فَضْلُ الْإِسْلَامِ وَعَظِيمُ نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ إِلَيهِ وَشَيءٍ مِنْ نَوَاقِضِهِ ومُبْطِلَاتِهِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَالِقِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هَوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْأَبْرَارِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَإِنَّ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ حَصَلَتْ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ شَرَفٍ حُزْتُمُوهُ، وَأَكْبَرَ مِنَّةٍ وُفِّقْتُمْ لَهَا، وَأَجَلَّ مَكْسَبٍ فُزْتُمْ بِهِ وَرَبِحْتُمُوهُ: أَنْ هَدَاكُمْ رَبُّكُمْ لِاعْتِنَاقِ دِينِهِ الْإِسْلَامِ، وَأَكْرَمَكُمْ فَكُنْتُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَجَمَّلَكُمْ فَعَمِلْتُمْ بِشَرِيعَتِهِ إِلَى انْقِضَاءِ الْآجَالِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ مُمْتَنًّا عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ }، وَقَالَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ مُتَفَضِّلًا: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ أَوِ الْعَجَمِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ ))، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ ))، وَصَحَّ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ــ كَانُوا يَرْتَجِزُونَ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ وَالْكُفَّارُ يُحَاصِرُونَهُمْ، فَيَقُولَونَ شَاكِرِينِ للهِ: (( اللهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ))، وَقَالَ يُوسُفُ ــ عَلَيهِ السَّلَامُ ــ نَاسَبًا نِعْمَةَ الْإِسْلَامِ لِرَبِهِ وَشَاكِرًا لَهُ عَلَيهَا: { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ }، وَمِنْ كَبِيرِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَزِيلِ إِكْرَامِهِ لَهُمْ، وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ بِهِمْ، تَكْرِيهَ الْكُفْرِ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَتَحْبِيبَهُمْ فِي الْإِيمَانِ بِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُمْتَنًّا عَلَيْهِمْ: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ ــ وَذَكَرَ مِنْهُنَّ ــ: وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )).
فَاعْرِفُوا ــ يَا عِبَادَ اللَّهِ ــ: قَدْرَ نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَاسْتَمْسِكُوا مَا عِشْتُمْ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْمِنَّةِ الْوَافِيَةِ، وَالْهَجُوا بِشُكْرِ رَبِّكُمْ عَلَيْهَا كَثِيرًا، وَاحْمَدُوهُ بِهَا بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وَكُونُوا بِهَا فَرِحِينَ، وَلِأَحْكَامِهَا مُتَعَلِّمِينَ وَعَامِلِينَ، وَفِي إِصْلَاحِهَا مِنَ النَّشِطِينَ السَّبَّاقِينَ، وَلَهَا مُقَوِّينَ لَا مُضْعِفِينَ، مُحْسِنِينَ غَيْرَ مُسِيئِينَ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ )).
وَاسْتَمِرُّوا عَلَى: الِاعْتِصَامِ بِهَذَا الْإِسْلَامِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ حَتَّى يَتَوَفَّاكُمْ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ رَحْمَتَكُمْ وَإِكْرَامَكُمْ وَالْإِنْعَامَ عَلَيْكُمْ وَأَنْ تَسْعَدُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.
وَأَكْثِرُوا مِنْ: سُؤَالِ رَبِّكُمْ سُبْحَانَهُ تَثْبِيتَكُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُقَوِّيهِ حَتَّى تَمُوتُوا، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرًا، إِذْ صَحَّ أَنَّ أَنَسًا ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» )).
وَاعْلَمُوا: أَنَّ مَنْ زَاغَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ هَالِكٌ وَخَاسِرٌ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ مَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ وَسَبَّبَ خُسْرَانَهَا الْكَبِيرَ، وَتَسَبَّبَ فِي بَوَارِهَا الشَّدِيدِ، بَلْ وَظَلَمَهَا ظُلْمًا عَظِيمًا بَيِّنًا، وَأَخْزَاهَا بَيْنَ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ، وَسَعَى فِي شَقَائِهَا وَعَذَابِهَا الْأَبَدِيِّ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى زَاجِرًا عَنْ رَدِّ نِعْمَةِ دِينِهِ الْإِسْلَامِ، وَمُرَهِّبًا مِن ابْتِغَاءِ غَيْرِهِ: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ: لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ: لَيَحْسُدُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ أَشَدَّ الْحَسَدِ عَلَى نِعْمَةِ الْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَالْعَمَلِ بِشَرِيعَةِ الْإِيمَانِ، وَخَاتِمَةِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْجِنَانِ، وَيَسْعَوْنَ فِي صَرْفِهِمْ عَنْهَا، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا، بِمَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ سُبُلٍ وَأَقْوَالٍ وَفِعَالٍ وَتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ عَنِ الْمُنَافِقِينَ: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ: { وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ }، وَقَالَ ــ عَزَّ شَأْنُهُ ــ عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }، وَقَالَ تَعَالَى عَنْ جَمِيعِهِمَا: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ }.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
لَقَدْ رُحِمْتُمْ بِالْإِسْلَامِ أَكْبَرَ رَحْمَةٍ، وَأُكْرِمْتُمْ بِالْإِيمَانِ أَعْظَمَ إِكْرَامٍ، فَنُقِلْتُمْ بِهِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَقَذَارَتِهِ إِلَى طَهَارَةِ التَّوْحِيدِ وَجَمَالِهِ، وَمِنْ تَعَاسَةِ وَشَقَاءِ وَضَنْكِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ وَنَكَالِهَا وَبُؤْسِهَا إِلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَطِيبِهَا وَسُؤْدَدِهَا، فَاحْذَرُوا أَشَدَّ الْحَذَرِ أَنْ تَنْقُضُوا إِسْلَامَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، وَتُبْطِلُوا إِيمَانَكُمْ بِالْكُفْرِ، وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ سَيَنَالُهُ غَضَبٌ شَدِيدٌ مِنْ رَبِّهِ وَلَعْنَةٌ، وَتَحْبَطُ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ وَتَفْسُدُ، وَلَا يُغْفَرُ لَهُ، وَلَنْ يُرْحَمَ، وَمُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْخَالِدِينَ فِي عَذَابِهَا أَبَدًا، حَيثُ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }، وَقَالَ تَعَالَى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ }، وَقَالَ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ }، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ تَبَدَّلَ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ وَارْتَدَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَعَاقِبَتُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ حَزُّ رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ، طَاعَةً لِلَّهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَحِلُّ دَمُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: التَّارِكُ الْإِسْلَامَ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ )).
اللَّهُمَّ: إِنَّكَ قُلْتَ: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ }، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنَّا نَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنَا لِلْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنَّا حَتَّى تَتَوَفَّانَا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نَعْمَائِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَإِنَّ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَام وَمُبْطِلَاتِ الْإِيمَانِ اللَّاتِي يُخْرِجْنَ الْعَبْدَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ بِدَلَالَةِ نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ وَاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْعَشْرَةِ:
النَّاقِضُ الْأَوَّلُ: صَرْفُ الْعِبَادَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا لِغَيْرِ اللَّهِ، كَصَرْفِهَا لِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَوْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ وَلِيٍّ صَالِحٍ أَوْ غَيْرِهِمْ، كصَرْفُ عِبَادَةِ الدُّعَاءِ لِمَخْلُوقِينَ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ دَاعِيًا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ فَرِّجْ عَنِّي، مَدْ يَا بَدَوِي، أَغِثْنِي يَا جِيلَانِي، يَا حُسَيْنُ اشْفِنِي، يَا تِيجَانِي اكْشِفْ مُصَابِي، يَا عَبَّاسُ احْمِنِي».
النَّاقِضُ الثَّانِي: اعْتِقَادُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَوِ الْأَوْلِيَاءَ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، أَوْ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْكَوْنِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِهِ، وَالْقِيَامِ عَلَى مَصَالِحِ أَهْلِهِ.
النَّاقِضُ الثَّالِثُ: سَبُّ اللَّهِ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ، أَوْ سَبُّ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ سَبُّ أَحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ، أَوْ سَبُّ دِينِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ.
النَّاقِضُ الرَّابِعُ: الِاسْتِهْزَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ ثَوَابِهِ أَوْ عِقَابِهِ الْوَارِدِ فِي نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
النَّاقِضُ الْخَامِسُ: عَدَمُ تَكْفِيرِ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْبُوذِيِّينَ وَالْهِنْدُوسِ وَأَضْرَابِهِمْ أَوِ الشَّكُّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ تَصْحِيحُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ دِينٍ.
النَّاقِضُ السَّادِسُ: اعْتِقَادُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ ارْتَدُّوا أَوْ فَسَقُوا جَمِيعًا إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
النَّاقِضُ السَّابِعُ: اعْتِقَادُ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ اللَّهِ كَالْحُكْمِ بِالْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ أَوِ الْعَادَاتِ وَالْأَعْرَافِ الْقَبَلِيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، أَوْ مِثْلِهِ وَمُسَاوٍ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِغَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، أَوْ أَنَّ الْحُكْمَ بِشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ لَا يُنَاسِبُ وَلَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْعَصْرِ، أَوْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَضَمَتْ حُقُوقَ الْمَرْأَةِ أَوْ ظَلَمَتْهَا، أَوْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالشَّرِيعَةِ سَبَّبَ التَّخَلُّفَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالرَّجْعِيَّةَ.
النَّاقِضُ الثَّامِنُ: الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ مَا شَاءَ مِنْ مِلَلٍ كُفْرِيَّةٍ، وَأَنَّ لَهُ الْحُرِّيَّةَ فِي تَغْيِيرِ دِينِهِ الْإِسْلَامِ.
النَّاقِضُ التَّاسِعُ: اسْتِحْلَالُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، كَاسْتِحْلَالِ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوِ الرِّبَا أَوِ الرِّشْوَةِ أَوْ قَتْلِ النُّفُوسِ الْمَعْصُومَةِ أَوِ الزِّنَى أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ.
النَّاقِضُ الْعَاشِرُ: إِنْكَارُ حَدِّ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ أَوْ إِنْكَارُ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ أَوْ إِنْكَارُ أَنَّ إِرْثَ الْمَرْأَةِ يَكُونُ نِصْفَ إِرْثِ الرَّجُلِ.
اللَّهُمَّ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، اللَّهُمَّ: يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، رَبَّنَا: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، اللَّهُمَّ: أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.