إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > القرآن و التفسير > خطبة مكتوبة بعنوان: « شيء من فضائل وأحكام وتفسير سورة الإخلاص: { قل هو الله أحد } »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « شيء من فضائل وأحكام وتفسير سورة الإخلاص: { قل هو الله أحد } »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 28 فبراير 2019
  • 19٬832
  • إدارة الموقع

 شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ وَأَحْكَامِ وَفَوَائِدِ وَتَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجَانِّ، بِالْهُدَى وَالرَّحْمَةِ لِيَفُوزُوا بِالْجِنَانِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ سَاعَاتِ الْمُسْلِمِ هِيَ تِلْكَ السَّاعَاتُ الَّتِي يَقْضِيهَا مَعَ كِتَابِ رَبِّهِ الْقُرْآنِ، فَيَتْلُوَ وَيَتَدَبَّرَ وَيَتَعَلَّمَ الْأَحْكَامَ وَيَأْخُذَ الْعِظَةَ وَالْعِبْرَةَ، وَلِهَذَا سَأَتَدَارَسُ مَعَكُمْ الْيَومَ سُورَةً مِنْ أَعْظَمِ سُوَرِ الْقُرْآنِ، أَلَا وَهِيَ سُورَةُ: “الْإِخْلَاصِ”، حَيْثُ قَالَ اللَّهُ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }، وَسُمِّيَتْ بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ: لِأَنَّ اللَّهَ أَخْلَصَهَا لِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْكَلَامُ عَنِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَكَمَالِهِ، وَلِأَنَّهَا تُخَلِّصُ مِنَ الشِّرْكِ مَنْ قَرَأَهَا مُعْتَقِدًا وَعَامِلًا بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ فِي عِدَادِ الْمُخْلِصِينَ، وَهَذِهِ السُّورَةُ عَلَى قِلَّةِ آيَاتِهَا وَقِصَرِ كَلِمَاتِهَا تُعْتَبَرُ مِنْ أَفَاضِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ، لِكَثْرَةِ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مِنْ أَحَادِيثَ نَبَوِيَّةٍ.

فَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا صِفَةُ اللَّهِ الرَّحْمَنِ، أُفْرِدَتْ فِي وَصْفِهِ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ، وَتَنْزِيهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ، حَيْثُ صَحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»، فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ حُبَّهَا يُوجِبُ دُخُولَ الْجَنَّةِ، لِمَا صَحَّ أَنَّهُ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ قِرَاءَتَهَا تَعْدِلُ قِرَاءَةَ ثُلُثِ الْقُرْآنِ فِي الثَّوَابِ، لِمَا صَحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ))، وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: (( «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( «احْشُدُوا فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ»، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَرَأَ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ الدُّعَاءَ بِهَا مُسْتَجَابٌ، لِأَنَّ فِيهَا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، لِمَا صَحَّ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» ))، وَثَبَتَ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ وَهُوَ يَقُولُ: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ”، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ» )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا أَحَدُ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ الثَّلَاثَةِ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ ))، إِذِ الْقُرْآنُ: إِمَّا تَوْحِيدٌ أَوْ أَحْكَامٌ أَوْ قَصَصٌ، وَسُورَةُ “الْإِخْلَاصِ” كُلُّهَا تَوْحِيدٌ لِلَّهِ، حَيثُ تَضَمَّنَتْ أَنْوَاعَ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ، تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا: أَنَّهَا مِنَ الْأَذْكَارِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلمُسْلِمِ أَنْ يَقُولَهَا حِينَ يُصْبِحُ وَيُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَتَكْفِيَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَحَدِ أَصْحَابِهِ: (( قُلْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ))، وَالْمُعَوِّذَتَانِ هُمَا: سُورَتَا “الْفَلَقِ”، وَ “النَّاسِ”.

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا: أَنَّهَا مِنَ الْأَذْكَارِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلمُسْلِمِ أَنْ يَقُولَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا أَوَى بِاللَّيْلِ إِلَى فِرَاشِهِ لِيَنَامَ، لِمَا صَحَّ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } وَ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا مِنَ الْأَذْكَارِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ أَنْ تُقَالَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ كُلِّ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، لِمَا ثَبَتَ عَنْ عُقْبَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّهُ قَالَ: (( أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ))، إِذِ الْمُعَوِّذَاتُ عِنْدَهُمْ هِيَ سُوَرُ: “الْفَلَقِ”، وَ “النَّاسِ”، وَ “الْإِخْلَاصِ”.

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا: أَنَّهَا رُقْيَةٌ لِلْمَرِيضِ، تُقْرَأُ عَلَيْهِ لِيُشْفَى، لِمَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ ))، وَصَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ ))، وَالْمُرَادُ بِالْمُعَوِّذَاتِ هُنَا سُوَرُ: “الْإِخْلَاصِ وَالْفَلَقِ وَالنَّاسِ”، لِمَا جَاءَ فِي “صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ” عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِـ{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَلَمَّا اشْتَكَى ــ أَيْ: مَرِضَ ــ كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ» )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا: أَنَّهَا تُقْرَأُ مَعَ سُورَةِ “الْكَافِرُونَ” فِي السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ الْقَبْلِيَّةِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، لِمَا صَحَّ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ }، وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا: أَنَّهَا تُقْرَأُ مَعَ سُورَةِ “الْكَافِرُونَ” فِي الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ــ عَلَيْهِ السَّلَامُ ــ بَعْدَ كُلِّ طَوَافٍ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا طَافَ بِالْكَعْبَةِ: (( نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَ { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا: أَنَّهَا تُقْرَأُ بَعْدَ “الْفَاتِحَةِ” فِي آخِرِ رَكْعَةٍ مِنْ الْوِتْرِ، لِمَا صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كَانَ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِـ{ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى }، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِـ{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ }، وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }، فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» ثَلَاثًا )).

وَمِنْ فَضَائِلِهَا وَأَحْكَامِهَا: أَنَّهَا تُقْرَأُ مَعَ سُورَةِ “الْكَافِرُونَ” فِي السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ الْبَعْدِيَّةِ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ، حَيْثُ ثَبَتَ: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } )).

اللَّهُمَّ: اجَعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَجِلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ـــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ وَجَمِيعِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ:

اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةً عَظِيمَةً، وَتَدَبَّرُوا مَعَانِي آيَاتِ الْقُرْآنِ وَسُوَرِهِ، لِأَنَّ تَدَبُّرَهَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ لِينِ الْقُلُوبِ، وَذَهَابِ قَسْوَتِهَا، وَزِيَادَةِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْخَشْيَةِ، وَعَظِيمِ الْأَجْرِ عِنْدَ تِلَاوَتِهَا، وَيَقْوَى التَّدَبُّرُ بِقِرَاءَةِ كُتُبِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ الْأَثْبَاتِ الرَّاسِخِينَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّ مِمَّا ذَكَرُوهُ ــ رَحِمَهُمُ اللَّهُ ــ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ “الْإِخْلَاصِ” هَذِهِ الْأُمُور:

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَحَدَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا تَسَمَّى بِهِ أَحَدٌ غَيْرَ اللَّهِ، وَمَعْنَى الْأَحَدِ: أَيِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِجَمِيعِ الْكَمَالَاتِ، وَتَفَرَّدَ بِكُلِّ كَمَالٍ وَمَجْدٍ وَجَلَالٍ وَجَمَالٍ وَحَمْدٍ وَحِكْمَةٍ وَرَحْمَةٍ وَحِلْمٍ وَعِزَّةٍ وَعَظَمَةٍ وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِهِ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا مَثِيلٌ وَلَا نَظِيرٌ وَلَا شَرِيكٌ وَلَا شَبِيهٌ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبِيدِ تَوْحِيدُهُ اعْتِقَادًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا، بِأَنْ يَعْتَرِفُوا بِكَمَالِهِ الْمُطْلَقِ، وَتَفَرُّدِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَيُفْرِدُوهُ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ.

الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّمَدَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَمَعْنَى الصَّمَدِ: الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الَّذِي تَصْمُدُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ ــ أَيْ: تَقْصِدُهُ فِي جَمِيعِ حَوَائِجِهَا وَمَطَالِبِهَا وَأَحْوَالِهَا وَضَرُورَاتِهَا، لِافْتِقَارِهَا إِلَيْهِ فِي حَيَاتِهَا وَمَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا وَجَمِيعِ أُمُورِهَا، إِذْ هُوَ الْمُسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ.

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الرَّدُّ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ آذَوُا الرَّبَّ ــ جَلَّ وَعَزَّ ــ وَشَتَمُوهُ، فَزَعَمُوا لَهُ الْوَلَدَ، إِذْ قَالَتِ الْيَهُودُ: “عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ”، وَقَالَتِ النَّصَارَى: “عِيسَى ابْنُ اللَّهِ”، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: “الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ”، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( قَالَ اللَّهُ: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ: فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا» ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ ))، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ هَذَا الْأَذَى وَالشَّتْمِ الْكُبَّارِ، وَالْإِفْكِ الْغَلِيظِ الشَّنِيعِ، وَعَنِ الْقَائِلِينَ بِهِ فِي سُورَةِ “مَرْيَمَ”: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا }.

الْأَمْرُ الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا كُفْؤَ لَهُ، أَيْ: لَا مُسَاوِيَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ وَلَا مَثِيلَ وَلَا شَبِيهَ، لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي أَوْصَافِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ نَفْسِهِ الْمُعَظَّمَةِ: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }، فَأَثْبَتَ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صِفَةَ السَّمْعِ، وَصِفَةَ الْبَصَرِ، وَنَفَى سُبْحَانَهُ أَنْ يُمَاثِلَهُ أَحَدٌ فِيهِمَا، وَلَا فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ.

هَذَا وَأَسْأَلُ اللَّهَ: أَنْ يُعِينَنِي وَإِيَّاكُمْ عَلَى حِفْظِ الْقُرْآنِ، وَتِلَاوَتِهِ، وَتَدَبُّرِهِ، وَتَعَلُّمِ أَحْكَامِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، وَأَنْ يَكْفِيَنَا الشُّرُورَ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ، اللَّهُمَّ: طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَاهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، وَأَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.