إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > الفقه > حطبة مكتوبة بعنوان: « شروط تهم معرفتها من دخل في التجارة وسوق البيع والشراء »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

حطبة مكتوبة بعنوان: « شروط تهم معرفتها من دخل في التجارة وسوق البيع والشراء »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 5 نوفمبر 2018
  • 8٬835
  • إدارة الموقع

شُروط تَهُمُّ مَعرِفَتُها مَن دَخَل في التِّجارَة وسُوق البَيع والشِّراء

الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ الذي رفَعَ قدْرَ العِلمِ وعظَّمَهُ، ووَفَّقَ لِلتفقُّهِ في الدِّينِ مَن اختارَهُ وفهَّمَهُ، وأعَزَّ العامِلَ بِهِ وأكثَرَ أجْرَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، بيَّنَ الحلالَ والحرَامَ لأُمَّتِهِ وأشهَرَهُ، فصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أهلِ طاعَتِهِ.

أمَّا بعد، أيُّها النَّاسُ:

فاتقوا اللهَ سُبحانَهُ بتَجَنُّبِ ما حرَّمَ عليكُم في بَيعِكُم وشِرائِكُم، فإنَّ الحَلالَ والحرَامَ بفضلِ اللهِ بَيِّنٌ وواضِحٌ، وهُناكَ أُمورٌ قدْ تَشتَبِهُ على كثيرٍ فلا يَعرِفونَ حُكمَهَا، ومَن اتَّقَى الشُّبُهاتِ سَلِمَ لَهُ دِينُهُ وعِرْضُهُ، ومَن وقعَ في الشُّبُهاتِ وقعَ في الحرِامِ، وقدْ قالَ سُبحانّهُ: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ }.

وإنَّ مِن رحمَةِ اللهِ بعبادِهِ وحِكمَةِ شريعتِهِ وتكامُلِهَا: أنْ أُحِلَّ لنا البيع والشراء مع الناس كافة، مؤمنِهم وفاسقهم وكافرِهم، لأنَّ ما في أيديهم مِن أطعمة وألبسة وأجهزة وآلات وعقار وغيرها لا يعطونها محتاجها في غالب الأحوال إلا بثمن ومقابل، فقال الله سبحانه: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا }، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }.

ومَن أرَادَ أنْ يَدخلَ السُّوقَ، ويَعملَ في البيعِ والشِّراءِ ويكونَ تاجِرًا، ويَلِجَ بابَ الأسهُمِ والمُساهَماتِ والمُضَارَباتَ التِّجاريَّةِ والمُرابَحَةِ: فإنَّهُ لا يَقدُمُ عليها حتَّى يَتعلَّمَ ويَتفقَّهَ في أحكامَ ما هوَ مُقبِلٌ فِعلِهِ مِنها وإلا وقعَ في الحرَامِ كالرِّبا وبُيوعُ الغَرَرِ وبَيعِ وشِرَاءِ ما فيهِ جَهَالَةٌ والمَيسِرِ والقِمارِ، وقدْ قالَ الفقيهُ القَبَّابُ المِالِكِيُّ وغيرُهُ مِن فقهاءِ المذاهبِ الأُخْرَى: «لا يجوزُ لِلإنسانِ أنْ يَجلسَ في السُّوقِ حتَّى يَعلَمَ أحكامَ البيعِ والشِّراءِ، فإنَّهُ يكونُ حِينَئِذٍ فرْضًا واجِبًا عليهِ»، وثبتَ أنَّ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ ))، وكانَ حُكَّامُ المُسلِمينَ فيما مضَى يُخرِجونَ مَن يَقعُدُ في السُّوقِ لِلتِّجارَةِ وهوَ لا يَعرِفُ الأحكامَ الشرعِيَّةَ لِلبيعِ والشِّراءِ، لِئَلَّا يَقعَ في الحرَامِ أوْ يُدخِلَ أسواقَ النَّاسِ ما يَحرُمُ أوْ يُطعِمَهُم ما لا يَحِلُّ.

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ البيعَ والشِّراءَ جائِزٌ بشُروطٍ عِدَّةٍ، وإذا لمْ تُوجَدْ لمِ يَصِحَّ البيعُ، فاعرِفُوهَا واحرِصُوا على فَهْمِهَا وحِفْظِهَا لِتَسلَموا مِن الحرَامِ وأكلِهِ ونشرِهِ والإعانَةِ عليهِ، وهَاكُم هذهِ الشُّروط:

الشَّرْط ُالأوَّلُ: حُصولُ التَّرَاضِي مِنَ البائِعِ والمُشتَرِي، فمَن أُكْرِهَ على بَيعِ ما يَملِكُ أوِ شِراءِ ما لا يُريدُ فالعَقدُ باطِلٌ ولمْ يَصِحَّ البيعُ والشِّراءُ، لِقولِ اللهِ سُبحانَهُ: { إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }، ولِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ ))، وقالَ الفقيه ابنُ تَيمِيَّةَ: «بَيعُ المُكرَهِ بغيرِ حقٍّ بَيعٌ غيرُ لازِمٍ باتفاقِ المُسلِمينَ».

الشَّرْطُ الثاني: أنْ يكونَ البائِعُ والمُشتَرِي جائِزُ التَّصَرُّفِ، ويجوزُ لَهُمَا التَّصَرُّفُ بَيعًا وشِرَاءً إذا كانا عاقِلَينِ رَشِيدَينِ غيرَ مجنونَينِ ولا سَفِيهَينِ، إذْ قالَ اللهُ سُبحانَهُ: { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ }، وقالَ تعالى: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ }، وقالَ الفقيهُ ابنُ تَيمِيَّةَ: «وأمَّا المجنونُ فلا تَصِحُّ عُقودُهُ باتفاقِ العلماءِ، فلا يَصِحٌّ بَيعُهُ ولا شِراؤُه»، وإنِ اشترَى المجنونُ شيئًا ثُمَّ وافقَ ولِيُّهُ على شِرَائِهِ لمْ تَنفعْ مُوافَقتُهُ باتفاقِ العلماءِ، وقالَ الفقيهُ المَاوَرْدِيُّ الشافِعيُّ: «أمَّا المجنونُ فشِراؤُهُ باطِلٌ ولا يَقِفُ على إجازَةِ الوَلِيِّ إجماعًا».

والصغيرُ لَهُ حالانِ:

الحالُ الأوَّل: أنْ يكونَ غيرَ مُمَيِّزٍ لِشدَّةِ صِغَرِ سِنِّهِ، ولا يَعرِفُ ما البيعُ والشِّرَاءُ، ولا أنَّهُ يُقصَدُ مِنهُمَا المِلْكَ والرِّبحَ، ولا يَعرِفُ الغَبْنَ اليسيرَ مِن الفاحِشِ فيهِما، وهذا لا يَصِحُ بَيعُهُ وشِرَاؤُهُ باتفاقِ العلماءِ، وقالَ الفقيهُ ابنُ بَزِيزَةَ المالِكيُّ: «ولمْ يَختلِفِ العلماءُ أنَّ بيعَ الصغيرِ باطِلٌ لِعدَمِ التَّمييزِ».

الحالُ الثاني: أنْ يكونَ مُميِّزًا لَكِنَّهُ لمِ يَبلُغْ بعُد، ولا يَعرِفُ البيعَ والشِّرَاءَ ولا المَقصدَ منهُما، ولا الغَبْنَ اليسيرَ فيهِما مِنَ الفاحِشِ، وهذا لا يَصِحُ بَيعُهُ وشِرَاؤُهُ فيما هوَ كثيرٌ أوْ كبيرٌ أو جَليلٌ مِنَ السِّلعِ في عُرْفِ النَّاسِ، ولِوَلِيِّهِ فسْخُ البيعِ ورَدُّ السِّلعَةِ أوِ الثَّمَنِ، وإنْ وافَقَ ولِيُّهُ على بيعِهِ وشِرائِهِ صَحَّا، وأمَّا إذا كانَ ما باعَهُ أوِ اشترَاهُ مِنَ السِّلعِ يُعتبَرُ يَسيرًا عندَ النَّاسِ فيَصِحُّ بَيعُهُ وشِراؤُهُ مِن غيرِ إذنْ ولِيِّهِ، وقدْ جاءَ: (( أنَّ أبَا الدَّرْدَاءِ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ ))، وأمَّا سَفيهُ العقلِ الذي ليسَ برَشِيدٍ ولو كانَ بالِغًا، فلا يَصِحُّ بَيعُهُ وشِرَاؤُهُ إذا لمْ يَأذنْ ولِيُّهُ، وإلى هذا ذهبَ أكثرُ العلماءِ.

الشَّرْطُ الثالِثُ: مَعرِفَةِ البائِعِ والمُشتَرِي لِلسِّلعَةِ المُباعَةِ والمُشترَاةِ، ولِثَمَنِهَا المُتَّفَقِ عليهِ بينَهُما، إذْ لا يجوزُ بَيعُ وشِرَاءُ سِلْعَةٍ مجهولَةٍ لا تُعْرَفُ، ولا بَيعُ وشِرَاءُ سِلْعَةٍ معلومَةٍ بثمَنٍ مجهولٍ لا يُعرَفُ قدْرُهُ ونوعُهُ، باتِّفاقِ العلماءِ، ولأنَّ هذا مِن بَيعِ الغَرَرِ المُحرَّمِ الذي نُهِيَ عنهُ شَرْعًا، حيثُ صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: (( نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ))، ولأنَّ جَهالَةِ السِّلْعَةِ أوِ الثَّمَنِ يُفْضِيانِ إلى الخُصومَةِ والنِّزاعِ بينَ البائِعِ والمُشتري، وقدْ حرَّمَتِ الشَّريعَةُ بُيوعًا عدِيدَةً لأنَّها تَؤُولُ وتُفضِي إلى الخُصوماتِ.

وتُعرَفُ السِّلْعَةُ المُباعَةُ والمُشترَاةُ وتَزولُ جَهَالَتُهَا بأحَدِ أمرَينِ: الأوَّلُ: بمُشاهدَةِ المُشتَرِي لَهَا بعَينِهِ، والثاني: بالوصْفِ الدَّقيقِ لَهَا مِنَ البائِعِ.

وإذا كانتِ السِّلعَةُ قدِ اشْتُرِيَتْ بالدَّينِ أوِ التقسيطِ: فلا بُدَّ أنْ يكونَ أجَلُ السَّدَادِ معلومًا غيرَ مَجهولٍ باتفاقِ العلماءِ، وقالَ الفقيهُ النَّوَوِيُّ الشافِعيُّ: «اتَّفَقوا ــ أي: العلماء ــ على أنَّهُ لا يجوزُ البيعُ بثمَنٍ إلى أجَلٍ مَجهولٍ»

الشَّرْطُ الرابِعُ: القُدْرَةُ على تَسلِيمِ السِّلْعَةِ المُباعَةِ، ولا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يَبيعَ شيئًا لا يَقدِرُ على تسلِيمِهِ باتفاقِ العلماءِ، مِثْلَ: أنْ يَبيعَ صَقْرًا يَطيرُ في الهواءِ لمْ يَصِدْهُ بعدُ أوْ سَمَكًا لا يَزال يَسبَحُ في البحرِ أو سيارَةً سُرِقَتْ مِنهُ ولمْ يَجِدْهَا بعدُ أوْ ناقَةً أو شَاةً أو ساعَةً ضَاعَتْ مِنهُ، لِمَا ثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))، وقالَ الفقيهُ المَازِرِيُّ المالِكيُّ: «أجمعوا على: مَنعِ بَيعِ الطيرِ في الهواءِ والسَّمَكِ في الماءِ»، ونَقلَ الفقيهُ ابنُ عبدِ البَرِّ المالِكيُّ: اتفاقَ علماءِ المُسلِمينَ على أنَّ بَيعَ العبدِ الهارِبِ مِن صاحِبِهِ والجِمِلِ الشَّارِدِ فاسِدٌ مَرْدُودٌ.

الشَّرْطٌ الخامِسُ: أنْ تكونَ السِّلْعَةُ مَملوكَةً لِلبائِعِ حِينَ عَقْدِ الصَّفقَةِ عليها، ولا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يَبيعَ شيئًا لا يَملِكُهُ أوْ شيئًا اشترَاهُ ولمْ يَقْبِضْهُ بعدُ، لِمَا صحَّ أنَّ ابنَ عباسٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ )) ثُمَّ قالَ ابنُ عباسٍ عَقِبَهُ: (( وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ ))، وثبتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لَا يَحِلُّ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ))، وقالَ الفقيهُ الجَصَّاصُ الحَنفِيُّ: «أهلُ العلمِ مُتَّفِقونَ على: حَظْرِ كثيرٍ مِن البَيَاعَاتِ، نَحوِ: بَيعِ ما لمْ يَقبِضِ، وبَيعِ ما ليسَ عندَ الإنسان».

وبعضُ البَاعَةِ: قدْ يأتِيهِم زَبُونٌ لِشرَاءِ سِلْعَةٍ مِنهُم، وهِيَ ليسَتْ عندَهُم، فيَعقِدُونَ معَهُ البَيعَ عليها، وبنِيَّتِهِم أنْ يَذهَبوا إلى جِيرَانِهِم أوْ دَكاكِينِ الجُملَةِ لِيشتَرُوهَا ثُمَّ يُسلِّمونَهَا لِلزَّبُونِ، وهذا البُيعُ لا يجوزُ، لأنَّهُ مِن بَيعِ الإنسانِ ما لا يَملِكُ، وقدْ نَهَى عنهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولمْ يَختلِفِ العلماءُ في أنَّهُ لا يجوزُ، وقالَ الفقيهُ ابنُ قُدَامَةَ الحنبلِيُّ: «ولا يجوزُ أنْ يَبيعَ عَينًا لا يَملِكُهَا لِيَمِضِيَ ويَشتَرِيَهَا ويُسلِّمُهَا، ولا نَعلَمُ فيهِ مُخالِفًا»، وقالَ الفقيهُ ابنُ هُبَيرَةَ عن أئِمَّةِ المذاهبِ الأربعَةِ: «واتَّفَقوا على: أنَّهُ لا يجوزُ بيعُ ما ليسَ عِندَهُ، وهو: أنْ يَبِيعَهُ شيئًا ليسَ هوَ عِندَهُ ولا في مِلْكِهِ ثُمَّ يَمْضِي فيَشتَرِيَهُ لَهُ»، وثبتَ أنَّ حَكِيمَ بنَ حِزامٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَأْتِينِي الرَّجُلُ يَسْأَلُنِي الْبَيْعَ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَبِيعُهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَبِيعُهُ مِنْ السُّوقِ، فَقَالَ: لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ )).

اللهمَّ: فَقِّهْنَا في الدِّينِ، وجَنِّبْنَا أكْلَ الحرَامِ، وقَنِّعْنَا بما رَزَقْتَنَا مِن حَلالٍ.

الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــ

الحمدُ للهِ أوَّلًا وآخِرًا، وصَلِّ اللهمَّ على النبيِّ محمدٍ وآلِهِ وصحْبِهِ وسَلِّمْ دَوْمًا.

أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:

فإنَّ الشَّرْطَ السادِسَ مِن شُروطِ البَيعِ: أنْ يكونَ العَقدُ مُنَجَّزًا في الحالِ غيرَ مُعلَّقٍ بشَخْصٍ أوْ زَمَنٍ أوْ حُدوثٍ شيءٍ ونَحوِ ذلِكِ، فلَو قالَ صاحِبُ سِلْعَةٍ لِرَجُلٍ: “أبِيعُكَ مَنْزِلِي بمِئَةٍ ألفٍ إذا ماتَ فُلانٌ أوْ دخلَ شهرُ رمضانُ أوْ أنْجَبَتْ زوجَتِي تَوأمًا، فقالَ الرَّجُلُ رَدًّا عليهِ: قَبِلْتُ البَيعَ، فإنَّ هذا البَيعَ مُحرَّمٌ وباطِلٌ باتفاقِ المذاهبِ الأربعَةِ، بلْ نَقلَ بعضُ الفقهاءِ: اتفاقَ العلماءِ على تحريمِهِ، وعدَمِ صِحَّتِهِ.

الشَّرْطُ السابِعُ: أنْ تكونَ السِّلْعَةُ المُبَاعَةُ مِمَّا يُنتَفعُ بِهِ، وأنْ تكونَ مَنفعَةُ السِّلْعَةِ مُباحَةً غيرَ مُحرَّمَةٍ، ولا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يَبيعَ سِلْعَةً لا منفعَةَ فيها كالحَشرَاتِ والحيَّاتِ والعقارِبِ والطيورِ التي لا تُؤكَلُ ولا يُصادُ بِهَا، وتوقِيعاتُ المشاهيرِ، ولا يجوزُ بَيعُ سِلْعَةٍ مَنفَعَتُهَا مُحرَّمَّةُ كآلاتِ المُوسِيقَى والدُّخَانِ والجِرَاكِ والشِّيشَةِ والحَشِيشِ والمُخدِّرَاتِ والأفلامِ والأغانِي المَمنوعَةِ والخَمرِ ولَحْمِ الخِنزِيرِ وكُتبٍ السِّحرِ والشَّعوَذَةِ والتَّنجِيمِ، لا يَجوزُ بَيعُهَا لِمُسلِمٍ ولا لِكافِرٍ، لأنَّ ذلِكَ: مِن إضاعَةِ المالِ التي كرِهَهَا اللهُ تعالى لَنَا ونُهِينَا عنْهَا، ومِن أكلِ المالِ بالباطلِ، وإلى تحريمِ بَيعِ ما لا يُنتفَعُ بِهِ أوْ كانتْ منفعتُهُ مُحرَّمَةٌ ذهبَ أئِمَّةُ المذاهبِ الأربعَةِ، بلْ اتفقَ العلماءُ على تَحرِيمِهِ، وقالَ الفقيهُ الجَصَّاصُ الحَنفِيُّ: «أهلُ العِلمِ مُتَّفِقونَ على: حَظْرِ عَقدِ البيعِ على المُحرَّماتِ مِنَ الأشياءِ»، وقالَ الفقيهُ النَّوَوِيُّ الشافِعيُّ: «شُروطُ المَبيعِ خمسَةٌ، إحْدَاهَا: أنْ يكونَ مُنْتَفَعًا بِهِ، وهذا شَرْطٌ لِصِحَّةِ البَيعِ بِلا خِلافٍ ».

أيُّها النَّاسُ:

إنَّ مِن أعظَمِ العبادَاتِ وأكثرِهَا نَفْعًا وأجْرًا: طلَبَ العِلمَ الشِّرعِيِّ والتَّفقُّهَ في الدِّينِ، وقدْ صحَّ عن التابِعيِّ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: (( مَا عُبِدَ اللَّهُ بِمِثْلِ الْفِقْهِ ))، وأعظَمُ مِن هذا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الصَّحيحِ: (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ )).

هذا، وأسألُ اللهَ: أنْ يُحْيَينَا ويُمِيتَنَا على التوحيدِ والسُّنَّةِ، وأنْ يَقِيَنَا شَرَّ أنفُسِنَا، وشَرَّ أعدِائِنَا، وشَرَّ الشيطانِ، اللهمَّ: ارزُقْنَا توبَةً نَصُوحًا، واستِغفارًا كثيرًا، وقُلوبًا تَخشعُ لِذِكْرِكَ، وإقبالًا على طاعَتِكَ شدِيدًا، وبُعْدًا عن مَعصِيَتِكَ عظِيمًا، اللهمَّ: اغفِرْ لَنَا ولأهلِينَا ولِجميعِ المُسلِمينَ والمُسلِماتِ، أحيَاءً وأموَاتًا، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.