إغلاق
موقع: "عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد" العلمي > المقالات > العقيدة > خطبة مكتوبة بعنوان: « الترهيب من الحلف بغير الله وبيان قبحه وحكمه وأدلته وبعض صوره المنتشرة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

خطبة مكتوبة بعنوان: « الترهيب من الحلف بغير الله وبيان قبحه وحكمه وأدلته وبعض صوره المنتشرة »، ملف [ word – pdf ] مع نسخة الموقع.

  • 11 سبتمبر 2014
  • 9٬585
  • إدارة الموقع

التَّرْهِيبُ مِنَ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَبَيَانُ قُبْحِهِ وَأَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ وَأَنَّهُ شِرْكٌ وَبَعْضُ صُوَرِهِ الْمُنْتَشِرَةِ

الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّنَ الْحَلَالَ مِنَ الْحَرَامِ وَالْمَعْرُوفَ مِنَ الْمُنْكَرِ بِأَوْضَحِ بَيَانٍ وَأَكْمَلِ إِعْلَامٍ، وَشَرَّفَ مَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِهِ فَأْتَمَرَ بِأَمْرِهِ وَاجْتَنَبَ مَا نُهِيَ فِيهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ الَّذِي أَزَالَ الْجَهَالَةَ وَبَيَّنَ الْهُدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِسُنَّتِهِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى: مِنَ الذُّنُوبِ الْغَلِيظَةِ، وَالسَّيِّئَاتِ الْخَطِيرَةِ، وَالْآثَامِ الثَّقِيلَةِ، وَالْخَطَايَا الْكَبِيرَةِ، وَقَدْ تَعَدَّدَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الثَّابِتَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَتَنَوَّعَتْ فِي بَيَانِ تَحْرِيمِهِ وَشِدَّةِ قُبْحِهِ وَكَبِيرِ ذَنْبِهِ، وَدُونَكُمْ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةِ أَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَيْكُمْ، وَتَكْرِيهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهَا لَيَكْفِي الْمُؤْمِنَ الْحَقَّ، وَلَكِنْ فِي الزِّيَادَةِ خَيْرٌ وَنَفْعٌ أَكْبَرُ.

الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: نَهْيُ اللَّهِ ــ جَلَّ وَعَلَا ــ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِهِ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ )).

الدَّلِيلُ الثَّانِي: نَهْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، حَيْثُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ )).

الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ))، وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ )).

الدَّلِيلُ الرَّابِعُ: حُكْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ بِمُعَظَّمٍ كَالْكَعْبَةِ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( سَمِعَ رَجُلًا يَحْلِفُ: لَا، وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ: لاَ يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» )).

الدَّلِيلُ الْخَامِسُ: إِقْرَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَبْرِ الْيَهُودِيِّ بِأَنَّ الْحَلِفَ بِالْكَعْبَةِ شِرْكٌ، وَأَمْرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِالْحَلِفِ بِرَبِّ الْكَعْبَةِ، حَيْثُ صَحَّ عَنْ قُتَيْلَةَ الْجُهَنِيَّةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ــ أَنَّهَا قَالَتْ: ((جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ: نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا حَلَفْتُمْ فَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» )).

الدَّلِيلُ السَّادِسُ: تَبَرُّؤُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَالِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، كَالْحَالِفِ بِالْأَمَانَةِ، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا )).

الدَّلِيلُ السَّابِعُ: تَعْظِيمُ شَأْنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ حَتَّى إِنَّ مَنْ وَقَعَ فِيهِ يَقُولُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ))، وَصَحَّ أَنَّ سَعْدَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( حَلَفْتُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: بِئْسَ مَا قُلْتَ: قُلْتَ هُجْرًا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَانْفُثْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ لَا تَعُدْ» )).

الدَّلِيلُ الثَّامِنُ: أَنَّ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ خِصَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَكُفَّارِ قُرَيْشٍ، حَيْثُ صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ»، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» )).

الدَّلِيلُ التَّاسِعُ: عُقُوبَةُ الْحَاكِمِ لِمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ إِذَا كَانَ عَالِمًا عَامِدًا ذَاكِرًا، حَيْثُ صَحَّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ: (( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا كَانَ بِالْمِخْمَصِ مِنْ عُسْفَانَ اسْتَبَقَ النَّاسُ فَسَبَقَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَانْتَهَزْتُ فَسَبَقْتُهُ فَقُلْتُ: سَبَقْتُهُ وَالْكَعْبَةِ، ثُمَّ انْتَهَزَ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: سَبَقْتُهُ وَاللَّهِ، ثُمَّ أَنَاخَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ حَلِفَكَ بِالْكَعْبَةِ، وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ فَكَّرْتَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَحْلِفَ لَعَاقَبْتُكَ، احْلِفْ بِاللَّهِ، فَأْثَمْ أَوِ ابْرَرْ» )).

الدَّلِيلُ الْحَادِي عَشَرَ: تَبْيِينُ الصَّحَابَةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ بِأَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّهِ كَذِبًا أَهْوَنُ وَأَخَفُّ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ صِدْقًا، حَيْثُ صَحَّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ قَالَ: (( لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ ))، وَذَلِكَ لِأَنَّ: الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ عَنْ صِدْقٍ شِرْكٌ، وَالْحَلِفُ بِاللَّهِ كَذِبًا مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ، وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الْكَبِيرَةِ.

عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَذْمُومٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، وَلَا تَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ يَمِينُ الْحَالِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، حَيْثُ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْمَالِكِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى: أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا لِأَحَدٍ»، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَوْ حَلَفَ بِالْكَعْبَةِ أَوِ الْمَلَائِكَةِ أَوْ بِالْأَنْبِيَاءِ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ».

وَلَقَدْ سَمِعْتُمْ ــ فَقَّهَكُمُ اللَّهُ ــ عِدَّةَ أَحَادِيثَ فِي تَحْرِيمِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَتَغْلِيظِهِ وَعَظِيمِ إِثْمِهِ وَجُرْمِهِ وَشَدِيدِ قُبْحِهِ وَأَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَزَالُ الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ يَسْتَهِينُونَ بِهِ وَلَا يَهْتَمُّونَ لَهُ وَلَا يُبَالُونَ بِخَطَرِهِ، فَيَتَكَرَّرُ مِنْهُمْ كَثِيرًا بَلْ وَمِرَارًا عَدِيدَةً فِي الْيَوْمِ، وَيَفْعَلُونَهُ حَتَّى وَهُمْ يَضْحَكُونَ وَكَأَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا ذَنْبًا وَكَبِيرَةً وَشِرْكًا، وَإِذَا أَنْكَرْتَ عَلَيْهِمْ هَذَا الشِّرْكَ لَمْ يَتَأَثَّرُوا بِوَعْظِكَ، وَلَا رَأَيْتَ خَوْفَ عُقُوبَةِ هَذَا الذَّنْبِ الْكُبَّارِ عَلَيْهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِلَّا كَلَامًا عَادِيًّا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ مُرَهِّبًا وَزَاجِرًا: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

جَعَلَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ: مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَزَادَنَا عِلْمًا وَهُدًى.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــــــ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ، وَأُصَلِّ وَأُسَلِّمُ عَلَى جَمِيعِ النَّبِيينَ.

أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّهِ:

اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَالْزَمُوا تَقْوَاهُ إِلَى أَنْ تَمُوتُوا، إِذْ قَالَ سُبْحَانَهُ آمِرًا لَكُمْ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.

وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ تَقْوَاهُ: أَنْ لَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، وَأَنْ تَتُوبُوا إِلَيْهِ وَتَسْتَغْفِرُوهُ وَتَخَافُوهُ إِنْ وَقَعَ مِنْكُمُ الْحَلِفُ بِغَيْرِهِ، وَأَنْ تَتَفَقَّهُوا فِي دِينِهِ فَتَعْرِفُوا حُكْمَ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَأَدِلَّتَهُ وَصُوَرَهُ.

وَصُوَرُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ عَدِيدَةٌ، وَتَتَجَدَّدُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ وَتَزْدَادُ، وَقَدْ تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، وَتَكْثُرُ عِنْدَ قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وَهَذِهِ بَعْضُ الصُّوَرِ الْمَشْهُورَةِ فِي النَّاسِ، لَعَلَّ ذِكْرَهَا يُعِينُكُمْ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ فِيهَا، وَعَلَى نُصْحِ مَنْ تَسْمَعُونَهُ يَحْلِفُ بِهَا.

فَمِنْهَا: الْحَلِفُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والْحَلِفُ بِالشَّرَفِ، والْحَلِفُ بِالْكَعْبَةِ، والْحَلِفُ بِالْأَبِ والْأُمِّ وَالْأَهْلِ، والْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، والْحَلِفُ بِالذِّمَّةِ، وَالْحَلِفُ بِالصَّحَابَةِ وَالصَّحَابِيَّاتِ، والْحَلِفُ بِالْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ والصَّالِحَاتِ، والْحَلِفُ بِالْقُبُورِ وَالْأَضْرِحَةِ وَتُرْبَتِهَا، والْحَلِفُ بِمَكَانَةِ وَمَنْزِلَةِ وَغَلَاوَةِ فُلَانٍ مِنَ الْخَلْقِ، والْحَلِفُ بِالْعَيْشِ وَالْمِلْحِ، وصَحَّ عَنْ التَّابِعِيِّ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ أنَّهُ قَالَ: (( «إِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ»، قَالُوا: كَيْفَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ: «يَحْلِفُ الرَّجُلُ لَا وَأَبِي، لَا وَأَبِيكَ، لَا وَحَيَاتِكَ، لَا وَحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ، لَا وَالْإِسْلَامِ، وَأَشْبَاهِهِ مِنَ الْقَوْلِ» )).

هَذَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ: أَنْ يُوَفِّقَنَا لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْبَاطِلِ وَاجْتِنَابِهِ، اللَّهُمَّ: جَنِّبْنَا الشِّرْكَ وَالْبِدَعَ وَالْمَعَاصِيَ، اللَّهُمَّ: فَقِّهْنَا فِي الدِّينِ، وَزِدْنَا عِلْمًا وَعَمَلًا وَتَقْوًى وَصَلَاحًا وَسَدَادًا وَرُشْدًا، اللَّهُمَّ: أَكْرِمْنَا بِرِضْوَانِكَ وَالْجَنَّةِ وَالنَّظَرِ إِلَيْكَ فِي الْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا ولِجَمِيعِ الْمُؤمِنِينَ وِالْمُؤمِنَاتِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، رَبَّنَا: هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، رَبَّنَا: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، وَأَقُولُ هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.