حُرمَة التمسح بالقبور ومقام إبراهيم وجُدران الكعبة وأبدان الصالحين طلبًا للبركة
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ الذي حبَّبَ إلينا التمسُّكَ بالسُّننِ النَّبويَّةِ، وكرَّهَ إلينا البِدَعَ المُحدَثَةِ، وأعزَّنَا فجعَلَنَا مِن أهل السُّنَّةِ، ورَحِمَنَا فلَمْ يجعَلْنَا مِن أهلِ البِدْعَةِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الآمِرُ بالتَّمَسُّكِ بالسُّنَّةِ، المُحذِّرُ في حُطَبِهِ مِنَ البِدْعَةِ، وصلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وسلَّمَ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فإنَّ مَن نَظرَ إلى حالِ أعدَادٍ كثيرَةٍ مَمَّن يَنتسِبُ إلى الإسلامِ: فسَيجِدُ ما يُحزِنُ القلبَ، ويُتأسَّفُ ويُتألَّمُ ويُستَغْرَبُ لِحُصولِهِ، ويُنكَرُ ويُقبَّحُ، إذْ أصبَحُوا أُسَرَاءَ الجَهلِ، سُجَنَاءَ العادَةِ، غُرَبَاءَ العقلِيَّةٍ، مُقلِّدَةً لِضعافِ الدِّينِ والعلمِ، أتْبَاعًا لأهلِ البِدَعِ والضَّلالِ، فبَاتُوا يَتعلَّقونَ بالخِرَقِ والأقمِشَةِ، والجُدرَانِ والأعْمِدَةِ، وأبدَانِ وثِيابِ وأطعمَةِ وشَرابِ وبُزَاقِ عِبادٍ مِثلِهِم، في شِفاءِ أمراضِهِم، وانتِفاعِ أجسادِهِم، وحُلولِ البَركَةِ في بُيوتِهِم ومراكِبِهِم ومتاجِرِهِم وأموالِهِم وأهلِيهِم وأجسَامِهِم، ودَفْعِ الشُّرورِ عنهُم وحِمَايَتِهِم مِمَّا يخافونَ ويَكرَهُونَ ويُحاذِروُنَ.
فتَرَاهُم إذا اعتمَروا أو حَجُّوا: استلَمُوا وتَمسَّحُوا بأيدِيهِم بزُجَاجِ مقامِ إبراهيمَ، ولِبَاسِ الكعبَةِ وجُدرَانِهَا، وحِجَارَةِ جِبالِ الصَّفا والمَروَةِ وعرَفَةَ وغارِ حِرَاءٍ، ثمَّ مسَحوا بها ما استطاعُوا مِن أبدانِهِم.
وتَرَاهُم إذا زَارُوا قُبورَ مَن يَعتقِدُونَ أنَّهُم أولِياءَ صالِحينَ: تَمسَّحوا بحِجارَةِ قُبورِهِم وتُرْبَتِهَا وما وُضِعَ عليها مِن بِنَاءٍ وقُبَبٍ وسُتورٍ وأبوابٍ وأعمِدَةَ.
وتَرَاهُم إذا زَارَهُم أوِ التَقَوا بحَيٍّ مِمَّن يَعتقِدونَ صلاحَهُ أوْ أنَّهُ وَلِيٌّ: تمسَّحوا ببَدَنِهِ وثيابَهِ وبُزاقِهِ، وأكَلوا وشَرِبُوا مِن نفسِ موضِعِ أكلِهِ وشُرْبِهِ وما بَقِيَ مِن طعامِهِ وشرابِهِ، وتنافَسوا معَ غيرِهِم عليهِ.
وتَرَاهُم يَمسَحُونَ بخِرَقِهِم ومَنادِيلِهِم وأغْطِيَةِ رُؤوسِهِم وخِمَارِ رأسِ ووجْهِ المرأَةِ: جُدرَانَ الكعبَةٍ وزُجَاجَ مَقامِ إبراهيمَ وقبورَ الصحابَةِ والصالِحينَ وما حولَهَا مِن أشياءٍ، ثُمَّ يَمسحُونَ بها أبدانَهُم أوْ يَلبَسُونَهَا أوْ يُلبِسُونَهَا أهلِيهمِ أوْ يُعلِّقُونَهَا في جُدرَانِ بُيوتِهِم أوْ يُقطِّعُونَهَا خُيوطًا ويَربِطونَهَا على أعناقِهِم أوْ عَضُدِهِم أوْ على صِغارِهِم ومَرْضَاهُم لِتَحصُلَ لَهُم البَرَكَةُ، وتَحْمِيَهُم وتَدفعَ عنهُم ما يَخشونَ، وتُزِيلَ أو تُخفِّفَ المرَضَ.
وهذا: مِنَ الباطلِ الكُبَّارِ، والمُنكَرِ الغليظِ، والإثْمِ الشَّديدِ، والجْهلِ الشَّنيعِ، وعادَةِ اليهودِ والنَّصارَى والمجوسِ والبُوذِيينَ والهُندوسِ وأضْرَابِهِم، وأفعالِ أهلِ الجاهِليَّةِ الأُولى قبْلَ الإسلامِ.
وأُمورُ العِبادِ مِن نَفعٍ وضُرٍّ وإنعامٍ وبلاءٍ وعافيَةٍ وشَفاءٍ وبرَكَةٍ ومُبارَكَةٍ ودفْعٍ وحِمايِةٍ وحِفظٍ وسلامَةٍ بيَدِ الله وحْدَهُ، وقدْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ }، وأمَر اللهُ نَبِيَّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم في القرآنِ بأنْ يُعلِنَ في النَّاس بقولِهِ عن نفسِه: { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا }،{ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ }، والخلْقُ وإنْ عَظُمُوا وتكاثَروا وتعاضَدُوا ليسَ بيَدِهِم ولا إليهِم شيءٌ مِن ذلِكَ، إذْ ثبتَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ))، والمُبَارِكُ هوَ اللهُ وحْدَهُ، والبَرَكَةُ مِنهُ، والمُبَارَكَةُ مَرْجِعُهَا إليهِ، فلْتُطلَبْ مِنهُ وحْدَهُ، وتُبْتَغَى مِن عندِهِ، وقدْ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( الْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ )).
أيُّها المُسلِمونَ:
الكعبَةُ المُشرَّفَةُ أعظمُ بُيوتِ اللهِ، والحَجَرُ الأسوَدُ نَزلَ مِنَ الجَنَّةِ، إذْ ثبتَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قالَ: (( نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ ))، وإذا استَلَمْنَا الحَجَرَ الأسوَدَ ومسَحْناهُ بأيدِينَا أوْ قَبَّلْنَاهُ بأفوَاهِنَا فليسَ لأنَّهُ يَنفعُ ويَضُرُّ، ويَشفِي ويُبارِكْ أنفُسَنَا وأبدَانَنَا، بلْ تَأسِّيًا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم، واتِّبَاعًا لسُنَّتِّهِ، ولَو لَمْ يُنقل ْعنهُ صلى الله عليه وسلم لَمَا فعَلْنَاهُ، حيثُ صحَّ في تأكيدِ هذا عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ حِينَ أتَى إلى الحَجَر الأسوَدَ: (( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ ))، وفي لفظٍ آخَرَ: (( إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ))، والاستِلامُ هوَ: المَسحُ باليَدِ.
أيُّها المُسلِمونَ:
مَن نَظرَ إلى هذا التَّمسُّحِ، وإلى المَقصدِ مِنهُ، ودَرَسَهُ، وفتَّشَ عنهُ في الكُتبِ والتاريخِ والواقِعِ المُعاصِرِ وكلامِ أهلِ العلمِ: فسَيَجِدُ أنَّهُ مِن أفعالِ وعادَاتِ ومقاصِدِ أهلِ الكُفرِ بجميعِ مِلَلِهِم، ونَقلَهُ إلينا ونَشرَهُ في بُلدَانِنَا الشِّيعَةُ الرَّافِضَةُ وغُلاةُ الصُّوفِيَّةِ، وأصبَحَ لِكُلِّ راءٍ مِن أبرَزِ صِفاتِهِم، وأظهَرِ أفعالِهِم، وأشهَرِ عادَاتِهِم.
وأمَّا النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ والتَّابِعونَ وباقِي السَّلَفِ الصَّالِحِ مِن أهلِ القُرونِ الأُولى وأئِمَّةُ المذاهبِ الأربعَةِ وتلامِيذُهُم ومَن في زَمَنِهِم مِن الفُقهاءِ والمُحدِّثينَ: فلَمْ يكونوا مِن أهلِ ذلِكَ، ولا دُعاتِهِ، ولا ثبتَ عنهُم، بلْ قدْ نُقِلَ اتِّفاقُهُم وإجماعُهُم على النَّهيِّ عنهُ وكراهَتِهِ وتَحرِيمِهِ.
وقد صحَّ عنِ ابنِ جُريجٍ أنَّهُ قالَ لِمُفتِي المُسلِمينَ في الحجِّ وتِلميذِ بعضِ الصحابَةِ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: (( أَرَأَيْتَ أَحَدًا يُقَبِّلُ الْمَقَامَ أَوْ يَمَسُّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا أَحَدٌ يُعْتَبَرُ بهِ فَلَا ))، وقالَ الفقيهُ ابنُ مُفلحٍ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «ولا يُشرَع تَقبيلُ المَقامِ ومسْحُهُ إجماعًا»، وقال العلامَةُ السِّعديُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «العلماءُ اتَّفقوا على: أنَّهُ لا يُشرَعُ التَّبرُّكُ بشيءٍ مِنَ الأشجارِ والأحجارِ والبُقَعِ والمَشاهِدِ وغيرِهَا»، وقالَ الإمامُ ابنُ تيمِيَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وأمَّا سائِرُ جَوَانِبِ الكعبَةِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وسائِرُ ما في الأرضِ مِن المساجِدِ وحِيطانِهَا، ومقابُرُ الأنبياءِ والصالِحينَ كحُجْرَةِ نبَِيِّنَا صلى الله عليه وسلم ومَغارَةِ إبراهيمَ ومَقامِ نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم الذي كانَ يُصلِّي فيهِ، وغيرِ ذلِكَ مِن مقابِرِ الأنبياءِ والصالِحينَ وصَخْرَةِ بيتِ المِقْدسِ فلا تُستَلَمُ ولا تُقبَّلُ باتِّفاقِ الأئِمَّةِ»، وقالَ أيضًا: «وأَمَّا التَّمسُّحُ بالقبرِ أَيَّ قبرٍ كانَ وتقبيلُهُ وتمرِيغُ الخَدِّ عليهِ فمَنْهِيُّ عنهُ باتفاقِ المُسلِمينَ، ولَو كانَ ذلِكَ مِن قُبورِ الأنبياءِ، ولمْ يَفعلْ هذا أحَدٌ مِن سَلَفِ الأمَّةِ وأئِمَّتِهَا»، وقالَ الفقيهُ مَرْعِيٌّ الكَرْمِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وأمّا تقبيلُ القبورِ والتَّمسُّح بها فهوَ بدْعَةٌ باتِّفاقِ السَّلَفِ، فيُشدَّدُ النَّكيرُ على مَن يَفعلُ ذلِكَ»، وقالَ الفقيهُ ابنُ رجَبٍ الحنبَلِيُّ البغدَاديُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ عنِ التَّبَرُّكِ بآثارِ الصالِحينَ: «وكذلِكَ التَّبَرُّكُ بالآثارَ، فالصحابَةُ لمْ يكونوا يفعلونَهُ معَ بعضِهِم ببَعضٍ، ولا يفعلُهُ التابِعونَ معَ الصحابَةِ معَ عُلوِّ قدْرِهِم، وهذهِ الأشياءُ فِتنَةٌ لِلمُعَظِّمِ ولِلمُعَظَّمِ لِمَا يُخشَى عليهِ مِنَ الغُلوِّ المُدْخِلِ في البدْعَةٍ، ورُبَّمَا يَترَقَّى إلى نوعٍ مِنَ الشِّركِ، وكُلُّ هذا إنَّما جاءَ مِنَ التَّشبُّهُ بأهلِ الكتابِ والمشرِكينَ الذي نُهِيَتْ عنهُ هذهِ الأُمَّةِ»، وقالَ الفقيهُ النَّوَوِّيُ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «لا يجوزُ أنْ يُطافَ بقبرِهِ صلى الله عليه وسلم، ويُكرَهُ إلصَاقُ الظهرِ والبَطنِ بِجدارِ القبرِ، قالَهُ أبو عُبيدِ اللهِ الحَلِيميُّ وغيرُهُ، قالوا: ويُكرَهُ مسْحُهُ باليدِ وتقبيلُهُ، هذا هوَ الصَّوابُ الذي قالَهُ العلماءُ، وأطبَقوا عليهِ، ولا يُغترُّ بمُخالَفَةِ كثيرينَ مِنَ العَوامِّ وفِعلِهِم ذلِكَ، فإنَّ الاقتداءَ والعملَ إنَّما يكونُ بالأحاديثِ الصَّحيحَةِ، ولا يُلتَفَتُ إلى مُحدَثاتِ العَوامِّ وغيرِهِم وجهَالاتِهمِ، ومَن خَطرَ ببالِهِ أنَّ المَسحَ باليدِ ونحوَهُ أبلَغُ في البَرَكَةِ فهوَ مِن جهالَتِهِ وغفلَتِهِ، لأنَّ البَرَكَةَ إنَّما هيَ فيما وافقَ الشَّرعَ، وكيفَ يُبْتغَى الفضلُ في مُخالَفَةِ الصَّوابِ».
ألَا فاتَّقوا اللهَ باجتِنابِ هذا كُلِّهِ، وحاذِرُوا أنْ تكونوا مِن أهلِهِ، واحمَدُوا رَبَّكُم كثيرًا أنْ سلَّمَكُم مِنهُ، ومِن تلبِيسِ دُعاتِهِ، والحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا.
الخطبة الثانية: ــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ المُوفِّقِ المُعِينِ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ على أنبيائِهِ وجميعِ المُؤمِنينَ.
أمَّا بعدُ، أيُّها المُسلِمونَ:
فلا يَزال العلماءُ في كُلِّ زَمانِ يُنكرِون التَّمسُّحَ والتَّبَرُّك بالقُبورِ والصالِحينَ والأشياءِ المُعظَّمَةِ، عمَلًا بقولِ رَبِّهِم سُبحانَهُ: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }، فقالَ الفقيهُ الزَّعفَرانِيُّ الشافِعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «واستلامُ القبورِ وتقبيلُهُا الذى يفعلُهُ العَوامُّ الآنَ مِن المُبتدَعاتِ المُنكَرَةِ شرْعًا، يَنبَغِي تَجنُّبُ فِعلِهِ، ويُنهَى فاعلِهُ»، وقال الفقيهُ أبو مُوسَى الأصبَهانِيُّ الشافَعيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «قال َالفقهاءُ المُتبحِّرونَ الخُرَاسَانِيونَ: لا يَمسحُ القبرَ ولا يُقبِّلُهُ ولا يَمسُّهُ فإنَّ ذلِكَ عادَةُ النَّصارَى»، وقالَ الفقيهُ عبدُ القادرِ الجَيلانيُِّ الحَنبلِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وإذا زَارَ قبرًا لا يَضَعُ يدَهُ عليهِ ولا يُقبِّلُهُ فإنَّهُ عادَةُ اليهودِ»، وقالَ الفقيهُ زَرُّوقٌ المالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «مِنَ البِدَعِ التُّمسُّحُ بالقبرِ عندَ الزِّيارَةِ، وهوَ مِن فِعل ِالنَّصارَى، وحمْلُ تُرابِ القبرِ تَبرُّكًا بِهِ، وكُلُّ ذلِكَ ممنوعٌ، بلْ يَحرُمُ»، وقالَ الفقيهُ الطَّحْطَاوِيُّ الحَنفِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «ولا يَمسُّ القبرَ ولا يُقبِّلُهُ فإنَّهُ مِن عادَةِ أهلِ الكتابِ، ولمْ يُعهَدِ الاستِلامُ إلا لِلحَجَرِ الأسوَدِ والرُّكنِ اليمانِيِّ خاصَّة»، وقالَ الفقيهُ ابنُ الحَاجِّ المالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «فتَرَى مَن لا عِلم َعندهُ يَطوفُ بالقبرِ الشريفِ كما يطوفُ بالكعبَة الحرَامِ، ويَتمسَّحُ بِهِ ويُقبِّلِهُ، ويُلقُونَ عليهِ منادِيلَهُم وثِيابَهُم يَقصِدونَ بِهِ التَّبرُّكَ، وذلِكَ كُلُهُ مِن البِدَعِ، لأنَّ التَّبرُّكَ إنَّما يكونُ بالاتِّباعِ لَهُ ــ عليهِ الصلاةُ والسلامُ ــ، وما كانَ سببُ عبادَةِ الجاهِليَّةِ لِلأصنامِ إلا مِن هذا البابِ، ولأجْلِ ذلِكَ كَرِهَ عُلماؤُنَا التَّمسُّحَ بجُدَارَ الكعبَةَ أوْ بجُدرَانِ المسجدِ أوْ بالمُصحَفِ إلى غيرِ ذلِكَ مِمَّا يُتبرَّكُ بِهِ، سَدَّا لِهذا البابِ، ولِمُخالَفَةِ السُّنَّةِ»، وقالَ الفقيهُ المِصرِيُّ عبد السلامِ الشُّقِيرِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وتَقبيلُ القبرِ والطّوافُ بِهِ والتَّمسُّحُ بِهِ والتَّبرُّكُ بِهِ وبتُرابِهِ والانحِنَاءُ عِندَهُ كُلُّهُ مِن فِعلِ أهلِ الجاهِليَّةِ الأُولَى، ولا يَقبَلُ الإسلامُ مِنهُ شيئًا أصْلًا».
هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يُوَفِّقَنَا لِمعرِفَةِ الحقِّ واتِّباعِهِ، ومعرِفَةِ الباطِلِ واجتِنَابِهِ، اللهمَّ: مُنَّ علينا بالتوبَةِ والإنابَةِ والخشيَةِ، وأكرِمْنَا باتِّباعِ التوحيدِ والسُّنَّةِ والطاعَةِ، وارْحَمْنَا باجتِنابِ الشِّركِ والبِدعَةِ والمعصيَةِ، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينا ولِجميعِ المُسلِمينَ والمُسلِماتِ أحياءً وأمواتًا، ووَفِقْ الحُكَّامَ للِمَا تُحبٌّ وتَرضَى، إنَّك سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكَم.