مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي قُلُوبِ الْمُؤمِنِينَ أَهْلِ السُّنَّةِ
الْخُطْبَةُ الْأُولَى: ـــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلَى بَعْضٍ مِنَّةً مِنْهُ وَفَضْلًا، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرِّسَالَاتُ، فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَبَاقِي آلِهِ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ السَّابِقِينَ إِلَى تَصْدِيقِهِ وَنُصْرَتِهِ وَنَقْلِ سُنَنِهِ وَأَحْكَامِهِ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَهْلَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ:
إِنَّ جُرْأَةَ الشِّيعَةِ الرَّافِضَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالْإِبَاضِيَّةِ عَلَى الصَّحَابَةِ: بِالْقَدْحِ وَالطَّعْنِ وَالتَّنْفِيرِ وَالتَّشْوِيهِ لَيْسَتْ بِغَرِيبَةٍ مِنْهُمْ، وَلَا جَدِيدَةً عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكُتُبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ مُخْتَلِفِ الْبُلْدَانِ وَتَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مُتَكَاثِرَةٌ، وَلَا تَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ، وَمَشْهُورَةٌ مُتَدَاوَلَةٌ قَرِيبَةُ الْمَنَالِ، نُصْرَةً مِنْهُمْ لِلَّهِ وَدِينِهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ.
وَبُغْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَهُمْ بِسَبِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ فِي جَانِبِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِ: مَعْرُوفٌ وَمُسْتَقِرٌّ فِي النُّفُوسِ، وَلَا تَزَالُ الْأَجْيَالُ تَتَوَارَثُهُ، وَتَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ وتَعْبُدُهُ بِهِ، إِلَّا مَنْ جَهِلَ عَقِيدَتَهُمْ أَوْ لَبَّسَ عَلَيْهِ دُعَاةُ الْبِدَعِ دِينَهُ أَوْ كَانَ فِي قَلْبِهِ دَغَشٌ وَهَوًى لَا تَرْوِيهِ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ.
وَإِنَّمَا الْعَجَبُ وَالْغَرِيبُ الْيَوْمَ أَمْرَانِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَجَرَّأَ بَعْضُ الْكُتَّابِ وَالْمُتَصَدِّرِينَ لِلنَّاسِ فِي قَنَوَاتِ الْإِعْلَامِ مِمَّنْ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ دُعَاةً وَمُصْلِحِينَ وَمُوَجِّهِينَ لِلْأُمَّةِ إِلَى الطَّعْنِ وَالْقَدْحِ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ، لَا سِيَّمَا الْأَمِيرُ الْمُبَجَّلُ الْمُوَقَّرُ، وَالْمَلِكُ الصَّالِحُ الْعَادِلُ، وَالْمُجَاهِدُ النَّبِيلُ: «مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ ــ».
وَالثَّانِي: أَنْ يَخْرُجَ أَقْوَامٌ فَيُبَجِّلُونَ هَذَا الطَّاعِنَ وَيُلَقِّبُونَهُ بِأَلْقَابٍ شَرِيفَةٍ أَوْ يَلْتَمِسُونَ لَهُ الْمَعَاذِيرَ وَالْمَخَارِجَ، وَيَبْقَى عِنْدَهُمْ مُبَجَّلًا، لَا تَتَأَثَّرُ مَكَانَتُهُ.
أَهْلَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ:
إِنَّ الْقَدْحَ وَالطَّعْنَ فِي صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ، وَعِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَالْجَمَاعَةِ جَرِيمَةٌ مُنْكَرَةٌ، وَسَيِّئَةٌ شَنِيعَةٌ، وَقَبِيحَةٌ شَدِيدَةٌ، وَذَنْبٌ خَطِيرٌ، لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ قَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ وَاهْتَدَى بِغَيْرِ هُدَاهُمَا، وَكَانَ مُنْحَرِفًا لِهَوَاهُ، وَلِأَهْلِ الضَّلَالِ، لِأَنَّ: كُلَّ آيَةٍ قُرْآنِيَّةٍ أَوْ حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ جَاءَ فِيهِمَا فَضْلُ الصَّحَابَةِ، وَوُجُوبُ مَحَبَّتِهِمْ، وَلُزُومُ تَوْقِيرِهِمْ وَاحْتِرَامِهِمْ وَتَبْجِيلِهِمْ، وَحُرْمَةُ سَبِّهِمْ وَالطَّعْنِ فِيهِمْ، فَمُعَاوِيَةُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ دَاخِلٌ فِيهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ، لِأَنَّهُ: مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ هُوَ صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ وَأَخٌ لِصَحَابَةٍ، بَلْ أَخٌ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ أُمِّ حَبِيبَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْجَمِيعِ ــ، وَصِهْرٌ لِنَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ قِيلَ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: لَتُرَابٌ فِي مِنْخَرَيِّ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ»، وَقِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقَالَ: مُعَاوِيَةُ أَفْضَلُ، لَسْنَا نَقِيسُ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَحَدًا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خَيْرُ النَّاسِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ ))»، وَقِيلَ لِلْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَوْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَغَضِبَ عَلَى السَّائِلِ، وَقَالَ لَهُ: أَتَجْعَلُ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مُعَاوِيَةُ صَاحَبُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِهْرُهُ وَكَاتِبُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ»، وقَدْ نَقلَ الإمامُ حَرْبٌ الكَرْمَانيُّ ــ رحمَهُ اللهُ ــ في رِسالَةٍ لَهُ في “الاعتقادِ والسُّنَّةِ” الإجماعَ على: «أنَّ مَن سَبَّ الصحابَةِ أوْ أحَدًا مِنهُم أوْ تَنقَّصَهُ أوْ طَعَنَ عليهِم أوْ عرَّضَ بعَيبِهِم أو عَابَ أحَدًا مِنهُم بقليلٍ أوْ كثيرٍ أوْ دَقَّ أوْ جَلَّ مِمَّا يُتَطَرَّقُ بِهِ إلى الوَقِيعَةِ في أحَدٍ مِنهُم فهوَ مُبْتَدِعٌ».
أَهْلَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ:
إِنَّ مَنَاقِبَ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ــ كَثِيرَةٌ وَمَشْهُورَةٌ، وجَلِيلَةٌ رَفِيعَةٌ، وَحَسَنٌ إِمْتَاعُ الْقُلُوبِ، وَتَشْنِيفُ الْأَسْمَاعِ، وَتَنْوِيرُ الْعُقُولِ بِشَيْءٍ مِنْهَا.
فَمِنْ مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَنَصَرُوهُ وَجَاهَدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَلَقَّوُا الْعِلْمَ عَنْهُ وَشَرَفُ الصُّحْبَةِ لَا يَعْدِلُهُ شَرَفٌ.
وَمِنْ مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ كَانَ مِنْ كَتَبَةِ الْوَحْيِ حِينَ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَبِّهِ، وَلَا يَشُكُّ مُؤْمِنٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يَخْتَارَ لِكِتَابَةِ الْوَحْيِ إِلَّا مَنْ كَانَ أَمِينًا عَدْلًا مَرْضِيًّا، ولَنْ يُقِرَّهُ اللهُ عَلَى مَن كَانَ خِلَافَ ذَلِكَ.
وَمِنْ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ: أَنَّهُ مِمَّنْ أَعَزَّ وَقَوَّى اللَّهُ بِهِمُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَكَانَ الْإِسْلَامُ فِي عَهْدِهِمْ عَزِيزًا مَنِيعًا قَوِيًّا، إِذْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ))، وَمُعَاوِيَةُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْاثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً.
وَمِنْ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ: دُخُولُهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيحِ: (( أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا ))، وَمَعْنَى: (( أَوْجَبُوا )) أَيْ: فَعَلُوا أَمْرًا يُوجِبُ لَهُمْ الْمَغْفِرَةَ أَوِ الْجَنَّةَ، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَوَّلَ مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ مِنَ الْغُزَاةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَلْ كَانَ أَمِيرَ هَذَا الْجَيْشِ، فَهَنِيئًا لَهُ هَذَا الْوَعْدُ.
وَمِنْ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ: تَوْلِيَةُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لَهُ حِينَ حَكَمُوا، إِذْ وَلَّاهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى بَعْضِ الْمَدَدِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ نَاشِرًا لِلْإِسْلَامِ، وَمُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ وَلَّاهُ عُمَرُ عَلَى بَعْضِ أَقَالِيمِ الشَّامِ بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ يَزِيدَ، ثُمَّ وَلَّاهُ عُثْمَانُ أَمِيرًا عَلَى بِلَادِ الشَّامِ كُلِّهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُمْ بِهِ، وَأَنَّهُ ذُو مَكَانَةٍ طَيِّبَةٍ عِنْدَهُمْ، وَأَهْلٌ وَكُفْءٌ أَنْ يُوَلَّى.
وَمِنْ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ: اتِّسَاعُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي عَهْدِهِ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى حُدُودِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَشَمَالِ أَفْرِيقِيَا، وَحُدُودِ رُوسِيَا، وَيَا لَلَّهِ كَمْ تَرَتَّبَ عَلَى كَثْرَةِ الْفُتُوحِ لِلْأَمْصَارِ فِي عَهْدِهِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ مِنْ إِسْلَامِ مَلَايِينِ الْبَشَرِ، فَهَنِيئًا لَهُ مَا سَيَأْتِيهِ مِنْ أُجُورٍ كَثِيرَةٍ، وَثَوَابٍ عَظِيمٍ، بِسَبَبِ إِسْلَامِ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ))، وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ )).
وَمِنْ هَذِهِ الْمَنَاقِبِ: أَنَّهُ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، حَيثُ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيمِيَّةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ قَبْلَهُ كَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ، وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ».
{ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: ــــــــــــــــــــ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَالِقِ الْقَهَّارِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ الْأَبْرَارِ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنِ الصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ الْأَطْهَارِ.
أَمَّا بَعْدُ فَيَا أَهْلَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ:
إِنَّ سَبَبَ الْكَلَامِ عَنْ الصَّحَابِيِّ مُعَاوِيَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:
الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: مَا عَلَيْهِ الشِّيعَةُ الرَّافِضَةُ وَالزَّيْدِيَّةُ وَالْخَوَارِجُ وَالْإِبَاضِيَّةُ مِنْ تَشْوِيهٍ لِصُورَتِهِ الطَّيِّبَةِ، وَنَسْفٍ لِتَارِيخِهِ الْمُشْرِقِ الْمُضِيءِ، وَهَدْمٍ لِأَعْمَالِهِ الْجَلِيلَةِ الْبَارِزَةِ فِي الْأَقْطَارِ، عَبْرَ كُتُبٍ وَمُؤَلَّفَاتِ مَلَالِيهِمْ وَدُعَاتِهِمْ وَمُرْشِدِيهِمْ وَرُمُوزِهِمْ، وَوَسَائِلِ إِعْلَامِهِمُ الْمَقْرُوءَةِ وَالْمَسْمُوعَةِ وَالْمَرْئِيَّةِ أَوْ كِتَابَاتِهِمْ.
وَلِهَذَا فَمُنَاسِبٌ جِدًّا: أَنْ يُدَافَعَ عَنْهُ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ، وَأَنْ تُحْيَا فَضَائِلُهُ، وَأَنْ يُذَكَّرَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَنَاقِبِهِ، حَتَّى لَا يُلَبَّسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: تَجَرُّؤُ بَعْضِ الدُّعَاةِ الَّذِينَ نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمَا هُمْ بِأَهْلِ سُنَّةِ حَقِيقَةً، بَلْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُتَعَاضِدِينَ مَعَ الشِّيعَةِ الرَّوَافِضِ وَدَوْلَتِهِم لِأَجْلِ جَمَاعَتِهِمْ وَتَنْظِيمِهِمْ وَطُرُقِهِمُ الصُّوفِيَّةِ، وَبُلِيَتِ الْأُمَّةُ بِتَصْدِيرِهِمْ فِي قَنَوَاتٍ إِعْلَامِيَّةٍ عَدِيدَةٍ، وَمُتَابَعَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي بَرَامِجِ التَّوَاصُلِ، حَيْثُ سَعَوْا فِي الْقَدْحِ الظَّاهِرِ وَالْمُبَطَّنِ فِي هَذَا الصَّحَابِيِّ وَعَمِلُوا عَلَى تَشْوِيهِ سِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ، وَانْبَرَوْا لِلتَّشْوِيشِ عَلَى ضِعَافِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَعَوَامِّ النَّاسِ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ بَوَّابَةُ الصَّحَابَةِ الْبَاقِينَ، فَمَنْ تَجَرَّأَ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ وَالْقَدْحِ وَالطَّعْنِ وَالتَّشْوِيهِ انْطَلَقَ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا بَعْدُ، وَعَلَيْهِ: فَإِنَّ الدِّفَاعَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ــ وَنُصْرَتَهُ غَلْقٌ وَسَدٌّ لِلتَّوَسُّعِ فِي جَانِبِ الصَّحَابَةِ بِالْقَبِيحِ أَوْ تَخْفِيفٌ لِشُرُورِهِ وَأَضْرَارِهِ عَلَى النَّاسِ، وَهَكَذَا قَالَ أَئِمَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو تَوْبَةَ الْحَلَبِيُّ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «مُعَاوِيَةُ سِتْرٌ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ»، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ عَنْ رَجُلٍ تَنَقَّصَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَيُقَالُ لَهُ: رَافِضِيٌّ؟ فَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَيْهِمَا إِلَّا وَلَهُ خَبِيئَةُ سُوءٍ، مَا انْتَقَصَ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا وَلَهُ دَاخِلَةُ سُوءٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ))»، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ: «مَا رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَرَبَ إِنْسَانًا قَطُّ إِلَّا إِنْسَانًا شَتَمَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ ضَرَبَهُ أَسْوَاطًا»، وَسُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ عَمَّنْ يَشْتُمُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْمُشَاتَمَاتِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ النَّاسِ؟ فَقَالَ: «إِنْ شَتَمَهُمْ مُشَاتَمَةَ النَّاسِ: نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا»، وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ عَنِ الَّذِي يَشْتُمُ مُعَاوِيَةَ أَيُصَلَّى خَلْفَهُ؟ فَقَالَ: «لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَلَا كَرَامَةَ».
فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَحَسْبُ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَاصِرُهُمْ وَرَافِعُ ذِكْرِهِمْ فِي الْعَالَمِينَ، وَالْمَخْذُولُ الْمَهْزُومُ الْخَاسِرُ الَّذِي أَرْدَى بِنَفْسِهِ، وَأَزْرَاهَا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَسَاءَ إِلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، هُوَ مَنْ تَعَرَّضَ لِلصَّحَابَةِ الْكِرَامِ أَوْ جَنَابِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَدَخَلَتْ فِي قَلْبِهِ دَاخِلَةُ سُوءٍ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى أَحَدِهِمْ.
وَأَمَّا السَّلَفُ الصَّالِحُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ــ طَيَّبَ اللَّهُ ذِكْرَهُمْ ــ: فَلَمْ وَلَنْ يَسْتَعْمِلُوا مَعَ الصَّحَابَةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ، وَلَا مَعَ جَنَابِهِمُ الْكَرِيمِ الشَّرِيفِ إِلَّا الْأَدَبَ الَّذِي أَدَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَرَغَّبَهُمْ فِي أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ وَثَنَائِهِ عَلَى الصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ فِي سُورَةِ “الْحَشْرِ”، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }.
أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ ــ عِبَادَ اللَّهِ ــ وَسِيرُوا مَعَ الصَّحَابَةِ ــ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ــ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَأَخْبَرَ، وَكَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى تُصِيبُوا الْحَقَّ، فَتُفْلِحُوا وَتَسْعَدُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ: أَكْرِمْنَا بِحُبِّ مُعَاوِيَةَ وَحُبِّ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَذِكْرِهِمْ فِي النَّاسِ بِالْجَمِيلِ، وَاحْشُرْنَا مَعَهُمْ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، رَبَّنَا: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، اللَّهُمَّ: اغْفِرْ لَنَا وَلِأَهْلِينَا ولِجَمِيعِ الْمُؤمنِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، يَا غَفَّارُ يَا رَحِيمُ، وَأَقُولُ هَذّا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم.