إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > البدع > خطبة مكتوبة بعنوان: « مخالفات تحصل وقت الجنائز والدفن وزيارة القبور وسنن بدأت تضعف »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « مخالفات تحصل وقت الجنائز والدفن وزيارة القبور وسنن بدأت تضعف »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 9 سبتمبر 2018
  • 22٬944
  • إدارة الموقع

مخالفات تحصل وقت الجنائز والدفن وزيارة القبور وسنن بدأت تضعف

الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــــ

الحمدُ اللهِ الذي خلَقَ الموتَ والحياةَ لِيبلوَكُم أيُّكُم أحسنُ عملًا، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ جلَّ وعَلا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ أزْكَى النَّاس قولًا وفِعلًا، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ جَزيلًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فلقدْ قالَ ربُّكُم ــ جلَّ وعزَّ ــ: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ }، وهذهِ الآيَةُ فيها تعزيَةٌ لِجميعِ النَّاسِ، بأنَّهُ لا يَبقَى أحَدٌ مِنهُم على وجْهِ الأرضِ إلا وسيموتُ، وبعدَ الموتِ أُكْرِمَ ابنُ آدمَ فأوجَبَ اللهُ دفنَ بدَنِهِ في قبرٍ تحتَ التُّرابِ، وقالَ اللهُ سُبحانَهُ مُمتنًّا عليهِ: { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ }، أي: جعلَهُ بعدَ أنْ أماتَهُ ذا قبرٍ يُوارَى فيهِ، سَترًا عليهِ وإكرامًا لَهُ واحترِامًا، ولمْ يَجعلْهُ مِمَّا يُلقَى على وجْهِ الأرضِ تأكلُهُ السِّباعُ والطيرُ، ويَتأذَّى النَّاسُ بريحِ تعفُّنِهِ.

أيُّها المُسلِمونَ:

جاءَ بإسنادٍ حسَّنَهُ جمْعٌ مِنَ العلماءِ أنَّ: (( عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ القَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ» ))، ولَمَّا كانَ ما بعدَ القبرِ أيسَرُ على المُؤمنِ النَّاجِي وأنْعَمُ لَهُ فإنَّهُ يقولُ حينَ يَجدُ بعضَ النَّعيم في قبرِهِ كمَا صحَّ في الحديثِ النَّبَويِّ: (( رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ ))، بخلافِ الفاجِرِ فيقولُ: (( رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ ))، لأنَّهُ يعلمُ أنَّ ما يَجدُهُ مِن عذابٍ في قبرِهِ أهوَنُ مِمَّا سيجدُهُ في النَّارِ، فأسرِعُوا ــ يا عِبادَ اللهِ ــ في تجهيزِ ودَفنِ الموتَى عملًا بالسُّنَّةِ، وخيرًا لِلموتَى أوْ لَكُم، فإنَّ بعضَ النَّاسِ يؤخِّرونَ هذا لأجْلِ انتظارِ مَجيءِ بعضِ القرابَةِ أوْ غيرِهِم أوْ لِيُصَلَّى على ميِّتِهم بعدَ صلاةٍ كثيرَةِ العدَدِ كالجُمعَةِ، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا: (( أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ))، وكانَ الصَّحابَةُ يُسرِعونَ بدفنِ موتاهُم معَ أنَّهُم لَو أخَّرُوهَا لَصَلَّى ودَعَا لِميتِّهِم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فصحَّ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( مَاتَ إِنْسَانٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَمَاتَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُعْلِمُونِي، قَالُوا: كَانَ اللَّيْلُ فَكَرِهْنَا وَكَانَتْ ظُلْمَةٌ أَنْ نَشُقَّ عَلَيْكَ، فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ الأجْرَ في اتِّبَاعِ الجَنازَةِ والصلاةِ عليها والبَقاءِ معَها حتَى يُفرَغَ مِن دَفنِهَا عظيمٌ جدًّا، ولكنَّ شرْطَ حُصولِهِ قدْ يَتخلَّفُ عن بعضِ النَّاسِ لأنَّهُم يفعلونَ هذا حياءً أوْ مُجاملَةً أو سُمعَةً لِئَلَّا يتكلَّمَ عليهِم معارِفُهُم أوْ لِيكونَ لَهُم صِيتٌ وذِكرٌ بأنَّهُم معَ النَّاس أوْ معَ أهلِ الميِّتِ في أفراحِهِم وأحزانِهِم، والشريعَةُ شرَطَت أنْ يحصلَ اتِّبَاعُ الجَنازَةِ عن إيمانٍ واحتسابٍ، إيمانًا وتصديقًا بمشروعيتِهِ وفضلِهِ واحتسابًا لِلأجِرِ مِنَ الله على فِعلِهِ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ مِن أجَلِّ مقاصِدِ اتِّباعِ الجَنائِزِ: تلْيينَ القلبِ لِيتذكَّرَ الآخِرَةَ ويُقلِعَ عن الذُّنوبِ ويتوبَ إلى اللهِ ويُكثِرَ الأعمالَ الصالِحَةَ، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( اتَّبِعُوا الجَنَائِز تُذكِركُم الآخِرة))، ولكنْ ــ وا أسفاهُ ــ إذْ  أصبحَ هذا المقصدُ الجليلُ يَضعُفُ كثيرًا، ومِن مشاهِدِ ضَعفِهِ: كثرَةُ الكلامِ ورفعُ الأصواتِ بالذِّكرِ أوْ أمورِ الدَّفن وغيرِهَا مِن قِبَلِ المُشيِّعينَ لِلجَنازَةِ ومَن يَدْفِنونَ الميِّتَ، ومَن على شَفيرِ القبرِ وعُمَّالِ المقبرَةِ وغيرِهِم، وأشغَلوا مَن في المقبرَةِ وشوَّشُوا عليهِم، وقدْ كانَ الصَّحابَةُ وباقِي السَّلفِ الصالِحِ على خِلافَ هذا الحالِ، فصحَّ عن ابنِ عَبَّادٍ أنَّهُ قالَ: (( كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ ))، وكانوا إذا شهِدُوا جَنازَةً لم يَعرِفوا أهلَ الميِّتِ لِيُعَزُوهُم، لأنَّ الحُزْنَ قدْ عمَّ جميعَ مَن حضَرَهَ، فصحَّ عنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قالَ: (( إِنْ كُنَّا لَنَشْهَدُ الْجِنَازَةَ فَمَا نَدْرِي مَنْ نُعَزِّي مِنْ حُزْنِ الْقَوْمِ ))، وقالَ التابِعِيُّ ثابتٌ البُنانِيُّ: (( لَقَدْ كُنَّا نَتْبَعُ الْجِنَازَةَ فَمَا نَرَى حَوْلَ السَّرِيرِ إِلَّا مُتَقَنِّعًا بَاكِيًا أَوْ مُتَفَكِّرًا كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمِ الطَّيْرُ ))، وصحَّ عنِ التابِعيِّ أبي قِلابَةَ أنَّهُ قالَ: (( كانوا يُعظِّمُونَ المَوتَ بالسَّكِينَة ))، وصحَّ عنِ التابِعِيِّ إبراهيمَ النَّخعيِّ أنَّهُ قالَ: (( كَانَتْ تَكُونُ فِيهِمُ الْجِنَازَةُ فَيُظلُونَ الأَيَّامَ مَحْزُونِينَ يُعْرَفُ ذَلِكَ فِيهِمْ ))، وقال الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ: «السُّنَّةُ في اتِّبَاعِ الجنائزِ الصَّمتُ والتَّفَكرُ والاعتبارُ، وأَنَّ ذلِكَ فِعلُ السَّلفِ، واتِّبَاعُهُم سُنَّةٌ، ومُخالفتُهٌم بدْعَةٌ»، وقالَ الفقيهُ النَّوَويُّ الشافعيُّ عنِ الحالِ الذي يَنبغي أنْ يكونَ عليهِ مَن يَتْبَعِ الجَنازَةَ: «يُستحَبُ لَهُ الفِكْرُ فيما يَلقاهُ الميِّتُ، وما يكونُ مصيرُهُ، وحاصلُ ما كانَ فيهِ، وأنَّ هذا آخِرُ الدُّنيا ومصيرُ أهلِهَا، واعلَمْ أنَّ الصوابَ المُختارَ: ما كان عليه السَّلف ــ رضِيَ اللهُ عنهُم ــ: “مِن السُّكوتِ في حالِ السَّيرِ معَ الجَنازَةِ، فلا يُرفعُ صوتًا بقراءَةٍ ولا ذِكرٍ ولا غيرِ ذلِكَ، والحِكمَةُ فيهِ ظاهِرَةٌ، وهيَ أنَّهُ أسكَنُ لِخاطرِهِ وأجمعُ لِفْكرِهِ فيما يتعلَّقُ بالجَنازَةِ، وهوَ المطلوبُ في هذا الحالِ، فهذا هوَ الحقُّ، ولا تَغترَّنَّ بكثرَةِ مَن يُخالِفُهُ».

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ حُرمَةَ الميِّتِ كحُرمَةِ الحَيِّ، فلا يجوزُ أنْ يَفعلَ أحَدٌ ما فيهِ إهانَةٌ لَهُ، كالمشيِ على قبرِهِ أو الدَّوسِ عليهِ بالنِّعالِ والأحذْيَِةِ، كما يَحصلُ مِن بعضِ المُشيِّعِين، وقدْ ثبتَ أنَّ ابنَ الخَصَاصِيَّةِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( حَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظْرَةٌ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ فَنَادَاهُ: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ»، فَنَظَرَ فَلَمَّا عَرَفَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَرَمَى بِهِمَا ))، وقدْ كرِهَ جماعَةٌ عدِيدَةٌ مِن الفقهاءِ المشيَ بين القبورِ بالأحذِيَةِ إلا مِن حاجَةِ كحَرٍّ أوْ شوكٍ ونحوِ ذلك، عمَلًا بهذا الحديثِ النَّبوي، معَ الانتباهِ الشدِيدِ لِلقبورِ أنْ لا تُداس.

أيُّها المُسلِمونَ:

لقد نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الكتابَةِ على القبورِ، سواءٌ كانتْ قبورَ أنبياءٍ أوْ صالِحينَ أو آبَاءٍ أو زُعَماءٍ أوْ جُنودٍ أو غيرِهِم، وقدْ خالَفَ هذا كثيرٌ مِن النَّاسِ اليومَ أوْ أكثرُهُم، فوضَعُوا على قبورِ الموتَى رُخَامًا أوْ حِجارَةً أوْ ألواحًا كتًبوا عليها اسمَ الميِّتِ وزمَنَ وفاتِهِ وشيئًا مِنَ القرآنِ والأدعِيَةِ مُجمَّلةً مُزَيَّنَةً، ورُبَّما زادوا أفعالَ الميِّتِ وصفاتَهُ أوْ أنَّهٌ شهيدٌ في معركَةِ كذا، وقدْ جاءَ بإسنادٍ صحيحٍٍ عن جابرٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ أَوْ يُجَصَّصَ أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ ))، ومَن أرادَ معرفَةَ قبرِ ميِّتِهِ لِيزورَهُ فلَهُ أنْ يَضَعَ حجَرًا يَتعرَّفُ بِهِ عليهِ أوْ شيئًا خفيفًا يتحقَقُّ بِهِ المقصودِ دُونَ مظاهِر تعظيمٍ وبَهْرَجٍ وزِينَةٍ، لِمَا ثبتَ عن المُطَّلِبِ أنَّهُ قالَ: (( لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي» )).

أيُّها المُسلِمونَ:

إنَّ مِن السُّنَنِ التي هجرَهِا الكثيرونَ اليومَ، ومِنهُم أهلُ الميِّت، فلَم تَعُدْ تُفعَلُ إلا مِن القليلِ، ومصلِحِتُهِا لِلميِّتِ كبيرَةٌ، ونفعُهَا لَهُ عظيمٌ: «الوقوفَ على قبرِ الميِّتِ لِلدُّعاءِ لَهُ بعدَ تمامِ دفنِهِ، ويكونُ هذا الدُّعاءُ سِرًّا لا جْهرًا، ويَدعو كُلُّ شخصٍ لِوحْدِهِ لا جماعيًّا»، حيثُ انشَغلوا عنهَا بالتعزيَةِ والمُعزِّينَ في المقبرَةِ، بسَببِ عاداتِ عوامِّ النَّاسِ وجُهَّالِهِم التي طغَت عليهِم، وقدْ ثبتَ أنَّ عثمانَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ» ))، وصحَّ عنِ ابنِ جُريجٍ أنَّ ابنَ أبي مُليكَةَ قال: (( رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَبْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، قَامَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: أَسَمِعْتَ مِنْ قَوْلِهِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا ))، وتُستحَبُّ إطالَةُ هذا الدُّعاءِ شديدًا، لِمَا صحَّ عن عمروِ بنِ العاصِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي ))، وأمَّا: أنْ يقومَ رجُلٌ عندَ القبرِ فيَدعوا لِلميِّتِ جهرًا ويُؤمِّنُ النَّاسُ خلفَهُ فلا يُعرَفُ مِثْلُهُ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، والأصْلُ في الدُّعاءِ هوَ الإسرارُ، وقدْ قالَ الإمامُ الطَّبَرِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «كرَاهِيَةُ رفْعِ الصوتِ بالدُّعاءِ هوَ قولُ عامَةِ السَّلفِ مِن الصحابَةِ والتابِعينَ»، وهوَ أيضًا: قولُ الأئمَّةِ الأربعَةِ.

اللهمَّ: عِظْنَا بالموتِ قبْلَ أنْ يَحِلَّ بِنَا، ولَيِّنْ قُلوبَنَا قبْلَ أنْ يُلَيِّنَهَا الموتُ.

الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ، وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى.

أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:

فاتقوا اللهَ بالعملِ بما جاءِ في شريعتِهِ في بابِ الجنائِزِ وأحكامِ القبورِ والمقابرِ، ولا تكونوا سببًا أو عَونًا على مُخالفَتِهَا بإحداثِ البِدَعِ أو فرْضِ العادَاتِ، فقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ زاجِرًا ومُرَهِّبًا: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }، واعلَموا أنَّ زيارَةَ القبورِ كانَ منهيًّا عنها، ثُمَّ أُذِنَ بزيارتِهَا لِسَببينِ عظيمينِ:

الأوَّلُ: تَذَكُّرُ الزائِرِ لَهَا الموتَ والآخِرَةَ، وأنَّ حالَهُ سيكونُ كحالِ أهلِهَا، وهذا يدفعُهُ لِلاستعدادِ لِلآخِرَةِ أكثر، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ )).

والثاني: نَفْعُ الميِّتِ بالدُّعاءِ لَهُ، وليسَ لأنْ يُدعَى معَ اللهِ بطلَبِ العَونِ والمدَدِ والشفاعَةِ والتفريجِِ، فصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أتَى المقابرَ قال: (( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم  إذا زَارَ مقبرَةَ البقيعِ قالَ: (( اللهُمَّ: اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ )).

فمَن زارَ القبورَ لِهذينِ السَّببينِ فقدْ أقامَ السُّنَّةَ النَّبويَّةَ وعمِلَ بها، وسارَ على هَدْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، ومَن زارَها لِلطوافِ حولَهَا أوْ دُعاءِ أهلِها بتفريجِِ الكُرَبِ ودفَعِ الشرورِ وطلَبِ الشفاعةِ مِنهُم أوْ لأجلِ الذَّبحِ والنَّذرِ لأهلِها أوْ العُكوفِ عليها والاعتكافِ عندَهَا أوْ لأجلِ التَّمسحِ والتَّبرُكِ بهَا وبالمقبورِينَ فيها فقدْ خالَفَ السُّنَّةَ النَّبويَّةَ، وسارَ على سَنَنِ اليهودِ والنصارَى ومَن تابعَهُم في أفعالِهِم مِن الشِّيعَةِ الرَّافضَةِ وغُلاةِ الصُّوفِيَّةِ.

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يَجعلَنَا مِنَ التائِبينَ المُستغفِرينَ، وأنْ يُكرِمَنَا فنكونَ مِنَ المُوحِّدِينَ السُّنِّيينَ المُتَّبِعينَ، اللهمَّ: ارزُقنَا إيمانًا قويًّا، وصبرًا على دِينِكَ وثباتًا، وثقةً بِكَ وتوكُلًّا عليكَ، اللهمَّ: ارحَم موتَانا وموتَى المُسلِمينَ، وارزُقُهُمُ النَّعيمَ في قُبورِهِم، ومُنَّ علينا وعليهِم برضَاكَ والجنَّةِ والنظرِ إليكَ في الآخِرَةِ، إنَّكَ سميعُ الدٌّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكَم.