إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > خطبة مكتوبة بعنوان: « شيء من أخطاء المصلين في صلاتهم وسلوكهم في تعلمها طرقًا غير صحيحة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « شيء من أخطاء المصلين في صلاتهم وسلوكهم في تعلمها طرقًا غير صحيحة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 3 مايو 2018
  • 18٬183
  • إدارة الموقع

شَيْءٌ مِنْ أَخْطَاءِ الْمُصَلِّينَ وَسُلُوكِهِمْ طُرُقًا غَيْرَ صَحِيحَةٍ فِي تَعَلُّمِ الصَّلَاةِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْبَارِئِ الْمُصَوِّرِ الَّذِي يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ الصَّادِقُ الْمُخْتَارُ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ الْأَطْهَارِ الْأَبْرَارِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا مَعَاشِرَ الْمُصَلِّينَ:

أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الْحَلِيمِ التَّوَّابِ، فَتَقْوَاهُ زَادُكُمْ إِلَى الْآخِرَةِ، وَطَرِيقُكُمْ إِلَى نَعِيمِ جِنَانِهَا، وَرِضَا خَالِقِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ بِهَا وَبِالتَّزَوُّدِ مِنْهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }.

ثُمَّ اعْلَمُوا: أَنَّ مِنْ تَقْوَاهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُكُمْ مُوَافِقَةً لِصِفَةِ الصَّلَاةِ الْوَارِدَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ الْأَحَادِيثِ، وَبِهَذَا أُمِرْتُمْ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ))، وَبِمُتَابَعَتِكُمْ لِلنَّبيِِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ تُقْبَلُ صَلَاتُكُمْ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ))، أَيْ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ لَمْ يَأْتِ عَنَّا وَفِي سُنَّتِنَا فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَبِمُتَابَعَتِكُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، يَعْظُمُ أَجْرُ صَلَاتِكُمْ وَيَكْثُرُ وَيُغْفَرُ لَكُمْ، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا عُشْرُهَا تُسْعُهَا ثُمُنُهَا سُبُعُهَا سُدُسُهَا خُمُسُهَا رُبُعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا ))، وَبِقَدْرِ مُتَابَعَتِكُمْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَإِحْسَانِ خُشُوعِهَا يَكُونُ أَثَرُهَا عَلَيْكُمْ، وَتَأْثِيرُهَا فِيكُمْ، فَتَمْنَعَكُمْ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتُقَوِّيَكُمْ وَتَدْفَعَكُمْ إِلَى الطَّاعَاتِ، إِذْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }، وَثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( فِي الصَّلَاةِ مُنْتَهًى وَمُزْدَجَرٌ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ ))، وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( مَنْ لَمْ تَأْمُرْهُ صَلَاتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا )).

مَعَاشِرَ الْمُصَلِّينَ:

إِذَا كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُصَلُّوا كَصَلَاةِ رَسُولِكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَيْسَتِ الطَّرِيقَةُ أَنْ تُقَلِّدُوا فِيهَا آبَاءَكُمْ أَوْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكُمْ سِنًّا أَوْ إِمَامَ مَسْجِدِكُمْ أَوْ مَنْ ظَاهِرُ حَالِهِ الِاسْتِقَامَةُ وَالصَّلَاحُ، بَلْ طَرِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ تَأْخُذُوهَا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الثِّقَاتِ الرَّاسِخِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالسَّيْرِ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَالْحَرِيصِينَ عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَتَقْرَؤُونَ عَنْهَا فِي كُتُبِهِمْ، وَتَسْتَمِعُونَ لَهَا مِنْ أَشْرِطَتِهِمْ، وَتَحْضُرُونَ دُرُوسَ وَمَجَالِسَ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ إِنِ قَدِرْتُمْ، وَإِنَّ مِنْ أَفْضَلِ مَا كُتِبَ فِي ذَلِكَ كِتَابُ: “صِفَةُ الصَّلَاةِ” لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ بَازٍ، وَمِثْلُهُ لِلْعَلَّامَةِ الْعُثَيْمِينَ، وَهُمَا كِتَابَانِ مُخْتَصَرَانِ لَا تَأْخُذُ قِرَاءَتُهُمَا إِلَّا الْقَلِيلَ مِنَ الْوَقْتِ، وَأَوْسَعُ مِنْهُمَا كِتَابُ: “صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّكَ تَرَاهَا” لِلْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ، وَلَمَّا تَرَكَ النَّاسُ طَرِيقَةَ التَّعَلُّمِ الصَّحِيحَةَ لِصِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثُرَتْ أَخْطَاؤُهُمْ وَمُخَالَفَاتُهُمْ فِيهَا، وتَعَدَّدَتِ الْكُتُبُ فِي بَيَانِ هَذِهِ الْأَخْطَاءِ، بَلْ قَدْ صُنِّفَتْ كُتُبٌ مِنْ مِئَاتِ الصَّفَحَاتِ فِي بَيَانِ أَخْطَاءِ الْمُصَلِّينَ وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ عَنْهَا وَالْأَدِلَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ هَذَا تَرْكَ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَتَقْلِيدَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي صِفَتِهَا، وَأَخْذَهَا عَمَّنْ لَا يَحْرِصُ عَلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الثَّابِتَةِ، وَلَا يَتَحَرَّى صَحِيحَ الْأَحَادِيثِ، كَمَشْيَخَةِ الصُّوفِيَّةِ وَدُعَاتِهَا، وَدُعَاةِ الْجَمَاعَاتِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي تَنْسِبُ نَفْسَهَا لِلدِّين وَهِيَ بَعِيدَةٌ كَثِيرًا عَنْ طَرِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَدْيِهِ وَسُنَنِهِ وَأَحْكَامِهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ.

مَعَاشِرَ الْمُصَلِّينَ:

إِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي تَكْثُرُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَجَاءَ فِيهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ: مُسَابَقَةَ الْمَأْمُومِ لِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ أَوِ الرَّفْعِ مِنْهُمَا أَوِ الْقِيَامِ إِلَى الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ: إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ ))، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «مُسَابَقَةُ الْإِمَامِ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ وَالتَّعْزِيرَ الَّذِي يُرْدِعُهُ».

وَيَنْبَغِي لِلْمَأْمُومِ: أَنْ يُرَاعِيَ حَالَ إِمَامِهِ فَلَا يَعْجَلْ إِلَى الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ أَوِ الرَّفْعِ مِنْهُمَا أَوِ الْقِيَامِ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ، فَالْأَئِمَّةُ لَيْسُوا سَوَاءً، فَمِنْهُمُ الشَّيْخُ الْمُسِنُّ وَمِنْهُمُ السَّمِينُ وَمِنْهُمُ الشَّابُّ وَمِنْهُمْ شَارِدُ الذِّهْنِ، وَحَرَكَةُ انْتِقَالِهِمْ لَيْسَتْ سَوَاءً، فَبَعْضُهُمْ أَبْطَأُ مِنْ بَعْضٍ، وَمَنْ لَمْ يُرَاعِ ذَلِكَ وَقَعَ فِي مُسَابَقَةِ إِمَامِهِ، وَلَمَّا كَبِرَتْ سِنُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَنَبَّهُوا لِذَلِكَ وَيُرَاعُوهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، فَإِنِّي مَهْمَا أَسْبِقُكُمْ حِينَ أَرْكَعُ تُدْرِكُونِي حِينَ أَرْفَعُ وَمَهْمَا أَسْبِقُكُمْ حِينَ أَسْجُدُ تُدْرِكُونِي حِينَ أَرْفَعُ ))، وَمَعْنَى: (( إِنِّي قَدْ بَدَّنْتُ ))، أَيْ: كَبِرْتُ وَأَسْنَنْتُ، وَقِيلَ: زَادَ لَحْمُ جِسْمِي بِسَبِ كِبَرِ السِّنِّ.

وَعَلَى الْإِمَامِ: أَنْ يُرَاعِيَ الْمَأْمُومِينَ بِأَنْ لَا يُبْطِئَ فِي حَرَكَةِ انْتِقَالِهِ مِنْ غَيْرِ سَبٍ، وَأَنْ يَتْرُكَ التَّمْطِيطَ فِي التَّكْبِيرِ وَالتَّسْمِيعِ وَالْإِطَالَةَ الزَّائِدَةَ لِئَلَّا يَتَسَبَّبَ فِي أَنْ يَسْبِقُوهُ فَيَأْثَمُوا، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ قَدْ يَكُونُ تَفْكِيرُهُمْ فِي أُمُورٍ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَفِي أَحْوَالِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

وَإِذَا حَصَلَ أَنْ سَبَقَ الْمَأْمُومُ إِمَامَهُ بِسَبَبِ الْعَجَلَةِ أَوْ غَيْرِهَا: فَإِنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ قَلِيلًا أَتَى بِالْفِعْلِ بَعْدَ إِمَامِهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَمَثَلًا: لَوْ سَبَقْتَ إِمَامَكَ إِلَى السُّجُودِ فَإِنَّكَ تَرْجِعُ إِلَى مَحَلِّ قِيَامِكَ سَرِيعًا، فَإِذَا اسْتَقْرَرْتَ وَاقِفًا فَعَاوِدِ السُّجُودَ، وَبِهَذَا يَكُونُ سُجُودُكَ بَعْدَ إِمَامِكَ، فَإِذَا لَمْ تَرْجِعْ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُبْطِلُونَ صَلَاتَكَ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: تُجْزِئُ هَذِهِ الصَّلَاةُ، وَلَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ، وَنَقْصِ الْأَجْرِ.

وَمُتَابَعَةُ الْمَأْمُومِينَ لِإِمَامِهِمْ تَكُونُ: بِأَنْ يَنْتَظِرُوا الْإِمَامَ حَتَّى يُكَبِّرَ وَيَفْرُغَ مِنْ تَكْبِيرِهِ وَيَنْقَطِعَ صَوْتُهُ وَيَصِلَ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ أَوْ رُكُوعِهِ أَوْ جُلُوسِهِ أَوْ قِيَامِهِ ثُمَّ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَعْدَهُ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يَلْبَثُونَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامًا حَتَّى يَنْحَطَّ وَيُكَبِّرَ وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَهُمْ قِيَامٌ لَا يَحْنُونَ ظُهُورَهُمْ ثُمَّ يَسْجُدُونَ، حَيْثُ صَحَّ عَنِ الْبَرَاءِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لَمْ نَزَلْ قِيَامًا لَا يَحْنُو أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ نَتَّبِعُهُ )).

مَعَاشِرَ الْمُصَلِّينَ:

إِنَّ الْمُسْتَحَبَّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنْ يَنْظُرَ الْمُصَلِّي إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَقَالُوا: هُوَ أَقْرَبُ لِلْخُشُوعِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ التَّابِعِيِّ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَنْظُرَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ»، وَأَمَّا مَا يَحْصُلُ: مِنْ تَقْلِيبٍ لِلْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى النَّاسِ أَوْ إِلَى الْأَشْيَاءِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً أَوْ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ سَقْفِ الْمَسْجِدِ أَوْ إِلَى الْأَمَامِ وَمَا وُضِعَ فِيهِ فَمُضْعِفٌ لِلْخُشُوعِ، وَيُسَبِّبُ السَّهْوَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُنْقِصُ أَجْرَهَا، وَيُقَلِّلُ ثَوَابَهَا، بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَهَدَّدَ، فَقَالَ فِيمَا صَحَّ عَنْهُ: (( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ )).

جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِنَ الْمُحْسِنِينَ لِأَحْكَامِ صَلَاتِهِمْ، وَالَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَعَلَيْهَا دَائِمُونَ وَيُحَافِظُونَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا مَعَاشِرَ الْمُصَلِّينَ:

لَقَدْ تَكَاثَرَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ فِي أَنَّ السُّنَّةَ: أَنْ يَرْفَعَ الْمُصَلِّي يَدَيْهِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ أَوْ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ إِذَا كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَقَالَ: “سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ”، حَيْثُ صَحَّ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ))، وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ ))، وَمِنَ الْمُؤْسِفِ أَنْ تَرَى كَثِيرًا مِنَ الْمُصَلِّينَ قَدْ تَرَكُوا هَذِهِ السُّنَّةَ الَّتِي كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ فِيهَا فَلَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَّا عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ.

وَالْمُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنْ يَكُونَ بَاطِنُ الْكَفَّيْنِ عِنْدَ رَفْعِهِمَا إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَأَنْ تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَمْدُودَةً إِلَى أَعْلَى، وَمَضْمُومَةً إِلَى بَعْضِ، وَيَقَعُ أَكْثَرُ النَّاسِ عِنْدَ تَطْبِيقِهِمْ لِهَذِهِ السُّنَّةِ فِي خَطَأَيْنِ:

الْخَطَأُ الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ يَمَسُّونَ شَحْمَتَيِّ أُذُنَيْهِمْ مِنَ الْأَسْفَلِ بِأَحَدِ أَصَابِعِهِمْ وَهِيَ الْإِبْهَامُ، وَيَجْعَلُونَ بَاطِنَ كَفَّيْهِمْ وَأَصَابِعَهُمْ إِلَى جِهَةِ الْأُذُنَيْنِ وَالْخَدَّيْنِ، وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ كَفَّاهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يَجْعَلُهُمَا إِلَى جِهَةِ أُذُنَيْهِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْأُذُنَيْنِ بِالْكَفَّيْنِ وَالْأَصَابِعِ فَخِلَافُ السُّنَّةِ».

الْخَطَأُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ الْيَدَيْنِ إِلَى تَحْتِ الثَّدْيَيْنِ أَوْ إِلَى السُّرَّةِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ تُرْفَعَ إِلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ، وَالْمَنْكِبَانِ هُمَا: الْكَتِفَانِ، فَيَكُونُ مُنْتَهَى رَفْعِ الْأَصَابِعِ إِلَى مُوَازَاةِ الْكَتِفَيْنِ، أَوْ تُرْفَعَ إِلَى مُحَاذَاةِ فُرُوعِ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْأَعْلَى، بِحَيْثُ تُحَاذِي أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ وَتُوَازِي أَعْلَى فُرُوعِ الْأُذُنَيْنِ، وَلَا تَكُونُ أَعْلَى أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُمَا.

هَذَا وَأَسْأَلُ الْكَرِيمَ: أَنْ يُعِينَنَا عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَأَنْ يُكْرِمَنَا بِالِاسْتِمْرَارِ عَلَى طَاعَتِهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهَا إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ، وَأَنْ يَقِيَنَا شَرَّ أَنْفُسِنَا وَشَرَّ أَعْدَائِنَا وَشَرَّ الشَّيْطَانِ، اللَّهُمَّ: كَمَا هَدَيْتَنَا لِلْإِسْلَامِ وَشَرَحْتَ صُدُورَنَا بِهِ فَثَبِّتْنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَلْقَاكَ وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِجَمِيعِ الْمٌسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، يَا وَاسِعَ الرَّحْمَةِ وَعَظِيمَ الْمَغْفِرَةِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.