الترهيب مِن ترْك الصلاة وتأخيرها عن أوقاتها والتَّخلُّف عن جماعتها
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي وفقَّ مَن شاءَ مِن عبادِه لِطاعتِهِ، وحبَّبَ إليهِ الاستكثارَ مِن عبادَتِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ عظيمُ الرَّحمَةِ والمغفِرَةِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وأفضَلُ خلْقِهِ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ اللهِ:
اتقوا اللهَ تعالى فيما فرَضَ عليكُم مِن صلاةِ بالليلِ والنَّهارِ بأنْ لا تترُكُوهَا أوْ تدَعُوا فريَضةً مِنها أوْ تُؤخِّرُوهَا عن وقتِهَا أوْ تتَخلَّفوا عن أدائِهَا في جماعَةٍ، فإنَّها رُكنُ الإسلامِ الأعظَمِ بعدَ الشهادَتينِ، وأوَّلُ أعمالِكُم مُحاسبًةً عليهَا يومَ القيامَةِ، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ ))، واعلَموا أنَّهُ لا حَظَّ ولا نصيبَ في الإسلامِ لِمَن ترَكَهَا، إذْ صحَّ أنَّ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( أَمَا إِنَّهُ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِأَحَدٍ تَرَكَ الصَّلَاةَ ))، وثبت أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ ))، وهيَ الفارِقَةُ بينَ الكُفرِ والإيمانِ، وبِها تُعرَفُ بلادُ الإسلامِ مِن بلادِ الكُفرِ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ))، وصحَّ أنَّ ابنَ شَقيقٍ قالَ: (( كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ ))، وصحَّ أنَّ أنَسًا ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ )).
وإنَّ أهلَ النَّارِ لمَّا سُئِلوا: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } لمْ يَبدَؤوا بشيءٍ غيرَ ترْكِ الصلاةِ، فقالوا: { لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ }، وإنَّ مَن لا يُصَلُّون يُعاقَبونِ في الدَّار الآخِرِةِ فيُحِالُ بينَهُم وبينَ السجود للهِ رَبِّهِم، فلا يَستطيعونَ عُقوبَةً لِتَرْكِهِمُ السجودَ لَهُ معَ المصلِّين في الدُّنيا، حيثُ قالَ اللهُ تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ }، فاستَجِيبوا للهِ في دُنياكُم وكونوا مِنَ المُصلِّينَ الساجِدينَ الرَّاكِعينَ، امتثالًا لأمرِهِ، وطمَعًا في جنَّتِهِ، فقدْ أمرَكُم رَبُّكُم بذلَكَ، فقالَ سُبحانَهُ: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ في خُطبَةٍ لَهُ في حَجَّةِ الوداعِ: (( اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ ))، بلْ إنَّ ترْكَ العبدِ لِصلاةٍ واحِدِةٍ، كصلاةِ العصرِ يُوقِعُ بِهِ خسارَةً كبيرَةً، وإثْمًا عظيمًا، فكيفَ بترْكِ ما هوَ أكثرُ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ))، وجاء في حديث نصَّ على ثبوته عدَدٌ مِن العلماءِ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ )).
عِبادَ اللهِ:
إنَّ الصلاةَ هيَ: أكثرُ الفُروضِ ذِكرًا في القرآنِ، وآخِرُ عُرَى الإسلامِ نقْضًا وفقْدًا وتَشَبُّثًا، فلا تُفرِّطوا فيها ولا تتهاوَنوا بشيءٍ مِنها وإنْ قُطِّعْتُم أوْ حُرِّقْتُم، فقدْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ )).
وإنَّ الصلاةَ: لَمِنَ الرَّكائِزِ الكُبرَى التي يُعصَمُ بها دمُ الإنسانِ فلا يُهرَاقُ، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى: يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ))، وصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَجَهَرَ رَسُولُ فَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَلَيْسَ يُصَلِّي؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ وَلَا صَلَاةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللهُ عَنْهُمْ» )).
وإنَّ الصلاةَ: مِن الأُمورِ المُحَرِّمَةِ على الرَّعِيَةَ الخروجَ على حاكِمِهِم ومُقاتَلتِهِ، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا» )).
وقالَ الإمامُ ابنُ قَيِّمِ الجَوزِيَّةِ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «لا يَختلِفُ المُسلِمونَ أنَّ ترْكَ الصلاةِ المفروضَةِ عمدًا مِن أعظمِ الذُّنوبِ وأكبرِ الكبائِرِ، وأنَّ إثْمَ تارِكَ الصلاةِ عندَ اللهِ أعظمُ مِن إثْمِ قتْلِ النَّفسِ وأخْذِ الأموالِ، ومِن إثْمِ الزِّنَى والسَّرِقَةِ وشُرْبِ الخمرِ، وأنَّه ُمُتعرِّضٌ لِعقوبَةِ اللهِ وسخِطِهِ وخِزْيِهِ في الدَّنيا والآخِرَةِ»، واتَّفَقَ العلماء ــ رحمَهُم اللهُ ــ على: «أنَّ تارِكَ الصلاةِ يَستحِقُّ العقوبَةَ مِن قِبَلِ الحاكِمِ»، فقالَ الأئِمَّةُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وأكثرُ الفقهاءِ: «يُدعَى التَّارِكُ إلى الصلاةِ ويُطلَبُ مِنهُ أنْ يَتوبَ مِن ترْكِها فإنْ أبَى واستَمرَّ على ترْكِهَا قُتِلَ»، وقالَ الإمامُ أبو حنِيفَةَ وآخَرونَ: «يُحبَسُ تارِكُ الصلاةِ حتَّى يموتَ أو يَتوبَ ويُصلِّي».
عِبادَ اللهِ:
إيِّاكُم وتأخيرَ الصلاةِ المفروضَةِ عمْدًا وتهاونًا وتكاسُلًا حتَّى يَخرجَ وقتُهَا، ولَو كانتْ صلاةً واحِدَةً، فقدْ توعَّد ربُّكُم سُبحانَهُ مَن فوَّت الصلاةَ عن وقتِهِا بوَعيدٍ شديدٍ، فقالَ تعالى: { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ }، وقد فسَّر أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم السَّهوَ عنِ الصلاةِ في هذهِ الآيَةِ بأنَّهُ: «تأخيرُهَا عن وقتِهَا»، فثبتَ عن مُصعبِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ أنَّهُ قالَ: (( يَا أَبَتَاهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ الله: { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } أَيُّنَا لَا يَسْهُو؟ أَيُّنَا لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، إِنَّمَا هُوَ إِضَاعَةُ الْوَقْتِ، يَلْهُو حَتَّى يَضِيعَ الْوَقْتُ» ))، وقال اللهُ تعالى مُتوَعِّدًا بالعذاب في غيٍّ وهوَ وادٍ مِن أودِيَةِ جهنَّمَ لِمَن أضَاعَ الصلاةَ: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا }، ونُقِل عن جمْع مِن السَّلفِ الصالِحِ مِن الصحابَةِ والتابِعينَ: أنَّ إضاعتَهُم الصلاةَ إنَّما كانتْ بتأخِيرِهِم لَهَا عن وقتِهَا، وثبت عنِ ابنِ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ: (( فِي قَوْلِِ اللهِ: { فَسَوْفَ يلْقُونَ غَيًّا }، قَالَ: «وَادٍ فِي جَهَنَّمَ خَبِيثُ الطَّعْمِ بَعِيدُ الْقَعْرِ» ))، وقدْ جَعلَ اللهُ لِكُلِ صلاةٍ مفروضَةٍ وقْتًا، وأوجَبَ أنْ تُؤدَّى فيهِ، وحرَّمَ تأخِيرَهَا عنهُ، فقال سُبحانَهُ: { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا }، وبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ فِعلَهَا في وقتِهَا أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ، فصحَّ أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» )).
{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ القهَّارِ، والصلاةُ والسلامُ على الأنبياءِ الأخيارِ، والمُؤمِنينَ الأبرَارِ.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبَادَ اللِه:
إنَّكُم تَعرِفونَ جميعًا أنَّ المساجِدَ إنَّما بُنِيَتِ لأجْلِ أنْ تُقامَ فيها الصلاةُ، ويَعْمُرَهَا النَّاسُ بالصلاةِ والعبادَةِ، وتُشْغَلَ بِذِكْرِ اللهِ وطاعَتِهِ، كمَا قالَ تعالى: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }، فأقِيمُوا الفرِائضَ الخمسَ في المساجِدِ كما كانَ يَفعلُ نبيُّكُم صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ والمُسلِمونَ بعدَهُم، وتَعرِفونَ أنَّ التَّخلُّفَ والتَّثاقُلَ والتكاسُلَ عنِ الصلاةِ مِن أظهَرِ صفاتِ المُنافِقينَ، إذْ صحَّ أنَّ ابنَ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مَنْ سُنَنَ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُؤَذِّنَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزُمُ الْحَطَبِ إِلَى قَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصَّلَاةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ ))، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ في وصْفِ المُنافِقينَ: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا }.
ويَا للهِ كَمْ في المساجِدِ مِنَ المُصلِّينَ إذا أُقيمَتِ الصلاةٌ، وكَمْ في الأسواقِ، وكَمْ في البُيوتِ، وكَمْ في الطُّرُقاتِ، وكَمْ في أماكِنِ العملِ، وكَمْ بالملاعِبِ، وكَمْ بالمقاهِي، وكَمْ عندَ الفضائِياتِ، وكَمْ على الإنترنِتِّ، إنَّهُ لا مُقارَنَةَ، وهلْ تتوقَّفُ حرَكَةُ السَّيارَاتِ وتقِلُّ الطُّرُقُ والأسواقُ مِنَ النَّاسِ؟ ألَا فاحذَرُوا ــ أيُّها النَّاسُ ــ مُخالَفَةَ أمْرِ اللهِ وأمْرَ رسولِهِ لَكُم في الصلاةِ، فقدْ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعزَّ ــ مُحذِّرًا ومُتوعِّدًا: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.
عِبادَ الله:
احْرِصُوا شديدًا على فِعلِ السُّننِ الرَّواتِبِ والإكثار مِن صلاةِ التطوعِ لِيُكْمَلَ لَكُم بِهِمَا ما حصلَ عندَكُم مِن نَقْصٍ في صلاةِ الفَرِيضَةِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ وُجِدَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتُقِصَ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ اللَّهُ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ يُكَمِّلُ لَهُ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَةٍ مِنْ تَطَوُّعِهِ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )).
هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يُعِينَنَا على ذِكرِهِ، وشُكرِهِ، وحُسنِ عبادَتِهِ، اللهمَّ: بارِكْ لَنَا في أعمارِنَا وأعمالِنَا وأوقاتِنَا وأهلِينَا وأموالِنَا، واغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميع المُسلِمينَ والمُسلِماتِ، أحياءً وأمواتًا، اللهمَّ: ارفَعْ عَنَّا الضُّرَّ والشُّرورَ والفسادَ وعنِ المُؤمِنينَ، ووفِّقْ جميعَ حُكَّامِ المُسلِمينَ لِصلاحِ الدِّينِ والدُّنيا والعِبادِ، إنَّكَ جَوادٌ كريمٌ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.