إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > التاريخ والسيرة > خطبة مكتوبة بعنوان: « منزلة الصحابة في شريعة الرحمن مع مناقب أفضل ملوك الأمة معاوية بن أبي سفيان »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « منزلة الصحابة في شريعة الرحمن مع مناقب أفضل ملوك الأمة معاوية بن أبي سفيان »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 20 سبتمبر 2018
  • 12٬529
  • إدارة الموقع

مَنْزِلَةُ الصَّحَابَةِ فِي شَرِيعَةِ الرَّحْمَنِ مَعَ مَنَاقِبِ أَفْضَلِ مُلُوكِ الْأُمَّةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلَى بَعْضٍ مِنَّةً مِنْهُ وَفَضْلًا، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بَالْهُدَى والرَّحْمَةِ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ لِبَاسٍ لَكُمْ وَزَادٍ، وَأَفْضَلُ وَسِيلَةٍ إِلَى رِضَا رَبِّ الْعِبَادِ، إِذْ قَالَ سُبْحَانَهُ آمِرًا: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، ثُمَّ اعْلَمُوا: أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ خِصَالِ التَّقْوَى، وَأَجَلِّ صِفَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَدَلَائِلِ جَمِيلِ الدِّيَانَةِ، وَشَوَاهِدِ صَلَاحِ الْبَاطِنِ، وَعَلَامَاتِ وُفُورِ الْعَقْلِ وَصِحَّتِهِ حُبَّ جَمِيعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَلَامَةَ الْقُلُوبِ وَالْأَلْسُنِ جِهَتَهُمْ، وَذِكْرَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْجَمِيلِ، وَإِعْزَازَهُمْ وَإِجْلَالَهُمْ وَتَوْقِيرَهُمْ، وَنَشْرَ مَحَاسِنِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ، وَالدِّفَاعَ عَنْهُمْ، وَمُوَالَاتَهُمْ، وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُمْ، وَالتَّرَضِّيَ عَنْهُمْ، وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ.

وَعَلَى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْمَوقِفِ النَّبيلِ: سَارَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى مَرِّ الْأَزْمَانِ وَتَبَايُنِ الْأَقْطَارِ وَاخْتِلَافِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَلْوَانِ وَاللُّغَاتِ، وَسَيَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَنْ يَجِدَ إِلَّا هَذِهِ الْعَقِيدَةَ وَالِمَوقِفَ، وَمَنْ نَظَرَ أَقْوَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةَ زَادَتْهُ إِيمَانًا وَتَمَسُّكًا بِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ وَالْمَوقِفِ، وَمَنْ وَقَفَ عَلَى أَقْوَالِ أَجِلَّةِ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ الصَّحِيحَةِ وَجَدَهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَنْ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ وَالْمَوقِفِ، وَمَنْ قَلَّبَ دَوَاوِينَ السُّنَّةِ الْمُطَوَّلَةَ وَالْمُخْتَصَرَةَ زَادَتْهُ ثَبَاتًا إِلَى ثَبَاتٍ عَلَى هَذِهِ الْعَقِيدَةِ وَالْمَوْقِفِ النَّبِيلِ جِهَةَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ ــ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ ــ.

فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحَابَةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ ثَنَاءً زَكَّى بِهِ بَوَاطِنَهُمْ وَظَوَاهِرَهُمْ، وَخَتَمَ بِوَعْدِهِمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْأَجْرِ الْعَظِيمِ وَالنَّعِيمِ فِي الْجِنَانِ، وَأَخْبَرَ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى: { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا }، وَجَعَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ النَّاسِ، فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ))، وَأَخْبَرَ أنَّهُ لَنْ يَفُوقَهُم أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ فِي العَمَلِ والأَْجْرِ عَلَيهِ، فَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ))، وَبَيَّنَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ وُجُودَ الصَّحَابَةِ أَمَانٌ لِلنّاسِ مِنَ الشُّرُرِ، وَبَقَاءٌ لِلخَيرِ، فَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ: (( لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي ))، وَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ: (( أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ )).

أَيُّهَا النَّاسُ:

إِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْحَدِيثِ، وَقَرَّرُوهَا فِي كُتُبِ الِاعْتِقَادِ وَالسُّنَّةِ، هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ:

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: الذَّمُّ وَالْقَدْحُ وَالتَّحْذِيرُ وَالْبُغْضُ وَالْبَرَاءُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَذْكُرُ الصَّحَابَةَ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِسُوءٍ، وَأَنَّهُ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ خَارِجٌ عَنِ الْحَقِّ، وقَدْ نَقلَ الإمامُ حَرْبٌ الكَرْمَانيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في رِسالَةٍ لَهُ في “الاعتقادِ والسُّنَّةِ” الإجماعَ على: «أنَّ مَن سَبَّ الصحابَةِ أوْ أحَدًا مِنهُم أوْ تَنقَّصَهُ أوْ طَعَنَ عليهِم أوْ عرَّضَ بعَيبِهِم أو عَابَ أحَدًا مِنهُم بقليلٍ أوْ كثيرٍ أوْ دَقَّ أوْ جَلَّ مِمَّا يُتَطَرَّقُ بِهِ إلى الوَقِيعَةِ في أحَدٍ مِنهُم فهوَ مُبْتَدِعٌ»، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَنَا حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَنَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يُجَرِّحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ»، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حَالَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ وَالتُّقْوَى مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ جِهَةَ الصَّحَابَةِ، وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ بَعْدَ أَنْ أَثْنَى عَلَى الصَّحَابَةِ: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا }، وَصَحَّ أَنَّ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ قَالَتْ عَنِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ: (( أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبُّوهُمْ )).

الْأَمْرُ الثَّانِي: السُّكُوتُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ خِلَافٍ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِئَلَّا تَنْجَرَّ الْأَلْسُنُ وَالْقُلُوبُ إِلَى ذَمِّ أَوْ بُغْضٍ أَوِ انْتِقَاصِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَتَهْلِك، لِأَنَّ: أَكْثَرَ مَا يُرْوَى مِنَ الْأَقَاوِيلِ وَالْقِصَصِ فِي ذَلِكَ كَذِبٌ، وَمِنْهُ مَا زِيدَ فِيهِ أَوْ نُقِصَ حَتَّى تَغَيَّرَ عَنْ مَعْنَاهُ الصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحُ مِنْهُ قَلِيلٌ جِدًّا، وَهُمْ فِيهِ إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ أَوْ مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ، وَلَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا يُوجِبُ مَغْفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ إِنْ صَدَرَ، حَتَّى إِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ مَا لَا يُغْفَرُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، لِأَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَمْحُو السَّيِّئَاتِ مَا لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي عُذْرِ وأَجْرِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي أَخْطَأَ: (( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ))، وَالصَّحَابَةُ هُمْ أَكَابِرُ وَأَفْضَلُ الْمُجْتَهِدِينَ، بَلْ وَجَاءَ فِي عَظِيمِ أَجْرِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْعَمَلِ والْمُقَامِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنًا يَسِيرًا، مَا صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ))، وثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمْرَهُ ))، وَثَبَتَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( وَاللَّهِ: لَمَشْهَدٌ شَهِدَهُ رَجُلٌ يُغَبِّرُ فِيهِ وَجْهَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ وَلَوْ عُمِّرَ عُمُرَ نُوحٍ ))، أَلَا فَلْنَحْذَرْ مِنَ الْمَجَالِسِ وَالْمُحَاضَرَاتِ وَالْأَشْرِطَةِ وَالْفَضَائِيَّاتِ وَمَوَاقِعِ شَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتِ وَبَرَامِجِ التَّواصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ الَّتِي تَخُوضُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ خِلَافٍ، حَتَّى وَلَوْ لَبَّسُوا عَلَينَا وَجَعَلُوهُ بِاسْمِ التَّارِيخِ وَمَعْرِفَتِهِ، فَلَا يُنْظَرُ إِلَيْهَا وَلَا يُسْتَمَعُ لَهَا وَلَا يُجْلَسُ لِلْمُتَكَلِّمِينَ فِيهَا وَلَا تُقْرَأُ وَلَا تُرْسَلُ مَقَاطِعُهَا لِلنَّاسَ، لِأَنَّ هَذَا: قَدْ يُفْضِي إِلَى بُغْضِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ الْوَقِيعَةِ فِيهِ أَوْ تَحْرِيشِ الْجُهَّالِ عَلَيْهِ، وَفِي هَذَا الْهَلَكَةُ وَالْخُسْرَانُ، وَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: “اتِّفَاقَ سَادَاتِ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ فِي الْكُتُبِ الَّتِي تَتَكَلَّمُ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مِنْ خِلَافٍ”، وصَحَّ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ بَعْضِ صَحَابَتِهِ: (( الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ )).

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَمُتَابَعَتُهُمْ فِيهِ، مِمَّا ثَبَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْهُمْ، فَتُفْهَمُ نُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ضَوْءِ مَا فَهِمُوهُ، وَلَا يُخْرَجُ بِهَا عَنْ أَقْوَالِهِمْ، وَيُتَابَعُونَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّهُمْ: شَهِدُوا نُزُولَ الْوَحْيِ وَحَفِظُوهُ وفَهِمُوا مَعَانِيَهُ وتَفْسِرَهُ، فَإِنْ تَكَلَّمُوا أَوْ عَمِلُوا أَوْ تَرَكُوا فَعَنْ عِلْم وَعَلَى هُدًى، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ، فَقَالَ تَعَالَى: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }، فَجَعَلَ اللَّهُ الصَّحَابَةَ مَتْبُوعِينَ فِي الدِّينِ، وَأَثْنَى عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ لَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ مَعَ مَنِ اتَّبَعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِرِضَاهُ عَنْهُمْ، وَالْخُلُودِ فِي الْجَنَّةِ.

فَاللَّهُمَّ: اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُحِبُّ الصَّحَابَةَ، وَيَتَوَلَّاهُمْ، وَيُوَقِّرُهُمْ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ مُعِزِّ أَوْلِيَائِهِ، وَمُخْزِي مَنْ أَبْغَضَهُمْ، وصَلَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَإِنَّ مِنْ أَجِلَّاءِ الصَّحَابَةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ: الْأَمِيرَ وَالْمَلِكَ الصَّالِحَ الْعَادِلَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ.

وَإِنَّ كُلَّ نَصٍّ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي فَضْلِ الصَّحَابَةِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَتَوْقِيرِهِمْ، وَحُرْمَةِ سَبِّهِمْ وَالطَّعْنِ فِيهِمْ: فَمُعَاوِيَةُ دَاخِلٌ فِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ قِيلَ لِلْإِمَامِ عَبْدِ ابْنِ الْمُبَارَكِ: «أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: لَتُرَابٌ فِي مِنْخَرَيِّ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ»، وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: «أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: مُعَاوِيَةُ أَفْضَلُ، لَسْنَا نَقِيسُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَدًا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خَيْرُ النَّاسِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ )) »، وَقِيلَ لِلْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ: «أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَغَضِبَ عَلَى السَّائِلِ، وَقَالَ لَهُ: أَتَجْعَلُ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مُعَاوِيَةُ صَاحَبَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِهْرُهُ وَكَاتِبُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ».

أَيُّهَا النَّاسُ:

إِنَّ مَنَاقِبَ مُعَاوِيَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ كَثِيرَةٌ ومَشْهُورَةٌ، وَحَسَنٌ إِمْتَاعُ الْقُلُوبِ، وَتَشْنِيفُ الْأَسْمَاعِ، وَتَنْوِيرُ الْعُقُولِ بِشَيْءٍ مِنْهَا.

فَمِنْ مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَنَصَرُوهُ وَجَاهَدُوا مَعَهُ، وَتَلَقَّوُا الْعِلْمَ عَنْهُ، وَشَرَفُ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهُ شَرَفٌ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ كَانَ كَاتِبًا لِلوَحْيِ، والنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَخْتَارَ لِكِتَابَةِ وَحْيِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ كَانَ أَمِينًا عَدْلًا مَرْضِيًّا، ولَنْ يُقِرَّهُ اللهُ عَلَى خِلَافِهِ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ مِمَّنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَقَوَّى بِهِمُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ))، وَمُعَاوِيَةُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْاثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ: دُخُولُهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ))، أَيْ: فَعَلُوا أَمْرًا يُوجِبُ لَهُمْ مَغْفِرَةَ رَبِّهِمْ، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَمِيرَ أوَّلَ جَيْشٍ بَحْرِيٍّ غَزَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ: تَوْلِيَةُ الَخُلَفَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرٍ وَعُثْمَانَ لَهُ، فَوَلَّاهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمَدِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى الشَّامِ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ عَلَى بَعْضِ أَقَالِيمِ الشَّامِ، وَوَلَّاهُ عُثْمَانُ أَمِيرًا عَلَى كُلِّ بِلَادِ الشَّامِ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ: اتِّسَاعُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي عَهْدِهِ، إِذْ وَصَلَتْ إِلَى حُدُودِ رُوسِيَا والْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَشَمَالِ أَفْرِيقِيَا، وَأَسْلَمَ بِسَبَبِ إِرْسَالِهِ الجُيُوشَ مَلَايِينُ النَّاسِ.

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

اللَّهُمَّ: ارْفَعِ الضُّرَّ عَنِ الْمُتَضَرِّرِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ أَرْضٍ، وَوَفِّقْ الْحُكَّامَ لِلْقَضَاءِ عَلَى الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَأَكْرِمْنَا بِرِضَاكَ وَالْجَنَّةِ، وَجَنِّبْنَا سَخَطَكَ وَالنَّارَ، وَاغْفِرْ لَنَا ولِأَهْلِينَا وَلِلْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ، يَا جَوَادُ يَا كَرِيمٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.