اتقوا الله ولا تتساهلوا في الطلاق بالثلاث فإنَّه مُحرَّم ومُنكَر ويقع
الخطبة الأولى: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ عندَ مُفتَتَحِ كلِّ خُطبَةٍ، وذِكرِ كُلِّ نِعمَةٍ، وصلَّى اللهُ وسلَّم على محمدٍ النَّبيِّ المَبعوثِ لِلناسِ رحمَةً، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وباللهِ أستعِينُ.
أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ:
فاتقوا اللهَ تعالَى بمعرِفَةِ الحقِّ واتِّباعِهِ، ومعرِفَةِ الباطلِ واجتنابِهِ، فإنَّ العلمَ بذلِكَ مِن آكدِ الواجِباتِ، وأهمِّ المُهمَّاتِ، وأعظَمِ زادِ الآخِرَةِ، وإنَّهُ شِفاءٌ لِلعِيِّ، ودَواءٌ للجُهَّالِ، وسلامَةٌ مِن الآفاتِ، ومَن أرادَ اللهُ بِهِ خيرًا فقَّهَهُ في الدِّينِ، ومَن لم يُرِدْ بِهِ خيرًا أعرَضَ عن طلَبِهِ وهجَرَهُ فأصبحَ مِن الخاسِرين، وقدْ قالَ اللهُ سبحانهُ آمِرًا بتقواهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
واعلَموا أنَّ مِن شَواهِدِ تقواهُ سُبحانَهُ: أنْ يكونَ طلاقُكم مِن جِهَةِ العَدَدِ والوقتِ مُوافِقًا لِشريعتِهِ، لا يُخالِفُهَا حِينَ الرِّضَا والغضَب، وعندَ الكُرْهِ والبُغْضِ، ووقتَ الحُزْنِ والظُّلمِ، ثُمَّ اعلَموا: أنَّ إيقاعَ الرَّجُلِ الطلاقَ على امرأتِهِ ثلاثًا أو أكثرَ مِن ثلاثٍ في جُملَةٍ واحِدَةٍ ولَفظٍ واحِدٍ، كأنْ يقولَ لَهَا: “أنتِ طالِقٌ بالثلاثِ”، أوْ “أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقُ” أو “أنتِ طالِقٌ مِئَة” مُحرَّمٌ غيرُ جائِزٍ، وآثِمٌ مَن تلفَّظَ بِهِ، وعاصٍ قائِلُهُ لِلهِ ربِّهِ، وبهذا قالَ أكثرُ العُلماءِ مِنَ الصحابَةِ والتابعينَ فمَن بَعدهُم مِن فقهاءِ الأمصارِ، بل ذَكرَ الفقيهُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابنُ قُدَامَةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ وغيرُهُ تحرِيمَهُ: «إجماعًا مِن الصحابَةِ»، ويَدُلُّ على تحريمِ الطلاقِ بالثَّلاثِ فأكثرَ هذهِ الأُمورُ الثلاثةَُ:
الأمرُ الأوَّلُ: الغَضَبُ الشديدُ مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على مَن أوقَعَ الطلاقَ ثلاثًا، وجعْلُهُ صلى الله عليه وسلم الطلاقَ بالثَّلاثِ تلاعُبًا بالقًرآنِ، حيثُ صحَّ عن مَحمودِ بنِ لَبِيدٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قالَ: (( أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ»، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ ))، وقالَ الفقيهُ ابنُ تيمِيَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ عندَ هذا الحديثِ: «ففِي هذا الحديثِ: أنَّهُ صلى الله عليه وسلم غَضِبَ على مَن طلَّقَ ثلاثًا بكلمَةٍ واحِدَةٍ، وجعَلَ هذا لَعِبًا بكتابِ اللهِ، وأنكَرَ أنْ يُفعَلَ هذا وهوَ بينَهُم، حتى استأذنَهُ رَجُلٌ في قتلِهِ»، وقالَ الفقيهُ أبو العبَّاسِ القُرطُبِيُّ المَالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ بَعدَ هذا الحديثِ عنِ الطلاقِ بالثَّلاثِ: «وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ مُحرَّمٌ ومُنكَرٌ».
الأمرُ الثاني: فتوَى أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ الطلاقَ بالثَّلاثِ معصيَةٌ للهِ وإثْمٌ، ومِن النُّصوصِ الوارِدَةِ عنهُم هذهِ الأربعَةِ:
الأوَّلُ: ما صَحَّ أنَّهُ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابنِ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِئَةً، فَقَالَ: بَانَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَائِرُهُنَّ مَعْصِيَةٌ )).
الثاني: ما في “صحيحِ مُسلِمٍ” عنِ ابنِ عمرَ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّ رجُلًا استَفتَاهُ بأنَّهُ أوقَعَ الطلاقَ على امرَأتِهِ ثلاثًا، فقالَ لَهُ: (( وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ )).
الثالِثُ: ما صحَّ عنِ ابنِ الحَارثِ أنَّهُ قالَ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ فَقَالَ: إِنَّ عَمَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَأَكْثَرَ، فَقَالَ: عَصَيْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَلَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا )).
الرابِعُ: ما ثبَتَ عنِ ابنِ سَحْبَانٍ أنَّهُ قالَ: (( سُئِلَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ، فَقَالَ: أَثِمَ بِرَبِّهِ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ )).
الأمرُ الثالِثُ: ضَرْبُ الخليفَةِ الرَّاشدِ عُمرِ بنِ الخطابِ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ لِمَن يُوقِعُ الطلاقَ ثلاثًا في مجلِسٍ واحِدٍ حتَّى يُوجِعَهُ، وتفريقُهُ بينَهُ وبينَ زوجتِهِ، حيثُ صحَّ أنَّ أنَسًا ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( كَانَ عُمَرُ إِذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ أَوْجَعَهُ ضَرْبًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا )).
فاتقوا اللهَ ــ عِبادَ اللهِ ــ في طلاقِكُم مِن جِهَةِ العَدَدِ، بأنْ لا تُوقِعُوهُ في نفسِ المجلِسِ إلا طلقَةٌ واحِدَةٌ فقط، ولا تتجاوَزُوا ذلِكَ إلى ما حرَّمَ اللهُ عليكُم فتُوقِعُوا الطلاقَ بأكثرَ مِن واحِدَةٍَ، وفي الطلقَةِ الواحِدَةِ أيضًا سَعَةٌ لَكُم وفُسْحَةٌ، إذْ تُعطِيكُم مَجَالًا لِلرَّجْعَةِ، وإلى عَودَةِ الحيَاةِ الزَّوجِيَّةِ إلى ما كانتْ عليهِ أوْ أحسَن، وعَيشِ الأبناءِ والبناتِ معَ الوالِدَينِ جميعًا تحتَ سَقْفٍ واحِدٍ.
أيُّها النَّاسُ:
اتقوا اللهَ تعالى عندَ تَطلِيقِ زوجاتِكُم، ولا تتساهلُوا فيهِ، ولا تفعلوهُ إلا لِسَببٍ مُهِمٍّ يَقتضِيهِ، ووجُودِ دَاعِيهِ، وإلَّا فهُوَ مَكرُوهٌ ومَذمُومٌ لِمَا فيهِ مِن هَدْمِ الحياةِ الزَّوجِيَّةِ المُستقِرَّةِ وقطْعِهَا، والإضْرَارِ بالأبناءِ والبناتِ، وقدْ قالَ الفقيهُ ابنُ هُبيرَةَ الحَنبلِيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وأجمَعُوا ــ أي: العلماء ــ على أنَّ الطلاقَ في حالَةِ استقامَةِ الزَّوجَينِ مَكروهٌ، إلا أنَّ أبا حنيفَةَ قالَ: هوَ حرامٌ معَ استقامَةِ الزَّوجَينِ»، وقالَ الفقيهُ ابنُ تيمِيَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «الطلاقُ مَنهِيٌّ عنهُ معَ استقامَةِ حالِ الزَّواجِ باتفاقِ العلماءِ، وقدِ اختلَفَ العلماءُ هلْ هوَ مُحرَّمٌ أو مَكرُوهٌ».
أيُّها النَّاسُ:
اتقوا اللهَ تعالى في طلاقِكُم مِن جِهَةِ الوقتِ، بأنْ يكونَ وِفْقَ شريعَةِ اللهِ، فلا يَحصُلُ في قتِ حَيضِ الزَّوجَةِ ولا في وقتِ طُهْرٍ جامَعَ الزَّوجُ فيهِ زوجَتَهُ، لأنَّ هذا مُحرَّمٌ وإثْمٌ، وهوَ: “طلاقُ البِدعَةِ”، بلْ أوقِعُوهُ إذا وُجِدَتْ أسبابُهُ ودخلَتْ أوقاتُهُ، بأنْ يكونَ في وقتِ طُهْرٍ لم يُجَامِعْ فيهِ الزَّوجُ زوجتَهُ أوْ في وقتِ حَمْلٍ وحَبَلٍ قدْ بَانَ وظهَرَ، فهُوَ: “طلاقُ السُّنَّةِ”، واتَّفَقَ العلماءُ على هذه الأوقاتِ المذكورَةِ في إيقاعِ الطلاقِ سُنَّةً وبِدَعَةً، وصحَّتْ بِهَا السُّنَّةُ، حيثُ جاءَ في “صحيحِ مُسلِمٍ”، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ آمِرًا مَن طلَّقَ امرأتَهُ وهيَ حائِضٌ: (( فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا ))، وقال الفقيهُ ابنُ تَيمِيَّةَ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «الطلاقُ مِنهُ طلاقُ سُنَّةٍ أباحَهُ اللهُ وطلاقُ بدعَةٍ حرَّمَهُ اللهُ، فطلاقُ السُّنةِ: “أنْ يُطلِّقَها طلقَةً واحِدَةً إذا طهُرتْ مِن الحَيضِ قبْلَ أنْ يُجامِعَهَا أوْ يُطلِّقَهَا حَامِلًا قدْ تَبيَّنَ حمْلُهَا”، فإنْ طلَّقَها: وهيَ حائضٌ أوْ وَطِئَهَا وطلَّقَهَا بعدَ الوَطْءِ قبلَ أنْ يَتبيَّنَ حمَلُهَا: فهذا طلاقٌ مُحرَّمٌّ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ المُسلمينَ، وإنْ طلَّقَها: ثلاثًا بكلمَةٍ أوْ بكلماتٍ في طُهْرٍ واحِدٍ قبِلَ أنْ يُراجِعَها، مِثلَ أنْ يقولَ: “أنتِ طالِقٌ ثلاثًا، أو أنتِ طالِقٌ ألفَ طلقَةٍ، أو أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ أنتِ طالِقٌ”، ونحوِ ذلِكَ مِنَ الكلامِ، فهذا حرامٌ عندَ جمهورِ العلماءِ مِن السَّلفِ والخَلَف»، هذا، وقدْ قالَ الرَّبُّ الرَّحيمُ آمِرًا وزاجِرًا أوَّلَ سُورَةِ “الطلاقِ”: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا }.
اللهمَّ: اجعلنَا لَكَ ذاكِرِينَ، ولَكَ شاكِرِينَ، وإليكَ أوَّاهِينَ مُنِيبِينَ تائِبِينَ.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ، وصلاتُهُ وسلامُهُ على النَّبيِّ محمدٍ والصَّحْبِ والآلِ.
أمَّا بعد، أيُّها النَّاسُ:
فقدْ كثُرَ في هذا الزَّمَانِ إيقاعُ الطلاقِ بالثلاثِ، وتساهلَتْ الجُموعُ الغَفيرَةُ مِن الرِّجَالِ في التلفُّظِ بِهِ، وباتُوا يُخرِبُونَ بُيوتَهُم بألسِنَتِهِم، ويَهدمُونَ أُسرَهُم بغَضَبِهِم، ويُمزِّقُونَ شمْلَ أُهلِيهِم بعجَلَتِهِم، ويَضِيعُ ويَتضرَّرُ الأبناءُ والبناتُ شديدًا بِسَبَبِهِم، وهذهِ الكَثْرَةُ ولِلأسَفِ ناتِجَةٌ في الغالِبِ عن ضَعْفٍ في الدِّينِ أوْ جهلٍ بأحكامٍ الشريعَةِ أو نَقْصٍ في العقلِ أوْ عَجْزٍ عن كَبْحِ النَّفْسِ وضَبطِهَا عندَ الغضَبِ والمُلاسَنَةِ معَ الزَّوجَةِ والتَّأذِّي مِن قولِهَا أو فِعلِهَا، أوْ إصرَارٍ واستِفزَازٍ وتطاوُلٍ مِنَ الزَّوجَةِ، ويَنْبَغِي أنْ يَعْلَمَ المُطلِّقُ بالثلاثِ أوِ أكثرَ بأنَّهُ قدْ ورَّطَ نفسَهُ وأوقعَهَا في أمرَينِ خطِيرَينِ، وعاقِبَتَينِ شَنيعَتَينِ:
العاقِبَةُ الأوَّلى: الإثْمُ، لأنَّ إيقاعَ الطلاقِ بالثلاثِ مُنكَرٌ ومعصيَةُ للهِ، وقدْ دَلَّ على هذا حديثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم المُتقدِّم، وأقوالُ الصحابَةِ السابِقَةِ، ومِنها ما صحَّ أنَّ ابنَ عُمرَ ــ رضيَ اللهُ عنهُ ــ قالَ: (( وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلاَثاً، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلاَقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ )).
العاقِبَةُ الثانِيَةُ: حُرْمَةُ زوجتِهِ عليهِ حتَّى تَنكِحَ زوجًا غيرَهُ، وبهذا قالَ عامَّةُ العلماءِ، مِنهُمُ: الأئَمَّةُ الأربعَةُ، بلْ قالَ الفقيهُ ابنُ عبدِ البَرِّ المَالِكيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ: «وعلى هذا جماعَةُ العلماءِ والفقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ والشَّامِ والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ مِن أهلِ الفقهِ والحديثِ»، وصحَّتِ الفتوَى بذلِكَ عن جَمْعٍ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فصحَّ أنَّهُ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ فَقَالَ: إِنَّ عَمَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَأَكْثَرَ فَقَالَ: عَصَيْتَ اللَّهَ، وَبَانَتْ مِنْكَ امْرَأَتُكَ، وَلَمْ تَتَّقِ اللَّهَ فَيَجْعَلَ لَكَ مَخْرَجًا ))، وصَحَّ مِثلُهُ عنِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عُمرَ وعِمرانَ بنِ حُصينٍ ــ رضِيَ اللهُ عنْهُم ــ.
اللهمَّ: فقِّهنَا في الدِّينِ، وارزُقنَا العملَ بِهِ، واجعَلْهُ لَنَا أُنْسًا وسَعَةً في القبورِ وعندَ الحَشْرِ وحِينَ الحِسابِ والجَزاءِ، اللهمَّ: اغفرْ لَنَا ولأهلِينا ولِجميعِ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ أحيَاءً وأموَاتًا، اللهمَّ: ارْفَعِ الضُّرَ عنِ المُتضرِّرينَ مِنَّا ومِنَ المُسلِمينَ في كُلِّ مكانٍ، ووَفِّقْ ولَاةَ أُمورِنَا ونُوَّابَهُم وجُندَهُم إلى مَراضِيكَ، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفِرُ اللهَ لِي ولَكُم.