أَحْكَامُ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْعَدَ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَوَفَّقَهُمْ لِلْقِيَامِ بِطَاعَتِهِ، وَاسْتَعْمَلَهُمْ فِيمَا يُرْضِيهِ، مَعَ صِغَرِ سِنِّ أَحَدِهِمْ وَحَدَاثَتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَظِيمُ الرَّحْمَةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَخِيرَتُهُ مِنْ بَرِيَّتِهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلِّمْ عَدَدَ الْخَلِيقَةِ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ تَقْوَاهُ: شُكْرَ نِعْمَةِ أَنْ وَهَبَكُمْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ بِهِمُ الْأُنْسُ وَالسُّرُورُ، وَتَنَالُكُمْ بِهِمْ كَثِيرُ الْأُجُورِ، وَيَقُومُونَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ حَاجَتِكُمْ وَمَرَضِكُمْ وَكِبَرِكُمْ، وَيُحْيُونَ ذِكْرَكُمْ فِي النَّاسِ، وَيَدْعُونَ لَكُمْ وَيَتَصَدَّقُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَمِنْ تَقْوَاهُ سُبْحَانَهُ أَيضًا: أَنْ تَقُومُوا بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ رِعَايَةِ أَبْنَائِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ، وَتَأْدِيبِهِمْ بِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ، وَسَوْقِهِمْ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، لِيَكُونُوا قُرَّةَ عَيْنٍ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لَا حَسْرَةً عَلَيْكُمْ وَنَدَامَةً وَنَكَالًا، فَإِنَّهُ مَنْ قَامَ بِحُسْنِ الرِّعَايَةِ لَهُمْ أَفْلَحَ وَنَجَا، وَمَنْ فَرَّطَ فِي رِعَايَتِهِ لَهُمْ خَسِرَ وَتَضَرَّرَ، وَقَدْ قَالَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ آمِرًا لَكُمْ وَمُرَهِّبًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ )).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
هَذِهِ وَقَفَاتٌ سِتٌّ تَتَعَلَّقُ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى:
الْوَقْفَةُ الْأُولَى / عَنْ حُكْمِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ.
تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى: وَاجِبَةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، حَيْثُ قَالَ الْفَقِيهُ ابْنُ حَزْمٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «وَاتَّفَقُوا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَرْضٌ»، فَمَنْ تَرَكَ مَوْلُودَهُ بِلَا اسْمٍ أَثِمَ، إِذْ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى التَّسْمِيَةِ شَدِيدَةٌ، فَبِالتَّسْمِيَةِ يَتَعَارَفُونَ، وَيَصِلُ الْقَرَابَةُ بَعْضَهُمْ، وَتَسْتَقِيمُ مُعَامَلَاتُ النَّاسِ وَعُقُودُهُمْ، وَتَسْتَقِرُّ الْحُقُوقُ وَلَا تَضِيعُ، وَيُعْرَفُ أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْإِصْلَاحِ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْإِفْسَادِ وَيُمَيَّزُونَ.
الْوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ / عَنْ وَقْتِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْمَوْلُودِ: فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَقَبْلَ الْيَوْمِ السَّابِعِ وَبَعْدَهُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتِ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ إَمَّا فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ وِلَادَتِهِ أَوْ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ وِلَادَتِهِ، لِثُبُوتِ الْأَمْرَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي: إِبْرَاهِيمَ ))، وَصَحَّ عَنْ أَنَسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( ذَهَبْتُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وُلِدَ فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ ))، وَصَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَدَفَعَهُ إِلَيَّ )).
الْوَقْفَةُ الثَّالِثَةُ / عَنْ أَفْضَلِ مَا يُسَمَّى بِهِ الْمَوْلُودُ الذَّكَرُ مِنَ الْأَسْمَاءِ.
مَنْ سَمَّى أَوْلَادَهُ الذُّكُورَ: فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُسَمِّيَهُمْ بِالْأَسْمَاءِ الْمُضَافَةِ إِلَى اللَّهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ كَعَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَبْدِ السَّلَامِ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ وَعَبْدِ الْخَالِقِ وَأَشْبَاهِهَا، حَيْثُ قَالَ الْفَقِيهُ ابْنُ حَزْمٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «وَاتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْسَانِ الْأَسْمَاءِ الْمُضَافَةِ إِلَى اللَّهِ، كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ»، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ))، وَأَمَّا حَدِيثُ: (( خَيْرُ الْأَسْمَاءِ مَا حُمِّدَ وَعُبِّدَ )) فَلَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعُثَيْمِينُ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «هُوَ مَوْضُوعٌ وَمَكْذُوبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ / عَنْ حُكْمِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ بِاسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ كَالشِّيعَةِ الرَّافِضَةِ وَالصُّوفِيَّةِ وَمَنْ تَأَثَّرَ بِهِمْ عَلَى: تَعْبِيدِ أَسْمَاءِ أَبْنَائِهِمُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَتَسْمِيَتِهِمْ: بِعَبْدِ النَّبِيِّ أَوْ عَبْدِ الرَّسُولِ أَوْ عَبْدِ الْمُصْطَفَى أَوْ عَبْدِ الْحُسَيْنِ أَوْ عَبْدِ عَلِيٍّ أَوْ عَبْدِ الزَّهْرَاءِ أَوْ عَبْدِ الْكَاظِمِ أَوْ عَبْدِ الْكَعْبَةِ، وَتَسْمِيَةُ الْأَبْنَاءِ بِذَلِكَ مُحَرَّمٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، حَيْثُ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللَّهِ»، وَتَعْبِيدُ الْأَسْمَاءِ لِغَيْرِ اللَّهِ لَا يُعْرَفُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا عُرِفَ عِنْدَ النَّصَارَى حَيْثُ يُسَمُّونَ أَبْنَاءَهُمْ “بِعَبْدِ الْمَسِيحِ”، وَعُرِفَ عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَيْثُ يُسَمُّونَ أَبْنَاءَهُمْ “بِعَبْدِ الْكَعْبَةِ” وَ “عَبْدِ الْعُزَّى” وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ غَيَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَ رَجُلٍ عُبِّدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَثَبَتَ عَنْ هَانِئِ بْنِ شُرَيْحٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ: (( وَفَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِهِ فَسَمِعَهُمْ يُسَمُّونَ رَجُلًا: “عَبْدَ الْحَجَرِ”، فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ» ؟ قَالَ: “عَبْدُ الْحَجَرِ”، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ» )).
الْوَقْفَةُ الْخَامِسَةُ / عَنْ الْأَحَقِّ مِنَ الْوَالِدَيْنِ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
إِذَا تَنَازَعَ الْوَالِدَانِ فِي تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى: فَالْحَقُّ فِي التَّسْمِيَةِ لِلْأَبِ، وَهُوَ الْأَحَقُّ بِهَا عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَتِ الْأُمُّ، حَيْثُ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «التَّسْمِيَةُ حَقٌّ لِلْأَبِ لَا لِلْأُمِّ، هَذَا مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ»، وَذَلِكَ: لِأَنَّ الِْابْنَ وَالْبِنْتَ يُدْعَيَانِ فِي الدُّنْيَا لِأَبِيهِمَا لَا أُمِّهِمَا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: { ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ }، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُدْعَى النَّاسُ بِآبَائِهِمْ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ))، وَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ النِّسْوَةِ أَوْ يُرَوِّجْنَ لَهُ مِنْ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى حَقٌّ لِلْأُمِّ لَا الْأَبِ فَاعْتِقَادٌ بَاطِلٌ وَمُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ، وَلَكِنْ إِذَا تَشَاوَرَ الْوَالِدَانِ فِي اخْتِيَارِ الِاسْمِ أَوْ تَنَازَلَ الْأَبُ لِلْأُمِّ أَحْيَانًا فَلَا حَرَجَ، وَهُوَ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَجَمِيلِ الصُّحْبَةِ، وَإِنْ تَشَدَّدَتِ الْمَرْأَةُ فَأَصَرَّتْ عَلَى أَنْ تُسَمِّيَ هِيَ فَقَدْ أَسَاءَتْ وَتَعَدَّتْ عَلَى حَقِّ غَيرِهَا.
الْوَقْفَةُ السَّادِسَةُ / عَنْ تَجَنُّبِ الْأَسْمَاءِ الْمَكْرُوهَةِ مَعَانِيهَا، وَالَّتِي فِيهَا تَزْكِيَةٌ لِلْمُسَمَّى ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ: أَنْ يُحْسِنَ تَسْمِيَةَ أَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِأَسْمَاءٍ يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا فِي النَّاسِ، وَلَا يَكُنْ هَمُّهُ أَنْ يُسَمِّيَ بِاسْمٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنِ النَّاسِ وَتَلْتَفِتُ أَنْظَارُهُمْ إِلَيْهِ، فَيَأْتِيَ بِأَسْمَاءٍ غَرِيبَةٍ أَوْ شَاذَّةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ عَنْ بِيئَتِهِ أَوْ لَا تُنَاسِبُ إِلَّا مَرْحَلَةَ الصِّغَرِ، إِذْ لَسْنَا فِي مَيْدَانِ سِبَاقٍ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَتَنَافُسٍ، وَلَا مَقَامَاتٍ تَعْلُو بِسَبَبِ التَّسْمِيَةِ دَرَجَاتٍ، وَقَدْ ثَبَتَ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ الِاسْمُ الْحَسَنُ ))، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَيضًا: أَنْ يَحْذَرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ وَالْمُنْكَرَةِ، وأَنْ تُجْتَنَبَ حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ لِآبَاءٍ وَأَجْدَادٍ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ عَلَى الْأَبِ أَنْ يُحْسِنَ تَسْمِيَتَهُ، وَالتَّسْمِيَةُ حَقٌّ لِلْمَوْلُودِ وَلَيْسَتْ حَقًّا لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، لِأَنَّ الْمَوْلُودَ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ تَبِعَةَ الِاسْمِ الْقَبِيحِ وَالشَّاذِّ طُولَ حَيَاتِهِ وَيَتَجَرَّعُ مَرَارَتَهُ إِذْ نُطِقَ بِهِ وَلَيْسَ مَنْ سَمَّاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ اسْمًا قَبِيحًا غَيَّرَهُ ))، وَصَحَّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ: (( كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطِيعًا ))، وَصَحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ، وَقَالَ: «أَنْتِ جَمِيلَةُ» ))، وَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَيضًا: أَنْ يَحْذَرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَتَتَعَالَى بِهَا النُّفُوسُ، وَيَبْتِعَدَ عَنْهَا وَيَجَتَنِبَ التَّسْمِيَةِ بِهَا، لِمَا صَحَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ» )).
اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، فَأَنْتَ الْغَفَّارُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ الْعَمِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ بِالدِّينِ الْقَوِيمِ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنِ الآلِ والصَّحْبِ وَكُلِّ مُؤمِنٍ تَقِيٍّ مُتَّبِعٍ كَرِيمٍ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
فَإِنَّهُ إِذَا زَنَى رَجُلٌ مُسْلِمٌ بِامْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ غَيْرِ مُسْلِمَةٍ: فَإِنَّ الْمَوْلُودَ النَّاتِجَ عَنْ هَذَا الزِّنَى ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ الَّتِي حَمَلَتْ بِهِ وَأَنْجَبَتْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي زَنَى وَتَخَلَّقَ هَذَا الْمَوْلُودُ مِنْ مَائِهِ وَنُطْفَتِهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ الْعَلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، لِمَا ثَبَتَ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى: إِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا أَوْ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ عَاهَرَ بِهَا لَمْ يَلْحَقْ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ وَهُوَ ابْنُ زِنْيَةٍ لِأَهْلِ أُمِّهِ مَنْ كَانُوا حُرَّةً أَوْ أَمَةً ))، وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ وَصَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمَوْلُودَ مِنَ الزِّنَى لَا يُلْحَقُ فِي النَّسَبِ بِالزَّانِي، بَلْ يُلْحَقُ بِمَنْ أَنْجَبَتْهُ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ الْعَوَامُّ أَنَّ “يَس” وَ “طَه” مِنْ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، لَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ وَلَا مُرْسَلٍ وَلَا أَثَرٍ عَنْ صَاحِبٍ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْحُرُوفُ مِثْلُ: { الم } وَ { حم } وَ{ الر } وَنَحْوِهَا».
هَذَا وَأَسْأَلُ اللَّهَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ: أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، وَأَنْ يَحْفَظَهُمْ وَيَرْعَاهُمْ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاهُمْ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا وَإِيَّاهُمُ الشِّرْكَ وَالْبِدَعَ وَالْآثَامَ، وَأَنْ يَقِيَنَا وَإِيَّاهُمْ مِنَ السُّوءِ وَدُعَاتِهِ وَأَهْلِهِ وَقَنَوَاتِهِ وَمَوَاقِعِهِ وَأَمَاكِنِهِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنَّا وَعَنْهُمْ شَرَّ الْكُفَّارِ، وَمَكْرَ الْفُجَّارِ، وَكَيْدَ الضُّلَّالِ، وَإِرْهَابَ الْخَوَارِجِ، وَتَلْبِيسَ الْمُبْتَدِعَةِ، وَإِفْسَادَ الْفَسَقَةِ، وَإِلْحَادَ التَّغْرِيبِيِّينَ، وَأَنْ يُتِمَّ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ نِعْمَةَ السِّتْرِ فِي الدَّارَيْنِ، وَالْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالتَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، جَوَادٌ كَرِيمٌ، بَرٌّ رَحِيمٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.