إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « المبادرة إلى سداد الديون قبل العجز أو الموت وقصاص القيامة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « المبادرة إلى سداد الديون قبل العجز أو الموت وقصاص القيامة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 30 نوفمبر 2017
  • 35٬960
  • إدارة الموقع

الْمُبَادَرَةُ إِلَى سَدَادِ الدُّيُونِ قَبْلَ الْعَجْزِ أَوِ الْمَوْتِ وَقِصَاصِ الْقِيَامَةِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَالِمِ بِالْبَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ، الشَّهِيدِ عَلَى كُلِّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَت، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَيٌّ الْقَيُّومِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الْأَمِينُ الْمُنِيبُ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَكَابِرِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالى فِي أَنْفُسِكُمْ بِأَنْ تَجْتَنِبُوا تَوْرِيطَهَا فِي التَّسَاهُلِ وَعَدَمِ الْمُبَالاةِ فِي الِاسْتِدَانَةِ مِنَ الْآخَرِينَ، وَالسَّلَفِ، وَإِهْمَالِ سَدَادِ الدُّيُونِ، فَإِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ ــ مَالِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَالِيَّةٍ ــ لَمِنْ أَغْلَظِ الْحُقُوقِ الَّتِي يُحَاسَبُ وَيُعَاقَبُ عَنْهَا الْمُسْلِمُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَإِنَّ مَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ مَظْلَمَةٌ وَحَقٌّ لِأَحَدٍ اقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ طَرِيقِ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِ خُصُومِهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ حِينَ لَا يَكُونُ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ ))، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ وَحَقٌّ لِأَحَدٍ فَقَدْ أَحْرَزَ لِنَفْسِهِ خَيْرًا عَظِيمًا، وَغُنْمًا كَبِيرًا، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ: الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ )).

أَيُّهَا النَّاسُ:

مَنِ اسْتَدَانَ مِنْكُمْ وَاقْتَرَضَ وَتَسَلَّفَ: فَلْيَكُنْ لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ أَوْ نَفْعٍ، وَلَيْسَ لِأَجْلِ تَبَسُّطٍ وَزِيَادَةِ تَنَعُّمٍ وَتَرَفٍ، وَتَوَسُّعٍ فِي الْكَمَالِيَّاتِ، وَسَفَرِيَّاتِ نُزْهَةٍ قَلَّ أَنْ تَخْلُوَ عَنْ مُحَرَّمَاتٍ قَوْلِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ أَوْ بَصَرِيَّةٍ، وَلْتَكُنِ الِاسْتِدَانَةُ بِقَدْرٍ مَعْقُولٍ يَتَنَاسَبُ مَعَ دَخْلِ الْمُسْتَدِينِ الْمَالِيِّ أَوْ أُجْرَةِ وَظِيفَتِهِ، وَلِحَاجَاتِهِ الْمُهِمَّةِ، حَتَّى لَا يُثْقِلَ ذِمَّتَهُ بِدُيُونٍ يَعْجَزُ عَنْ سَدَادِهَا، أَوْ يَتَسَبَّبَ فِي التَّضْيِيقِ عَلَى مَعِيشَةِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ فَأَقْرَضَهُ وَأَسْلَفَهُ.

وَاعْلَمُوا: أَنَّ شَغْلَ الذِّمَّةِ بِالِاسْتِدَانَةِ وَالسَّلَفِ مِنَ النَّاسِ أَفْرَادًا أَوْ مُؤَسَّسَاتٍ أَوْ حُكُومَةٍ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الْهَيِّنِ، لِأَنَّ مَنْ مَاتَ وَذِمَّتُهُ مَشْغُولَةٌ بِدَيْنٍ لِأَحَدٍ فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ شَدِيدٍ، لَاسِيَّمَا إِذَا تَسَاهَلَ وَلَمْ يَحْرِصْ عَلَى السَّدَادِ، فَإِنَّ الدَّيْنَ لِعِظَمِ شَأْنِهِ لَا يُكَفِّرُهُ الْجِهَادُ وَلَا الشَّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: (( يَا رَسُولَ اللهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِي ذَلِكَ» ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ))، بَلْ إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ إِذَا مَاتَ تَبْقَى مُعَلَّقَةً وَمَحْبُوسَةً عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ ))، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ الْأَطْوَلِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ وَلَدًا صِغَارًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ فَاذْهَبْ فَاقْضِ عَنْهُ»، فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنْهُ ثُمَّ جِئْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا امْرَأَةٌ تَدَّعِي دِينَارَيْنِ وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ: «أَعْطِهَا، فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ» ))، وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ جَحْشٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نَزَلَ؟ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ عَاشَ ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ عَاشَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ» ))، وَامْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَلَاةِ الْجَنَازَةِ عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى تَبَرَّعَ أَحَدُ الصَّحَابَةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ بِسَدَادِهِ عَنْهُ، فَصَحَّ عَنِ ابْنِ الْأَكْوَعِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ: «فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ )).

أَيُّهَا النَّاسُ:

إِنَّ الدَّائِنَ وَالْمُقْرِضَ: مُحْسِنٌ لِلْمَدِينِ وَلَيْسَ بِمُسِيءٍ، وَصَاحِبُ فَضْلٍ وَجَمِيلٍ وَإِحْسَانٍ، وَجَزَاؤُهُ أَنْ يُعَامَلَ بِالْإِحْسَانِ، وَلَيسَ بِالْمُمَاطَلَةَ وَالصُّدُودَ وَالتَّهَرُّبَ وَالْإِتْعَابَ وَالْإِهَانَةَ عِنْدَ طَلَبِهِ سَدَادَ دَيْنِهِ، عَمَلًا بِقَوْلِ اللَّهِ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ: { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ }، وَلِمَا صَحَّ أَنَّهُ: (( كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ سِنٌّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا»، وَقَالَ: «أَعْطُوهُ»، فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا، قَالَ: «أَعْطُوهُ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَوْفَيْتَنِي وَفَى اللَّهُ بِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» )).

وَمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السَّدَادِ فِي مَوْعِدِهِ الْمُحَدَّدِ: فَالتَّهَرُّبُ وَالصُّدُودُ لَيْسَا بِإِحْسَانٍ مَعَ الدَّائِنِ الْمُحْسِنِ الْمُتَفَضِّلِ، وَلَا هُمَا مِنْ شِيَمِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْمُرُوءَةِ، بَلْ أَخْلَاقُهُمُ هِيَ الْمُوَاجَهَةُ مَعَ الِاعْتِذَارِ بِبَيَانِ سَبَبِ التَّأَخُّرِ، وَالشُّكْرِ لِلدَّائِنِ وَالدُّعَاءِ، وَطَلَبِ الْإِنْظَارِ إِلَى مَيْسَرَةٍ أَوْ تَقْسِيطِ الدَّيْنِ أَوِ التَّخْفِيفِ مِنْهُ، وَإِظْهَارِ الْحِرْصِ وَالْجِدِّ فِي رَدِّ الدَّيْنِ وَسَدَادِهِ، وَلْيَحْذَرِ الْمَدِينُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى الدَّائِنِ فِي تَعَذُّرِهِ عَنِ السَّدَادِ بِأَحْوَالٍ وَأَوْضَاعٍ مَالِيَّةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ أَوْ إِعْطَاءِ مَوَاعِيدَ كَاذِبَةٍ تُخْلَفُ، فَإِنَّ هَذَا يَفْعَلُهُ وَلِلْأَسَفِ كَثِيرُونَ، وَقَدْ صَحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ»، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَ الْمَغْرَمِ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» )).

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَدِينُ قَادِرًا عَلَى السَّدَادِ وَوَاجِدًا لِلْمَالِ: فَمُمَاطَلَتُهُ فِي السَّدَادِ إِسَاءَةٌ لِلْمُحْسِنِ بِالْقَرْضِ وَالسَّلَفِ، وَظُلْمٌ وَحَرَامٌ وَإِثْمٌ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ))، بَلْ وَتَجُوزُ شِكَايَتُهُ، وَذِكْرُ مُمَاطَلَتِهِ، وَعُقُوبَةُ الْحَاكِمِ لَهُ بِحَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ ))، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ عَنْ الْمُمَاطِلِ الْوَاجِدِ: «وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إِذَا سَأَلَ الْحَاكِمَ حَبْسَهُ لَهُ فِي دَيْنِهِ أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ لَهُ عَلَيْهِ»، وَاتَّقُوا اللهَ بِأَنْ لَا تَكُونُوا سَبَبًا فِي مَن

وَمِنْ الْإِثْمِ الشَّدِيدِ، وَالِاسْتِهْتَارِ الْمَشِينِ، وَصَفَاقَةِ الْوَجْهِ: أَنْ يَتَوَسَّعَ الْإِنْسَانُ فِي الْعَيْشِ، وَيَتَرَفَّهَ بِالْكَمَالِيَّاتِ، وَيُنْفِقَ الْكَثِيرَ فِي الشَّهَوَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ وَأَسْفَارِ النُّزْهَةِ وَالتَّجَوُّلِ فِي الْعَالَمِ، وَالنَّاسُ يُطَالِبُونَهُ بِسَدَادِ دُيُونِهِ لَهُمْ، وَهُمْ فِي حَاجَةٍ لِأَمْوَالِهِمْ، وَفِي ضِيقِ حَالٍ، بَلْ إِنَّ عَدَمُ سَدَادِ الدُّيُونِ مِنْ أسْبَابِ مَنْعِ القَادِرِينَ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ بِالدَّينِ وَالْقَرْضِ وَالسَّلَفِ.

أَيُّهَا النَّاسُ:

لِلْمَدِينِ الْمُقْتَرِضِ مِنْ غَيْرِهِ حَالَانِ:

الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَدِينُ الْمُقْتَرِضُ عَازِمًا عَلَى سَدَادِ الدَّيْنِ، وَحَرِيصًا عَلَى فِعْلِ أَسْبَابِ السَّدَادِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مِنْ قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ أَنَّهُ مَا أَخَذَ الدَّيْنَ إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ الْوَفَاءَ وَالْأَدَاءَ، وَعِنْدَهُ الْحِرْصُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَذَا: سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَتَوْسِيعًا، إِمَّا بِإِعَانَتِهِ عَلَى السَّدَادِ، أَوْ بِتَيْسِيرِ مَنْ يُسَدِّدُ عَنْهُ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِمُسَامَحَةِ غَرِيمِهِ، أَوْ بِتَحَمُّلِ الدَّوْلَةِ لِدَيْنِهِ وَإِسْقَاطِهِ عَنْهُ، أَوْ يَقْضِي اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُرْضِيَ عَنْهُ غَرِيمَهُ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ )).

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَسْتَدِينَ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى عَدَمِ السَّدَادِ وَالْوَفَاءِ أَوْ عَارِفٌ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ وَطَبْعِهِ وَجَشَعِهِ، فَهَذَا: آثِمٌ وَسَارِقٌ وَمُتَوَعَّدٌ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))، وَمَعْنَى: (( أَتْلَفَهُ اللَّهُ )) أَيْ: عَاقَبَهُ بِالْإِتْلَافِ فِي الدُّنْيَا فِي مَعَاشِهِ أَوْ نَفْسِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعُقُوبَةِ، وَفِي حَدِيثٍ نَصَّ عَلَى ثُبُوتِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِشَوَاهِدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الدَّيْنُ دَيْنَانِ، فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَاكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ))، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَدَانَ دَيْنًا لَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى صَاحِبِهِ حَقَّهُ خَدَعَهُ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ، فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ سَارِقٌ )).

أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا }.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }.

اللَّهُمَّ: اهْدِ قُلُوبَنَا، وَتُبْ عَلَينَا، وَاغْسِلْ خَطَايَانَا، وَارْحَمْنَا بِالْعَيشِ فِي جَنَّاتِكَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَتْبَاعِهِمُ الْمُؤمِنِينَ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَإِنَّ ثَمَّةَ أَسْبَابٍ تُعِينُ عَلَى سَدَادِ الدَّيْنِ، وَذَهَابِ هَمِّهِ وَغَمِّهِ وَكَرْبِهِ عَنِ النَّفْسِ.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ: اللُّجُوءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِدُعَائِهِ بِالْإِعَانَةِ عَلَى سَدَادِ الدَّيْنِ، وَإِزَالَةِ هَمِّهِ، وَالْغِنَى مِنَ الْفَقْرِ، لَاسِيَّمَا بِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَدْعِيَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ أَبُو وَائِلٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: (( أَتَى عَلِيًّا ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ مُكَاتَبَتِي فَأَعِنِّي، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَنَانِيرَ لَأَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ، قُلْ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» ))، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ثُبُوتِهِ عَدِيدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَيْضًا: الِاقْتِصَادُ فِي الْمَعِيشَةِ، وَالتَّوَسُّطُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْعِيَالِ، وَادِّخَارُ مَا بَقِيَ مِنْ مَالٍ وَلَوْ قَلِيلًا، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا: أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ فِي الْمَعَاشِ ))، وَثَبَتَ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: «اقْتِصَادُكَ فِي مَعِيشَتِكَ يُلْقِي عَنْكَ نِصْفَ الْمَئُونَةِ»، وَبِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ إِلَى سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: (( أَنَّ رَجُلًا صَعِدَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَى غُرْفَةٍ لَهُ وَهُوَ يَلْتَقِطُ حَبًّا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «إِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقَهُ فِي مَعِيشَتِهِ» ))، وَثَبَتَ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا عَالَ ــ أَيْ: افْتَقَرَ ــ مُقْتَصِدٌ قَطُّ».

وَمِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ أَيْضًا: الْعَزْمُ وَالنِّيَّةُ الصَّادِقَةُ عَلَى سَدَادِ الدَّيْنِ فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ يَتَيَسَّرُ فِيهِ الْمَالُ مَعَ بَذْلِ أَسْبَابِ السَّدَادِ، حَيْثُ ثَبَتَ: (( أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَدَانَتْ، فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَسْتَدِينِينَ وَلَيْسَ عِنْدَكِ وَفَاءٌ، قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ دَيْنًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ أَعَانَهُ اللَّهُ ــ عَزَّ وَجَلَّ ــ» )).

هَذَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ: أَنْ يُغْنِيَنِي وَإِيَّاكُمْ بِحَلَالِهِ عَنْ حَرَامِهِ، وَبِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، اللَّهُمَّ: أَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ، وَاقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَعِذْنَا مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ، وَفَرِّجْ هُمُومَنَا، وَنَفِّسْ كُرُوبَنَا، وَأَذْهِبْ ضَائِقَتَنَا، وَاجْعَلْنَا حَافِظِينَ لِلْجَمِيلِ، شَاكِرِينَ لِلْمَعْرُوفِ، رَبَّنَا: آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا، إِنَّكَ يَا رَبَّنَا لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.