التَّرهيب مِن الوظائف والمِهَن المُحرَّمة وكسْب الحرام وأكلِه
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ المُتكَفِّلِ بأرزَاقِ العَبيدِ، الهادِي إلى تَحصيلِ رِزقِهِ بأهلٍ أو عمَلٍ سَهلٍ وشدَيدٍ قريبٍ وبعيدٍ، بيَّنَ الحَلالَ وأمَرَ بالأكلِ مِنهُ ووعَدَ على شُكرِهِ بالمَزيدِ، وزَجَرَ عن الكَسْبِ الحرَامِ وبيَّنَهُ وأغلَظَ فيهِ الوَعيدَ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الفعَّالُ لِما يُرِيدُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المُوضِحُ شَرْعَ ربِّهِ السَّديدَ، اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ يا وَدَوُدُ يا حَمِيدُ.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبَادَ اللهِ:
اتقوا اللهَ رَبَّكُم حقَّ تقواهُ، باتِّباعِ أوامِرِهِ، والعملِ بما فرَضَ، واجتِنابِ ما حرَّمَ، والتكميلِ بالسُّنَنِ، فهوَ أهلُ التقوى وأهلُ المغفِرَةِ، واعلَموا أنَّ تقواهُ مِن أعظَمِ أسبابِ الرِّزقِ الكريمِ، وتَيسيرِ طُرقِهِ، وتَعدُّدِ مصادرِهَ المُباحَةِ، لِقولِ اللهِ تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }، وصِلَةُ الأرْحامِ قرُبوا أمْ بعُدوا طاعَةٌ للهِ، ومِن تقواهُ سُبحانَهُ، وتفضَّلَ فجَعلَهَا مِن أسبابِ بَسْطِ الرِّزقِ وطُولِ العُمُرِ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))، وشُكرُهُ على نِعمِهِ عِبادَةُ لَهُ، ومِن تقواهُ، وتفضَّلَ فجعلَهُ مِن أسبابِ زيادَةِ الرِّزقِ والنِّعَمِ، فقالَ تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ }، ويُؤكِّدُ هذا ما ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ )).
عِبَادَ اللهِ:
إنَّ أرزاقَكُم ليستْ بيَدِ حاكِمٍ أوْ تاجِرٍ أوْ هيئَةٍ إغاثِيَّةٍ أوْ شَرِكَةٍ أو غيرِهِم، بلْ بيَدِ اللهِ وحْدَهُ، ومِنهُ سُبحانَهُ، فهوَ الرَّازِقُ والرَّزَّاقُ، فابتَغوا الرِّزْقَ مِن عندِهِ، وقدْ أمرَكُم بهذا فقالَ تعالى: { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ }، ولا تَقلَقوا على أرزاقِكُم ولا تُرْهِقوا أنفُسَكُم بالهُمومِ لأجْلِهَا فقدْ كُتِبَتْ عدَدًا ونوعًا وقدْرًا ووقتًا قبِلَ وجُودِكُم في الدُّنيا، وآتِيَةُ إليكُم شِئتُم أمْ أبَيتُم، ولنْ تموتَ نَفْسٌ حتَّى تستَكمِلَ رِزْقَهَا، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ )).
عِبَادَ اللهِ:
احْذَرُوا طلَبَ الرِّزقِ بالأعمالِ والوظائِفِ والمكاسِبِ والسِّلَعِ والمِهَنِ المُحرَّمَةِ، واحْذَرُوا تَحصيلَهُ بالكذِبِ والغِشِّ والخِدَاعِ والتَّغرِيرِ والتَّدلِيسِ والسَّرِقَةِ والرِّشوَةِ والحِيَلِ والابتزَازِ والاختِلاسِ، واحْذَرُوا أكلَهُ عن طريقِ أموالِ الزَّكاةِ وأنتُم مِمَّن لا يَحِلُّ لَهُ أخْذُهَا، فإنَّ عاقِبَةَ كَسْبِ وأكْلِ الحرَامِ في الدَّارِ الآخِرَةِ غليظَةٌ وكبيرَةٌ، فالنَّارُ أولَى بالجسَدِ الذي تَغَذَّى ونَبَتَ مِن حرَامٍ، إذْ ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ ))، والسُّحْتُ هوَ: المالُ الحرَامِ، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ))، وقَضِيبُ الأرَاكِ هوَ: عُودُ السِّواكِ، وثبتَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: (( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ عَلَيْهِ رِزْقًا، فَمَا أَصَابَ سِوَى رِزْقِهِ فَهُوَ غُلُولٌ )).
وعاقِبَةُ كَسْبِ وأكْلِ الحرَامِ في الدُّنيا قَبيحَةٌ وشدَيدةٌ، فهوَ يَمحَقُ برَكَةَ المالِ ويُذْهِبُهَا عن أهلِهِ، إذْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ }، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ ))، وقَمِنٌ أنْ لا يُستجابَ دُعاءُ صاحِبهِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )).
عِبَادَ اللهِ:
إنَّ عامَّةَ أوْ غالِبَ الأعمالِ والوظائِفِ والمكاسِبِ والمِهَنِ والبضَائِعِ والسِّلَعِ والتّجارَاتِ المُحرَّمَةِ بيِّنَةٌ واضِحَةٌ لا تَخْفَى، ولا حُجَّةَ يومَ الحِسابِ لأهلِهَا على العملِ فيها، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ))، فمَن موَّهَ على النَّاسِ أوْ خرَّجَ وتَعَذَّرَ لِنفسِه في عملِهِ وكَسْبِهِ المُحرَّمِ أوْ وظِيفَتِهِ ومِهنَتِهِ المُحرَّمَةِ وأكلِهِ وبَيعِهِ الحرَامَ فإنَّما يُخادِعُ بهذا نفسَهُ، ويَضُرُّ دِينَهُ وآخِرَتَهُ، بلْ إنَّهُ جمعَ بينَ سَيِّئَتَينِ، سَيِّئةِِ أكلِهِ الحرَامَ وسَيِئَةِ تَبْرِيرِهِ وتَسوِيغِهِ لِمَا حُرِّمَ عليهِ، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَان لاَ يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ أَمِنْ حَلاَلٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ ))، وسَيُسألُ عن مالِهِ مِن أينَ اكْتَسَبَهُ؟ وفيما أنفَقَهُ؟ لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ ))، بلْ إنَّ المُسلِمينَ مِنَ الفُقراءِ يَسبِقونَ الأغنياءَ مِنهُم إلى دُخولِ الجنَّةِ بمُدَّةٍ طويلَةِ بسَبَبِ الأموالِ، إذْ حبَسَتْهُم المُحاسَبَةُ على الأموالُ، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ))، وأصحابُ الجَدِّ هُم: أهلُ الغِنَى وحُظوظِ الدُّنيا مِن مالٍ وجَاهٍ.
عِبَادَ اللهِ:
إنَّ الغِنَى في المالِ يَحصلُ بسبَبِهِ كثيرٌ مِنَ الفسادِ والبَغْيِ في الأرضَ، ولِهذا لمْ يَبسُطِ اللهُ الرِّزْقَ لِجميع عبادِهِ، حيثُ قالَ اللهُ سُبحانَهُ مُمْتَنًّا: { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ }، ولَمَّا كانتْ تَبِعَةُ الغِنَى والمالِ شدِيدَةً دُعِيَ أصحابُهُ إلى مَزِيدٍ بذْلٍ مِنهُ وإنفاقٍ في مصارِفِ البِرِّ والإحسانِ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرَغِّبًا أهلَهُ ومُرَهِّبًا: (( إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ))، وثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ يُحرِّضُ التُّجارَ على الإكثارِ مِنَ الصَّدَقَةِ: (( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالإِثْمَ يَحْضُرَانِ البَيْعَ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ ))، وحِينَ دَعَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لآلِ بيتِهِ بالرِّزقِ لمْ يَدْعُ لَهُم بِبَسْطِهِ، بلْ دَعَا أنْ يكونَ كَفافًا، فصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ))، والقُوتُ والكَفافُ مِنَ الرِّزقِ هوَ: الذي يكونْ بقدْرِ الحَاجَةِ، ومَن كان رِزْقُهُ كذلِكَ فقدْ حازَ وحصَّلَ خيرًا كثيرًا، إذْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ ))، ولمْ يَخشَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على أُمَّتِهِ مِنَ الفقرِ وإنَّما خَشِي أنْ تُبْسَطُ عليهِمُ الدُّنيا فيَلتَهوا بِهَا، ويَتنافَسُوا عليها، ويَهلِكوا بسبَبِهَا، فصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ مُطَمْئِنًا ومُرَهِّبًا: (( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ: مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )).
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا }.{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي بنعمَتِهِ تَتِمُّ الصالِحاتُ، وصلَّى اللهُ على محمدٍ النَّبيِّ الأُمِّيِّ المَذكورِ في التورَاةِ والإنجيلِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسَلَّمَ كثيرً.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبَادَ اللهِ:
لقدْ كانَ السَّلَفُ الصالِحُ وعلى رأسِهِم أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أحرَصَ النَّاس على تَنقِيَةِ أموالِهِم مِنَ الحرَامِ، وإبعَادِ أجسادِهِم وأهلِيهِم عن التَّغذِّي والاستِمتاعِ بالحرَامِ، وأوْرَعَهُم عمَّا اشتبَهَ وجُهِلَ وحصَلَتْ فيه رِيبَةٌ مِنَ الأموالِ والطعامِ والشَّرابِ واللِّباسِ، وضَربَوا لِمَن بعدَهُم أجملَ الصُّوَر وأوْعَظَ العِبَرِ في هذا البابِ، فأخرَجَ صِدِّيقُ الأُمَّةِ أبو بَكْرِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ مِن بَطنِهِ طعامًا دخلِ إليهِ مِن كسْبٍ فيهِ مُخَادعَةٌ وكسَبَهُ غيرُهُ، حيثُ صحَّ أنَّ عائِشِةَ ــ رضِيَ اللهُ عنها ــ قالتْ: (( كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ ))، وجاءَ بسَندٍ صحيحِ إلى زيدِ بنِ أسلَم أنَّهُ قالَ: (( شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ مِنْ أَيْنَ هذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي، فَهُوَ هذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ )).
اللهمَّ: اغْنِنَا بالحَلالِ عنِ الحرَامِ، ويَسِّرْ لَنَا الأرزاقَ، وبارِكْ لَنَا فيها، وقَنِّعْنَا بمَا رَزَقْتَنَا، اللهمَّ: لا تَجعَلِ الدُنيا أكبرَ هَمِّنَا، ولا تَجعْلَهَا تُلْهَنَا عن آخِرَتِنَا، ووَفِقْنَا لِمَا يَنفَعُنَا يومَ الحسابِ والجزاءِ، اللهمَّ: جَنِّبَنَا الكذِبَ والغِشَ في مُعَامَلاتِنَا، وارْزُقَنَا الصِّدْقَ والنُّصْحَ والبيانَ، اللهمَّ: اجْعَلَنَا مِنَ الشاكِرِينَ لِنعَمِكَ، والصابِرينَ على أقدَارِكَ، واغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِلمُسلِمينَ والمُسلِماتِ أحيَاءً وأموَاتًا، يا رَبَّ العالَمِينَ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولِكُم.