الْكُسُوفُ وَالْخُسُوفُ آيَتَانِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَأَجْرَاهُمَا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فِي السَّمَاءِ إِلَى الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ، أَظْهَرَ لِعِبَادِهِ مِنْ آيَاتِهِ دَلِيلًا، وَهَدَى مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ فَاتَّخَذَ ذَلِكَ عِبْرَةً، وَابْتَغَى إِلَى نَجَاتِهِ سَبِيلًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَصْدَقُ الْخَلْقِ قِيلًا، وَأَتْقَى مَأْمُورٍ، وَأَهْدَى آمِرٍ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَكَمْ مِنَ الْآيَاتِ الْمُفْزِعَاتِ، وَالْعِظَاتِ الزَّاجِرَاتِ، وَالْعِبَرِ الْمُتَتَابِعَاتِ، وَالْمُنْذِرَاتِ الْمُتَعَاقِبَاتِ، تَمُرُّ عَلَيْنَا فِي كَوْنِ خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، لَا يَخَافُ عِنْدَهَا قَلْبٌ، وَلَا تَدْمَعُ لَهَا عَيْنٌ، وَلَا يَحْصُلُ حِينَهَا تَوْبَةٌ، وَلَا مَعَهَا وَبَعْدَهَا إِكْثَارٌ مِنْ طَاعَةٍ، وَإِقْلَاعٌ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَمُحَافَظَةٌ عَلَى فَرِيضَةٍ، وَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا أَنْ نَكُونَ كَالْكَافِرِينَ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ آيَاتِهِ الْحَادِثَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }، وَفِي الْأَمْسِ الْقَرِيبِ قَدْ حَصَلَتْ آيَةٌ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، أَلَا وَهِيَ كُسُوفُ الشَّمْسِ [ خُسُوفُ الْقَمَرِ ]، وَقَدْ قَالَ اللهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ مُرَهِّبًا مِنْ آيَاتِهِ: { وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حِينَ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ: (( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ ))، فَيَا تُرَى هَلْ حَصَلَ لَنَا الْمَقْصُودُ مِنْ حُدُوثِ هَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ؟ آيَةِ الْكُسُوفِ أَوِ الْخُسُوفِ، فَخَافَتِ الْقُلُوبُ وَفَزِعَتْ، وَتَغَيَّرَتِ الْوُجُوهُ وَاضْطَرَبَتْ، وَارْتَعَدَتِ الْفَرَائِصُ، وَارْتَجَفَتِ الْأَبْدَانُ، وَأَقْلَعَتِ النُّفُوسُ عَنِ الذُّنُوبِ وَتَابَتْ، وَحَافَظَتْ عَلَى الْفَرَائِضِ وَاسْتَقَامَتْ، وَزَادَتِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَحَسُنَتْ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
«إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يَنْكَسِفَانِ وَيَنْجَلِيَانِ بِأَمْرِهِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخَوِّفَ عِبَادَهُ مِنْ عَاقِبَةِ مَعَاصِيهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ كَسَفَهُمَا بِاخْتِفَاءِ ضَوْئِهِمَا كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، إِنْذَارًا لِلْعِبَادِ، وَتَذْكِيرًا لَهُمْ، لَعَلَّهُمْ يُحْدِثُونَ تَوْبَةً، فَيَقُومُونَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَوَامِرِ رَبِّهِمْ، وَيُبْعِدُونَ عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، وَلَمَّا كَثُرَتِ الذُّنُوبُ فِي عَصْرِنَا ــ مِنْ شِرْكِيَّاتٍ وَبِدَعٍ وَمَعَاصٍ ــ، وَزَادَتِ الْفِتَنُ وَالشُّرُورُ وَتَوَسَّعَتْ، وَانْغَمَسَ الْكَثِيرُونَ فِي شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَأَتْرَفُوا أَبْدَانَهُمْ، وَأَضْعَفُوا دِينَهُمْ، زَادَتِ الْكُسُوفَاتُ وَالْخُسُوفَاتُ فَلَا تَكَادُ تَمْضِي السَّنَةُ إِلَّا وَقَدْ حَدَثَتْ مِرَارًا مُتَعَدِّدَةً وَمُتَقَارِبَةً، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ قَدْ تَهَاوَنُوا بِأَمْرِ الْكُسُوفِ فَلَمْ يُحَرِّكْ حُصُولُهُ مِنْهُمْ سَاكِنًا، وَلَمْ يَتَأَثَّرُوا بِوُقُوعِهِ وَيَخَافُوا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَعْفِ إِيمَانِهِمْ، وَجَهْلِهِمْ بِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِهِ، وَاعْتِمَادِهِمْ عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ أَسْبَابِ الْكُسُوفِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَغَفْلَتِهِمْ عَنِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا يُحْدِثُ اللَّهُ الْكُسُوفَ بِأَسْبَابِهِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَهِيَ تَخْوِيفُ عِبَادِهِ مِنْ عُقُوبَاتٍ قَدْ تَنْزِلُ بِهِمْ، انْعَقَدَتْ أَسْبَابُهَا، وَشُرُورٍ مُهْلِكَةٍ انْفَتَحَتْ أَبْوَابُهَا، لِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَعِصْيَانِهِ، وَلَقَدْ ضَلَّ قَوْمٌ غَفَلُوا عَنْ هَذِهِ الْحِكْمَةِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِهَذَا الْإِنْذَارِ، وَلَمْ يَقِفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ، وَظَنُّوا أَوْ قَالُوا: “هَذَا الْكُسُوفُ أَمْرٌ عَادِيٌّ”، أَلَا فَلْيَحْذَرُوا أَنْ يُشَابِهُوا مَنْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: { وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ }».
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ كُسُوفَ الشَّمْسِ أَوْ خُسُوفَ الْقَمَرِ لَحَدَثٌ عَظِيمٌ مُخِيفٌ، وَتَنْبِيهٌ جَسِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ وَتَحْذِيرٌ، وَوَاعِظٌ لَهُمْ وَزَاجِرٌ شَدِيدٌ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِهِ، فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، وَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ أَحْوَالٍ، وَمَا عُرِضَ عَلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ، حَتَّى إِنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِ وَخَوْفِهِ مِنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ خَشِيَ أَنْ تَكُونَ الْقِيَامَةُ قَدْ حَانَتْ، إِذْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ ))، بَلْ وَمِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْطَأَ فِي لِبَاسِهِ، فَأَخَذَ دِرْعَ أَهْلِهِ بَدَلَ الرِّدَاءِ، وَخَرَجَ وَهُوَ يَجُرُّهُ جَرًّا، وَلَمْ يَنْتَظِرْ لِيَلْبَسَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَحَّ عَنْ أَسْمَاءَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ أَنَّهَا قَالَتْ: (( كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَزِعَ فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ))، وَصَحَّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ ))، وَلَمَّا وَصَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ»، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةً غَرِيبَةً لَا نَظِيرَ لَهَا فِي الصَّلَوَاتِ الْمُعْتَادَةِ، حَيْثُ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ: (( أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: «الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ»، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ )).
وَمِمَّا ثَبَتَ فِي شَأْنِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْكُسُوفِ هَذِهِ الأُمُور:
الْأَمْرُ الأوَّل: أَنَّ قِرَاءَتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا كَانَتْ طَوِيلَةً جِدًّا، حَتَّى إِنَّ قِيَامَهُ الْأَوَّلَ فِيهَا قُدِّرَ بِنَحْوِ سُورَةِ “الْبَقَرَةِ”، فَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ))، بَلْ إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ تَجَلَّاهُ الْغَشْيُ بِسَبِ طُولِ الْقِرَاءَةِ، فَصَحَّ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ: (( فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ الْقِيَامَ جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي )).
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا كَانَ طَوِيلًا جِدًّا، حَيْثُ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ )).
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ قَالَتْ: (( جَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ، فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ )).
أَيُّهَا النَّاسُ:
لَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَقْتَ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ: «أَنْ يُشْغِلُوا أَنْفُسَهُمْ بِمُتَابَعَتِهِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ مِنْ حِينِ بَدَايَتِهِ وَحَتَّى نِهَايَتِهِ»، وَأَمَّا أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ: «فَإِنَّهُمْ يَفْزَعُونَ مِنْ أَوَّلِ رُؤْيَتِهِ وَحَتَّى نِهَايَتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّدَقَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْحَمْدِ»، وَسَبَبُ هَذَا: أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْكُسُوفَ وَالْخُسُوفَ يَحْدُثَانِ تَخْوِيفًا مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ بِسَبِ ذُنُوبِهِمْ مِنْ شِرْكِيَّاتٍ وَبِدَعٍ وَمَعَاصٍ.
أَيُّهَا النَّاسُ:
لَقَدْ عُرِضَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَقَامِهِ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ مَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ مِنْ رَبِّهِ خَوْفًا وَرَهَبًا، وَرَجَاءً فِيمَا عِنْدَهُ وَطَمَعًا، وَحُبًّا لَهُ وَتَعْظِيمًا، وَلِرَسُولِهِ تَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا وَانْقِيَادًا، وَمِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ:
الْأَمْرُ الأوَّل: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، إِذْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ قَالُوا: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ، فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ )).
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بَعْضَ النَّاسِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ )).
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِتْنَةِ الْقَبْرِ فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ )).
اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هنيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةً، ومَرَدًّا غير مُخْزٍ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، وَسَلَامٌ عَلَى الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعَ، وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:
فَإِنَّهُ لَمَّا انْتَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ خَطَبَ النَّاسَ فَكَانَ مِمَّا قَالَهُ، وَصَحَّ عَنْهُ: (( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ )).
أَيُّهَا النَّاسُ:
لَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عِنْدَ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ بِالْفَزَعِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ وَحَمْدِهِ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِنَا، وَأَمَرَ بِالصَّدَقَةِ وَعِتْقِ الرِّقَابِ، فَصَحَّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللَّهِ فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عِنْدَ الْكُسُوفِ: (( إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ ))، وَفُزِعَ إِلَى هَذِهِ الْعِبَادَاتِ عِنْدَ حُدُوثِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ لِأنَّ أَسْبَابَ الْعُقُوبَاتِ قَدِ انْعَقَدَتْ، وَالْعِبَادَاتُ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَدْفَعُهَا.
أَيُّهَا النَّاسُ:
إِنَّ الْكُسُوفَ وَالْخُسُوفَ لَا عَلَاقَةَ لَهُمَا بِحَيَاةِ أَوْ مَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلَوْ عَظُمَ وَنَبُلَ، وَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ اعْتِقَادِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْمُغِيرَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ))، وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ: ابْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْهَا ــ.
جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِمَّنْ إِذَا ذُكِّرَ ادَّكَرَ، وَإِذَا وُعِظَ اعْتَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، إِنَّكَ وَاسِعُ الْفَضْلِ وَالْعَطَاءِ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
تَنْبِيهٌ: مَا بَيْنَ الْقَوْسَيْنِ: «إِنَّ الشَّمْسَ و… {.. مَرْكُومٌ }» مِنْ كَلَامِ الْعُثَيْمِينِ.