إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > الخطب المكتوبة > خطبة مكتوبة بعنوان: « حتى لا نكون عونًا على بلداننا وأنفسنا وأهلينا وأمننا »، ولف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « حتى لا نكون عونًا على بلداننا وأنفسنا وأهلينا وأمننا »، ولف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 19 أكتوبر 2018
  • 8٬024
  • إدارة الموقع

 حَتَّى لَا نَكُونَ عَوْنًا عَلَى بُلْدَانِنَا وَأَنْفُسِنَا وَأَهْلِينَا وَأَمْنِنَا

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِالطَّاعَةِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَجَمِيعِ مَنْ أَحْسَنَ اتِّبَاعَهُ حَتَّى تَقُومَ الْقِيَامَةُ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

إِنَّ لِبُلْدَانِنَا وَسَاكِنِيهَا مَعَنَا حَقًّا كَبِيرًا، فَلَا يَحِلُّ لَنَا: أَنْ نُفْسِدَ أَمْنَهَا الْمُسْتَقِيمَ، أَوْ نَحْرِقَ أُلْفَتَهَا وَائْتِلَافَهَا وَوِحْدَتَهَا، أَوْ نَهْدِمَ بُنْيَتَهَا الِاقْتِصَادِيَّةَ وَمُقَدَّرَاتِ عَيْشِ أَهْلِهَا، أَوْ نَخْرِقَ سُمْعَتَهَا بَيْنَ الْخَلْقِ وَجَمِيلَ ذِكْرِهَا وَمَنْزِلَتَهَا، أَوْ نَتَسَبَّبَ فِي تَكَالُبِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْبِدَعِ وَالْفَسَادِ وَالْإِجْرَامِ عَلَيْهَا، أَوْ نَكُونَ أَبْوَاقًا لِغَيْرِنَا فِي تَفْكِيكِهَا وَتَخْرِيبِهَا، أَوْ نُدَمِّرَهَا بِعُقُوبَاتِ اللَّهِ عَلَى الْآثَامِ مِنْ شِرْكِيَّاتٍ وَبِدَعٍ وَمَعَاصٍ، أَوْ نُحَرِّشَ بَيْنَ أَهْلِهَا وَالْمُقِيمِينَ فِيهَا وَعِرْقِيَّاتِهِمْ لِيَتَصَارَعُوا وَيُدْخِلُوهَا فِي الْفِتَنِ وَالشُّرُورِ وَالتَّفَكُّكِ، أَوْ نَخُونَهَا بِاللُّجُوءِ إِلَى الْأَعْدَاءِ وَالْمُتَرَبِّصِينَ بِهَا شَرًّا وَإِلَى بِلْدَانِهِمْ وَقَنَوَاتِ إِعْلَامِهِمُ الْمَسْمُوعَةِ وَالْمَقْرُوءَةِ وَالْمَرْئِيَّةِ فَنُشَوِّهَهَا وَنُؤَلِّبَهُمْ عَلَيْهَا وَنُقَوِّيَهُمْ ضِدَّهَا، وَقَدْ قَالَ اللهُ آمِرًا وَزَاجِرًا: { وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }، وَقَالَ تَعَالَى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ )).

مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

إِنَّ مِنْ أَشَرِّ وَأَضَرِّ مَعَاوِلِ هَدْمِ بُلْدَانِنَا، وَإِذْهَابِ أَمْنِهَا، وَتَنَاحُرِ سُكَّانِهَا، وَإِضْعَافِ اقْتِصَادِهَا، وَتَسْلِيطِ أَعْدَائِهَا، وَتَخْرِيبِهَا دِينِيًّا وَدُنْيَوِيًّا، هَذِهِ الثَّلَاثَةَ:

فَمِعْوَلُ الْهَدْمِ الْأَوَّلُ: فَتْحُ الْأَلْسُنِ وَالْأَقْلَامِ عَلَى حَاكِمِ الْبِلَادِ عَبْرَ الْفَضَائِيَّاتِ وَبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْخُطَبِ وَالْمُحَاضَرَاتِ وَالْكُتُبِ وَالْمَقَالَاتِ وَمَوَاقِعِ شَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتِ وَالْمَجَالِسِ وَالْمُسَامَرَاتِ طَعْنًا وَلَوْمًا وَذَمًّا وَتَحْرِيضًا وَتَنَقُّصًا، وَذِكْرًا لِلْأَخْطَاءِ وَالْمُخَالَفَاتِ، وَنَشْرًا لِلْمَعَايِبِ وَالْمَثَالِبِ، وَتَشْهِيرًا بِالْمَظَالِمِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَبِالتَّصْرِيحِ الْوَاضِحِ، أَوِ التَّلْمِيحِ الْمُبَطَّنِ الْمُلْتَوِي، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا، وَقَدْ تَضَافَرَتْ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا، وَالتَّرْهِيبِ مِنْهَا، وَبَيَانِ عَوَاقِبِهَا الْوَخِيمَةِ عَلَى الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَعَلَى الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ، وَأَنْتُمْ ــ وَقَبْلَكُمْ تَارِيخُ الْبُلْدَانِ مُنْذُ الْقِدَمِ ــ لَا تَزَالُونَ تَسْمَعُونَ وَتَقْرَؤُونَ أَوْ تُعَايِشُونَ وَتَعِيشُونَ فِي نَتَائِجِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، حَيْثُ بَدَأَتْ مُنْذُ سِنِينَ بِاللِّسَانِ وَالْقَلَمِ، فَجَرَّتْ إِلَى الْفِعْلِ بِالْمُظَاهَرَاتِ وَالِاعْتِصَامَاتِ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى الثَّوَرَاتِ بِالسِّلَاحِ وَالذَّخِيرَةِ، فَكَانَ مَا تَرَوْنَهُ مِنَ الْفِتَنِ وَالشُّرُورِ، وَتَصْلَوْنَهُ مِنْ حُرُوبٍ وَكُرُوبٍ، وَتَتَأَلَّمُونَ بِهِ مِنْ تَشَرُّدٍ وَتُهَانُونَ، وَتَئِنُّونَ مِنْهُ وَتَبْكُونَ، وَتَأْسَفُونَ لَهُ وَتَتَوَجَّعُونَ، وَتَنْدَمُونَ عَلَيهِ وَتَحْزَنُونَ، وَتَتَمَنَّوْنَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَلَمْ تَرَوْهُ، وَصَدَقَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ إِذْ قَالَ بَعْدَ أَنْ اسْتَقْرَأَ وَسَبَرَ لَنَا تَارِيخَ ذَلِكَ: «وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَكَادُ يُعْرَفُ طَائِفَةٌ خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي أَزَالَتْهُ».

وَأَمَّا مِعْوَلُ الْهَدْمِ الثَّانِي: فَفَتْحُ بَابِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، وَدُخُولُ مَصِيدَةِ الْأَعْدَاءِ وَالْمُتَرَبِّصِينَ، وَجَعْلُ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِيَدِ الْآخَرِينَ، بِالِانْتِمَاءِ إِلَى الْأَحْزَابِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالتَّنْظِيمَاتِ سَوَاءٌ تَسَمَّتْ بِأَلْفَاظٍ دِينِيَّةٍ أَوْ بِأَسْمَاءِ مَذَاهِبَ فِكْرِيَّةٍ، وَجَمِيعُهَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ خُدَعُهَا، وَتَنَوَّعَتْ شِعَارَاتُهَا، وَتَدَثَّرَتْ بِلِبَاسِ الصَّلَاحِ أَوِ الْإِصْلَاحِ، وَدَلَّسَتْ بِإِحْسَانِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا، غَايَتُهَا وَهَدَفُهَا هُوَ الْوُصُولُ إِلَى الْحُكْمِ، وَوَسِيلَتُهَا وَوَقُودُهَا عُقُولُ وَأَرْوَاحُ وَجُثَثُ النَّاسِ، لَاسِيَّمَا الشَّبَابُ وَحُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّتُنَا الْمَاضُونَ ــ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ــ الَّذِينَ عَرَفُوا الشَّرْعَ وَأَحْكَامَهُ، وَخَبَرُوا النَّاسَ، وَفَهِمُوا الْغَايَاتِ، وَأَدْرَكُوا الْمَآلَاتِ، يَقُولُونَ: «إِنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَالضَّلَالِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْمِ يَجْتَمِعُونَ فِي السَّيْفِ»، وَيَقْصِدُونَ بِالسَّيْفِ: الْخُرُوجَ عَلَى الْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ وَإِسْقَاطَهُ، وَأَنَّهُ غَايَةُ فِرَقِهِمْ، وَمُرَادُ أَحْزَابِهِمْ، وَالتَّفَرُّقُ فِي الدِّينِ بِإِحْدَاثِ الْفِرَقِ وَالْأَحْزَابِ وَالْجَمَاعَاتِ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، إِذْ يَحْصُلُ بِسَبِهِ فَسَادٌ عَرِيضٌ دِينِيٌّ وَدُنْيَوِيٌّ، وَعَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَخَاصَّتِهِمْ، وَلِهَذَا تَهَدَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَهُ وَتَوَعَّدَهُمْ بِالنَّارِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ » قِيلَ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الْجَمَاعَةُ» ))، أَيْ: الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ، وَعَلَى وَلِيِّ أَمْرِهِمُ الْمُسْلِمِ، فَلَمْ يَخْرُجُوا عَلَيْهِ، لَا بِالْقَوْلِ وَلَا بِالْفِعْلِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَحْزَابُ تَنْتَمِي لِمَذَاهِبَ كُفْرِيَّةٍ، وَعَقَائِدَ شِرْكِيَّةٍ، وَمَقَاصِدَ بَاطِنِيَّةٍ، وَأَهْوَاءَ مَاسُونِيَّةٍ، هَذَا أَشَدُّ وَأَنْكَرُ وَأَضَلُّ وَأَظْلَمُ وَأَطْغَى.

وَثَالِثُ مَعَاوِلِ الْهَدْمِ: فَتْحُ الْقُلُوبِ وَالْعُقُولِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ وَكَاتِبٍ، وَكُلِّ مَقْرُوءٍ وَمَسْمُوعٍ وَمَرْئِيٍّ، وَكُلِّ مَنْشُورٍ وَمَنْقُولٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَّةِ وَدِينِهَا وَحُكَّامِهَا وَاقْتِصَادِهَا وَجَيْشِهَا وَأَمْنِهَا وَأَعْدَائِهَا، نَاهِيكَ عَنْ إِذَاعَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِشْهَارِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَعَبْرَ أَجْهِزَةِ الْإِعْلَامِ الْمُخْتَلِفَةِ وَبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الْمُتَنَوِّعَةِ، وَزِدْ عَلَى ذَلِكَ الْعَجَلَةَ فِي اعْتِقَادِهِ وَتَصْدِيقِهِ، وَالْمُسَارَعَةَ إِلَى نَشْرِهِ وَتَوْسِيعِهِ، وَالْمُسَابَقَةَ إِلَى التَّعْلِيقِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْآخَرِينَ، إِذْ مِنْ الْكَلَامِ مَا لَا يَثْبُتُ، وَمِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ الْأَعْدَاءُ لِمَقَاصِدَ وَأَهْدَافٍ، أَوْ صَدَرَ عَنْ أَهْلِ خُصُومَةٍ وَفُجُورٍ فِيهَا، وَمِنْهُ مَا يُطْوَى وَلَا يُرْوَى لِكَثْرَةِ أَضْرَارِهِ وَمَفَاسِدِهِ، وَمِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ دَقِيقٍ وَعِلْمٍ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ أَبَانَتِ الشَّرِيعَةُ أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِعُمُومِ الْأُمَّةِ مَرْجِعُهُ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَلَيْسَ إِلَى آحَادِ الرَّعِيَّةِ وَلَا إِلَى مُحَلِّلِينَ وَكَتَبَةٍ سِيَاسِيِّينَ وَلَا إِلَى ضُبَّاطٍ وَعَسْكَرِيِّينَ، لِأَنَّ وُلَاةَ الْأَمْرِ وَمَنْ يُنِيبُونَ أَقْوَى عَلَى مَعْرِفَةِ ثُبُوتِهِ مِنْ عَدَمِهِ، وَأَدْرَى بِمَا يَتْبَعُهُ مِنْ مَصَالِحَ وَمَفَاسِدَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَلَدِ وَسَاكِنِيهَا وَحَرْبِهَا وَسِلْمِهَا وَاقْتِصَادِهَا وَأَعْدَائِهَا، فَقَالَ تَعَالَى: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ قَيْسٍ: (( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ )).

مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

إِنَّ دِفَاعَ الْمُسْلِمِ عَنْ بَلَدِهِ الْمُسْلِمَةِ بِلِسَانِهِ وَمَقَالِهِ بِحَقٍّ وَعَدْلٍ وَصِدْقٍ وَدُونَ بَغْيٍ وَظُلْمٍ مْدُوحٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، فَمَنْ دَافَعَ فَلْيَبْتَغِ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ لِيُؤْجَرَ وَيَنْفَعَ اللَّهُ بِرَدِّهِ وَيُسَدَّدَ فِيهِ، وَلْيَكُنْ دِفَاعُهُ نَافِعًا مُفِيدًا يَزِيدُ فِي إِيضَاحِ الْحَقِّ وَنُصْرَتِهِ وَيَصُبُّ فِي مَصْلَحَةِ بَلَدِهِ لَا ضِدَّهَا، وَيَكُونُ عَوْنًا وَرِفْعَةً لَهَا لَا زِيَادَةَ شَرٍّ وَبَلَاءٍ عَلَيْهَا، مُقَرَّرًا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَمُنْضَبِطًا بِالشَّرْعِ وَأَحْكَامِهِ، ظَاهِرًا بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، مُجَلَّلًا بِالصِّدْقِ وَالرِّفْقِ وَاللِّينِ، مُتَّسِمًا بِالْأَدَبِ وَطَيِّبِ الْكَلَامِ، بَعِيدًا عَنْ فَاحِشِ الْكَلَامِ وَبَذِيئِةِ، مُجَانِبًا التَّعَرُّضَ لِلمَنْاطِقِيَّةِ وَالقَوْمِيَّاتِ وَالعَشَائِرِ وَالْقَبَلِيَّةِ وَالْعِرْقِيَّاتِ لِئَلَّا يُهَيِّجَهُمْ ضِدَّ بِلَادِهِ، وَمُرَاعِيًا فِيهِ لِلْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَحَرِيصًا عَلَى أَنْ يُحَقِّقَ بِهِ أَهْدَافًا سَامِيَةً شَرِيفَةً، وَتَتَحَقَّقَ مِنْهُ غَايَاتٌ نَبِيلَةٌ، وَلَيْسَ لِأَجْلِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ رَدَّ وَدَافَعَ وَمَعَ بِلَادِهِ وَأَهْلِهَا وَكَانَ وَطَنِيًّا، إِذْ نُصْرَةُ الْمَظْلُومِ بِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، وَنُصْرَةُ الظَّالِمِ بِالْأَخْذِ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَشْفِ ظُلْمِهِ وَبَغْيِهِ وَعُدْوَانِهِ حَتَّى لَا يَظْلِمَ أَوْ يَسْتَمِرَّ فِي ظُلْمِهِ مَشْرُوعَةٌ مَمْدُوحَةٌ مَأْجُورٌ عَلَيْهَا، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ فَقَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ )).

مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

إِنَّ أَوْلَى وَأَحَقَّ الْبُلْدَانِ أَنْ يُدَافَعَ عَنْهَا بِحَقٍّ وَعَدْلٍ إِذْ بُغِيَ عَلَيْهَا وَظُلِمَتْ أَوْ سُعِيَ فِي تَشْوِيهِ صُورَتِهَا وَمَكَانَتِهَا: بِلَادَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، لِأَنَّهَا أَرْضُ الرِّسَالَةِ وَالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَلَدُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبَيْنَ مَسْجِدَيْهَا يَأْزِرُ الْإِسْلَامُ، وَفِيهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَمِنْ أَهْلِهَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ وَأَفْضَلُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ، وَمِنْهَا انْتَشَرَتْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ إِلَى أَصْقَاعِ الدُّنْيَا الْمُخْتَلِفَةِ فَآمَنَ مِئَاتُ الْمَلَايِينِ، وَبِلَادٌ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَالْمَكَانَةِ مَقْصُودَةٌ كَثِيرًا بِالْإِضْرَارِ وَالْإِفْسَادِ وَالْإِضْعَافِ وَالتَّدْمِيرِ وَالتَّشْوِيهِ وَالتَّنْفِيرِ مِنْ قِبَلِ أَعْدَاءِ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ وَدُعَاةِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالَةِ وَأَهْلِ الْفُجُورِ وَالْمُجُونِ وَالرَّذِيلَةِ وَأَصْحَابِ الْفَسَادِ وَالْإِجْرَامِ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَقْصُودُ الْمَاكِرُ الْمُنْكَرُ الْكُبَّارُ إِلَّا لِأَجْلِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْقَائِمِ فِيهَا وَالْخَارِجِ إِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ مِنْهَا، وَلَيْسَ بِسَبَبِ لَوْنٍ أَوْ جِنْسٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ شَخْصٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَمَنْ أَعَانَ عَلَيْهَا فَقَدْ أَعَانَ عَلَى دِينِهِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى مُقَدَّسَاتِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى أَهْلِ وَبِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ دَافَعَ عَنْهَا فَقَدْ سَعَى لِحِفْظِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَبِلَادِهِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ عَوْنُهُ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ وَمُقَدَّسَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ نَصَّ عَلَى ثُبُوتِهِ جَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )).

أَعَانَنَا اللهُ: عَلَى نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَبِلَادِهِ، وَغَفَرَ لَنَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

اتَّقُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ بِلُزُومِ شَرْعِهِ، وَالْعَمَلِ بِأَحْكَامِهِ، يَحِقُّ لَكُمْ رِضْوَانُهُ، فَتُفْلِحُوا وَتَسْلَمُوا مِنْ شُرُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَمَعْصِيَتَهُ وَالْعُدُولَ عَنْ حُكْمِهِ وَشَرْعِهِ، فَإِنَّمَا هَلَاكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عِصْيَانُهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ آمِرًا وَمُبَشِّرًا: { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }، وَقَالَ تَعَالَى مُرَهِّبًا وَمُحَذِّرًا: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.

مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ:

لَا رَيْبَ أَنَّ عَدَاوَةَ وَبُغْضَ الْكَافِرِينَ لَنَا وَلِدِينِنَا الْإِسْلَامِ، وَإِرَادَتَهُمْ كُفْرَنَا بِرَبِّنَا سُبْحَانَهُ وَذَهَابَ الْخَيْرِ عَنَّا وَنُزُولَ الشَّرِّ بِنَا لَأَمْرٌ مَعْرُوفٌ لِجَمِيعِنَا، وَأَخْبَرَنَا بِهِ اللهُ خَالِقُنَا وَخَالِقُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنَّا، أَعْلَمُ بِظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ، وَمَا فَعَلُوا وَمَا سَيَفْعَلُونَ، وَمَاذَا يُخَطِّطُونَ، وَكَيْفَ يَكِيدُونَ، وَمَتَى سَيَمْكُرُونَ، وَتَارِيخُنَا الْبَعِيدُ وَالْقَرِيبُ وَوَاقِعُنَا الْمُعَاصِرُ شَاهِدٌ وَحَافِلٌ بِدَلَائِلِ هّذَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْأَمْرِ: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ }، وَقَالَ تَعَالَى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }، وَقَالَ ــ جَلَّ وَعَزَّ ــ: { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ }، وَمَعَ كُلِّ هَذَا  فَإِنَّنَا لَا نَخْشَاهُمْ، لِأَنَّ أَمْرَنَا وَأَمْرَهُمْ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ مُطَمْئِنًا لَنَا: { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }.

هَذَا وَأَسْأَلُ اللَّهَ: أَنْ يَرْزُقَنَا الْفِقْهَ فِي دِينِهِ وَالْعَمَلَ بِشَرِيعَتِهِ، وَتَعْظِيمَ أَوَامِرِهِ وَزَوَاجِرِهِ، وَالْوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، وَبُغْضَ مَعْصِيَتِهِ، وَإِنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَإِبْطَالَهُ، اللَّهُمَّ: أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَاجْعَلْ بُلْدَانَ الْمُسْلِمِينَ آمِنَةً مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ، اللَّهُمَّ: أَصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ، وَسَدِّدْ وُلَاتَهُمْ وَجُنْدَهُمْ وَدُعَاتَهُمْ وَشَبَابَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ لِمَرَاضِيكَ، وَارْحَمْ مَوْتَاهُمْ، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.