إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > التربية > خطبة مكتوبة بعنوان: « مراقبة العبد ربه في نفسه وجميع أموره وأحواله وأوقاته وسره وعلنه »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « مراقبة العبد ربه في نفسه وجميع أموره وأحواله وأوقاته وسره وعلنه »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 6 نوفمبر 2018
  • 16٬864
  • إدارة الموقع

مُرَاقَبَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ فِي نَفْسِهِ وَأُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَوْقَاتِهِ وَسِرِّهِ وَعَلَنِهِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ جَابِرِ الْقُلُوبِ الْمُنْكَسِرَةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَغَافِرِ ذُنُوبِ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِفَضْلِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَخْشَانَا وَأَتْقَانَا لِلَّهِ رَبِّهِ، اللَّهُمَّ فَصَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ التُّقَاةُ الْأَجِلَّةِ.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ وَأَنْفَعِ مَا يَعِظُ بِهِ الْوَاعِظُونَ، وَيُوصِي بِهِ الْمُوصُونَ، وَيَنْصَحُ بِهِ النَّاصِحُونَ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ: «مُرَاقَبَةَ الْعَبْدِ رَبَّهُ فِي نَفْسِهِ، وَفِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَوْقَاتِهِ، وَمَعَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَفِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَحِينَ الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ»، فَرَاقِبُوا اللَّهَ ــ أَيُّهَا النَّاسُ ــ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ وَأَوْقَاتِكُمْ، وَفِي كُلِّ مَا تَفْعَلُونَ وَتَذَرُونَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُطَّلِعٌ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ عِصْيَانٍ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ مُرَهِّبًا لَنَا: { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا }، أَيْ: مُرَاقِبًا لَنَا وَلِكُلِّ شَيْءٍ، وَعَالِمًا بِنَا وَبِكُلِّ شَيْءٍ، وَقَائِمًا عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَقَادِرًا عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَالْخَلْقُ خَلْقُهُ، وَالْأَمْرُ أَمْرُهُ، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ، لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، وَسُئِلَ الْفَقِيهُ ابْنُ نُجَيْدٍ: «مَا الَّذِي لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْهُ قَالَ: مُلَازَمَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى السُّنَّةِ وَدَوَامُ الْمُرَاقَبَةِ».

وَاعْلَمُوا أَنَّ مُرَاقَبَةَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْقَادِرِ تَتَأَكَّدُ عَلَيْنَا فِي أَحْوَالٍ ثَلَاثَةٍ:

الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ نُرَاقِبَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حِينَ فِعْلِ الطَّاعَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ.

نُرَاقِبُهُ سُبْحَانَهُ: فِي قَصْدِ قُلُوبِنَا مِنْ فِعْلِ هَذِهِ الطَّاعَةِ، هَلْ مُرَادُنَا بِهَا وَجْهَهُ سُبْحَانَهُ وَرِضَاهُ عَنَّا أَوْ حُصُولَ الذِّكْرِ لَنَا وَالْمَدْحِ وَالسُّمْعَةِ وَالشُّهْرَةِ، هَلِ الْمُحَرِّكُ لَنَا إِلَيْهَا هُوَ الْهَوَى وَالنَّفْسُ أَوْ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى خَاصَّةً، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةَ تُصْلِحُ قُلُوبَنَا، وَقَدْ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو حَفْصٍ لِأَبِي عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيِّ ــ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ــ: «إِذَا جَلَسْتَ لِلنَّاسِ فَكُنْ وَاعِظًا لِقَلْبِكَ وَنَفْسِكَ، وَلَا يَغُرَّنَّكَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُمْ يُرَاقِبُونَ ظَاهِرَكَ وَاللَّهُ يُرَاقِبُ بَاطِنَكَ».

وَنُرَاقِبُهُ سُبْحَانَهُ: فِي صِفَةِ فِعْلِ هَذِهِ الطَّاعَةِ حِينَ أَدَائِهَا، وَهَلْ فِعْلُنَا لَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى عِلْمٍ أَمْ عَلَى جَهْلٍ، أَمُوَافِقٌ لِلسُّنَّةِ أَمْ مُخَالِفٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةَ تُصْلِحُ طَاعَاتِنَا وَعِبَادَاتِنَا وَأَعْمَالَنَا، وَتَجْعَلُهَا مَقْبُولَةً عِنْدَ اللَّهِ وَحَسَنَةً، إِذِ الْعِبْرَةُ فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ بِحُسْنِ الْعَمَلِ لَا بِكَثْرَتِهِ، لِقَولِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا }، وَالْعَمَلُ لَا يَكُونُ حَسَنًا وَمَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ يَجِبُ أَنْ يُحَقِّقَهُمَا الْعَامِلُ، أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ مِنْ عَمَلِهِ حِينَ فِعْلِهِ لَهُ وَجْهَ اللَّهِ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، وَالثَّانِي مِنْهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا عَمِلَهُ مِنْ عَمَلٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( الِاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي بِدْعَةٍ ))، أَيْ: فِعْلُ عَمَلٍ قَلِيلٍ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ خَيْرٌ وَأَعْظَمُ مِنْ فِعْلِ عَمَلٍ كَثِيرٍ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، لِأَنَّ: مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ يُسَمَّى بِدْعَةً، وَالْبِدْعَةُ مُحَرَّمَةٌ بِنَصِّ السُّنَّةِ، بَلْ مِنْ أَغْلَظِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَرْدُودَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا، لَا يَقْبَلُهَا اللَّهُ مِنْهُ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ))، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخَوِّفًا: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا }.

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ نُرَاقِبَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْهَمِّ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ.

أَيْ سَيِّئَاتِ: الْقَلْبِ، مِنْ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ عَلَى خِلَافِ شَرِيعَةِ اللَّهِ، وَغِلِّهِ وَحِقْدِهِ وَحَسَدِهِ وَضَغِينَتِهِ وَكُرْهِهِ، وَسَيِّئَاتِ: اللِّسَانِ، مِنْ غِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ وَكَذِبٍ وَلَعْنٍ وَسَبٍّ وَسُخْرِيَةٍ وَاسْتِهْزَاءٍ وَقَوْلٍ فِي دِينِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَسَيِّئَاتِ: الْجَوَارِحِ، سَيِّئَاتِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْفَرْجِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُرَاقَبَةَ تَنْفَعُنَا أَشَدَّ نَفْعٍ، وَيَحْصُلُ لَنَا بِهَا غُنْمٌ كَبِيرٌ، وَنَجِدُ خَيْرَهَا وَبَرَكَتَهَا وَثَمَرَتَهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، حَيْثُ تَمْنَعُنَا عَنْ مُقَارَفَةِ كَثِيرٍ مِنَ الْآثَامِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْقَبَائِحِ، أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ تُخَفِّفُ مِنْ فِعْلِنَا لَهَا وَتُقَلِّلُ مِنْهَا، وَفِي بَيَانِ عَظِيمِ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ الشَّدِيدَةِ بِعِبَادِهِ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً )).

الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ نُرَاقِبَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِي الْخَلْوَةِ وَالسِّرِّ كَمَا نُرَاقِبُهُ فِي الْعَلَنِ.

نُرَاقِبُهُ سُبْحَانَهُ: فِي الْخَلْوَةِ حِينَ لَا يَرَانَا وَلَا يَعْلَمُ بِنَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَفِي الْغُرْبَةِ والسَّفَرِ حِينَ نَبْتَعِدَ عَمَّنْ يَعْرِفُنَا، فَلَا نَتَجَرَّأُ عَلَى فِعْلِ الْمَعَاصِي، وَمُقَارَفَةِ الْفَوَاحِشِ، وَإِتْيَانِ الْقَبَائِحِ، وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ، وَتَعْطِيلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَضْيِيعِ الْحُقُوقِ، لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ تَضْعُفُ عِنْدَهُ مُرَاقَبَةُ اللَّهِ إِذَا خَلَا بِنَفْسِهِ عَنِ النَّاسِ أَوِ ابْتَعَدَ عَنْ أَهْلِهِ وَرِفَاقِهِ وَجِيرَنِهِ وَعَشِرَتِهِ وَبَلْدَتِهِ وَمَنْ يَسْتَحِي مِنْهُم، فَيَجْتَرِئُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَحُرُمَاتِهِ، فَيَفْعَلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْقَبَائِحَ، وَيَنْظُرُ إِلَى الْمُحرَّمَاتِ عَبْرَ الْفَضَائِيَّاتِ ومَوَاقِعِ شَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتِ وَبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الْاجْتِمَاعِيِّ، وَيَتَكَلَّمُ عَبْرَ الْهَوَاتِفِ وَبَرَامِجِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ مَعَ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ مِنَ الْإِنَاثِ أَوِ الذُّكُورِ، وَيُمَارِسُ الْابْتِزَازَ وَفَضِيحَةَ وَإِيذَاءَ النَّاسِ والنِّسَاءِ، نَاهِيكَ إنْ كَانَ فِي بَلَدٍ تَسْمَحُ بِالْفُجُورِ، وَلَا تُجَرِّمُ انْتِهَاكَ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَجَاوُزَ حُدُودِهِ، فَتَضْعُفُ عِنْدَهُ مُرَاقَبَةُ اللَّهِ أَكْثَرَ وَأَشَدَّ، إِذْ لَا رَادِعَ مِنْ دِينٍ قَوِيٍّ، وَلَا خَوفَ مِنْ حُكُومَةٍ، وَلَا حَيَاءِ مِنْ حَلْقٍ، وَلَئِنْ تَجَرَّأَ صَاحِبُ هَذَا الْحَالِ عَلَى انْتِهَاكِ حُرُمَاتِ اللهِ، وَتَرْكِ فَرَائِضِهِ، فَأَيْنَ يَذْهَبُ مِنَ اللَّهِ رَبِّهِ الْقَائِلِ مُحَذِّرًا وَمُرَهِّبًا: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }، أَيْ: مَعَكُمْ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ فِي جَمِيعِ أَمَاكِنِ وُجُودِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَرَانَا وَنَحْنُ فِي الْبَرِّ وَالْجَوِّ وَالْبَحْرِ، ويَرَانَا وَنَحْنُ فِي بُيُوتِنَا وَبُلْدَانِنَا مَعَ أَهْلِينَا وَقَرَابَتِنَا وَأَصْدِقَائِنَا، وَيَرَانَا وَنَحْنُ فِي غَيْرِ بُلْدَانِنَا مَعَ الْغُرَبَاءِ وَالْأَبَاعِدِ، وَيَرَانَا وَنَحْنُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ وَالْفَنَادِقِ وَالْمَرَاكِبِ وَالْمَلَاعِبِ وَالْبِحَارِ وَالْمَسَابِحِ وَالْمَلَاهِي وَالسِّينَمَا وَالْمَرَاقِصِ والْحَانَاتِ.

أَيْنَ نَفِرُّ، وَكَيْفَ نَتَخَفَّى، وَبِمَنْ نَلُوذُ وَنَحْتَمِي، لَا مَفَرَّ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، فَهُوَ مَعَنَا بِعِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ، وَمَعَنَا بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَمَعَنَا بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْنَا أَيْنَمَا كُنَّا، وَحَيْثُ تَوَاجَدْنَا، وَعَلَى أَيِّ حَالَةٍ صِرْنَا، وَمَعَ أَيِّ النَّاسِ شِئْنَا، وَهَذَا الْمَلْحَظُ مِنْ أَعْظَمِ وَأَشَدِّ وَأَغْلَظِ الْوَعِيدِ الصَّارِفِ لِلْعَبْدِ عَنْ اقْتِرَافِ الْآثَامِ، وَالتَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَإِضَاعَةِ الْحُقُوقِ، وَالتَّفْرِيطِ فِي الْوَاجِبَاتِ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ لَيِّنٌ مُنِيبٌ حَيٌّ سَلِيمٌ، أَيْنَ يَذْهَبُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ مِنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ الْقَائِلِ مُتَوَعِّدًا وَمُهَدِّدًا: { إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ }، أَيْ: يَرْصُدُ أَعْمَالَ الْعِبَادِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يَفُوتُهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَإِنْ دَقَّ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مَا فَعَلُوهُ فِي شَبَابِهِمْ، وَلَا مَا فَعَلُوهُ فِي كُهُولَتِهِمْ، وَلَا مَا فَعَلُوهُ فِي شَيْخُوخَتِهِمْ، وَهُوَ بِالْمِرْصَادِ لِمَنْ يُبَارِزُهُ بِالْعِصْيَانِ، وَمُنْكَرِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَالتَّفْرِيطِ فِيمَا أَوْجَبَ وَفَرَضَ، حَيْثُ يُمْهِلُهُ قَلِيلًا، ثُمَّ يَأْخُذُهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، أَخْذًا أَلِيمًا، أَخْذًا وَبِيلًا، حِينَهَا يَقُولُ مُتَحَسِّرًا مُتَأَلِّمًا: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ }،{ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي }،{ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي }.

أَيُّهَا النَّاسُ:

ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ بَيَانٌ لِحَالِ صِنْفَيْنِ مِنَ النَّاسِ:

أَوَّلُهُمَا: قَوِيُّ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ، وَهُوَ: الْكَيِّسُ اللَّبِيبُ الْحَازِمُ الْعَاقِلُ الَّذِي يَنْظُرُ فِي عَوَاقِبِ مَا يَفْعَلُ وَيَتْرُكُ، وَيَقُولُ وَيَسْمَعُ، فَهُوَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ، بَلْ يَقْهَرُهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا فِيمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُهَا فِي دُنْيَاهَا، وَبَعْدَ مَوْتِهَا فِي قَبْرِهَا وَآخِرَتِهَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَتْ كَارِهَةً لِذَلِكَ، فَالنَّفْسُ أَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي، فَتَحْتَاجُ إِلَى مُجَاهَدَةٍ شَدِيدَةٍ، وَقَهْرٍ لَهَا وَقَسْرٍ، وَصَبْرٍ عَلَى ذَلِكَ وَمُصَابَرَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ))، وَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَمْرٍو ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( مَا تَقُولُ فِي الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ؟ فَقَالَ لَهُ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَجَاهِدْهَا، وَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَاغْزُهَا )).

وَالثَّانِي مِنْهُمَا: ضَعِيفُ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ، بَلْ عَاجِزُهَا، وَمِنْ ضَعْفِ مُرَاقَبَتِهِ وَشِدَّةِ عَجْزِهِ أَنَّ كُلَّمَا هَوَتْهُ نَفْسُهُ وَأَرَادَتْ فِعْلَهُ مِنْ شَهْوَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ أَجَابَ طَلَبَهَا وَلَبَّاهُ وَبَادَرَ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْعَاجِزُ الْأَحْمَقُ الْجَاهِلُ الْمَغْرُورُ، الَّذِي لَا يُفَكِّرُ فِي عَوَاقِبِ وَعُقُوبَاتِ مَا يَفْعَلُ وَيَتْرُكُ وَيَقُولُ وَيَسْمَعُ، بَلْ يُتَابِعُ نَفْسَهُ عَلَى مَا تَهْوَاهُ وَتَشْتَهِيهِ، وَهِيَ لَا تَهْوَى إِلَّا مَا تَظُنُّ أَنَّ فِيهِ لَذَّتَهَا وَشَهْوَتَهَا فِي الْعَاجِلِ، وَإِنْ عَادَ ذَلِكَ بِضَرَرٍ لَهَا فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ يَعُودُ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِالضَّرَرِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، فَيَحْصُلَ لَهُ الْعَارُ وَالْفَضِيحَةُ، وَسُقُوطُ الْمَنْزِلَةِ، وَالْهَوَانُ وَالْخِزْيُ، وَيُحْرَمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْبَرَكَةِ فِي الرِّزْقِ، وَالْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرَاتِ.

وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: لِاتِّبَاعِ رِضْوَانِهِ، وَغَمَرَنِي وَإِيَّاكُمْ بِعَفْوِهِ وَغُفْرَانِهِ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَصَلَاتُهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ الْمُرْتَضَى.

أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ:

فَإِنَّ مِنْ صُوَرِ الْمُرَاقَبَةِ الْعَظِيمَةِ لِلَّهِ: مَا حَصَلَ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ رَاوَدَتْهُ امْرَأَةُ عَزِيزِ مِصْرَ عَنْ نَفْسِهِ وَخَلَتْ بِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.

وَمِنْ صُوَرِ الْمُرَاقَبَةِ الْعَظِيمَةِ لِلَّهِ: مَا جَاءَ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَصَابَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ، فَانْحَدَرَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ فَأَغْلَقَتْ بَابَهُ، فَقَالُوا لِبَعْضٍ: انْظُرُوا مَا عَمِلْتُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ بِهَا فَإِنَّهُ يُنْجِيكُمْ، فَذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَابِقَةَ خَيْرٍ سَبَقَتْ لَهُ مَعَ رَبِّهِ، فَانْحَدَرَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ، وَقِصَّتُهُمْ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِ أَحَدِهِمْ وَمُرَاقَبَتِهِ لِرَبِّهِ: (( اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا )).

وَمِنْ صُوَرِ الْمُرَاقَبَةِ الْعَظِيمَةِ لِلَّهِ: مَا صَحَّ: (( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ لَقِيَ رَاعِيًا بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ: بِعْنِي شَاةً؟ قَالَ: لَيْسَتْ لِي، فَقَالَ لَهُ: فَتَقُولُ لِأَهْلِكَ أَكَلَهَا الذِّئْبُ؟ قَالَ: فَأَيْنَ اللَّهُ، فَقَالَ: اسْمَعْ، وَافِنِي هَاهُنَا إِذَا رَجَعْتَ مِنْ مَكَّةَ وَمُرْ مَوْلَاكَ يُوَافِينِي هَاهُنَا، فَلَمَّا رَجَعَ لَقِيَ رَبَّ الْغَنَمِ وَاشْتَرَى مِنْهُ الْغَنَمَ وَاشْتَرَى مِنْهُ الْغُلَامَ، فَأَعْتَقَهُ وَوَهَبَ لَهُ الْغَنَمَ )).

جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِمَّنْ إِذَا ذُكِّرَ ادَّكَرَ، وَإِذَا وُعِظَ اعْتَبَرَ، وَإِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أَذْنَبَ اسْتَغْفَرَ، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ، اللَّهُمَّ: ارْزُقْنَا مِنْ خَيْرَاتِ بِرِّكَ وَإِحْسَانِكَ، وَأَدْخِلْنَا فِي زُمْرَةِ أَحْبَابِكَ الْمَخْصُوصِينَ بِمَنِّكَ وَأَمَانِكَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَكُونُ فِي الْقُبُورِ وَعِنْدَ الْقِيَامَةِ مُنَعَّمًا مَسْرُورًا، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.