إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: « أحكام اللقطة واللقيط ونشد ما ضل وضاع في المسجد »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « أحكام اللقطة واللقيط ونشد ما ضل وضاع في المسجد »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 20 يوليو 2017
  • 9٬161
  • إدارة الموقع

أَحْكَامُ اللُّقَطَةِ وَاللَّقِيطِ وَنَشْدِ مَا ضَلَّ وَضَاعَ فِي الْمَسْجِدِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِمَامُ الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَارِ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

فَقَدْ صَحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ، فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»، وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ فَقَالَ: «خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» ))، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ: بَيَانُ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللُّقَطَةِ، وَاللُّقَطَةُ، هِيَ: «الشَّيْءُ الَّذِي ضَاعَ مِنْ صَاحِبِهِ»، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ الضَّائِعُ نُقُودًا أَوْ ذَهَبًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ بِضَاعَةً أَوْ لِبَاسًا أَوْ هَاتِفًا أَوْ سَاعَةً أَوْ قَلَمًا أَوْ كِتَابًا أَوْ جِهَازًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَسُمِّيَ لُقَطَةً: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِدُهُ عَلَى الْأَرْضِ فَيَلْتَقِطُهُ بِيَدِهِ وَيَأْخُذُهُ، وَالشَّيْءُ الضَّائِعُ الْمُلْتَقَطُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:

الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَوْ ضَاعَتْ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ مَعِيشَةً فَلَا يَهْتَمُّونَ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ، كَالسِّوَاكِ وَالْقَلَمِ الرَّخِيصِ وَقَلِيلِ التَّمْرِ وَالْحَبِّ وَالطَّعَامِ وَعُلْبَةِ الْعَصِيرِ وَالْحَبْلِ وَالْعَصَا وَالنُّقُودِ الزَّهِيدَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَهَذَا: يَجُوزُ لِمَنْ الْتَقَطَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِنَ عَنْهُ وَيَبْحَثَ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ بَحَثَ عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ فَهُوَ أَفْضَلُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ صَاحِبَهُ بِعَيْنِهِ وَجَبَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ جَاءَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ تَصَرَّفَ فِيهِ أَوِ انْتَفَعَ بِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ، حَيْثُ صَحَّ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ: « لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» ))، وَصَحَّ: (( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَاهُ رَجُلٌ وَجَدَ جِرَابًا فِيهِ سَوِيقٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ فَقَالَ عُمَرُ: «خُذْ يَا غُلَامُ هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ السِّبَاعُ وَتُسْفِيَهُ الرِّيَاحُ» )).

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَوْ ضَاعَتْ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ مَعِيشَةً فَإِنَّهُمْ يَهْتَمُّونَ لَهُ وَيَبْحَثُونَ عَنْهُ وَيَسْأَلُونَ، كَالسَّاعَةِ وَالْهَاتِفِ وَقِطْعَةِ الذَّهَبِ وَجِهَازِ الْكُمْبِيُوتَرِ وَالنَّظَّارَةِ الْمَارْكَةِ وَالنُّقُودِ غَيرِ الزَّهِيدَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَهَذَا: يَجِبُ عَلَى مَنِ الْتَقَطَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ ــ أَيْ: يُعْلِنَ عَنْهُ ــ سَنَةً كَامِلَةً، بِأَنْ يَبْحَثَ عَنْ صَاحِبِهِ وَيَسْأَلَ أَهْلَ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي وَجَدَهَا فِيهِ وَيُعْلِنَ عَنْهُ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْوُصُولُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِشَيْءٍ خِلَالَ هَذِهِ السَّنَةِ بَلْ يَبْقَى عِنْدَهُ أَمَانَةً إِلَّا إِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، فَإِذَا انْتَهَتِ السَّنَةُ وَلَمْ يَأْتِ صَاحِبُهُ فَيَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بِمَا شَاءَ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ عَنْ صَاحِبِهِ فَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بَعْدَ السَّنَةِ وَهُوَ لَا يَزَالُ عِنْدَهُ وَجَبَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدِ اسْتَمْتَعَ بِهِ وَاسْتَنْفَقَهُ لِنَفْسِهِ رَدَّ لِصَاحِبِهِ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ ))، وَيَكُونُ رَدُّ اللُّقَطَةِ إِلَى صَاحِبِهَا بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَ الْمُلْتَقِطَ بِصِفَاتِهَا الدَّقِيقَةِ وَالْخَفِيَّةِ، كَنَوْعِهَا وَعَدِهَا وَلَوْنِهَا وَمَكَانِهَا وَنَحْوِ هَذّا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَنْ وَجَدَ صُرَّةً فِيهَا مِئَةُ دِينَارٍ: (( اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا ))، وَالْمُرَادُ بِالْعِفَاصِ: «الْوِعَاءُ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ اللُّقَطَةُ مِنْ جِلْدٍ أَوْ قُمَاشٍ أَوْ غَيْرِهِمَا»، وَبِالْوِكَاءِ: «الْخَيْطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ هَذَا الْوِعَاءُ».

وَإِذَا تَصَدَّقَ الْمُلْتَقِطُ بِاللُّقَطَةِ عَنْ صَاحِبِهَا ثُمَّ جَاءَهُ يَطْلُبُهَا: فَإِنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ فِعْلَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا عَنْهُ أَوْ يُعْطِيَهُ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا وَيَكُونُ أَجْرُ التَّصَدُّقِ لِلْمُلْتَقِطِ، لِمَا صَحَّ عَنْ سُوَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: (( كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَأْمُرُ أَنْ تُعَرَّفَ اللُّقَطَةُ سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا خُيِّرَ ))، وَصَحَّ عَنْ أَبِي عَقْرَبٍ أَنَّهُ قَالَ: (( الْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَأَتَيْتُ بِهَا عُمَرَ فَقَالَ: عَرِّفْهَا حَوْلًا، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَعْرِفُهَا فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ سُبُلِهَا؟ تَصَدَّقْ بِهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَاخْتَارَ الْمَالَ غَرِمْتَ لَهُ وَكَانَ الْأَجْرُ لَكَ وَإِنِ اخْتَارَ الْأَجْرَ كَانَ الْأَجْرُ لَهُ وَلَكَ مَا نَوَيْتَ ))، وَثَبَتَ نَحْوُهُ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَنْ وَجَدَ الشَّيْءَ الضَّائِعَ لَنْ يُعَرِّفَهُ سَنَةً أَوْ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ ضَعْفَ الْأَمَانَةِ: فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْتِقَاطُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ سَيُسَلِّمُهُ لِلْجِهَاتِ الْمَعْنِيَّةِ بِحِفْظِ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ قِبَلِ الدَّوْلَةِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا )).

الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الضَّائِعُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَالْحَيَوَانَاتُ الضَّائِعَةُ مِنْ أَصْحَابِهَا نَوْعَانِ:

النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ نَفْسِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، وَتَجِدُ الْمَاءَ وَالْعُشْبَ، كَالْإِبِلِ وَأَشْبَاهِهَا، فَهَذِهِ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا وَالْتِقَاطُهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ حِينَ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ: (( مَا لَكَ وَلَهَا دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا )).

النَّوْعُ الثَّانِي: الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ حِمَايَةَ نَفْسِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالشِّيَاةِ وَالْمَعْزِ وَأَشْبَاهِهَا، فَهَذِهِ يَجُوزُ أَخْذُهَا وَالْتِقَاطُهَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( خُذْهَا فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ ))، فَإِنْ عَلِمَ الْمُلْتَقِطُ صَاحِبَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَأَكَلَهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهَا وَالسُّؤَالِ عَنْ صَاحِبِهَا فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ جَاءَهُ بَعْدَ أَنْ أَكَلَهَا فَطَلَبَهَا مِنْهُ رَدَّ إِلَيْهِ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الضَّائِعُ قَدْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ، حَرَمِ مَكَّةَ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَخْذُهُ وَالْتِقَاطُهُ إِلَّا إِذَا كَانَ سَيُعَرِّفُهُ وَيَبْحَثُ عَنْ صَاحِبِهِ طُولَ حَيَاتِهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ لُقَطَةِ مَكَّةَ: (( وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ ))، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: (( لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا ))، وَالْمُرَادُ بِالْمُنْشِدِ وَالْمُعَرِّفِ: الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ صَاحِبِهَا عَلَى الدَّوَامِ وَلَا يَتَمَلَّكُهَا لِنَفْسِهِ أَبَدًا، وَقَدْ صَحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجِّ ))، وَإِذَا خَشِيَ الْإِنْسَانُ عَلَى لُقَطَةِ الْحَرَمِ مِنَ التَّلَفِ أَوِ السَّرِقَةِ: فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَى الْجِهَاتِ الَّتِي خَصَّصَتْهَا الدَّوْلَةُ لِحِفْظِ الْأَمَانَاتِ إِذَا كَانَ يَعْرِفُ مِنْ نَفْسِهِ الْحِرْصَ وَالْأَمَانَةَ، فَإِنْ كَانَتْ نَفْسُهُ ضَعِيفَةً فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَلْتَقِطَهَا، لِأَنَّ: سَلَامَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْإِثْمِ أَوْلَى وَأَهَمُّ وَأَوْجَبُ مِنْ سَلَامَةِ مَالِ غَيْرِهِ مِنَ التَّلَفِ وَالسَّرِقَةِ وَأَنْ لَا يَجِدَهُ صَاحِبُهُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

إِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَيْهِ، وَأَمَاكِنُ عِبَادَتِهِ، وَإِنَّمَا بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالِاعْتِكَافِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُومَ الْإِنْسَانُ فِيهَا وَيَسْأَلَ عَمَّا ضَاعَ أَوْ ضَلَّ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يَقُومَ وَيَقُولَ: “قَدْ وَجَدْتُ شَيْئًا فَمَنْ صَاحِبُهُ”، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ))، وَصَحَّ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَلَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» ))، وَلَا يَصْلُحُ أَيْضًا: أَنْ تُوضَعَ إِعْلَانَاتٌ عَنِ اللُّقَطَةِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي سَاحَاتِهِ وَحَوْشِهِ، فَإِنْ عُلِّقَتْ وَرَقَةٌ فِي الْجِدَارِ أَوِ الْبَابِ الْخَارِجِيِّينَ جِهَةَ الشَّارِعِ كُتِبَ فِيهَا عَنِ الشَّيْءِ الْمَفْقُودِ، فَقَدْ قَالَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: «لَا بَأْسَ»، وَتَرْكُهُ أَسْلَمُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

لَقَدْ عَلِمْتُمْ شَيْئًا طَيِّبًا مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللُّقَطَةِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِالْعَمَلِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الدِّينِ بِمَا يُوَافِقُ نُصُوصَ شَرْعِهِ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ مُحَذِّرًا لَكُمْ وَمُرَهِّبًا: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }، وَاحْفَظُوا الْأَمَانَةَ وَأَدُّوهَا إِلَى أَهْلِهَا طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى الْقَائِلِ: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }، وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْخَائِنِينَ، فَقَدْ زَجَرَكُمْ رَبُّكُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }.

اللَّهُمَّ: فَقِّهْنَا فِي الدِّينِ، وَزِدْنَا عِلْمًا وَعَمَلًا، وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، يَا جَوَادُ يَا كَرِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَظِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

فَإِنَّ اللَّقِيطَ هُوَ: «الْمَوْلُودُ الصَّغِيرُ ــ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ــ الَّذِي يُوجَدُ فِي الطَّرِيقِ أَوْ عَلَى بَابِ مَسْجِدٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ أَبٌ أَوْ أَهْلٌ أَوْ كَفِيلٌ أَوْ وَصِيٌّ»، وَهُوَ: آدَمِيٌّ مُحْتَرَمٌ لَهُ حُقُوقٌ شَرْعِيَّةٌ كَغَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى فِي مَكَانِهِ لِأَنَّهُ سَيَهْلِكُ أَوْ يَتَضَرَّرُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ، وَلِمَنْ أَخَذَهُ أَجْرٌ كَبِيرٌ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنِ السَّاعِينَ فِي حَيَاةِ نُفُوسِ عِبَادِهِ: { وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا }.

فَإِنْ وُجِدَ: فِي بِلَادِ مُسْلِمِينَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي بِلَادِ كُفَّارٍ وَوُجِدَ فِي مَكَانٍ يَخُصُّ الْكُفَّارَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، وَإِنْ وُجِدَ فِي مَكَانٍ يَخُصُّ الْمُسْلِمِينَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ، وَلِمَنْ وَجَدَهُ كَفَالَتُهُ وَرِعَايَتُهُ وَالْقِيَامُ عَلَى مَصَالِحِهِ إِنْ كَانَ أَمِينًا وَهُوَ الْأَحَقُّ بِهِ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيُعْطَى إِلَى الْجِهَاتِ الَّتِي خَصَّصَتْهَا الدَّوْلَةُ لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، إِذْ نَفَقَتُهُ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا صَحَّ أَنَّ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ لِرَجُلٍ وَجَدَ لَقِيطًا: (( هُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لَكَ وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ))، وَلَا يَجُوزُ: أَنْ يُسَلَّمَ اللَّقِيطُ إِلَى دَوْلَةٍ أَوْ جَمْعِيَّةٍ كَافِرَةٍ إِنْ وُجِدَ فِي بِلَادِ إِسْلَامٍ أَوْ فِي حَيٍّ وَمَكَانٍ يَخُصُّ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ: حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَيَكُونُ مُسْلِمًا لَا كَافِرًا وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ سَبِيلٌ عَلَى الْمُسْلِمِ، لِأَنَّ (( الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى ))، كَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

وَإِذَا سُمِّيَ اللَّقِيطُ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى قَبِيلَةٍ أَوْ عَائِلَةٍ وَأُسْرَةٍ مَعْرُوفَةٍ بِعَيْنِهَا عِنْدَ النَّاسِ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُنْسَبَ إِلَى مَنْ وَجَدَهُ وَالْتَقَطَهُ أَوْ كَفَلَهُ وَرَبَّاهُ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ ))، وَيُسَمَّى الذَّكَرُ اللَّقِيطُ: بِأَسْمَاءٍ مُعَبَّدَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لِأَنَّنَا: جَمِيعًا عَبِيدٌ لِلَّهِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ التَّسْمِيَةِ كَذِبٌ وَلَا إِضْرَارٌ بِأَحَدٍ، وَالْأُنْثَى تُسَمَّى: بِأَيِّ اسْمٍ، وَتُنْسَبُ إِلَى أَبٍ وَجَدٍّ اسْمُهُ مُعَبَّدٌ لِلَّهِ، كَفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَذَا أَفْضَلُ وَأَسْلَمُ، كَمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ.

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يُعِينَنَا على ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وحُسْنِ عِبَادَتِهِ، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، اللَّهُمَّ: ارْفَعْ عَنَّا الضُّرَّ وَالشُّرُورَ وَالْفَسَادَ وَعَنِ الْمُؤمِنِينَ، وَوَفِّقْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ لِصَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم.