إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: « حاجة المسلمين إلى الرحمة والتراحم فيما بينهم وآثارهما المباركة عليهم »، ملف [] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « حاجة المسلمين إلى الرحمة والتراحم فيما بينهم وآثارهما المباركة عليهم »، ملف [] مع نسخة الموقع.

  • 8 فبراير 2018
  • 78٬767
  • إدارة الموقع

 حاجة المسلمين إلى الرحمة والتراحم فيما بينهم وآثارهما المباركة عليهم

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ العظيمِ الذي وسِعَ كُلَّ شيءٍ عِلمًا وقُدْرَةً ورَحمًةً، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ المُكْرَمُ بمَغفِرَةِ ذُنوبِهِ المُتقدِّمَةِ والمُتأخِّرَةِ، فصَلَّى اللهُ وسلِّم عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أُولِي المقامات العالِيَةِ.

أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ اللهِ:

إنَّنَا أهلَ الإسلامِ على اختلافِ ألوانِنَا وأجنَاسِنَا ولُغَا تِنَا وبُلدَانِنَا وأعمارِنَا في حاجَةٍ كبيرَةٍ إلى أنْ نَترَاحَمَ فيما بَينَنَا كثيرًا، وأنْ يَرْحَمَ بعضُنَا بعضًا شديدًا، وأنْ نكوَن مِن أحَاسِنِ الرُّحَمَاءِ، وأنْ تكونَ قلوبُنَا ملِيئَةً بالرَّحمَةِ، لأنَّ هذا مِن وصْفِ أهلِ الإيمانِ، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))، وهوَ حالُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ، إذْ قالَ رَبُّهُم ــ جلَّ وعلا ــ عنهُم: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }.

ورَحمَتُنَا لِبعضٍ، وتَراحُمُنُا فيما بَينَنَا: مِن أعظمِ ما نَستجلِبُ بِهِ رحمَةَ اللهِ لَنَا وبِنَا في الدُنيا والآخِرَةِ، لِمَا صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُبشِّرًا: (( الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ))، وثبت أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا ومُبشِّرًا: (( ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ اللَّهُ لَكُمْ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ مُرهِّبًا: (( مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ ))، بلْ وحتَّى الحَيوَانُ إنْ رَحِمنَاهُ رحِمَنَا اللهُ، فكيفَ برحمَةٍ إنسانٍ، وكيفَ إنْ كانَ إنسانًا مُسلِمًا، حيثُ صحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا، فَقَالَ: وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ ))، وثبت أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))، ولَمَّا رَحِمَتِ امرأَةٌ زانِيَةٌ كلْبًا كادَ أنْ يَقتُلَهُ العطشُ بِشَرْبَةِ ماءٍ سقَتْهُ بها، رحمَهَا الله بأنْ غفرَ لَهَا، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ ))، وصحَّ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ ))، بلْ قدْ تَبرَّأَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّن لا يَرحَمونَ صِغارَ المُؤمِنينَ، ولا يُوقِّرونَ كِبارَهُم، فثبتَ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا )).

عِبادَ اللهِ:

إنَّ الرَّحْمَةَ مِن أعظَمِ خِصالِ القلبِ الجليِلَةِ، وأجمَلِ خِلالِهِ الباطِنَةِ، وأجلِّ مزَايَاهُ، وأشرَقِ سجَايَاهُ، إذْ تجعلُ الرَّحْمَةُ المَرْءَ يَرِقّ لآلامِ غيرِهِ، وكأنَّها نازِلَةٌ بِهِ وعليهِ، فيَسْعَى لإزَالَتِهَا عنهُم أو تَخفيفِهَا قدْرَ استطاعتِهِ، فإنْ عجِزَ عن ذلِكَ تألَّمَ لَهُم بداخِلِهِ، ودَعَا لَهُم بلِسانِهِ، وتجعَلُهُ الرَّحْمَةُ يَسْعَى في سَدِّ عُيوبِهِم وسَترِهَا كمَا يَفعلُ معَ عُيوبِهِ وعثَرَاتِهِ، ويَتمنَّى كمالَهُم وصلاحَهُم والتَّوسِعَةَ عليهِم كمَا يَتمنَّاهُ لِنفسِهِ ومَن يَعولُ، وتجعَلُهُ الرَّحْمَةُ لا يَيأَسُ مِن هدَايَتِهِم واستِقَامَتِهِم، ويَستَمِرُّ بنُصْحِهِم وإرشادِهمِ وأمرِهِم بالخيرِ، ولَمَّا أخَذَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ابْنًا لإحدَى بناتِهِ ونفسُهُ تُقعْقِعُ بالموتِ، صحَّ أنَّ عيناهُ فاضَتَا بالدَّمْعِ، فَقيلَ لَهُ: ما هذا يا رسولَ اللهِ، فقالَ: (( هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))، وإذا نُزِعَتِ الرَّحمَةُ مِن قلبِ إنسانٍ غَلُظَ وقَسَى وتَحَجَّرَ وشَقِيَ، حيثُ ثبتَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ )).

عِبادَ اللهِ:

إنَّ مِن أحوَجِ النَّاسِ إلى الرَّحْمَةِ والشَّفقَةِ والعطفِ والحُنُوِّ مِنَّا، وإظهارِهِ لَهُم بالقولِ والفعلِ أقرَبَ النَّاس إلينَا، وأوَّلُهُم أُصُولُنَا، وهُمُ: الوالِدُ والوالِدَةُ، والأجدَادُ والجَدَّاتُ، لاسِيَّما إذا كَبِروا وضَعُفَت قُواهُم وعُقولُهُم، رَدًّا لِلمَعروفِ الكثيرِ المُتتابِعِ مِنهُم إلينَا وبِنَا ومعَنَا، وامتثالًا لأمْرِ رَبِّنا سُبحانَهُ، إذْ قالَ ــ عزَّ وجلَّ ــ: { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا }، وبَعْدَ الوالِدَينِ فُروعُنَا، وهُمُ: الأبناءُ والبناتُ، وقدْ صحَّ عن أنسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))، بلْ إنْ تقبيلَ العِيالِ مِن آثارِ الرَّحمَةِ ومظاهِرِهَا، حيثُ صحَّ أنَّ عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنهَا ــ قالتْ: (( قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أوَ وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ» ))، وصحَّ أنَّ أبا هُريرَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» ))، ومِن جميلِ وعظيمِ رحمَةِ الأُمِّ وفضلِهِ وعاقِبَتِهِ وثوابِهِ ما صحَّ عن عائِشَةَ ــ رضِيَ اللهُ عنهَا ــ أنَّها قالتْ: (( جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ» )).

عِبادَ اللهِ:

إنَّ مَن حولَكُم ومَن تحتَ أيدِيِكُم ومَن تَعولونَ لَفِي حاجَةٍ شديدَةِ إلى كَنَفٍ لَيِّنٍ رحِيمٍ، ورِعايَةٍ حانِيَةٍ لَطيفَةٍ، وعطْفٍ مَلموسٍ يُثمِرُ، وشفقَةٍ غيرِ مَمْنُونَةٍ، وحَنانٍ مُستمرٍّ لا يَضِيقُ بجَهلِهِم وخطَأِهِم، ومحبَّةٍ يَشعرونَ بآثارِهَا وليستْ فقطْ في القلبِ، لِيُخفِّفَ ذلِكَ مِن آلامِهِم، ويُزيلَ أحزانَهُم، ويُجمِّلَ طِباعَهُم، ويُهذِّبَ نُفوسَهُم، ويَكبَحَ جِماحَ عُدوانِهِم وعداوتِهِم وكُرهِهِم، ويَجعلَهُم يَقتدونَ بأهلِها فيها ويَوَدُّونَهُم، وهُمْ أيضًا بحاجَةٍ شديدِةٍ إلى قلبٍ واسِعٍ كبيرٍ سَهلٍ لَيِّنٍ رَقيقٍ عطُوفٍ يَمنَحُهُم ويُعطِيهم ويَرحَمُهٌم دُونَ انتظارِ مُكافَئَتِهِم ورَدِّ جميلِ الإحسانِ إليهِم، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ )).

عِبادَ اللهِ:

إنَّ الإنسانَ الجليلَ الطيِّبَ المُوقَّرَ الكريمَ: يَتميّزُ بقلبِهِ ورُوحِهِ، فبالرُّوحِ والقلبِ يَعِيشُ ويَشْعُرُ، ويَنفَعِلُ ويَتأثَّرُ، ويَرحَمُ ويَتألَّمُ، ويَرفِقُ ويَلِينُ، ويَعطِفُ ويُشفِقُ.

والمُؤمِنُ قويُّ الإيمانِ: يَتميَّز بقلْبٍ حَيٍّ مُرهَفٍ لَيِّنٍ رَحِيمٍ عطُوفٍ، يَرِقُّ لِلضَّعيفِ والصغيرِ والمُسِنِّ والمريضِ والمنكوبِ والمُبتلَى، ويَألَمُ لِلحزِينِ والوَجِعِ، ويَحِنُّ على المِسكينِ ذِي المَتْرَبَةِ، ويَشْعَر بِضيقِ ومُصابِ غيرِهِ، قلْبٍ يجعلُهُ يَمدُّ يدَهُ سريعًا إلى المَلهوفِ، ويَنفِرُ مِن الإيذاءِ والظُّلمِ والبَغْيِ، ويَكرَهُ الإجرامَ والعُدوانَ وفُجورَ الخُصوماتِ، قَلْبٍ يَستصلِحُ ما استطاعَ في نفعِ وهدايِةِ الخلقِ دَومًا وباستمرارٍ، فهوَ مصدَرُ خيرٍ وبِرٍّ وسلامٍ ونفعٍ لِمَا حولَهُ، ولِمَن حولَهُ، لأنَّ هذا المُؤمِنَ قدْ سَعَى جديدًا في إصلاحِ قلبِهِ، وقد صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )).

اللهمَّ: يا رَحمنَ الدُّنيا والآخِرَةِ ورَحِيمَهُمَا اجعَلْنَا مِن الرَّاحِمينَ والمَرحُومِينَ كثيرًا، وجَمِّلْ قُلوبَنَا وأقوالَنَا وأفعالَنَا بمَراضِيكَ، إنَّك سميعُ الدُّعاءِ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ على إحسانِهِ، والشُّكرُ لُهُ على تتابُعِ إنعامِهِ، والصلاةُ والسلامُ على رُسُلِهِ وأنبيائِهِ، وجميعِ مَن آمَن باللهِ والدَّارِ الآخِرَةِ.

أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ اللهِ:

اتقوا اللهَ ربَّكُم حقَّ تقواهُ، واعلَموا أنَّ مِن تقواهُ: أنْ تكونوا مُتواصِينَ برحمَةِ النَّاسِ، ومِن أهلِ مَرحَمَتِهِم، وأنْ تتواصَوا بالرَّحمَةِ والمَرحَمَةِ معَ عُمومِ المُسلِمينَ، لاسِيَّما معَ أهليكُم وقرابَتِكُم وجِيرانِكُم ورِفاقِكُم ومَن تحتَ أيدِيكُم مِن عُمالٍ وخدَمٍ، ومعَ ضُعَفاءٍ المُسلِميَنَ مِن الأيتامٍ والمساكِينِ والأرامِلِ وذِي الشَّيبَةٍ الهَرِمٍ والمريضِ العاجزِ المُقعَدِ والصَّغيرِ وضعيف العقلِ، فتِلكَ عقبَةٌ كَؤُودُ فاقتَحِموهَا، لِتكونوا مِن أصحاب اليمينِ الذينَ يُؤخذُ بِهِم يومَ القيامَةِ ذاتَ اليمينِ إلى الجنَّةِ، إذْ يقولُ رَبُّكُم سُبحانَهُ مُحرِّضًا لَكُم: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ }، وصحَّ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا ومُوصِيًا ومُبشِّرًا: (( ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ )).

اللهمَّ: ارْحَمْنَا رحمَة تُغنِينَا بها عن رحمَةِ مَن سواكَ، وارْحَمْنَا بترْكِ المعاصي أبَدًا ما أبقَيتَنا، وارْزْقنَا حُسنَ النَّظرِ والعملَ فيما يُرضِيكَ عَنَّا، اللهمَّ: أكرِمْنَا بذِكرِكَ آناءَ الليلِ والنَّهارِ، ومُنَّ علينَا بالتوبَةِ والإنابَةِ إليكَ، وبخشْيتِكَ في السِّرِ والعلَنِ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينا ولِجميع المؤمِنينَ والمُؤمِناتٍ أحياءً وأمواتًا، واكشِفَ عنِ المُسلِمينَ ما نزَلَ بِهِم مِن ضُرٍّ وبَلاءٍ وفقرٍ وتشَرُّيدٍ وقتلٍ واقتتالٍ، ووسِّعْ علينا وعليهِم في الأمْن والرِّزقِ والعافيَةِ، اللهمَّ: وفِّقِ الحُكَّامَ ونُوَّابَهُم وجُندَهُم وعُمَّالَهُم إلى رحمَةِ النَّاسِ والرِّفقِ بِهِم، إنَّكَ جَوادٌ كريمٌ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.