمًا فِيهَا بِمِقْدَارِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَوْ أَكْثَرَ، وَفِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ يَمْكُثُ قَدْرَ تَسْبِيحَةٍ فَأَكْثَرَ، وَفِي الْجَلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ يَمْكُثُ قَدْرَ قَوْلِ: “رَبِّ اغْفِرْ لِي”، مَرَّةً فَأَكْثَرَ، وَفِي جُلُوسِهِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ، وَلَا تُجْزِئُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، قَالَهُ الْفَقِيهُ الْقُرْطُبِيُّ الْمَالِكِيُّ.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: أَنَّ مَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ أَوْ جَهْرِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَفْتَتِحُهَا بِالْبَسْمَلَةِ، فَإِنْ كَانَ إِمَامًا فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، فَالسُّنَّةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُسِرَّ بِالْبَسْمَلَةِ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ أَنَسًا ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَكُونُوا يَجْهَرُونَ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ))، وَإِنْ جَهَرَ بِهَا أَحْيَانًا، فَلَا بَأْسَ، لِثُبُوتِ الْجَهْرِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: أَنَّ الْخَطَأَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ إِنْ كَانَ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى تَبْطُلُ بِسَبِهِ الصَّلَاةُ، كَقِرَاءَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }، بِلَفْظِ: “أَهْدِنَا”، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى قَدْ تَغَيَّرَ، إِذْ مَعْنَى: { اهْدِنَا } أَيْ: دُلَّنَا، وَمَعْنَى: “أَهْدِنَا” أَيْ: أَعْطِنَا هَدِيَّةً، وَإِنْ كَانَ الْخَطَأُ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى، فَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَيُنْقِصُ ثَوَابَهَا.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ: أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَنْهَى قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ سِرِّيَّةٍ وَجَهْرِيَّةٍ أَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ أَنْ يُؤَمِّنَ، بِقُولِ: “آمِينَ”، لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ تَأْمِينَهُ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }، وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ جَهْرِيَّةً: فَالسُّنَّةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَجْهَرَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ بِالتَّأْمِينِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))، وَصَحَّ عَنْ عَطَاءٍ تِلْمِيذِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: (( كُنْتُ أَسْمَعُ الْأَئِمَّةَ: ابْنَ الزُّبَيْرِ وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ، وَمَنْ خَلْفَهُمْ يَقُولُونَ: آمِينَ، حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلَجَّةً ))، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ تَرْكِ التَّأْمِينِ أَوِ الْجَهْرِ بِهِ: فَخِلَافُ السُّنَّةِ، وَفَاتَهُمْ أَجْرُ فِعْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ، وَفَضْلُ مُوَافَقَةِ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ.

الْوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ / عَنْ بَعْضِ الْبِدَعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.

اعْتَادَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قِرَاءَةَ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ أَوْ بَعْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ أَوْ عِنْدَ تَعْزِيَةِ أَهْلِهِ أَوْ زِيَارَةِ قَبْرِهِ أَوْ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الدُّعَاءِ، ثُمَّ إِهْدَاءُ ثَوَابِهَا لِلْمُسْلِمِينَ أَحْيَاءً وَمَوتَى، وَاعْتَادُوا أَيْضًا: قِرَاءَتَهَا عِنْدَ خِطْبَةِ امْرَأَةٍ أَوْ عَقْدِ نِكَاحٍ عَلَيْهَا أَوْ حِينَ افْتِتَاحِ مَشْرُوعٍ صِنَاعِيٍّ أَوْ تِجَارِيٍّ أَوْ بَعْدَ اتِّفَاقٍ عَلَى عَمَلٍ أَوْ شَرَاكَةٍ، وَلَوْ بَحَثَ إِنْسَانٌ طُولَ حَيَاتِهِ عَنْ هَذِهِ الْفَوَاتِحِ فَلَنْ يَجِدَ لَهَا ذِكْرًا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَا عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَلَامِذَتِهِمْ وَمَنْ في أَزْمِنَتِهِمْ مِنْ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِينَ، وَإِنَّمَا سَيَجِدُهَا عِنْدَ الشِّيعَةِ الرَّافِضَةِ، وَأَهْلُ هَذِهِ الْفَوَاتِحِ: آثِمُونَ عَلَيهَا، وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ))، أَيْ: مَنْ عَمِلَ شَيْئًا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ وَلَمْ يَرِدْ فِي شَرِيعَتِهِ فَعَمَلُهُ هَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، لَا يَقْبَلُهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَبَاطِلٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا، وَلِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ عَمَّا أُحْدِثَ فِي الدِّينِ بَعْدَ وَفَاتِهِ: (( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ إِذَا خَطَبَ: (( وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ))، وَقَدْ سُئِلَ الْفَقِيهُ وَالْمُحَدِّثُ السَّخَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ التَّاسِعِ الْهِجْرِيِّ عَمَّا اعْتِيدَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِعْلُهُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِهْدَاءِ ثَوَابِهَا لِلْمُسْلِمِينَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، فَقَالَ: «لَمْ يَرِدْ فِيهِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ مِمَّا أُحْدِثَ»، وَيَعْنِي بِذَلِكَ: أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا عَنْ بَاقِي السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا أُحْدِثَ فِي الدِّينِ بَعْدَهُمْ.

الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ / عَنِ الرُّقْيَةِ بِسُورَةِ الْفَاتِحَةِ.

وَالْمُرَادُ بِالرُّقْيَةِ: “الْقِرَاءَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عَلَى الْمَرِيضِ لِيُشْفَى بِإِذْنِ اللَّهِ”، وَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ مِنْ أَعْظَمِ الرُّقَى الْجَالِبَةِ لِلشِّفَاءِ وَذَهَابِ الْمَرَضِ أَوْ تَخْفِيفِهِ، لِمَا صَحَّ: (( أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ، فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعْطِيَ قَطِيعًا مِنْ غَنَمٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟» ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا مِنْهُمْ، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ مَعَكُمْ» ))، وَثَبَتَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ قَالَ: (( أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا: إِنَّا أُنْبِئْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةٍ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي الْقُيُودِ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَجَاءُوا بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، كُلَّمَا خَتَمْتُهَا أَجْمَعُ بُزَاقِي ثُمَّ أَتْفُلُ فَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ، قَالَ: فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا ــ يَعْنِي: أَجْرًا ــ فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «كُلْ فَلَعَمْرِي مَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ» )).

وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَفِي كُلِّ حِينٍ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَعْلَى، وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَصَلَّى.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:

الْوَقْفَةُ الْخَامِسَةُ / عَنِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.

حَيثُ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي أَوَّلِهَا: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }، وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَعْظَمَ أَصْلٍ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعْرِفَتُهُ، أَلَا وَهُوَ: مَعْرِفَةُ الرَّبِّ تَعَالَى، وَمَعْرِفَةُ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، وَأَفْعَالِهِ الْجَلِيلَةِ الْجَمِيلَةِ، وَبَعْضُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ هِيَ أُصُولُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَهِيَ اسْمُ اللَّهِ، وَالرَّبِّ، وَالرَّحْمَنِ، فَاسْمُ “اللَّهِ” مُتَضَمِّنٌ لِصِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَاسْمُ “الرَّبِّ” مُتَضَمِّنٌ الرُّبُوبِيَّةَ، وَاسْمُ “الرَّحْمَنِ” مُتَضَمِّنٌ لِصِفَاتِ الْإِحْسَانِ وَالْجُودِ وَالْبِرِّ، وَمَعَانِي أَسْمَائِهِ الْأُخْرَى تَدُورُ عَلَى هَذَا.

ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }، وَبَيَّنَتْ الْآيَةُ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى اللهِ وَرِضَاهُ وَجَنَّتِهِ، وَأَنَّهٌ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ وَاجِبَاتٍ وَسُنَنِ، وَالاسْتِعَانَةُ بِهِ عَلَى عِبَادَتِهِ، وَعَلَى كُلِّ شَيءٍ.

ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }، وَهَذَا الْجُزْءُ فِيهِ بَيَانَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا سَبِيلَ إِلَى نَجَاتِهِ وَسَعَادَتِهِ إِلَّا بِاسْتِقَامَتِهِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ عَلَى هَذَا الصِّرَاطِ إِلَّا بِهِدَايَةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ إِلَيهِ، فَلْيَسْأَلْهُ بِاسْتِمْرَارٍ هَذِهِ الْهِدَايَةَ.

ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }، وَهَذَا الْجُزْءُ فِيهِ بَيَانَ طَرَفَيِ الِانْحِرَافِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَوَصْفُهُ، وَهُمَا: الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ وَأَحْكَامِ دِينِهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَصْفِ دَرَجَ الْيَهُودُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ بِجَهْلٍ، وَعَلَى هَذَا الْوَصْفِ دَرَجَ النَّصَارَى الضَّالِّينَ، فَنَحْنُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْعَظِيمَةِ نَسْأَلُ اللهَ أَنْ لَا يَكُونَ حَالُنَا مَعَ دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ كَحَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.

اللَّهُمَّ: اجْعَلِ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ أَبْصَارِنَا، وَجِلَاءَ أَحْزَانِنَا، اللَّهُمَّ: اجْعَلَنَا مِمَّنْ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَيَحْفَظُونَهُ أَحْسَنَ حِفْظٍ وَأَكْمَلَهُ، وَارْزُقَنَا بِهِ السَّعَادَةَ وَالْفَلَاحَ وَالرِّفْعَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ: اجْعَلَنَا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وَلِأَخْبَارِهِ مُصَدِّقِينَ، وَبِأَحْكَامِهِ عَامِلِينَ، اللَّهُمَّ: ارْفَعْ لَنَا بِهِ الدَّرَجَاتِ، وَكَفِّرْ عَنَّا بِهِ السَّيِّئَاتِ، وَبَاعِدْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَجْرِهِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.