مَوْعِظَةٌ لِلْقُلُوبِ الْغَافِلَةِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ جَامِعِ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، عَالِمِ مَا يُسِرُّهُ الْعَبْدُ وَمَا يُخْفِيهِ، أَحْصَى عَلَيْهِ خَطَرَاتِ فِكْرِهِ وَكَلِمَاتِ فِيهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُنِيبُ الْأَوَّاهُ، أَخْشَانَا لِلَّهِ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ حُمِدَتْ فِي الْإِسْلَامِ مَسَاعِيهِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى بِامْتِثَالِكُمْ لِأَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِكُمْ لِنَوَاهِيهِ، وَتَوَدَّدُوا إِلَيْهِ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَلُوذُوا بِجَنَابِهِ مُتَذَلِّلِينَ مُنْكَسِرِينَ، تَائِبِينَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ مُسْتَغْفِرِينَ، تَنَالُوا مَغْفِرَتَهُ وَعَفْوَهُ وَرَحْمَتَهُ، وَتَفُوزُوا بِثَوَابِهِ وَنَعِيمِهِ، وَتَكُونُوا مِنَ الْمُفْلِحِينَ، الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَتَبَصَّرُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَكَيْفَ تَصَرَّمَتْ سَرِيعًا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَأُسْبُوعًا بَعْدَ أُسْبُوعٍ، وَشَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ، وَعَامًا بَعْدَ عَامٍ، وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ كَبِيرَةٍ عَنِ الْآخِرَةِ، وَتَنَافُسٍ شَدِيدٍ عَلَى الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ، وَضَعْفٍ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَتَقْصِيرٍ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَتَقْلِيلٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ الزَّاكِيَةِ، وَإِكْثَارٍ مِنَ السَّيِّئَاتِ الْمُهْلِكَةِ، وَتَسْوِيفٍ عَنِ التَّوْبَةِ.
أَمَا تُشَاهِدُونَ مَوَاقِعَ الْمَنَايَا، وَحُلُولَ الْآفَاتِ وَالْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، وَصُوَرَ التَّأْرِيخِ، وَأَحْوَالَ مَنْ مَضَى، وَكَيْفَ فَازَ وَأَفْلَحَ الْمُتَّقُونَ، وَخَابَ وَخَسِرَ الْمُذْنِبُونَ الْمُفَرِّطُونَ.
أَلَا وَإِنَّ أَيَّامَكُمُ الَّتِي تَصَرَّمَتْ عَنْكُمْ قَدْ ذَهَبَتْ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ، إِمَّا شَاهِدَةً لَكُمْ أَوْ عَلَيْكُمْ بِمَا أَوْدَعْتُمُوهُ فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ، فَمَنْ أَوْدَعَهَا صَالِحَ الْعَمَلِ مِنْ قِيَامٍ بِالْعِبَادَاتِ وَالْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَإِحْسَانٍ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَبُعْدٍ عَنِ الشِّرْكِيَّاتِ وَالْبِدَعِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، فَالْخَيْرُ بُشْرَاهُ، وَالْفَلَاحُ مَأْوَاهُ، وَالسَّعَادَةُ مَلْقَاهُ، وَمَنْ فَرَّطَ فِيهَا وَسَوَّفَ وَتَكَاسَلَ، فَمَلَأَهَا بِالتَّهَاوُنِ بِالْعِبَادَاتِ، وَالتَّقْصِيرِ فِي الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَالْإِسَاءَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَالتَّسْوِيدِ بِالشِّرْكِيَّاتِ وَالْبِدَعِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ، فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاهُ، وَيَا قُبْحَ مَا فَعَلَ، وَيَا لَشِدَّةِ حَسْرَتِهِ، وَقَدْ قَالَ ــ جَلَّ وَعَزَّ ــ مُبَشِّرًا لِلْمُحْسِنِ مِنْ عِبَادِهِ: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }، وَقَالَ سُبْحَانَهُ مُرَهِّبًا جَمِيعَ الْعِبَادِ: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }، وَقَالَ تَعَالَى: { فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.
عِبَادَ اللَّهِ:
اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ الْمُنْجِيَاتِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْحَسَنَاتِ النَّافِعَاتِ، وَالْإِحْسَانِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَاسْتَدْرِكُوا عُمُرًا ضَيَّعْتُمْ أَوَّلَهُ، وَفَرَّطْتُمْ فِي أَكْثَرِهِ، فَلَا تَخْرِمُوا بِالسَّيِّئَاتِ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَتُسِيئُوا خِتَامَهُ وَالْخَاتِمَةَ لِأَنْفُسِكُمْ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( كُنَّا نَتَوَاعَظُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِأَرْبَعٍ، كُنَّا نَقُولُ: اعْمَلْ فِي شَبَابِكَ لِكِبَرِكَ، وَاعْمَلْ فِي فَرَاغِكَ لِشُغْلِكَ، وَاعْمَلْ فِي صِحَّتِكَ لِسَقَمِكَ، وَاعْمَلْ فِي حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ ))، أَلَا فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا اغْتَنَمَ أَيَّامَ الشَّبَابِ وَالْقُوَّةِ، وَأَوْقَاتَ الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ، فَأَسْرَعَ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ قَبْلَ طَيِّ الْكِتَابِ، وَأَكْثَرَ مِنَ الطَّاعَاتِ قَبْلَ دُنُوِّ الْأَجَلِ، قَبْلَ أَنْ يَتَمَنَّى سَاعَةً مِنْ سَاعَاتِ الْعُمُرِ وَالْحَيَاةِ، لِيَسْتَدْرِكَ مَا قَصَّرَ فِيهِ، أَوْ يَزْدَادَ لِيَرْتَقِيَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ: { يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي }.
عِبَادَ اللَّهِ:
أَيْنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَاضِيَةِ؟ أَيْنَ مَنْ كَانَ مَعَكُمْ قَبْلَ سِنِينَ أَوْ شُهُورٍ أَوْ أَيَّامٍ؟ أَمَا وَافَتْهُمُ الْمَنَايَا، وَقَضَتْ عَلَيْهِمُ الْقَاضِيَةُ؟ وَأَخَذَهُمُ الْمَوْتُ، أَيْنَ آبَاؤُنَا وَأُمَّهَاتُنَا؟ أَيْنَ أَقَارِبُنَا وَجِيرَانُنَا؟ أَيْنَ مَعَارِفُنَا وَأَصْحَابُنَا؟ لَقَدْ خَرَجَتْ أَرْوَاحُهُمْ، وَرَحَلُوا إِلَى الْقُبُورِ، وَأُقْفِلَ دُونَهُمْ بَابُ الْعَمَلِ، وَخُتِمَتْ صَحَائِفُ أَعْمَالِهِمْ، وَفِيهَا الصَّالِحُ وَالسَّيِّئُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَاعْتِقَادَاتِهِمْ، هَذِهِ دُورُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ، وَهَذِهِ مَرَاكِبُهُمْ قَادَهَا غَيْرُهُمْ، وَهَذِهِ أَمْوَالُهُمْ تَمَتَّعَ بِهَا وَرَثَتُهُمْ، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُوهُمْ وَأَصْحَابُهُمْ قَدْ نَسُوهُمْ، أَوْ قَلَّ ذِكْرُهُمْ لَهُمْ، وَأَحْوَالُهُمْ قَدْ أَصْبَحَتْ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَتَذْكِرَةً لِلْغَاوِينَ، وَتَنْبِيهًا لِلْغَافِلِينَ، وَتَرْهِيبًا لِلْمُقَصِّرِينَ وَالْمُسَوِّفِينَ.
عِبَادَ اللَّهِ:
اعْتَبِرُوا بِأَحْوَالِ الرَّاحِلِينَ، وَاتَّعِظُوا بِمَا جَرَى لِلْأُمَمِ الْمَاضِينَ، وَتَذَكَّرُوا بِمَا خُتِمَتْ بِهِ حَيَاةُ الْفَاسِقِينَ وَالْمَاجِنِينَ، لَعَلَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ يَلِينُ، وَالْعَيْنَ الشَّامِخَةَ تَدْمَعُ أَوْ تَبْكِي، وَالْعَقْلَ الطَّامِحَ يُبْصِرُ، وَانْظُرُوا فِي إِصْلَاحِ أَنْفُسِكُمْ مَا دُمْتُمْ فِي زَمَنِ الْإِمْهَالِ، وَاغْتَنِمُوا مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِكُمْ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَطَيِّبِ الْأَفْعَالِ، وَجَمِيلِ الْأَقْوَالِ، قَبْلَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ }، قَبْلَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: { لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }، قَبْلَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ }، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، قَدْ فَاتَ زَمَنُ الْإِمْكَانِ، وَانْصَرَمَ وَقْتُ الْإِمْهَالِ، وَأُغْلِقَ بَابُ الْمُرَاجَعَةِ لِلنَّفْسِ وَالْمُحَاسَبَةِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْعَبْدِ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي حَيَاتِهِ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ عِصْيَانٍ، وَجَنَاهُ مِنْ إِسَاءَةٍ أَوْ إِحْسَانٍ، وَحَازَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
فَجَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ، وَلَا تَقْصُرُ بِهِ عَنْ طَاعَةٍ مَعْصِيَةٌ، وَلَا يَحِلُّ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ حَسْرَةٌ، إِنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ مِنَنِهِ، وَإِمْهَالِهِ لِعِبَادِهِ، وَشَدِيدِ فَرَحِهِ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:
اتَّقُوا اللَّهَ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَعَظِّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، وَأَجِلُّوهُ إِجْلَالًا كَبِيرًا، فَلَا يَرَى مِنْكُمْ إِلَّا مَا يُرْضِيهِ، وَلَا يَرَاكُمْ إِلَّا حَيْثُ يُحِبُّ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّكَاسُلَ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَالْإِصْرَارَ عَلَى الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ، وَالتَّسْوِيفَ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى دِينِهِ، فَإِنَّكُمْ عَلَى وَشَكِ النُّقْلَةِ وَالِارْتِحَالِ، وَنُفُوسَكُمْ وَآجَالَكُمْ بِيَدِ اللَّهِ لَا بِأَيْدِيكُمْ، وَإِلَيْهِ وَحْدَهُ لَا إِلَى غَيْرِهِ.
أَلَسْنَا نَرَى الْإِنْسَانَ يَنَامُ فِي فِرَاشِهِ مُطْمَئِنًّا هَانِئًا يَنْتَظِرُ غَدَهُ ثُمَّ لَا يَقُومُ مِنْهُ؟ أَلَسْنَا نَرَى مَنْ وَافَاهُ أَجَلُهُ وَهُوَ فِي مَرْكَبَتِهِ يُرِيدُ بَيْتَهُ وَأَهْلَهُ؟ أَلَسْنَا نَرَى مَنْ قُطِعَتْ حَيَاتُهُ وَهُوَ مُؤَمِّلٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ، وَأَنْ يَكُونَ ذَا مَالٍ وَأَهْلٍ وَوَلَدٍ؟ أَلَسْنَا نَرَى مَنْ جَاءَتْهُ سَاعَةُ مَوْتِهِ وَهُوَ عَلَى مَعْصِيَةٍ، أَوْ فِي كَبِيرَةٍ وَمُنْكَرٍ وَفَاحِشَةٍ؟ أَلَسْنَا نَرَى مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَهُوَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: غَدًا أَتُوبُ، غَدًا أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي، غَدًا أَلْزَمُ مَا يُرْضِيهِ، غَدًا أَكُونُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، غَدًا أَكُونُ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَإِذَا بِالْمَوتِ يُنْهِي أَمَانِيهِ.
عِبَادَ اللَّهِ:
قَالَ اللَّهُ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ مُعَاتِبًا لَنَا: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }، بَلَى وَاللَّهِ قَدْ آنَ لَهَا أَنْ تَلِينَ، وَآنَ لَهَا أَنْ تَخْشَعَ، وَآنَ لَهَا أَنْ تَتُوبَ، وَآنَ لَهَا أَنْ تَتْرُكَ التَّسْوِيفَ وَطُولَ الْأَمَلِ، وَآنَ لَهَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الْأَوَّاهِينَ الْمُنِيبِينَ الْمُخْبِتِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ نَافِعٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ الْبُكَاءُ، وَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ )).
عِبَادَ اللَّهِ:
أَيْنَ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ لِنَفْسِهِ وَبَنِيهِ وَنَمَّاهُ، أَيْنَ مَنِ افْتَخَرَ عَلَى أَقْرَانِهِ بِقُوَّتِهِ وَشَبَابِهِ وَذَكَائِهِ وَتَفَوُّقِهِ وَجَمَالِهِ وَبَاهَى؟ أَيْنَ مَنْ تَمَتَّعَ بِلَذَّاتِهِ وَأَيَّامِهِ وَتَوَانَى؟ أَمَا تَرَوْنَ الْقَبْرَ قَدْ حَوَاهُ، وَالتُّرَابَ قَدْ أَكَلَهُ وَأَبْلَاهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ }، { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ }، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ))، فَيَا لَهَا مِنْ حَسْرَةٍ شَدِيدَةٍ وَبَئِيسَةٍ عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَى شِقْوَةٍ، وَتُوبِقَ دُنْيَاهُ آخِرَتَهُ، وَيُهْلِكَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.
فَاللَّهُمَّ: أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ، اللَّهُمَّ: اجْعَلْنَا لَكَ ذَاكِرِينَ، لَكَ شَاكِرِينَ، لَكَ مُوَحِّدِينَ، لَكَ مُصَلِّينَ، لَكَ تَائِبِينَ مُنِيبِينَ، اللَّهُمَّ: بَيِّضْ وُجُوهَنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هَنِيَّةً، ومِيتَةً سَوِيَّةً ، ومَرَدًّا غيرَ مُخْزٍ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.