إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: « خمسة أمور يجاهد بها الشيطان فيهزم »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « خمسة أمور يجاهد بها الشيطان فيهزم »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 2 أغسطس 2026
  • 15
  • إدارة الموقع

أُمُورٌ خَمْسَةٌ يُجَاهَدُ بِهَا الشَّيْطَانُ فَيُهْزَمُ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَضَعَتِ الْخَلَائِقُ لِعَظَمَتِهِ، وَاسْتَسْلَمَتِ لِسَطْوَتِهِ، وَضَعُفَتِ الشَّدَائِدُ بِقُوَّتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْأَوَّاهُ الْمُنِيبُ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْأَخْيَارِ.

أَمَّا بَعْدُ، مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِيمَانِ:

فَهَذِهِ أُمُورٌ خَمْسَةٌ تُعِينُ الْعَبْدَ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ عَلَى الِانْتِصَارِ عَلَى شَيْطَانِهِ، وَعَلَى نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَعَلَى ذُنُوبِهِ وَمَعَاصِيهِ، وَعَلَى الرَّفِيقِ السَّيِّءِ:

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: «لَا تُصِرَّ ــ يَا عَبْدَ اللَّهِ ــ عَلَى الذُّنُوبِ».

وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ لَا تُدَاوِمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ مُتَنَوِّعَةً، وَلَا تَفْعَلْهَا بِاسْتِمْرَارٍ، وَلَا تَجْعَلْهَا هِيَ الْعَادَةُ وَالْأَصْلُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، بَلِ اجْعَلِ الْأَصْلَ فِي حَيَاتِكَ الِاسْتِقَامَةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرَاضِيهِ، وَالذَّنْبَ خُرُوجًا يَسِيرًا عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ يَحْصُلُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْكَ وَغِوَايَةٍ مِنَ الشَّيْطَانِ، كَمَا هُوَ الْحَالُ حِينَ تَتَعَطَّلُ الْمَرْكَبَةُ بِكَ، فَإِنَّكَ إِذَا تَعَطَّلَتْ تَتَوَقَّفُ وَتَبْتَعِدُ قَلِيلًا ثُمَّ تُصْلِحُهَا وَتُكْمِلُ طَرِيقَكَ، فَبِذَلِكَ تَعْتَادُ النَّفْسُ إِذَا وَقَعَتْ فِي الذَّنْبِ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَتُكْمِلَ مَسَارَهَا وَطَرِيقَهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ أَهْلِ هَذَا الْحَالِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }، وَأَمَّا مَنْ يَنْحَرِفُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ وَيَسْتَمِرُّ بِالِانْحِرَافِ، فَهُوَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَزْدَادُ بُعْدًا عَنْ رَبِّهِ، وَعَنْ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَتَثْقُلُ صَحِيفَةُ أَعْمَالِهِ بِالْآثَامِ، وَيَزْدَادُ تَسَلُّطُ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِ، ويَهْلِكُ، وَيَكُونَ مِنَ الْغَافِلِينَ الْخَاسِرِينَ.

وَهَذَا مِثَالٌ وَاحِدٌ يَتَّضِحُ بِهِ الْأَمْرُ وَتَبَانُ وَهَلَكَةُ فَاعِلِهِ أَلَا وَهُوَ: الْإِصْرَارُ وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَى مَعْصِيَةِ تَرْكِ شُهُودِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَلَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ ))، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))، بَلْ إِنَّ الْإِصْرَارَ وَالِاسْتِمْرَارَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ الصَّغِيرَةِ يُحَوِّلُهَا إِلَى كَبِيرَةٍ، فَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ قَالَ: (( لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ )).

الْأَمْرُ الثَّانِي: «لَا تُجَاهِرْ ــ يَا عَبْدَ اللَّهِ ــ بِفِعْلِ الذُّنُوبِ».

أَيْ: إِنْ ضَعُفْتَ فَفَعَلْتَ مَعْصِيَةً أَوْ شَاهَدْتَهَا أَوِ اسْتَمَعْتَ إِلَيْهَا فَلَا تُجَاهِرْ بِذَلِكَ أَمَامَ النَّاسِ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَلَا تُجَاهِرْ بِإِخْبَارِ أَحَدٍ بِأَنَّكَ فَعَلْتَهَا، لِأَنَّ إِثْمَهَا بِهَذَا يَعْظُمُ وَيَكْبُرُ وَيَتَضَاعَفُ، فَفِعْلُكَ لِلْمَعْصِيَةِ ذَنْبٌ، وَالْمُجَاهَرَةُ بِهَا ذَنْبٌ آخَرُ، وَأَذِيَّةُ مَنْ رَآهَا أَوْ سَمِعَهَا مِنْكَ كَارِهًا ذَنْبٌ ثَالِثٌ، وَتَجْرِيُْ الْفُسَّاقِ عَلَى فِعْلِهَا أَوْ إِظْهَارُهَا ذَنْبٌ رَابِعٌ، وَاقْتِدَاءُ أَحَدٍ بِكَ فِي فِعْلِهَا ذَنْبٌ خَامِسٌ، وَالْمُجَاهَرَةُ بِالْمَعَاصِي قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً مِنْ نَشْرِ الْفَسَادِ بِالْأَرْضِ وَإِفْسَادِ النَّاسِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْفَسَادِ، وَمِنْ إِعَانَةِ الشَّيْطَانِ عَلَى الْفَسَادِ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ، وَتَوَعَّدَ الْمُفْسِدِينَ بِأَبْأَسِ الْعَذَابِ وَأَشَدِّهِ، فَلْيَحْذَرِ الْمُذْنِبُ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ وَمِنْ دُعَاتِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ دَاعِيَةً لِإِفْسَادِ النَّاسِ وَإِبْعَادِهِمْ عَنِ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا، وَجَنَّدَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لِخِدْمَتِهِ فِي ذَلِكَ، إِمَّا بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ بِالْكِتَابَةِ أَوِ الْمَقَالِ أَوِ الْفِعْلِ، وَإِمَّا بِالنَّشْرِ لَهَا عَبْرَ الْإِعْلَامِ وَبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَإِمَّا بِالْمُجَاهَرَةِ بِفِعْلِهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَّظَ فِي هَذَا وَأَعْظَمَ أَمْرَهُ وَأَبَانَ عَنْ بَعْضِ فَظِيعِ عُقُوبَتِهِ فَقَالَ: (( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ: أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ )).

وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُجَاهَرَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُحْذَرَ: مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الشُّبَّانِ أَوِ الشَّابَّاتِ مِنْ تَسْجِيلِ مَقَاطِعَ مُحَرَّمَةٍ لَهُمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ يَنشُرُهَا بَيْنَ النَّاسَ كُلِّهِم عَبْرَ بَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ فِي الْهَاتِفِ وَمَوَاقِعِ شَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتِّ، وَلِلْأَسَفِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَا يُرَاعِي مَا صَوَّرَهُ أَوْ سَجَّلَهُ لِنَفْسِهِ مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ لِكَوْنِهِ لَا يَزَالُ مُرَاهِقًا أَوْ شَابًّا، وَنَسِيَ أَنَّهُ سَيَكُونُ غَدًا أَبًا أَوْ تَكُونُ هِيَ أُمًّا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ جَدًّا أَوْ جَدَّةً لِأَحْفَادٍ وَحَفِيدَاتٍ، ثُمَّ مَوْتٌ، ثُمَّ بَعْثٌ، ثُمَّ حِسَابٌ وَجَزَاءٌ، وَأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا مَحْفُوظٌ عَلَى مَرِّ عُصُورٍ عَدِيدَةٍ، وَسَيُسْمَعُ وَيُشَاهَدُ بِسَبِ الْأَجْهِزَةِ وَالْبَرَامِجِ الَّتِي حَفِظَتْهُ لِأَهْلِ الْقُرُونِ الْمُقْبِلَةِ وَنَقَلَتْهُ إِلَيْهِمْ، فَأَصْبَحَ تَارِيخُهُ مَشِينًا، وَإِثْمُهُ مُسْتَمِرًّا بَعْدَ مَوْتِهِ أَزْمِنَةً كَثِيرَة.

وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُجَاهَرَةِ أَيْضًا: تَشْغِيلُ الْأَغَانِي وَالْمُوسِيقَى بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ فِي السَّيَّارَاتِ وَالطُّرُقَاتِ وَعِنْدَ إِشَارَاتِ الْمُرُورِ وَمَدَارِسِ الْبَنَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْمَطَاعِمِ وَالْمُنْتَزَهَاتِ، فَتَحْصُلُ بِذَلِكَ مَعْصِيَةُ السَّمَاعِ، وَمَعْصِيَةُ الْمُجَاهَرَةِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الْغِنَاءِ وَالْمُوسِيقَى، وَمَعْصِيَةُ أَذِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بِسَمَاعِهَا رَغْمَ أُنُوفِهِمْ، وَمَعْصِيَةُ تَجْرِئِ الْغَيْرِ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ.

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: «لَا تُكْثِرْ ــ يَا عَبْدَ اللَّهِ ــ مِنَ الذُّنُوبِ».

فَإِنْ غَلَبَكَ الشَّيْطَانُ عَلَى عَدَمِ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تُجَاهِدَهُ وَتُجَاهِدَ نَفْسَكَ وَرِفَاقَكَ عَلَى التَّخْفِيفِ مِنْهَا كَمًّا وَكَيْفًا وَوَقْتًا، بِبَذْلِ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ زِيَادَةِ الذُّنُوبِ هُوَ السَّفَرُ فَلَا تُسَافِرْ أَوْ خَفِّفْ مِنَ السَّفَرِ أَوْ أَشْغِلْ نَفْسَكَ وَأَلْزِمْهَا بِأَعْمَالٍ وَأُمُورٍ وَقْتَ الْإِجَازَةِ وَسَفَرِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ زِيَادَةِ الذُّنُوبِ هُوَ السَّكَنُ أَوِ النَّوْمُ مُنْفَرِدًا لِوَحْدِكَ أَوِ الْجُلُوسُ لِوَحْدِكَ فَاتْرُكْ ذَلِكَ وَنَمْ وَاسْكُنْ مَعَ جَمْعٍ، وَأَشْغِلْ وَقْتَكَ بِأَهْلِكَ وَمُؤَانَسَتِهِمْ وَزِيَارَتِهِمْ وَاحْتِيَاجَاتِهِمْ وَمَا يَنْفَعُ لِتَقِلَّ أَوْقَاتُ انْفِرَادِكَ بِنَفْسِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ زِيَادَةِ الذُّنُوبِ هُوَ أَجْهِزَةُ الْكُمْبِيُوتَرِ وَالْهَاتِفِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ بَرَامِجِ تَوَاصُلٍ وَمَوَاقِعٍ مُحَرَّمَةٍ فَقَلِّلْ مِنَ الْإِنْتَرْنِتْ بِأَنْ لَا تَجْعَلَ كَمِّيَّتَهُ كَثِيرَةً، وَلَا سُرْعَتَهُ كَبِيرَةً، وَاجْعَلْهُ مَحْدُودًا لَا مَفْتُوحًا، وَأُسْبُوعِيًّا أَوْ شَهْرِيًّا لَا سَنَوِيًّا، وَلْيَكُنِ الْكُمْبِيُوتَرُ مَكْتَبِيًّا وَلَيْسَ مَحْمُولًا، وَيُوَضَّعُ فِي مَكَانٍ مَرْئِيٍّ لِأَهْلِ الْبَيْتِ وَمَطْرُوقٍ مِنْهُمْ يَتَرَدَّدُونَ عَلَيْهِ بِاسْتِمْرَارٍ، بِحَيْثُ لَا يُرَى فِيهِ وَلَا يُسْتَخْدَمُ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ زِيَادَةِ الذُّنُوبِ هُوَ الصُّحْبَةُ فَاتْرُكْهَا وَبَدِّلْهَا بِغَيْرِهَا أَوْ قَلِّلْ مِنَ الْخُلْطَةِ بِهَا وَمَعَهَا بِإِشْغَالِ نَفْسِكَ بِأَهْلِكَ وَاحْتِيَاجَاتِهِمْ وَعَمَلِكَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفَعُ، وَتَذَكَّرْ أَنَّ تَقْلِيلَ الْمَعْصِيَةِ سَيَنْفَعُكَ حِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ وَعِنْدَ وَزْنِ أَعْمَالِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنَ الْمَعَاصِي سَبٌ لِهَلَاكِ الْكَثِيرِ حِينَ تُوزَنُ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ فَتَرْجَحَ كِفَّةُ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللهُ مُذَكِّرًا بِهَذَا وَمُرَهِّبًا: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ }.

وَهَذَا مِثَالٌ وَاحِدٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا صَاحِبُهَا حَتَّى كَبُرَ جِسْمُهُ مِنْ تَغْذِيَتِهَا أَلَا وَهِيَ: مَعْصِيَةُ الْإِصْرَارِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ عَنْ طَرِيقِ أَيِّ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ، حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ )).

الْأَمْرُ الرَّابِعُ: «إِذَا فَعَلْتَ ذَنْبًا ــ يَا عَبْدَ اللَّهِ ــ فَتُبْ مِنْهُ، وَاسْتَغْفِرْ».

فَكُلَّمَا وَقَعْتَ فِي مَعْصِيَةٍ فَامْسَحْهَا مُبَاشَرَةً بِالتَّوْبَةِ، وَأَكْثِرْ مِنِ اسْتِغْفَارِكَ لِرَبِّكَ مِنْهَا، بِقَوْلِ: “أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ”، أَوْ: “أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ”، إِذْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ أَهْلِ تَقْوَاهُ: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ }، فَالْمُتَّقِي إِذَا مَسَّهُ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَذْنَبَ بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَبْصَرَ وَأَحَسَّ بِأَلَمِ ذَنْبِهِ، فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَاسْتَدْرَكَ مَا فَرَّطَ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَالْحَسَنَاتِ الْكَثِيرَةِ، فَرَدَّ شَيْطَانَهُ خَاسِئًا حَسِيرًا قَدْ أَفْسَدَ عَلَيْهِ كُلَّ مَا أَدْرَكَهُ مِنْهُ، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ }، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ أَنْ لَا تَرْجِعَ إِلَى فِعْلِ الذَّنْبِ مَرَّةً أُخْرَى، وَالرُّجُوعُ لِلذَّنْبِ لَا يُفْسِدُ التَّوْبَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: (( أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ ))، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (( اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ ))، أَيْ: أَنَّكَ إِذَا كُنْتَ عَلَى هَذَا الْحَالِ كُلَّمَا أَذْنَبْتَ اسْتَغْفَرْتَ فَإِنِّي سَأَغْفِرُ لَكَ، وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أّنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: (( يَا عِبَادِي: إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ))، وَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ــرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ قَالَ: (( لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ ))، وَمَعْنَاه: أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَنْفَعُكَ كَثِيرًا فَيَحْمِيَكَ وَيَقِيَكَ شَرَّ الْكَبَائِرِ، فَكَيْفَ بِالصَّغَائِرِ، وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي تَبْيِينِ عَاقِبَةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ عَلَى صَحِيفَةِ أَعْمَالِ الْعَبْدِ: (( طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا )).

الْأَمْرُ الْخَامِسُ: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ ــ يَا عَبْدَ اللَّهِ ــ تَمْحُهَا».

فَإِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ فَلَا تَيْأَسْ وَلَا تَسْتَسْلِمْ لِلشَّيْطَانِ وَزَاحِمِ الْمَعَاصِيَ بِالطَّاعَاتِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِنْ أَوْقَعَكَ الشَّيْطَانُ فِي الْمَعْصِيَةِ مَرَّةً فَافْعَلْ بَعْدَهَا وَأَتْبِعْهَا مِنَ الطَّاعَاتِ أَضْعَافًا لِتَمْحُوَ وَتُزِيلَ مَا فَعَلْتَ مِنْ سَيِّئَةٍ، مِثْلَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَتَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَتَذْكُرَ اللَّهَ وَتَبَرَّ وَالِدَيْكَ وَتَصِلَ رَحِمَكَ وَتُحْسِنَ إِلَى يَتِيمٍ أَوْ أَرْمَلَةٍ وَتُسَاعِدَ مُحْتَاجًا وَتَجْلِسَ فِي مَجْلِسِ عِلْمٍ وَتَبْتَسِمَ فِي وَجْهِ مُؤْمِنٍ وَتُحَسِّنَ خُلُقَكَ مَعَ إِنْسَانٍ وَتُسَلِّمَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَقِيتَ أَوْ مَرَرْتَ بِهِ عَرَفْتَهُ أَوْ لَمْ تَعْرِفْهُ وَتَرْفِقَ بِمَخْلُوقٍ فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ مُرَاجَعَةٍ حُكُومِيَّةٍ وَتُمِيطَ أَذًى عَنِ الطَّرِيقِ وَتَشْهَدَ الصَّلَاةَ مَعَ جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَتَزُورَ مَرِيضًا أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ تَشْهَدَ جِنَازَةً، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُوصِيًا وَآمِرًا: (( وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ))، وَصَحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: { أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» )).

اللَّهُمَّ: اجْعَلْنَا مِنَ التَّائِبِينَ، وِمِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ، وَمِنَ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الطَّاعَاتِ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ على نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِيمَانِ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ كَمَا أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَوَارِدَ غَضَبِهِ كَمَا دَفَعَ عَنْكُمْ نِقَمَهُ، وَأَقْلِعُوا عَنِ الْقَبَائِحِ وَامْتَنِعُوا عَنْ مُعَاقَرَةِ الْفَضَائِحِ كَمَا سَتَرَكُمْ وَعَافَاكُمْ وَآمَنَكُمْ، وَاسْتَمِعُوا مَا يُخْلَصُ لَكُمْ مِنَ النَّصَائِحِ فَفِيهَا نَفْعُكُمْ وَسَلَامَتُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاقْطَعُوا بِذِكْرِ الْمَوْتِ أَمَانِيَّكُمْ وَتَسْوِيفَاتِكُمْ، وَسَارِعُوا بِالتَّوْبَةِ آجَالَكُمْ وَانْتِهَاءَ أَعْمَارِكُمْ، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ }، وَاعْلَمُوا: أَنَّ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ وَقَلَّلَ الْمَعْصِيَةِ وَجَعَلَهَا خِلَافَ عَادَتِهِ وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهَا وَلَا جَاهَرَ بِهَا وَلَا دَعَا إِلَيْهَا وَأَتْبَعَهَا وَزَاحَمَهَا بِالطَّاعَةِ وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ مِنْهَا وَتَابَ كُلَّمَا وَقَعَ فِيهَا فَسَيَكُونُ قَدْ هَزَمَ الشَّيْطَانَ وَانْتَصَرَ عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَكَانَ مُؤْمِنًا عَاقِلًا يَعْرِفُ كَيْفَ يُدِيرُ مَعْرَكَتَهُ مَعَ الشَّيْطَانِ وَيَنْتَصِرُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مُنَبِّهٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «لَإِزَالَةُ الْجَبَلِ صَخْرَةً صَخْرَةً وَحَجَرًا حَجَرًا أَيْسَرُ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ مُكَابَدَةِ الْمُؤْمِنِ الْعَاقِلِ»، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى مُبَشِّرًا: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا }.

فَاللَّهُمَّ: اهْدِنَا وَسَدِّدْنَا وَأَلْهِمْنَا رُشْدَنَا وَقِنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا، وَأَعِذْنَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَطَهِّرْ جَوَارِحَنَا عَنْ مُقَارَفَةِ الْآثَامِ، وَبُطُونَنَا عَنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَقُلُوبَنَا عَنِ الْغَفْلَةِ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاسْتُرْنَا عَنِ الْفَضِيحَةِ بَيْنَ خَلْقِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَالْمُؤمِنينَ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا رَحِيمًا، وَلَنَا غَفَّارًا، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

تنبيه: أصل الخطبة كلمة لِشيخ فاضل، فأخذتها وزِدت عليها كثيرًا بإذنه.