المتكاسلون والغافلون عن الحج مع وجوبه عليهم وعظيم فضله
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الكريمِ القديرِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الأمينُ، اللهمَّ فصَلِّ وسَلِّم عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ الأبرارِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فاتقوا اللهَ ربَّكُمُ الذي يُحيي العظامَ وهيَ رَمِيمُ، واخشَوا يومًا تُعرضونَ فيهِ عليهِ لا تَخفَى مِنكُم خافيَةً، يومَ يحُصَّلُ ما في الصُّدورِ، ويَكونُ الناسُ إلى جنَّةٍ وتكريمٍ أوْ نارٍ تَسْتعِرُ وتَعذِيبٍ، حيثُ قالَ اللهُ ــ عزَّ وجلَّ ــ آمِرًا لَكُم ومُرَهِّبًا: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ }.
واعلَموا أنَّ مِن تقواهُ وخشيَتِهِ ــ جلَّ وعلا ــ: المَبادَرَةَ إلى حَجِّ بَيتِهِ الحرَامَ، امتِثالًا لأمرِهِ، وتعظِيمًا لَهُ، وإحسانًا لأنفُسِكُم، ورِفعَةً لِدرجاتِكُم، وأداءً لِمَا وجَبَ عليكُم، فإنَّهُ سُبحانَهُ قدْ أوجَبَ عليكُمُ الحَجَّ وفرَضَهُ في كتابِهِ العزيزِ فقالَ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا }، وصحَّ أنَّ نبيَّكُم صلى الله عليه وسلم وقَفَ خطيبًا في النَّاسِ، ثُمَّ قالَ لَهُم: (( أَيُّهَا النَّاسُ: قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا )).
إلَا وإنَّ مِن دَلائلِ تكريمِهِ سبحانَهُ لَكُم، ورحمَتِهِ الشِّديدَةِ بِكُم، وإِفْضَالِهِ لَكُم، وإنعامِهِ عليكُم في بابِ الحَجّ إلى بَيتِهِ الحرَامِ، هذهِ الأُمورَ السَّبعَة:
ألأوَّل: أنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ الحَجِّ رُكْنًا مِن أركانِ الإسلامِ الكُبْرَى، تكثيرًا لأُجورِكُم، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )).
الثاني: أنَّ اللهَ تعالَى لَمْ يُوجِبِ الحَجَّ عليكُم في العُمُرِ كُلِّهِ إلا مَرَّةً واحِدَةً، رحمَةً بِكُم، وتخفيفًا عليكُم، حيثُ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: كُتِبَ عَلَيْكُمِ الْحَجُّ، فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا، وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» )).
الثالث: أنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ الحجَّ مِن أسبابِ مغفِرَةِ الذُّنوبِ الكثيرَةِ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))، والرَّفَثُ هوَ: الجِماعُ حالَ الإحرامِ ومُقدِّماتِهِ مِن مُباشَرَةٍ لِلنِّساءِ أوْ تَقبيلٍ أوْ نَظرٍ بشهوةٍ أو استِمنَاءٍ، والنُّطقُ بقبيحِ وفاحِشِ الكلامِ، والفُسُوقُ: يَشمَلُ المعاصِيَ كلَّهَا، معاصِي القلبِ واللِّسانِ والجَوارِحِ مِن أيْدٍ وأقدَامٍ وعُيونٍ وآذَانٍ وفُروجٍ وغيرِها، وثبتَ أنَّ شَقِيقَ بنَ سَلَمَةٍــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ: (( أَرَدْتُ الْحَجَّ فَسَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ فَقَالَ: إِنْ تَكُنْ نِيَّتُكَ صَادِقَةً، وَأَصْلُ نَفَقَتِكَ طَيِّبَةً، وَصُرِفَ عَنْكَ الشَّيْطَانُ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ عَقْدِ حَجِّكَ، عُدْتَ مِنْ سَيِّئَاتِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أَمُّكَ )).
الرابع: أنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ الحَجَّ المَبرُورَ مِن أسبابِ دُخولِ الجَنَّةِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ ))، والحجُ المَبْرُورُ هوَ: الذي ليسَ فيهِ ما يُبطِلُهُ مِن مَحْظُورَاتِ الإحرامِ ولا ما يُنقِصُ ثوابَهُ مِن فِِعِلِ مَحْظُورَاتٍ أوْ ذُنُوبٍ قولِيَّةٍ أوْ فِعلِيَّةٍ أوْ قلْبِيَّةٍ.
الخامس: أنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ الحَجَ مِن أسبابِ العِتْقِ مِنَ النَّارِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ )).
السادس: أنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ الحَجَّ مِن أحسَنِ وأجمَلِ الجهادِ في سبيلِهِ، إذْ صحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنْها ــ قالتْ: (( قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُجَاهِدُ مَعَكَ؟ فَقَالَ: لَكِ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ: الْحَجُّ حَجٌّ مَبْرُورٌ، فَقَالَتْ: فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ أَبَدًا بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ )).
السابع: أنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ مُتابَعَةَ الحَجِّ والعُمرَةِ مِن أسبابِ سَعَةِ الرِّزْقِ، وذَهابِ الفقرِ، ومَحْوِ الذُّنوبِ، حيثُ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ )).
فمَاذا نُرِيدُ بعدَ هذا الفضلِ العظيم؟ والإكرامِ الكبيرِ؟ والأُجُورِ الجَزِيلَة على الحَجِّ؟ وصدَق اللهُ القائِلُ في كتابِهِ العزيزِ مُمتنًّا على عِبادِهِ المُؤمِنينَ: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }.
وسُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ: بُكرَةً وأصِيلًا، ولَهُ الحَمْدُ علَى كُلِّ حَالٍ، وهُوَ الغفَّارُ.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الكبيرِ المُتَعَالِ، والصلاةُ والسلامُ على المَبعوثِ رحمَةً مِن ولَدِ عدْنانٍ، وعلى الصَّحبِ الكِرامِ لَهُ والآلِ والأتْباعِ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فمَاذا يَنتظرُ مَن لمْ يَحُجَّ فرِيضَتَهُ بعدَما سَمِعَ ما تقدَّمَ مِن الأحاديثِ النَّبويَّةِ الثابِتَةِ؟ أيَنتَظِرُ أنْ يَفجَأَهُ المَوتُ وهوَ لمْ يُؤدِّ فرِيضَتَهُ بعْدُ، أمْ يَنَتظِرُ حتَّى يُبْتلَى بمرَضٍ أو كِبَرٍ يُقعدانِهِ عنِ الحَجِّ، أوْ يَنتظِرُ الفقرَ والحاجَةَ المانِعِةِ مِن الحّجِّ بعدَ وجُودِ المالِ والنَّفقَةِ عِندَهُ؟
ألم يَسمَعْ قولَ ربَّهِ ــ جلَّ وعلا ــ آمِرًا ومُرغِّبًا: { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }، وامتثالُ أمْرِ اللهِ بالمُسارَعَةِ إلى المغفِرَةِ والجَنَّةِ إنَّما يكونُ بالمُبادَرَةِ والعجَلَةِ إلى فِعِلِ الطاعاتِ مِن فرَائِضَ ومُستحبَّاتٍ قبْلَ نُزولِ الموتِ وحُصولِ ما يَعوقُ مِن مرضٍ أوْ كِبَرٍ أوْ حبْسٍ أوْ فِتَنٍ أوْ حُروبٍ أو فَقرٍ أوْ غيرِ ذلِكَ.
ألم يَسمعْ قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ آمِرًا ومُرهِّبًا: (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا ))، وثبتَ أنَّ غُنَيمَ بنَ قَيسٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ قالَ مُبيِّنًا حالَ السَّلَفِ الصَّالحِِ مِنِ الصحابَةِ والتابِعينَ معَ نُصْحِ بعضِهِم لِبعضٍ: (( كُنَّا نَتَوَاعَظُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِأَرْبَعٍ، كُنَّا نَقُولُ: اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ )).
فالحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ التَّكَاسُلِ عن أدَاءِ فرِيضَةِ الحَجِّ معَ وجُودِ الصِّحَةِ والعافِيَةِ، وحُصولِ المَيسَرَةِ في الرِّزْقِ، وتَوَفُّرِ الأمْنِ في الطريقِ وحِينَ فِعلِ المَناسِكِ، فقدْ ثبتَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( لِيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا رَجُلٌ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، وَجَدَ لِذَلِكَ سَعَةً وَخُلِّيَتْ سَبِيلُهُ، لَحِجَّةٌ أَحُجُّهَا وَأَنَا صَرُورَةٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سِتِّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعٍ ))، والصَّرورَةُ هوَ: الذي لمْ يَحَجَّ حَجَّةَ الفرِيضَةِ بُعْدُ، وثبتَ عنِ التَّابِعِيِّ الأسودِ بنِ يزيدٍ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن قومِهِ مُوسِرٍ قادرٍ على الحَجِّ: (( لَوْ مِتَّ وَلَمْ تَحُجَّ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْكَ ))، وثبتَ عنِ التَّابِعِيِّ عبدِ اللهِ بنِ مَعْقِلٍ أنَّهُ سُئِلَ عن رَجُلٍ ماتَ ولم يَحُجَّ وهوَ مُوسِرٌ؟ فقالَ: (( مَاتَ وَهُوَ لِلَّهِ عَاصٍ ))، وثبتَ عنِ التَّابِعِيِّ سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنَّهُ قالَ: (( لَوْ كَانَ لِي جَارٌ مُوسِرٌ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ ))، وقدْ ذهبَ أكثرُ العلماءِ، مِنهُم: أبو حنيفَةَ ومالِكٌ وأحمدُ إلى أنَّ الحَجَّ واجِبٌ على المُكلَّفِ ذّكَرًا كانَ أو أُنْثَى على الفَورِ إذا توفَّرَتِ الاستِطاعَةُ، ومَن أخَّرَهُ بعدَ حُصولِ الاستِطاعَةِ عصَى رَبَّهُ وأثِمَ.
اللهمَّ: إنَّا نعوذُ بِكَ مِن قلبٍ لا يَخشعُ، وعلمٍ لا يَنفعُ، وعينٍ لا تَدمعُ، ودَعوةٍ لا يُستجابُ لَهَا، اللهمَّ: يا مقلِّبَ القلوبَ ثبِّت قلوبَنَا على دِينِكَ، اللهمَّ: يا مُصرِّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبَنَا على طاعتِكَ، اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ مُتابعَةَ القرآنِ والسُّنَّةِ في أقوالِنَا وأفعالِنَا واعتقادَاتِنَا، اللهمَّ: أرْفَعِ الضُّرَ عنِ المُتضرِّرينَ مِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، اللهمَّ: قرِّبْ عِبادَكَ إلى التوحيدِ وأبعِدْهُم عنِ الشِّرْكِ، وقرِّبِهُم إلى السُّنَّةِ وأبْعِدْهُم عنِ البِدَعَ، وقرِّبْهُم مِنَ الطاعَةِ وأبْعِدْهُم عنِ المعاصِي، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحيَاءً وأموَاتًا، إنَّكَ سميعٌ مُجِيبٌ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.